islamaumaroc

أهيمة العناية بالبعد الروحي في مناهج التربية الإسلامية

  محمد فاروق النبهان

العدد 321 ربيع 1-ربيع 2/ غشت-شتنبر 1996

لابد قبل البدء بإعداد المناهج التربوية من تحديد الغاية المرجودة التي يراد تحقيقها والوصول إليها، ومن الطبيعي أن تتفق الغايات والأهداف في ضرورة تكوين، المواطن الصالح، القادر على التكيف مع المجتمع، إلا أنها قد تختلف في مفهوم ذلك الصلاح، فما يعتبر صلاحا في مجتمع قد لا يكون كذلك في مجتمع آخر.
وانطلاقا من هذا الهدف، يجدر بنا أن نضع صيغة سليمة لتصور تربوي يحقق الأهداف التي نريدها، وإذا لم نتفق على الأهداف المرجوة فمن الصعب علينا أن نضع المنهج التربوي الملائم.
والمنهج التربوي وليد رؤية واقعية، وليس مجرد تصور خيالي، ومن الصعب أن نقتبس تربويا مغايرا للقيم التي نريدها لمجتمعنا.
والمجتمعات الإسلامية تحتاج لمناهج تربوية، تحترم خصوصيات هذه المجتمعات، وتراعي قيمها الأخلاقية، وتغذي الجوانب الإيجابية في تكوينها، وتنمي أسس العقيدة الإسلامية لكي تكون عامل توازن واستقرار، وطمأنينة في سلوكية المواطن.
ويعتبر البعد الروحي من أبرز العوامل والمؤثرات في التربية الإسلامية، ويجب أن يعتبر هذا الجانب الركن الأهم في التربية والتوجيه والمكين، لأنه يثير في النفس مشاعر وجدانية، ويوقظ في الشخصية الإنسانية معاني سامية.
والتربية الروحية تخاطب القوى الكامنة في النفس، وتغذيها بطاقات وقدرات لا حدود لها، والنفس بطبيعتها تستجيب لهذا الخطاب، وتنصت إليه، وتتأثر به...
والاهتمام بالبعد الروحي في التربية الإسلامية لا يعني تجاهل البعد الثقافي والعلمي الذي يعتبر ضروريا لتكوين رصيد من المعرفة في قضايا الفكر والثقافة، فالثقافة الإسلامية عامة وشاملة، وتتضمن أنوعا من المعارف والأفكار، إلا أن الجانب الروحي من هذه الثقافة ينير الشخصية الإنسانية، ويجعلها أكثر إشراقا وصفاء في نظرتها للكون والحياة.
ومهمة التربية إيقاظ القوى الكامنة في النفس لكي تؤدي دورها في تكوين قابليات سلوكية سليمة، ولابد من الاهتمام بدراسة النفس الإسلامية، ومعرفة طبيعة غرائزها وميولها واستعداداتها.
والنفس عالم مليء بالأسرار، ولا يمكن فهم طبيعة السلوك الإنساني إلا بعد معرفة أسرار ذلك التكوين
النفسي الذي تحكمت قدرات غريزية، تقوده تحت تأثيرها لأنواع من السلوك ملائمة لتلك الغرائز.
والنفس هي القوة المحركة للسلوك الإنساني، لأنها موطن الغريزة قوة عمياء ملحة تدفع الحواس للانقياد لها بصورة مطلقة.
ومن الطبيعي أن يقع التجاذب والتدافع والتغالب بين القوة النفسية الطاغية والقوة العقلية ذات الطبيعة التأملية، ولابد من أن تؤدي التربية إلى تنمية القدرات العقلية لكي تغالب القدرات الغريزية، ولكي يكون السلوك الإنساني خاضعا لمعيار المسؤولية، ولا يستطيع العقل أن يحكم قبضته على الغرائز إلا بعد مجاهدات قاسية يتمكن فيها من أن يمسك بزمام الأمر، ويتحكم في الحواس البشرية، لكي تكون منقادة له.

- خصوصيات النفس الإنسانية:
النفس الإنسانية في نظر «ابن مسكويه» جوهر بسيط غير محسوس بشيء من الحواس، وتختلف النفس عن الجسم في قابلية النفس، لصور الأشياء المتناقضة والمتعارضة، ولا تقبل الأجسام ذلك، إلا بعد زوال صورتها، ولهذا، فإن النفوس تقبل التربية والتغيير والتبديل والإصلاح والتكوين، ولا تقبل الأجسام أي تغيير في شكلها إلا بعد زوال الصورة الأولى لها.
ومن هذا المنطلق، انطلقت النظريات التربوية التي تنادي بإصلاح النفوس وتربيتها انطلاقا من قابلية تلك النفوس لأي تغيير، نحو الأفضل أو نحو الأسوأ، فالقابلية موجودة، والمربي هو العامل الأهم في إحداث التغيير المطلوب، وعليه أن يفهم طبائع النفس البشرية أولا، وأن يختار الأسلوب الأنفع لإصلاحها ثانيا.
والنفس بحكم تكوينها الغريزي لا تستطيع فهم الأشياء غلا في نطاق ضيق، وبالمقدار لذي تدركه الغرائز، وهنا يبرز دور العقل كقوة تمييز وإدارك، قادر على فهم الأسباب الاتفاق وأسباب الاختلاف بين الأشياء المتغايرة، والعقل يحتاج إلى تنمية قدراته في المعرفة عن طريق المعارف المستفادة من الملاحظة والتلقين لكي يتمكن من اختيار القرار العقلي، الذي يواجه به قوى النفس الغريزية.
ولا تستطيع النفس أن ترتقي بقدراتها الذاتية إلا في طريق التحكم في تلك القدرات الغريزية، في حالتي الشهوة والغضب، وهما الغريزتان الأساسيتان اللتان تملكهما النفس، فالغريزة الشهوانية هي قوة تزويد البدن بما يحتاج إليه من مطالب ضرورية لنموه واستمراره، والغريزة الغضبية هي قوة حامية تستخدم لمواجهة الأخطار المتوقعة أو الواقعة على البدن... والغرائز الأخرى مرتبطة بإحدى هاتين الغريزتين.
وغاية التربية التحكم في هاتين الغريزتين المندفعتين، لكي تكونا في قبضة العقل، وتحت سيطرته، ولكي تكونا أقرب للاعتدال في اختيارهما واندفاعاتهما، فيؤديان دورهما في تزويد الجسم بما يحتاج إليه، وحمايته من الأخطار التي تهدد وجوده وأمنه.
ولا يجوز للتربية أن تتجاهل مطالب النفس، لأن الغريزة قوة ضرورية لحماية البدن، وعندما يقع تجاهل هذه المطالب فمن المتوقع أن تصاب الشخصية بخمود في طبيعتها البشرية، وهذا الخمود قد يؤدي إلى إلغاء القدرات النفسية، فتصاب النفس بالضعف والهزال والانهيار.
والنفس البشرية أقرب إلى الفضائل، وتميل بحكم الفطرة إلى الأخذ بما تفرضه الفضيلة من أنواع السلوك، لأن الفطرة الإنسانية خلقت نقية صافية كالثوب الأبيض، ثم تصاب بالتلوث بعد ذلك بتأثير عوامل خارجية، ومؤثرات بيئية، ومن الصعب التسليم بالنظرية التربوية التي تقرر أن بعض النفوس خلقت مهيئة للانحراف والجريمة، فالنفس البشرية تملك قدرات وقابليات إلى الخير أو إلى الشر، إلى الفضائل أو إلى الرذائل، بدرجات متساوية، ثم تسهم التربية في تنمية قابليات الخير أو الشر، إلى أن تصبح تلك القابليات راسخة في النفس، ثابتة قوية الجذور.
وإذا افترضنا أن بعض النفوس مهيأة للرذيلة والجريمة بحكم تكوينها الجسدي، فهذا الافتراض يلغي أهمية التربية كعامل مؤثر في تكوين القابليات السلوكية.
ويؤكد «الغزالي» في كتابه «إحياء علوم الدين» على أن النفس البشرية إذا كانت تستلذ الباطل بحكم العادة، وتميل إليه، فإنها تستلذ الحق من باب أولى، لو ردت إليه، والتزمت المواظبة عليه، لأن الطبع يميل إلى الفضائل أكثر من ميله إلى الرذائل، وأن النفس بطبيعتها تأنف من الرذائل لأنها تتنافى مع الطبع الإنساني.

- أهمية المجاهدة في تربية النفوس:
تكمن أهمية المربي في البيت والمدرسة في تمكين الأطفال من السيطرة على غرائزهم عم طريق تنمية القدرات الذاتية التي تسهم في تعديل السلوك الإنساني، والمجاهدة هي أداة الإنسان للتحكم في غرائزه.
ويختلف مفهوم المجاهدة لدى الأطفال عن مفهومها لدى الكبار، والمجاهدة هي تنمية قوة المناعة لدى الطفل، وتسلطي هذه القوة على القوة الغريزية، بحيث يتمكن الطفل من التحكم في سلوكه في لحظات الضعف الإنساني أمام قوة الاندفاع الغريزي.  
وقوة المناعة قد تكون بالنسبة للأطفال قوة خارجية رادعة، كدور المربي في حالات التخويف والتهديد والحرمان، إلا أنها يجب أن تكون قوة ذاتية.
وتعتبر التربية الدينية هي القوة القادرة على لجم هذه القوة الغريزية، ومن اليسير علينا أن نلاحظ أثر هذه التربية في السلوك الإنساني من خلال تتبعنا لسلوكيات بعض الطلاب في المدارس، وسوف نجد أن الدين هو العامل الأقوى في تنمية قوة المناعة والمدافعة في وجه القوة الغريزية.
ولابد من مجاهدة النفس، والخطوة الأولى في المجاهدة تتمثل في حمل النفس على الالتزام بالفضيلة، وتكلف ذلك، فالمجاهدة تفترض وجود استعداد غريزي، ولولا هذا الاستعداد لما كانت هناك مجاهدة.
وكلمة المجاهدة تفترض بذل جهد وجهاد في سبيل التحكم في السلوك، ويقوم المربي بتوجيه الطفل إلى مواطن الضعف في سلوكه، فينمي قدراته الذاتية لكي يتمكن ذلك الطفل من التحكم في قراراته.
وتطلق لفظة «تزكية النفوس» أو «طهارة النفوس»، وكما أن الأبدان تحتاج إلى طهارة بالماء لإزالة النجاسات، فإن النفوس تحتاج إلى طهارة لإزالة الصفات المذمومة.
و«طهارة النفوس» تتم عن طريق تنمية القوتين: العقلية والروحية، فالقوة العقلية تقنع، والقوة الروحية تنمي الإرادة.

- مقومات التربية الروحية:
تحتاج التربية الروحية إلى مقومات أساسية، ولا يمكن أن تحقق هذه التربية أهدافها غلا إذا توافرت الشروط الموضوعية لهذه التربية، وهي ليست مجرد مقررات تدرس، وإنما هي تفاعل عقلي ووجداني بين الخصوصية الإنسانية والتوجيه الثقافي، بحيث يتوجه الخطاب إلى القلوب بصدق وتلقائية من غير تكلف.
ومن اليسير علينا أن نلاحظ أن المادة الثقافية ليست قاصرة في مناهجها التربوية في المدارس والمعاهد، وقد تكون زائدة من حيث مقدارها عن الحد المطلوب، إلا أننا نلاحظ أن أثرها في النفس، يكاد يكون معدوما.
والسبب في ذلك: أن هذه المادة الثقافية ليست ملائمة لعقول الناشئة، ولا يختلف أسلوب تلقينها عن أية مادة علمية أخرى، وتفقد بذلك أهم خصوصية لها وهي قدرتها على التفاعل والتأثير.
والتربية الروحية لا تعني تجاهل الخطاب العقلي، وإنكار دوره في التأثير، فالعقل هو الأداة الأولى للتمييز والإدراك، وبفضل إدراكه تتسع دائرة المعارف الإنسانية، ويستفيد من تجاربه المتجددة، ولابد من أن تكون التنمية العقلية مترافقة مع التربية الروحية، لكي يستقيم أمر الفهم والإدراك، وتبنى القابليات الروحية على أرضية ثابتة من الوعي والإدراك والمعرفة.

ومن أبرز مقومات التربية الروحية ما يلي:
أولا: تنمية القدرة العقلية على أساس التنسيق بين هذه القدرة والقدرات الأخرى للإنسان التي لا يمكن تجاهلها، والقوة العقلية تحتاج إلى تهذيبها والسيطرة عليها، لكي تكون أداة لرقي الإنسان والنهوض بأمره، وإذا استخدمت القوة العقلية كقوة مسيطرة قادت صاحبها إلى استخدام هذه القدرة فيما يسيء لإنسانيته، فالمكر والدهاء لا يعتبران من الفضائل الأخلاقية، لأن القوة العقلية ليست منضبطة ومنقادة لقيم الفضيلة.
وهنا يبرز دور التربية الروحية للتخفيف من الآثار السلبية لاستعمال القوى الإنسانية، بحيث تبرز الحكمة كنتاج لتفاعل بين القوة العقلية، والضوابط الأخلاقية والاجتماعية، وتكمن الحكمة في الاعتدال والوسطية في استخدام القوة العقلية.
ثانيا: السيطرة على الغرائز الفطرية:
وهذه خطوة ضرورية وحتمية، ولا يمكن الاستغناء عنها في أي جهد تربوي، فالغرائز قوة ملحة ومندفعة ومؤثرة، وهي قادرة على السيطرة على القوة العقلية.
ومن الطبيعي أن الحواس البشرية لا تستطيع مقاومة الإلحاح الغريزي في مجال السلوك، فتنقاد النفوس صاغرة لتلبية المتطلبات الغريزية في مجال الشهوات، وفي لحظات الغضب.
وأبرز مهمة تواجه المربي في البيت والمدرسة تتمثل في قدرته على تنمية قوة المقاومة في الشخصية الإنسانية، في مواجهة المتطلبات الغريزية.

وأداة السيطرة على الغرائز تتمثل في ثلاثة عوامل:
  العامل الأول: تسليط القوة العقلية على القوة الغريزية، لكي يتمكن العقل من السيطرة على الحواس، التي تعتبر كالجند والرعية التي تنقاد بسهولة ويسر للقوة المسيطرة انقادت الحواس لها صاغرة، وإذا استطاع العقل البشري أن يحكم سيطرته على الغريزة انصاعت الحواس له، وانقادت لأوامره، فلا ينطق اللسان إلا بما يؤمر به، ولا تتحرك اليد إلا بما تؤمر به.
وهكذا تقع السيطرة على الحواس التي ترتبط بها السلوكية الإنسانية.
  العامل الثاني، تنمية الوازع الديني كعامل مؤثر في السيطرة على الغرائز، وفي تنمية القوى المواجهة لتلك الغرائز، فالعقل قد يضعف في لحظات المدافعة والمغالبة، وقد يستجيب لنداء الغريزة، وقد يتعاون معها، ويتكاثف، بحيث ينقاد العقل للقوة الغريزية، وبخاصة بالنسبة للأطفال والمراهقين الذين مازالت إدراكاتهم العقلية قاصرة عن الفهم والتأمل، ويبرز الوازع الديني كمؤثر شديد الأهلية، وكرادع قوي الأثر في ضبط السلوكية، وبخاصة وأن النفس بطبيعتها تأنف من الانحراف في بداية الأمر، ثم تنقاد له وتستسلم، وتأنف ما كانت ترفضه من أنواع السلوكيات المذمومة.
  العامل الثالث: تنمية القوة القلبية: والمراد بالقلب هو الخصوصية الإنسانية، ولذلك جاءت لفظة القلب والقرآن في موطن المخاطب والمعاقب والمحاسب والمكلف وهو أداة الفهم، والفهم غاية أوسع من مجرد الإدراك والتمييز.
فالعقل يميز ويعقل الأشياء بطريقة رياضية.
أما القلب فإنه أداة المعرفة الحقة، فإذا قام القلب بوظيفته في مجال المعرفة والفهم، فهو قلب سليم البنية، صحيح الفطرة، سديد الرؤية، وإذا لم يقم بوظيفته تلك، فهو قلب مريض.
وقسم الغزالي القلوب في مجال الثبات على الخير والشر والتردد بينهما إلى ثلاثة أقسام:
" القسم الأول: القلب العامر بالتقوى: وهو القلب الذي زكا بالرياضة، وطهر عن خبائث الأخلاق، وهذا القلب تنقدح فيه خواطر الخير، فينصرف العقل إلى التفكر فيما خطر له ليعرف دقائق الخير، وهو القلب الذي وردت الإشارة إليه في قوله تعالى: "وأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى" «سورة الليل – الآية: 6»، وهذا القلب يطمئن بذكر الله "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" «سورة الرعد – الآية: 28».
" القسم الثاني: القلب المخذول المشحون بالهوى، المدنس بالأخلاق المذمومة، وهذا القلب تنقدح فيه خواطر الهوى والبشر، ويقف العقل فيه في خدمة الهوى، لأنه يألف ذلك، ويأنس بما تميل إليه النفس، وإليه الإشارة بقوله تعالى: "أرأيت من اتخذ إلهه هواه، أفأنت تكون عليه وكيلا" «سورة الفرقان – الآية: 43».
" القسم الثالث: القلب المتردد بين الخير والشر: وهذا القلب تأتيه خواطر الخير، فتدعوه إلى سبيل الرشاد، والفضيلة والاستقامة، ثم تنبعث النفس بخواطر الشر، فتدافع خواطر الخير، وتحسن له طريق الرذيلة والأهواء والشهوات، ويقع التدافع والتغالب بين قوتي الخير والشر، وأخيرا يميل القلب إلى جنسه، ويستقر أمره هناك، حيث الخير والشر.
وتتمثل مهمة المربي في معرفة ميول النفس وقابليات القلب، لكي يغذي الخير وينميه، إلى أن تطمئن النفوس بما تميل إليه القلوب من حب الفضائل الأخلاقية.
ولا يجوز للمناهج التربوية السليمة أن تغفل هذه الطاقات الكامنة في النفس الإنسانية، ويجب أن توجه إليها الاهتمام بالتكوين والتعديل والإصلاح، إلى أن يقع التوافق والانسجام بين الاستعداد الذاتي والأهداف التربوية المرجوة، بطريقة تلقائية بحيث تندفع النفس في طريق الفضيلة، مقتنعة بهذا الطريق، مغالبة كل الأهواء والميول المنافية للاستقامة.
ويجب التأكيد على أهمية البعد الروحي في التربية الدينية، وهي أكثر أهمية من التركيز على حشو الكتب المدرسية بالمعلومات التي قد لا يحتاج إليها الطالب في حياته العملية، وعندما يتم التركيز على الطهارات والعبادات وأصول المعاملات، فيجب أن يتم في إطار التعريف بالأخلاقية الإسلامية في مجال العادات والعبادات والمعاملات.
والمنهج السليم هو المنهج الذي يحقق الغاية المرجوة منه، في تكوين شخصية متوازنة قادرة على فهم قيم الفضيلة في السلوك الاجتماعي، في ظل احترام إنسانية الإنسان وكرامته.
ومن الطبيعي أن يكون المنهج التربوي ملائما لزمانه ملائم، وليس هناك صيغة واحدة لتصور منهج تربوي ملائم، وليس هناك ما يمنع من تطوير المناهج وتحديدها، لكي تكون محققة الغاية المرجوة منها.
وأهم ما يجب أن يحرص عليه المنهج التربوي الإسلامي أن يكون معبرا عن القيم الاجتماعية والأخلاقية للتربية الإسلامية، وأن يقع التركيز على البعد الاجتماعي للتربية الإسلامية من حيث التأكيد على أهمية الكرامة الإنسانية في مجال الحريات العامة، ومحاربة جميع صور الظلم، وأن الإسلام يدعو إلى تحرير الإنسان من جميع أنواع العبوديات المذلة التي تتجاهل حقوق الإنسان في الكرامة.

- أهمية شخصية المربي:
لسنا نبالغ إذا قلنا بأن الركن الأهم في المهمة التربوي هو شخصية المربي، سواء كان أبا أو أستاذا، فالتربية قضية معقدة، والمربي هو أداة هذه المهمة، والأداة هي العنصر الأكثر أهمية في نجاح المهمة التربوية.
وتجب العناية بتكوين شخصية المربي، وإعداد مؤسسات تربوية لإعداد المربين والعناية بأمرهم، وتزيدهم بالكفاءات والمهارات الشخصية والفكرية والسلوكية التي تؤهلهم لأداء مهمتهم التربوية.
والمربي الكفء لا يحاج إلى منهج يقيده، لأنه هو الذي يختار المنهج الملائم لكل مرحلة ولكل موقف.
وتتعدد الأساليب التربوية وتتغير، لأن الغاية المرجوة واحدة، فمن استطاع أن يحدث التغيير المطلوب في سلوكيات طلابه نحو الأفضل فهو المربي الكفء الذي يملك مؤهلات التربية، ومن فشل في تحقيق الغاية المرجوة فلا يمكن الثقة بجهوده.
والتربية صناعة، وهي الصناعة الأكثر صعوبة، لأنها تتعامل مع نفسيات مختلفة، ولابد لها من دراسة موضوعية لتكوين رواد الصناعة التربوية.
وقد استعمل «ابن مسكويه» في كتابه «تهذيب الأخلاق» لفظة «صناعة» في مجال حديثه عن الأخلاق، لأن كلمة «الصناعة» تعبر عن أهمية التربية في تكوين «خلق الاستقامة»، والنفس لا ترى الجمال في الأخلاق ما لم تتعلم مبادئ هذه الصناعة، وتلم بخفاياها، وعندئذ تكتشف جوانب التميز والتفوق في النفس الإنسانية.
ويؤكد «ابن مسكويه» أن نقطة البداية في معرفة هذه «الصناعة» تكمن في «معرفة النفس».
- ماهي...؟
- وأي شيء هي....؟
- ولأي شيء أوجدت فينا...؟
- وما قواها وما ملكاتها...؟
ومن الطبيعي أن يكون المربي هو أداة هذه الصناعة، لأنه المشرف والمنفذ لهذه المهمة التربوية.
ومعرفة النفس سلاح ضروري له، وعليه أن يحسن فهم أسلحته لكي يتمكن خطابه التربوي بطرقه مقبولة ومؤثرة...
وأهم ما يميز الإنسان عن بقية الكائنات الحية أن هذا الإنسان مزود بملكات ذاتية قادرة على التمييز والاختيار، وهذه الخصوصية تجعل مهمة المربي أيسر، إذا عرف كيف يوجه جهده إلى مواطن الاستجابة ف يتلك النفس.
وأهم هذه الملكات العقل والإرادة، ولا يمكن للعقل أن يؤدي مهمته في مقاومة الأهواء والميول إلا بسلاح الإرادة، والإرادة هي أداة العقل وسلاحه، فإذا ضعفت الإرادة أصبح العقل عاجزا عن التعبير عن قناعاته في مجال السلوك.
والمربي هو قدوة، وهو صاحب رسالة، ويجب أن يؤمن برسالته، ويدعو لها بصدق من خلال أقواله وأفعاله، لكي يكون النموذج الحي للمنهج الذي يدعو إليه، فإذا افتقد المربي صفة الصدق، ولم يكن ولم يكن القدوة الصالحة، فمن العبث أن تؤدي التربية أهدافها المرجوة.
وأخيرا، فإن إصلاح مناهج التربية الإسلامية يعتبر ضرورة ملحة، لأن التربية الإسلامية هي أداة تكوين الشخصية سواء في سلوكها العام، أو في مواقفها الثقافية والوطنية، وإذا وقع الخلل في هذه الشخصية فمن الطبيعي أن يفرز هذا الخلل آثاره السلبية في المجتمع.
ولعل بعض ما نراه في مجتمعاتنا اليوم، هو نتاج هذا القصور في مناهجنا التربوية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here