islamaumaroc

الجمع بين القراءتين.

  طه جابر العلواني

العدد 321 ربيع 1-ربيع 2/ غشت-شتنبر 1996

إن للأمة الإسلامية – والشعب العربي بمثابة القلب منها – خصائص عديدة، ومزايا متنوعة، في مقدمة هذه الخصائص أنها:
1- أمة القراءة، فقد بدأ يكوينها بكلمة «اقرأ»، لا بكلمة قاتل «قاتل أو افتح، أو أدخل هذه الأرض واخرج من تلك، أو تول قيادة هذا الشهب لتقاتل ذلك الشعب»، بل كانت البداية أمرا بالقراءة: "إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي هلم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم" (العلق: 1 – 5).
والحضارة الإسلامية التي صنعتها هذه الأمة حضارة كونية إنسانية عالمية، أسسها وبناها الكتاب ولاشيء آخر، فإن المدخل لتجديدها هو القراءة كذلك.
وبذلك حددت مهمة الرسول " بقول الله تعالى: "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليه آياته ويزكيهم ويعمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلل مبين" (الجمعة: 2).
ودعوة سيدنا إبراهيم كانت: "ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم" (البقرة: 129).
وقال جل شأنه ممتنا على عبادة المؤمنين: "ولقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين" (آل عمران: 124).
وقال جل شأنه: "فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله ذكرا (10) رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور..." (الطلاق: 10 – 11).
وقال: "لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ولمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة (1) رسول من الله يتلو صحفا مطهرة" (البينة: 1 – 2)، ونفيت عنه " صفتا الجبرية والتسلط وليظهر دين الهدى ودين الحق على يديه بين الناس فيعم العدى والسلام الأرض كلها، ويدخل الناس في السلم كافة.
3- الخاصية الثالثة: أنها الأمة الجامعة الحافظة لتراث النبوات، المؤتمنة عليه: "والذي أوحينا إليك الكتاب هو الحق مصداقا لما بين يديه،إن الله بعباده لخبير بصير، (31) ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، ذلك هو الفضل الكبير" (فاطر: 31 – 32).
4- الخاصية الرابعة هي التوحيد الخالص، فهذه الأمة تتفرد من بين سائر الأمم بالاحتفاظ بالصورة نقية من التوحيد الخالص الذي جاء به الأنبياء كلهم، وأن الإسلام – بمعناه العام المطلق – وهو دين الله التوحيدي الذي جاء به في جميع الأنبياء وسائر المرسلين، وأنه إذا كانت التحريفات والانحرافات قد غيرت وحرفت كثيرا من رسالات الأنبياء، والتصورات الدينية السلمية التي جاءوا بها، فإن الله – تعالى – قد تكفل بحفظ التراث التوحيدي كله في العقائد الإسلامية وأصولها في هذا الكتاب المعجز الخالد – القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وليبقى التوحيد معيارا وميزانا قادرا على بيان الحدود والفواصل بين الألوهية والعبودية: الألوهية التي ينفرد الله – تعالى – وحده بكل خصائصها، والعبودية التي يتجرد الناس كل الناس فيها من خصائص الألوهية كلها، ليكونوا عباد الله متساوين في كل شيء بين يديه، محررة قلوبهم من سائر المؤثرات الأخرى، يدركون أنهم مستخلفون في هذا الوجود وليقوموا – جميعا – بمهمة لا تتم بدون علم ولا معرفة واستقامة وتوازن وعدالة وأمانة وقراءة شاملة مستمرة للوحي وللوجود.

  مفهوم القراءتين:
إن القراءة التي ورد الأمر الإلهي بها قراءة محددة المعالم، واضحة الاتجاه، فإن الأمر قد ورد مرتين بقرائتين:
القراءة الأولى: قراءة باسم الله تعالى لهذا الوحي النازل الذي سيتتابع نزوله حتى يتم قرآنا كريما مجيدا مكنونا مفصل الآيات، تتلوه يا محمد على الناس وتبينه لهم ليتعلموا منه الحكمة والهداية والرشد والقيام بواجب الائتمان وحق العمران. وحين رد رسول الله " بأنه ليس بقارئ لاشك أنه فهم المطلوب وليس له من العلم ما يقرؤه، ولكن ربط القراءة «باسم ربك» أي لن تكون وحدك في أداء هذا العمل الذي لا تعرفه بل سيكون معك ربك الذي أعطاك الكثير وهو قادر على أن يعلمك كيفية أداء ما أمرك بع ويزيد على ذلك كما علم آدم الأسماء كلها، وكما علم إبراهيم وموسى وعيسى وسواهم من النبيين والرسل، فاستعن به في القراءة يعنك ويصحبك ويكن معك فيها.
وذكر الرب – جل شأنه – ووصفه بالخلق، وذكر خلق الإنسان بالذات، فيه تطمئن لرسول الله " بأن منحة القدرة على القراءة ليس بالأمر الصعب على ربه الذي خلق كل شيء وخلق الإنسان من علق. كما أن في ذكر الخلق تهيئة لبيان النوع الثاني من القراءة، ألا وهو قراءة الخلق ودراسة الوجود، فهما كتابان: كتاب منزل متلو معجز وهو القرآن، وكتاب مخلوق مفتوح وهو هذا الخلق والوجود بدءا من الإنسان، ولابد من قراءتهما – معا – لتوجد المعرفة الحضارية الكاملة التي تمكن الإنسان من القيام بمهام الاستخلاف وأداء حق الأمانة، والقيام بمقتضيات العمران. وهي معرفة لا تقوم على التلقي وحده بل على الأخذ عن الغير بالمراجعة والمطالعة وقراءة الكتب وكتابتها وتناٌّل الخبرات والمعارف بين البشر، واستعمال القلم – الذي علم الله به وجعله وسيلة للمعرفة وتبادلها وإنمائها وتناقلها.
ثم ما يمن الله – تعالى – به من معارف تنقدح بها العقول من مستنبطات ومخترعات وغير ذلك مما يندرج تحت قوله الله تعالى: "علم الإنسان ما لم يعلم".
فهناك مصدران للمعرفة الإنسانية يتضافران في توصيل الإنسان إلى معارف الشهود الحضاري، والقيام بمهام العمران والاستخلاف في هذا الوجود، ولابد من الجمع بينهما، في فهم القرآن العظيم ومدلولاته بالخلق وبالوجود، ويفهم الوجود ويهتدي في أداء مهام الخلافة فيه، والقيام بمقتضيات الأمانة بالقرآن المجيد.
ولابد من قراءة المصدرين وتنفيذ الأمر بالقراءتين: قراءة الوحي النازل المتمثل بالكتاب الكريم المحدد لغاية الحق من الخلق، المنبه على السنن الحاكمة لهذا الوجود، الموضح للمنهج والشريعة، والحقائق الأساسية.
وقراءة كونية شاملة لآثار القدرة الإلهية، وصفاتها وخلق الإنسان وسائر الظواهر الكونية، وملاحظة ربوبية الباري جل شأنه وكرمه البالغ في خلق الإنسان واستخلافه، وائتمانه على الوجود، وندبه لإعماره، وتسخيره.
والقرآن المجيد المكنون بهذه الآيات الكريمات وما يرتبط بها قدم في الماضي أنجع الحلول لأزمة الإنسان المعرفية في عصر التنزيل، تلك الأزمة التي عرفت «بالجاهلية»، ولا زال – وحدة – القادر على تقديم مفاتيح الحلول المعرفية لأزمة العالم المعرفية المعاصرة.
فالجمع بين القراءتين، وإخراج القلم الوضعي عن دائرة نزقة وطغيانه، وربطه بالقراءة الأولى وهو ما كتب به، "ن والقلم وما يسطرون، وما أنت بنعمة ربك بمجنون" (القلم: 1 – 2).
وكيف يكون ذلك والرحمن ربك معك وهو الذي "علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان" (الرحمن: 1 – 3).
وبذلك وضع الميزان وعهد إليكم، "ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان" (الرحمن: 7 – 9). فهو الذي "أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون" (النحل: 87)، فعلمه – وحده – العلم المحيط الكامل الشامل "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظها وهو العلي العظيم" (البقرة: 200).
فهو سبحانه "قد أحاط بكل شيء علما" (الطلاق: 12). أما الناس فأكثرهم لا يعلمون، وإذا علموا شيئا فإنهم "يعلموا ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون" (الروم: 7). وبذلك فإن أزمة العالم المعرفية، اليوم لا مخرج منها إلا منهجية القرآن المعرفية فلا نبي بعد محمد ولا كتاب بعد القرآن "ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا، فلا تطع الكافرين، وجاهدهم به جهادا كبيرا" (الفرقان: 51 – 52).
فالقراءتان فريضتان؛ لأنهما أمران إلهيان، والجمع بينهما ضروري، إذ بدونه يقع الخلل؛ فمن تجاوز القراءة الأولى واستغرق كليا في القراءة الثانية – علم الوجود – فقد العلاقة بالله، وتجاهل الغيب وانطلق بفلسفة وضعية منبتة عوراء قاصرة في مصادرها، تحاول أن توحد بين الإنسان والطبيعة، وتعتبر الخالق والغيب كله مجرد ما ورائيات، إذا كانت قد مارست خلقا أو إيجادا فقد تكون مارسته بقوة الدفعة الأولى، ثم تناسته أو نسيته ليستمر الكون بعد ذلك فاعلا ومفتعلا بشكل آلي.    
وحين يحلو لبعض أصحاب هذه الفلسفة أن يتذكروا الباري جل شأنه فإنهم يتذكرونه بشكل حلولي يزعم أن الله تعالى قد حل في قوى الطبيعة ذاتها وذاب فيها ليتحول إلى جزء حال فيها ينتهي بنا إلى المادية الجدلية – التي أنكرت الخالق تماما وطرحت بدائل له من اتجاهات النمر عبر خصائص التطور المعقد، ليشعر الإنسان باندماجه الكامل بالطبيعة ككائن طبيعي، وهنا يبدأ الإنسان الشعور بالغنى أو الاستغناء عن خالقه جل شأنه؛ لأنه لم يعد يرى غير الطبيعة أمامه، فهي كل شيء وهي وراء كل شيء: لا يراها، وهي مسخرة مقهورة بسنن الله تعالى، بل يراها كونا مستقلا عن أي امتداد. وآنذاك لا يشعر أن الله – تعالى – قد سخرها له وأنه الخالق له ولها، بل يرى أنه نفسه الفاعل المبدع المتعدد القدرات، المسيطر على الطبيعة، المفجر لكوامن ما فيها: فالكون مهيأ مسخر للإنسان، والإنسان مزود بالقدرات التمكينية الذهنية والعقلية والعلمية التي تمكنه من تسخير الكون، وحين يغفل الإنسان أو يعشو عن ذكر الرحمن ولا يرى القدرة الإلهية في ذلك كله من خلال هداية الوحي يشده الشعور بالاستغناء، والإحساس بالقدرة والإبداع إلى أن يجعل من علاقتها الودية بالإنسان، وكونه المخلوق المستخلف المؤتمن، وكونها المخلوقة المسخرة لهذا المؤتمن المستخلف، وكلاهما في المخلوقية والعبودية لله تعالى سواء "ولله خلقكم وما تعلمون"، فيتخذ الوجوه – آنذاك – شكل القوى المتصارعة المتنابذة، ويتخذ الإنسان العاقل شكل المتأله المسيطر بالعلم على كل شيء، فيمجد ذاته ويتخذ إلهه هواه، يستمد قيمه من الطبيعة، وحتى الأديان تتحول عنده إلى شيء يوظف عندما تدعو الحاجة لسد ثغرة أو تلبية رغبة، أو أداء خدمة. وهنا يحق عليه القول: "كلا الإنسان ليطغى أن رآه استغنى" (العلق: 6) فيقع في الاستبداد والطغيان، وتحدث كوارث البيئة، ويظهر التلوث والفساد في البر والبحر والجو بما كسبت أيدي الناس، ويختل التوازن وتظهر أمراض الانحراف والشذوذ في المعمورة، فقارات يعمها الجوع والخراب، وأخرى تعمها الأمراض بكل أشكالها، والجرائم بكل أنواعها. وتسود المعيشة الضنكة: "ومن أغراض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى" (طه: 124).
إما إهمال القراءة الثانية، أي قراءة الوجود والكون والاقتصار على قراءة الوحي وحده منقطعا منبتا عن الوجود، فإنه يؤدي إلى نفور من الدنيا، واستقذار لها ولما فيها، يشل طاقات الإنسان العمرانية والحضارية، ويعطله عن أداء مهام الخلافة والأمانة والعمران، ويحول بينه وبين التمتع بنعمة التسخير، ويعطل فكره وينتقص من قيمة فعله، بل قد يلغي فلا يرى الإنسان نفسه فاعلا في شيء ولا يرى لوجوده في الحياة معنى، وكل هذه الأفكار منافية تماما لمنهج القرآن العظيم.
إن تجاوز القراءة الثانية أو عدم جمعها مع الأولى يؤدي إلى ظهور العجز الإنساني الحضاري وتعطل طاقاته وإلى خلط عجيب بين قضايا عالم الغيب وعالم الشهادة، وقد يتوهم المقتصرون على القراءة الأولى أن تنزيه الباري جل شأنه لا يتم إلا إذا ألغيت قيمة الفعل الإنساني، ونفيت إرادته واختياره. واستلب استلابا لاهوتيا من دوره.
والناظر في مقالات الإسلاميين وكتب الفرق يجد في مقالاتهم العجب العجاب في قضايا الخلط بين الفعل الإنساني والفعل الإلهي، والإرادة الإنسانية وقضايا الاختيار والعلل والأسباب وسواها.
إذن لابد من الجمع بين القراءتين: قراءة الوحي وقراءة الوجود، والدمج بينهما، لئلا يقع الإنسان في أي من ذينك الطرفين الذميمين، ومن هنا كان ما سميناه بـ (إسلامية المعرفة) ضرورة معرفية، وضرورة حضارية لا على المستوى الإسلامي وحده، بل على المستوى العالمي كله للخروج من المأزق المعرفي المعاصر والأزمة الفكرية العلمية المعاصرة:
فبعد تكريس البعد المنهجي في التفكير واجهت الحضارة الغربية – نفسها – مشكلة تحديد الصياغة المنهجية لحضارتها ومعرفتها صياغة تستند إلى تطور الغرب العلمي بكل جوانبه. لقد كانت الماركسية تنهار بانهيار الاتحاد السوفياتي قبل أن يجد الغرب البديل المعرفي والمنهجي لها لتبقى الحضارة الغربية دون صياغة فلسفية بديلة، ودون إجابات عن معظم الأسئلة النهائية المعلقة التي يشيح علماء اليوم بوجوههم عن الإجابة عنها.
أما أزمتنا نحن العرب والمسلمين فهي أشد وأنكى، فنحن شركاء في الأزمة العالمية من ناحية، لأن علاقتنا بها لن تعد علاقة برائية كما قد يتوهم البعض – لأنها قد نجحت من خلالها غزوها الفكري والثقافي والمؤسساتي أن تفرض علينا وعلى العالم كله منهجها ووعيها العلمي للوجود وللحركة الكونية والثقافية والتقدم والتخلف وغيرها، فما هي أسلمة المعرفة التي نقترحها حلا لأزمتنا المعرفية والفكرية وأزمة العالم معنا؟
توجد إسلامية المعرفية بين كتابين، وتؤسس على تقابلهما وتكاملهما منهجيا في البحث والاكتشاف:
الكتاب الأول وهو كتاب الوحي المقروء، ونعني به (القرآن).
الكتاب الثاني وهو كتاب الكون الكون المتحركة الذي يتضمن ظواهر الوجود كافة.
فالقرآن العظيم كالكون العظيم كلاهما يدل على الآخر ويقود إليه، فالقرآن يقود إلى الكون والكون أيضا يقود إلى القرآن.
وهذا ما دعيناه (بالجمع بين القراءتين): قراءة غيبية عبر الوحي في الكون، وقراءة موضوعية عبر الكون في الوحي. فقراءة الوحي هي تتنزل من الكلي إلى الجزئي، وبما تتيحه قدراتنا البشرية النسبية على تفهم تنزلات الكلي، وقراءة الكون هي تطلع من الجزئي باتجاه الكلي وفق قدراتنا النسبية أيضا على فهم الظواهر، فلا يحدث الفصام المزعوم بين الوحي والمعرفة الموضوعية. وهذا ما أكدته بدايات سورة العلق: "إقرأ باسم ربك الذي خلق(1) خلق الإنسان من علق(2) إقرأ وربك الأكرم(3) الذي علم بالقلم(4) علم الإنسان ما لم يعلم(5)" (العلق: 1 – 5).
حين يحدث الانفصام بين القراءتين تصل مناهج المعرفة إلى نتيجتين خطيرتين:
فالذين يتعلقون فقط بالجانب الغيبي في القراءة،أي الأولي فإنهم يسقطون الجانب الموضعي من حسابهم فيتحولون بالدين إلى لاهوت يستلب الإنسان والكون وينفي الأسباب وقوانين الحركة وصيرورتها وكافة السنن الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية التي يتفاعل نعها الإنسان، فينتهي إلى فكر سكوني جامد يحسب خطأ على الدين.
والذين يتعلقون فقط بالجانب الموضوعي في القراءة الثانية، فإنهم لا ينفون العبد الغيبي الفاعل في الوجود وحركته، فينتهون تدريجيا إلى الفكر الوضعي في المعرفة، الذي يؤثر على النسق الحضاري بدوره ذلك التأثر السلبي.
وهكذا تنقسم البشرية وتتصارع بين اللاهوت والوضعية، في حين أن مقدمة سورة العلق تنفي اللاهوت عن الغيب حين تربط ما بين هذا الغيب والقراءة الثانية، أي القراءة الموضوعية بالقلم، كما تنفي عن القراءة الموضوعية نهاياتها الوضعية حين تربطها إلى القراءات الأولى، والقارئ في الحالتين هو الإنسان، تبعا لتعلقه بالوحي وفهمه له من الناحية، وتبعا لتعلقه وفهمه لظواهر الوجود الكوني وحركته في الوقت ذاته.
لهذا نعاني الكثير من جراء الفصام القائم في مناهجنا التربوية ونظمنا التعليمية بين علوم الدين والعلوم الكونية، ولم نتوصل بعد إلى الصيغة التي تؤهل الطالب ليجمع بين العلمين في كل واحد. ومبعث ذلك أننا قد ارتضينا المناهج الغربية في الفصل بين العلمين، فطالب العلم يذهب إلى كليات العلوم التطبيقية، ذلك في الغرب، أما لدينا فالفصل قائم بين كليات الشريعة وكليات العلوم الحديثة، أو العلوم الاجتماعية والإنسانية، فضلا عن التطبيقية.
هذا الفصل الذي يؤدي إلى الفصام يحمل خطورة أخرى، إذ يباعد بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية الاجتماعية، وصاغتها وفق القراءات الثانية فقط، واستبعدتها من مجال العلوم الشرعية التي أوغلت بدورها في الفقه، لدرجة أن علاقة الإنسان بالبيئة الطبيعية كما شرحها ابن بطوطة، وعلاقة المجتمعات بسنن العمران كما شرحها ابن خلدون، وهي من تراثنا الديني والتاريخي، ولازمة للفقيه الذي يقرر الأحكام في المجتمع، غائبه ضمن مناهج الإعداد، وما يكتب الآن عن ابن خلدون بأقلام علماء الاجتماع الوضعي حيث يعتبر مؤسس علم الاجتماع المعاصر قبل «أوجست كونت» يفوق كثيرا ما يكتبه علماء الشرع الذين يحتاجون ابن خلدون وغيره حين يطرحون قضايا الشريعة الإسلامية في مجتمعات متغيرة.
هذا مثال فقط على المستوى العلاقة بين علوم الوحي والعلوم والمعارف الاجتماعية والإنسانية، وهناك مجالات تمتد إلى علم النفس وعلوم الثقافات الإنسانية والأنساق الحضارية المختلفة، فالجمع بين القرائتين ضروري لتكوين ثقافة المسلم المعاصر، وبشكل يختلف عن النسق الغربي الأروبي الذي انتهى إلى ثنائية اللاهوت والوضعية.
إن خطورة هذه الثنائية المفتعلة والمتطرفة، أنها وقد قامت على الفصام، فإنها دفعت بعض الأنساق الحضارية دفعا نحو الاتجاه الوضعي حين غيبت النظرة الكلية للكون والحياة والإنسان، وارتباط قيمه وأخلاقه بالله سبحانه وتعالى، فتضخمت الذاتية البشرية على حساب القيم العقلية والأخلاقية، وما الدين إلا مكارم الأخلاق، فتم تبرير الفردية الليبرالية إلى حد الاستباحة، فتكرس الصراع بكل مظاهره عوضا عن السلام الذي تعطيه القيم، وما ذلك إلا أنه وبالقراءة الثانية فقط، ومن يستغني عن الله – سبحانه وتعالى – يطغى في الأرض، ويتطاول بناصيته على كل من يدعوه للقيم الأخلاقية، ولهذا تم الربط بين مقدمة سورة العلق الداعية للجمع بين القراءتين وأزمة الطغيان والتطاول الإنساني للأنساق الحضارية الوضعية المتعالية بتطورها العلمي التطبيقي المجرد: "كلا إن الإنسان ليطغى(6) أن رآه استغنى(7) إن إلى ربك الرجعى(8)" (العلق: ح: 3).
فقضية الجمع بين القراءتين مسألة منهجية في المعرفة وتقود إلى نتيجة حضارية، فالذي يجمع بين القراءتين لا يستغني عن الله، لأنه لا يدرك دوما افتقاره لله – سبحانه وتعالى – فلا يستبد ولا يبتغي علوا في الأرض ولا فسادا.

كيفية الجميع بين القراءتين:
إن المدخل الأساسي للجمع بين القراءتين يبدأ باكتشاف العلاقة المنهجية بين القرآن من الناحية، والوجود وحركته من ناحية ثانية. فالقرآن وحي إلهي نتعقل به هذا الوجود، انطلاقا من أنه مطلق ومحيط وشامل، وبقدر ما تتسع معرفتنا للاثنين معا، بقدر ما تتكون لدينا القدرة على الجمع بين القراءتين واكتشاف التداخل المنهجي بين الوحي والكون، فمنهجية القرآن هي منهجية الخلود، والمطلوب ليس قول ذلك نظريا ولكن اكتشاف ذلك تطبيقيا، فالقول النظري لا يتجاوز حالة تبشير بفرضية قد تكون غير صحيحة ويمكن الطعن فيها، ولهذا يكون التحدي الأول والأهم في اكتشاف مدى التدخل المنهجي من خلال الجمع بين القراءتين بين الوحي الإلهي والعلوم الطبيعية والإنسانية القائمة على السنن الإلهية في الكون والحياة والإنسان.
أما الحديث عن عظمة القرآن فإن القرآن عظيم حقا ومعجز فعلا، وقد كتب الناس عن عظمته وإعجازه آلاف الصفحات، بل ملايينها، لكن تلك الكتابات لم تستطع أن تكشف للناس عن منهجيته المستوعبة للكون وحركيته. كما لم تؤد إلى الكشف عن التداخل المنهجي بين قراءة القرآن وقراءة الوجود. فقد بقيت آيات كريمة كثيرة ومقولات دينية عديدة عرضة لتأويلات شتى. وفي كثير من تلك التأويلات تبدو الإسقاطات الإسرائيلية واضحة. كذلك أبعاد غائبة وأسئلة كثيرة حيرى لا تجد من مدارس تلك العلوم المختلفة إجابات شافية، لأنها لم تكتشف ذلك التداخل المنهجي بين القراءتين إلا في حدود جزئية تمثلت في محاولات انتقائية يغلب على بعضها التلفيق الذي يجعلها تبدو مفتعلة إلى حد كبير كتلك المحاولات التي تبدو فيما عرف بـ«الإعجاز العلمي».
فتأكيدنا الدائم على وجوب الجمع بين القراءتين، واعتبار ذلك شرطا للخروج من الأزمة الفكرية والمعرفية في مستوياتها العالمية والمحلية يحمل توكيدا على وجوب الالتفاف إلى ذلك الارتباط المنهجي بين القرآن والكون والإنسان لتكتمل حلقات التصور الإسلامي وتبرز علاقة الغيب بالطبيعة والإنسان، ويتخلص الإنسان من مأساة الفصام بين اللاهوت والناسوت أو الوضعية البشرية وما يجره ذلك الفصام النكد من المشكلات.
إن هذه المهمة لا يستطيع النهوض بها إلا من أوتوا القرآن وحظا من العلوم والمعارف كافيا لاكتشاف ذلك التداخل المنهجي بين القرآن والوجود والإنسان، ولذلك أرسيت قواعد «أسلمة المعرفة» على ما يلي:
1- إعادة بناء الرؤية الإسلامية المعرفية القائمة على مقومات وخصائص التصور الإسلامي السليم، القادر على الإجابة عن الأسئلة النهائية، دون تجاوز شيء منها، وبناء قدرة ذاتية على النقد المعرفي الذي يمكن من الاستيعاب والتجاوز بشكل منهجي منضبط، وبالوقت نفسه يغطي القدرة على التوليد المعرفي والخطابة والتفسير المعرفي الذي لا يقوم على الإقناع والخطابة بل على المعرفة المنهجية التامة.
2- إعادة فحص وتشكيل وبناء قواعد المنهجية الإسلامية على ضوء «المنهجية المعرفية القرآنية» وعلى هدى منها.
فإن أضرارا بالغة قد أصابت هذه المنهجية نتيجة القراءات المفردة والتجزيئية التي قرأت القرآن عضين، وقرأت الوجود والإنسان في معزل عنه قديما وحديثا.
3- بناء منهج التعامل مع القرآن المجيد من خلال الرؤية المنهجية وباعتباره مصدرا للمنهج والشرعة والمعرفة ومقومات الشهود الحضاري والعمراني، وقد يقتضي ذلك إعادة بناء وتركيب علوم القرآن المطلوبة لهذا الغرض، وتجاوز الكثير من الموروث في هذا المجال. فالإنسان العربي قد فهم القرآن ضمن خصائص تكوين الإنسان العربي للموضوعية التي كانت بطيئة ومحدودة اجتماعيا وفكريا، بالقياس إلى خصائص التكوين الحضاري العالمي الراهنة، ففي تلك المرحلة التي تم فيها التدوين الرسمي للعلوم والمعارف النقلية التي دارت حول النص القرآني والحديث النبوي كانت العقلية البلاغية واللغوية وما توحي به من اتجاه نحو التجزئة وملاحظة المفردات هي السائدة، ولذلك اعتبر الفهم الذي تولد عنها مقبولا وكافيا في تلك المرحلة، أما في المرحلة الراهنة حيث تسيطر عقلية الإدراك المنهجي للأمور والبحث عن علاقاتها الناظمة لها بطرق تحليلية ونقدية توظف الأطر العلمية المختلفة، وتربطها بموضوعات حضارية متشعبة وعلاقات متنوعة فلابد من إعادة النظر في علوم وسائل فهم النص وخدمته وقراءته قراءة الجمع مع الكون والتداخل المنهجي معه، وتخليصه من كثير من أنواع التفسير والتأويل، والربط الوثيق بالنسبي من خلال الإسقاطات الإسرائيلية، والربط التام بأسباب النزول والمناسبات.
4- بناء منهج للتعامل مع السنة النبوية المطهرة – أيضا – من خلال تلك الرؤية المنهجية، باعتبار السنة النبوية المطهرة كذلك مصدرا لبيان المنهج والشرعة والمعرفة ومقومات الشهود الحضاري العمراني. فلقد كانت مرحلة النبوة وعصر الصحابة مرحلة تعتمد على الاتصال المباشر برسول " – ومتابعته والتأسي به فيما يقول أو يفعل: «خذوا عني مناسككم» «صلوا كما رأيتموني أصلي»، والإتباع والتأسي يعتمدان على التحرك العلمي في الواقع للرسول عليه الصلاة والسلام. فالرسول " كان يجسد بسلوكه القرآن في الواقع، فلا تبدو هناك أية مشكلة في التطبيق والتنزيل القرآن على الواقع. فالتطبيق النبوي والبيان الرسولي كان يضيق الشقة تماما بين مكونات المنهج الإلهي القرآني وبين الواقع بعقليات أهله وقدراتهم الفكرية والمعرفية وبشروط ذلك الوقائع الاجتماعية والفكرية، والسقف المعرفي السائد فيه. ولذلك كان الرواة من الصحابة – رضوان الله عليهم – حريصين على أن لا تفوقهم أية جزئية تتعلق بحياة رسول الله " لأن تلك هو البديل الوحيد عم الوعي بالمنهج الناظم للقضايا المختلفة، ولذلك اشتملت السنة على ذلك الكم الهائل من أقوال وأفعال وتقريرات رسول الله " وتلقينا كل التفاصيل التي تجعلنا قادرين على أن نتابع حركته اليومية عليه الصلاة والسلام في غدوة ورواحه، وسلمه وحربه، وتعليمه وقضائه، وقيادته وفتواه، وممارسته الإنسانية بطريقة تكشف عن أسلوبه أو سنته عليه الصلاة والسلام في التعامل مع الواقع، وتكشف – إضافة لذلك – عن خصائص الواقع، وتكشف – إضافة لذلك – عن خصائص الواقع الذي كان رسول الله " يتعامل معه ويتحرك فيه، وهو واقع مغاير للواقع الذي نحيا في تركيبته وعقليته.
لقد كان عليه الصلاة والسلام في سنته يمثل تجسيدا للربط بين المنهج القرآني والواقع؛ ولذلك فإن من الصعب، فهم كثير من القضايا في معزل عم فهم ذلك الواقع الذي كان عليه الصلاة والسلام عن النحت والتصوير، ويعتبر المصورين أشد الناس عذابا يوم القيامة فلا ينبغي أن يفهم نهيه عن ذلك أنه موقف من الجماليات المجسمة يتعارض مع فهم نبي الله سليمان الذي كان يجند الجن يضعون له ما يشاء من التماثيل، ولا مع تساؤلات المعاصرين ومجادلاتهم في هذا الموضوع ونحوه بأننا لا نشعر بالرغبة أو الاستعداد في عبادتها، فلماذا تحرم علينا، ولا يكون الحل بفتوى جزئية تحل هذا النوع وتمنع ذلك، بل يلاحظ فيها المنهج الذي أشار عليه الصلاة والسلام إليه في مواقف عديدة مثل «لولا قومك حديثو عهد بكفر لفعلت ولفعلت».
لقد كان رسول الله " يعمل على قطع دابر صناعة الأوثان والترويج لها بين قوم حديثي عهد بها، ولابد من الوصول إلى المنهج الناظم الضابط لمثل هذه القضايا وقراءاتها قراءة معرفية تخرج الأحاديث والسنن إلى دائرة المنهج بدلا من دائرة الجزئيات المتصارعة التي كثيرا ما يحولها المختلفون إلى أقوال جزئية، تدل على الشيء ونقيضه وكأنها أقوال أئمة المذاهب المختلفة.
لقد ارتبط العرب في مرحلة نزول القرآن بمفهوم الأتباع والإقتداء، واتخذوا من رسول الله " قدوة علمية جسدت لهم المنهج طبقا لشروطهم الواقعية الحياتية، وعبر الإتباع والتأسي نشأت مفاهيم «المأثور والمنقول». وفي محاولة للتخفيف من آثاره لجأ من لجأ إلى التأويل الباطني والتفسير الرمزي، والإشاري كمخرج من التقيد بحرفية المأثور، ولكن ما زاد ذلك الأمر إلا اضطرابا، وكان الواجب هو الوصول إلى المنهج القرآني النبوي لتنضبط على هدى منه سائر التفاصيل والجزئيات، ولتفهم في إطاره، فتتبين المقاصد وتتضح الغايات.
إن العقلية المعاصرة عقلية بحث – باستمرار – عن الناظم الموضوعي للأمور، وتحاول النفاذ إلى المنهجية الكاملة الأبعاد، فضمن هذه المنهجية يصبح التحليل والنقد والتفسير هي الإطار الموضوعي للحركة الفكرية في تعاملها مع القضايا الكونية والمحلية. وبهذه المنهجية يمكن النفاذ إلى مقاصد القرآن المجيد وتتفهم السنة النبوية دون الوقوع في إطار ماضوية سكوتية أو تأويلات باطنية، أو محاولات تجديدية تحاول إحداث تعديلات أو تأويلات لتطبيقات الماضي لتعيد إنتاجها في الحاضر فكأنها تعبير عن الماضي في ثوب جديد.
5- إعادة دراسة وفهم تراثنا الإسلامي وقراءته وقراءة نقدية تحليلية معرفية تخرجنا من الدوائر الثلاث التي تحكم أساليب تعاملنا مع تراثنا – في الوقت الحاضر -: دائرة الرفض المطلق، ودائرة القبول المطلق، ودائرة الانتقاء العشوائي.
فهذه الدوائر الثلاث لا يمكن أن تحقق التواصل مع ما يجب التواصل معه كم هذا لتراث، كما لا يمكن أن تحقق القطيعة مع ما يجب إحداث القطيعة معه من ذلك التراث.
6- بناء منهج للتعامل مع التراث الإنساني المعاصر – أيضا – يخرج نعامل العقل المسلم معه من أساليب التعامل الحالية التي تخلفت عن أطر ومحاولات المقاربات، ثم المقارنات، لتنتهي بالرفض المطلق، أو القبول المطلق، يروح مستلبة تماما، أو الانتقاء العشوائي.
فهذه الخطوات أو المهام الستة هي التي أطلقنا عليها «أسلمة المعرفة، أو المنهج التوحيدي للمعرفة أو أسلمة العلوم الاجتماعية والإنسانية، وتوجيه العلوم الطبيعية وجهة إسلامية أو التأصيل الإسلامي للعلوم، فنحن لأول مرة نجد أنفسنا أمام وضعية عالمية تعمل على توظيف المعارف والعلوم واكتشافات العلوم والمنجزات وتوظيفا يفصم العلاقة بين الخالق والكون والإنسان، وذلك بطرح تصورات حول الوجود يبدو بعضها نقيضا لتصوراتنا الإسلامية، وقد تكون هي كذلك وقد لا تكون، إذ ليست القضية أن ننتقي مقولاتنا الدينية ما يتوافق مع تلك التصورات لنقول: إنها لدينا من قبل، أو نرفضها وندمغها بالكفر. فمنطلقنا ومنذ الأساس تجاه العلوم الكونية ليس منطلقا لاهوتيا، وليس مطلوبا منا أن نقتدي بغيرنا لأن تجربتهم في مواجهة العلم ومنجزاته تختلف عن تجربتنا، فلو كان القرآن لاهوتا لما جازت فيه إلا قراءة البعد الواحد، أي القراءة الأولى قط، وقد أمرنا بخلاف ذلك، فنحن لا نصارع العلم لأننا ندرك أن الوحي في الكون الكتابي، هو الوحي في الكون الطبيعي، فإذا ظهرت انحرافات أسندت إلى العلم، فالمطلوب هو تطهير العلم منها، وهذا أساس الجمع. إذ لم يكن الدين من قبل يواجه سوى فكر عقلي وضعي مجرد، ولم يكن مسلحا بالعلم التطبيقي المعاصر، ونتائجه التي أدت إلى قيام مذهبيات تجاوزت الوضعية التقليدية، فالمطلوب منا – وكما أمرنا استرجاع أو استرداد العلم من هذه المذهبيات وتطهيره وإعادة توظيفه بمنطق الجمع بين القراءتين.

المهمة قرآنية وكذلك عالمية:
هذه المهمة عالمية وإن تصورها البعض بمنطق الخصوصية الجغرافية والبشرية، فنحن جزء متفاعل بعالم اليوم، ليس بغزوه الثقافي، فذاك ما يمت للقرنين – الثامن والتاسع عشر، ولكن بغزو العلم التجريبي التطبيقي الذي يتطلب منا جهدا في الأسلمة يعادل جهد أسلافنا الكرام في مواجهة الغزو الفكري الذي بنى أبوابنا مع الثورة الفرنسية، إذ كنا نواجه وقتها حالة عقلية مجردة، وبإمكانيات الوضعية العقلية المحدودة، أما الآن، فإن المواجهة مع عقل علمي تجريبي أعاد صياغة العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية كلها، فإما أن تتحول إلى أسلمة العلوم الطبيعية والإنسانية برؤية قرآنية كونية تتعثر في انطلاقتها مقيدة إلى الجزئي، ولم تأخذ بعدا كونيا يحتويها، والبعد الكوني كامن في الوحي القرآني "إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعد بالله إنه هو السميع البصير، لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (سورة غافر: الآية: 65 – 75).
إن المهمة عالمية ولكنها أيضا قرآنية، فأمام التدافع الديني وإفلاس الأنساق الحضارية يتصدر القرآن وحده هذه المعركة الشاملة، وباعتبار كتاب وحي مطلق، ليستمر من بعد أن توقف أو يتوقف الآخرون، فهي معركة اختبار لنا في فهمنا لمنهجية القرآن، والهيمنة الحضارية به على مختلف مناهج العلوم عبر الجمع بين القراءتين، فالعلوم المعاصرة قد لبغت اليوم مرحلة تفكيك الظاهرة إلى حدود لا متناه في الصغر، وتسبح في كزن لا متناه في الكبر، فلم تعد الظواهر كما فهمها الأقدمون من أسلافنا بل ومن العالم كله – بوصفنا تلك الشاخصة والمجسدة أمام الهين الناظرة، فالحواس التي كانت هي وسيلة التعقل، أفسحت المجال لحواس مجهرية والكترونية أعطت مفهوما جديدا للظاهرة، فحيث فهم الأقدمون الذرة كحبة رمل مرئية – فإن ذرة اليوم مجهرية، فتحول معناها مما يبصر إلى ما لا يبصر "فلا أقسم بما تبصرون، وما لا تبصرون" (سورة الحاقة، الآية: 3 – 39)
وحيث فهم الأقدمون الأطوار فهما تعاقبيا وتكراريا، فإن الأطوار اليوم صيرورة وتغيرات كيفية وليست فقط كمية، وهذا هو الفاروق الجذري بين السبيبة العقلية الموضوعية، كما هي في تراث كل البشرية والسببية العلمية المعاصرة، فالسببية المعاصرة صيرورة وتحولات كيفية.

 أسلمة المعرفة والمصير الإنساني:
ليست القضية مجرد ترف نظري أو مماحكات فلسفية حين نطرح ضرورة الجمع بين القراءتين ليخلص الفكر البشري من أزمة اللاهوت المستلب للإنسان والطبيعة، وليخلص بذات الوقت من الإطار الوضعي للأفكار العلمية التي تفصمه عن خالقه، فلكل من النهجيين إسقاطاته على حياة الإنسان ونسقه الحضاري ومبادئه وتشريعاته، فإسلامية المعرفة مقدمة (بديل حضاري عالمين) لا يستهدف المسلمين فقط، ولكن العالم أجمع، وهذه مهمة تتطلب العديد من البحوث المميزة بداية بحوث ودراسات في القرآن العظيم نفسه ضمن فهم جديد ومن منظور علمي وعالمي، وهذه عي مهمة إسلامية المعرفة الأساسية.
إنه دون فهم القرآن فهما منهجيا ضمن وحدته الكتابية الكاملة الأساسية، بما يماثل فهمنا المنهجي المعاصر للظواهر الكونية وحركتها في وحدتها العضوية يستحيل قطعا تأسيس إسلامية المعرفة، فمنهجية العالم المعاصرة ترد الكثرة إلى الوحدة، وتحلل الظاهرة ولا تكتفي بتفسيرها. والقرآن (المكنون والمجيد والكريم) قابل في وحدته الكلية لهذا الفهم المنهجي، بحيث ندرس الكتاب الكريم بنفس المنهجية التي يدرس بها العلماء الكون العظيم، وكما ذكرت بعقلية علمية عالمية.
صحيح أن العقل العلمي العالمي المعاصر رافض لكل الكتب الدينية أو متسامح مع بعض موضوعاتها، ولكنه يجمع على رفض منهجيتها ووحدتها العضوية، مؤكدا على أن اختصاص الكتب الدينية، ينتهي لدى القناعات الإيمانية وغيبيات ما وراء الطبيعة – يبدو مستحيلا، طالما أن هناك مقولات في الكتب الدينية لا مجال لأن تجمع فيها القراءة مع العلم، وإلا تم تزييف أحدهما أو تلفيفه، فكل ما تشير إليه الكتب السماوية من كائنات غير مرئية أو بعض القصص التاريخي لا مؤشرات عليه لدى العلم الموضوعي العاصر.
إن هذا المنطق يصدر عن فهم خاطئ لمفهوم الجمع بين القرائتين، فغاية الجمع بين القراءتين أن تنتهي إلى (فهم كوني) للوجود خلاف القراءة الثانية بمفردها، فلو اكتفينا بالقراءة الثانية فقط، سنبقى في حدود الإطار الوضعي للفكر ومقولاته حول الوجود، ولمارسنا مفهوما يعتمد على تفكيك الظاهرة وتجزئتها بمنطق الجدلية العلمية المعاصرة واحتماليتها ونسبيتها. وهنا تبرز محاذير القراءة الثانية بمفردها، أو أنها تنتهي بنا إلى فكر وضعي جزئي لا إلى فكر كوني. لكن حين نجمع القراءة الثانية مع الأولى، نتدرج من الجزئي الموضعي المحدود إلى الكلي في إطلاقه الكوني بما فيه من ظواهر مرئية وغير مرئية، فكل رفض للقراءة الأولى، القراءة الكونية باسم الله خالقا، فالوحي كلي مطلق يستوعب الجزئي وليس العكس، فلا معنى للقراءة الأولى دون الأخذ بعين الاعتبار كل جزئية غيبية، وقد نبه القرآن إلى ذلك: "وإذا قيل لهم ماذا أنول ربكم فالوا أساطير الأولين" (سورة النحل، الآية: 24)، فالقراءة الأولى تضع الغيبيات والماورائيات كجزء أساسي في المنهج باعتبارها مسلمات تستدعي الإيمان بها فقط، ولكن كدلالة على وجود كوني أكبر من تمثلات القراءة الثانية، لأن للملائكة فعلها القائم والمؤثر في الحياة الكونية، وكذلك الشياطين وصالحي الجن، وهذا ما يعطي الخلق حقيقته الكونية المتكاملة، فاستبعاد هذه الموضوعات هو استبعاد للقراءة الأولى، وكذلك ما يتعلق بهاروت وماروت وذي القرنين والدابة التي تكلم الناس وجن سليمان. فكل هذه القضايا دلالاتها على مستوى الوجود والخلق الكوني، فهي ليست أساطير أولين، وإذا لم نأخذ بدلالاتها نرتد إلى القراءة الثانية بمفردها، فلا نعرف من التاريخ الكوني معناه الحقيقي، فالقراءة الأولى لا تطلب فقط منا الإيمان بوجود الله، ولكنه توجه إلى ألوهية الخلق والتكوين الكوني، وارتباط المصير الإنساني بالتخليق الكوني كله، أي منهجية الخلق المستوعبة لمنهجية الأشياء الموضوعية التي نقرأها بالقلم.
فنجمع بين منهجية الخلق (بالله خالقا) ومنهجية التشيؤ (القلم) في قراءة كونية واحدة، فيتحقق الإطار الإيمانى الشامل، وإلا صارت المنهجية قراطيس انتقائية تميل بغرضية ذاتية إلى القراءة الثانية دون الأولى.
إن العالم ليخرج من أزمته الفكرية بمعناه الغيبي في تركيب الوجوه ومصيره، وهذه هي مهمة القراءة الأولى التي تبدو للبعض مجرد أساطير للأولين. فالمهمة كبيرة ومتسعة باتساع هذه الكونية، وبدايتها الجمع بين القراءتين، وغايتها أسلمة المعرفة ليعم الرشد، ويسود الحق، وينتشر الهدى، وتشرق الأرض بنور الإيمان والقرآن.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here