islamaumaroc

أدب العلامة السائح بمناسبة صدور مخطوطتيه "لمحة بصر على البلاد المقدسة" و"الاتصال بالرجال".

  محمد قرقزان

العدد 321 ربيع 1-ربيع 2/ غشت-شتنبر 1996

  السائح رائد سبق عصره:
يندرج أدب العلامة محمد السائح رحمه الله، وكتاباته في إطار عصر الانبعاث، وينضم شخصه المرموق إلى كوكبة قرنائه من رواد النهضة في هذا العصر الحديث، ومؤلفاته التي تربو على الأربعين أثرا في الدين، والأدب، والقضاء، والرحلة، واللغة، والتاريخ، والجغرافية، وتفسر القرآن، والفقه، والخلاف العالي، والاجتهاد، والسنة، والفلك والتوقيت، والنوازل، تؤكد كلها عبقرية هذا العالم، وأحقيته بأن يتبوأ مكانته السامقة بين أنداده الأفذاذ، ونظرائه أكابر العلماء العاملين وتنبئ عن غنى ثقافته، إذ كان يحاضر في معهد الدراسات العليا بالرباط وهو دون العشرين، وتفتحه حين يحرص على تعلم اللغات الأجنبية، وتطبيق المناهج العصرية المتقدمة على علوم الدين والأدب والتراث، وعلى حبر ألمعي موهوب، ويومئ استشرافه الدائم إلى التأليف إلى إمكانية تصنيفه مع مجموعة من كبار الأعلام ذوي الثقافة الموسوعية، والمواهب المتعددة، ويعكس استمرارية مرحلة سلفية قديمة متوثبة نادرة من مراحل نشر العلم والثقافة في المغرب، وامتداد جيل الخلف العظيم المتميز بقوة علمه، وغزارة مادته، وفاعليته أينما حل وحيثما ارتحل، ومقدرته الهائلة الموهوبة على المحاضرة والعمل، والحوار، والتأليف، والبحث، والتغيير، جيل نمد بأبصارنا اليوم فلا نعثر إلى على النادر من أعلامه الراسخين، الذين قلما يجود الدهر بأمثالهم، لَمَّا حملوا رسالة الأنبياء، وبرهنوا فعلا على اقتدار وكفاءة.
ويعلم الله كم من علم انقرض بغيابهم، وكم من معرفة اندثرت بقبضهم وآلت إلى زوال!!!
والسائح بحسبه من هؤلاء الراسخين قد خلف هذا التراث العريض الذي لم ينشر منه شيء، على الإطلاق بعد وفاته، ولا يهمنى سبب ذلك الآن، ولكن يمضني ويوجعني أشد الإيلام – وقد جاء في مرحلة دقيقة جدا من تاريخ هذه البلاد العزيزة منذ مؤتمر الجزيرة الخضراء (1322هـ / 1904م) وحتى أواسط القرن – أن تبقى آثاره العامة المفيدة المتنوعة طي النسيان، لا سيما وحاجة المؤرخين والباحثين والعلماء لها ملحة، يمكن أن تلقي ضوءا هاما على مراحل حساسة من تاريخ هذا البلد، والعلاقات مع بقية الدول، فكيف يمكن أن ندون تاريخا لحقبة هامة مازالت شواهدها غائبة منسية، ومخطوطاتها مجهولة؟
نعم، ويبدو في السائح رحمه الله، خلال نصف قرن، من المجاهدين الصامتين الزاهدين بالشهرة، الذين يضعون يدهم في يد القيادة هنا لطلائع النضال الوطني، ويكافحون بالقول والعمل والحكمة الحسنة للقضاء على الأعداء اللدودة للشعوب؛ الجهل والمرض والأمية، وسعيا للتقدم وإنشاء المواطن الصالح، وبناء المجتمع الراقي، والتحضر، التي نرى الأمة ترفل بظلالها الآن، وتتمتع بثمراتها حاليا.
هل أقول: إنني اكتشفت كنزا من كنوز ذخائرنا بعد مرور قرابة نصف قرن على وفاته، حقيقا بأن ننفض عنه الغبار، وعن آثاره، ونعطي إشارة البدء بإماطة اللثام عنها، ونشرها وتحليلها، ودرسها وطبعها، وبيانها للظامئين المتعطشين إلى ري المعرفة الحقة؟
إنه ابن عصره، ورجل عز نظيره الآن، ينضاف إلى لائحة الخالدين الذين قلما يجود الدهر بهم، وستبقى كتاباته عن الرباط، والجديدة، ووادي الصم، وأبي الجعد، وفاس، والأندلس، مرجعا حافلا لجميع الدارسين المتخصصين في هذه الأصقاع وعلومها في النصف الأول من هذا القرن، ولا تقل كتاباته عن الجاحظ، والمدن التي زارها، والعلوم التي ثقفها شأنا عن غيرها، وتضيف إلى تراثنا منهجية جديدة، وعقلانية نادرة متفتحة سبقت زمانها.
وثمة نقطة أؤكد عليها، وهي شخصية كنموذج ريادي يحتذى في مثاليته وأخلاقيته العالية، وعفافه أثناء عمله عما في أيدي الناس، حين يبيت على الطوى مع أسرته، رافضا بحزم تلقي الهدايا ذات القيمة المذهلة التي كانت تقدم له ولأمثاله من القضاة الشرفاء المبرزين، إذ يبيتون بقضايا بالملايين، بقي هكذا حتى دنوا أجله، ولم يخلف شيئا من حطام الدنيا لأسرته.
هذه السيرة المشرفة القوية التي نحن أحوج ما نكون لأمثالها في واقعنا كنبراس بهدي سلفنا الصالح المشرف، وتضرب أسمى الأمثلة للأجيال، إنه يعكس أيضا صراع أمة رائدة حية مكافحة، وملوك شرفاء، مناضلين، لتحقيق الوحدة ضد معالم التردي والفرقة والضعف التي بثها الاستعمار في حقبة خطيرة من التاريخ، ولدفع عقارب الساعة إلى الأمام.
أرجو أن يكون نشر هذا الكتاب بمثابة حجر الأساس ف يبنيان السائح الذي آن أن يشره في تشييده، فيساهم كاتب هذه السطور بجزء منه يكون فاتحة خير، يكتب لخاتمة أن توضع بعد سنوات قلائل – إن شاء الله -.
إضافة إلى هذه الدعوة التي نوجهها إلى الباحثين لنشر آثار الرجل المغمورة نرجو أن يأخذ خلاقه بالتعريف به، وبآثاره، وإدراج ذلك في كتب التاريخ والمدارس والجامعات ليقرأ الخلف صفحات ناصعة عن سلفهم، وفي الصحافة ووسائل الإعلام المختلفة.
ثم إنه – وهو العالم المتميز – لجدير بأن يحتفى به، وتقام له ولآثاره الندوات التي يتم فيها تحليل آثاره وأفكاره، وحلقات البحث في الجامعات ووسائل الصحافة والجمعيات الثقافية والاجتماعية للتعريف بمنهجيته وخططه المتقدمة، وأن تسمى باسمه بعض المؤسسات العلمية والشوارع والساحات تكريما له، ولحياة جليلة قضاها وختمها في خدمة وطن عزيز جدير بالتجلة والإكرام في شخص علمائه ومجاهديه، وفي ذلك إعلاء أيما إعلاء للعلم ولواء المعرفة، عسى أن نرد، بعض الاعتبار، ونوفيه بعض حقه من عالم قضى وهو في معترك العلم والجهاد.
ولا أنسى في مسلك الختام أن أشير إلى أننا أمام شخصية فذة اكتشفها المغفور له الملك المجاهد محمد الخامس – طيب الله ثراه – ورعاها نجله المظفر الملك الهمام صاحب الجلالة مولاي الحسن الثاني – مد الله في عمره – حينما كان وليا لعهده. إنه عالم رائد سبق عصره في كثير من الأفكار التي انبثت في مصنفاته المتنوعة الكثيرة، ودبجها قلمه القوي، وشق طريقه متقيلا سنن السلف وطرائقهم، فأبدع الكثير الجليل.
وأكبر ما يثير إعجابي تلك الجرأة والنزاهة، وهذه العاطفة الدينية الطيبة الأبدية الصادقة الطافحة الصلبة لديه، ولدى المغاربة، ملوكا وشعبا، على مدار التاريخ في جهادهم الدؤوب، ونضالهم المرير منذ نيف وأربعة عشر قرنا، في هذا الثغر الصامد المجاهد دون شخصيتهم وعقيدتهم ولغتهم، وحرصهم الدائم على الارتباط الروحي بمنابع الوحي والثقافة، والمساهمة المادية، وأداء الواجب، والتحدي الصارخ للاستعمار اللدود الذي لم يأل جهدا في إبعاد قيم، كانوا هم – ولا يزالون – يحرصون عليها، ويمارسون شعائرهم ويؤدونها، رغم بعد الشقة، ونأي المسافة، حتى لو آل الأمر بهم إلى التضحية بأرواحهم.
وكأني بأصواتهم وهم يجهشون بالبكاء، لا تزال ترن في أذني، إذ يستقبلون طيبة الطيبة على ساكنها السلام جائرين إلى الله، حينما يلمحون القبة الخضراء، ويتنسمون عبق عبير ضجيعها سيد الوجود محمد " وبارك وعظم.

  منهجية العمل:
من كل ما سبق نلاحظ أن السائح أحد أولئك الجهابذة القلائل المرموقين الذين أنجبتهم الرباط، وخلف مخطوطات مهمة في أدب الرحلات على قلة العلماء الذين اهتموا بهذا الفن في عصرنا في هذا المجال، وقد أنفقت ثلاث سنوات في تحقيق ودراسة هذين الأثرين المشار إليهما في العنوان:
أولهما في «أدب الرحلات الحجازية».
وثانيهما «ثبت بحياة المؤلف ومشايخه أعلام العصر أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن»، وقدمت لهما مع دراسة ونشرتها لأول مرة على نفقتي الخاصة، وفق المنهجية التالية:
- التعريف بحياة المؤلف ومشايخه ونجباء تلاميذه وآثاره.
- أسلوبه وتحليل مضمون المخطوطتين.
- أهميتها وقيمتها.
- أدب الرحلة عند العرب والمسلمين تاريخه وبعض أعلامه.
- أهمية أدب الرحلة عند العرب والمسلمين.
- وصف المخطوطتين.
- صنيعي بالكتاب – شكر وتقدير – صور نماذج المخطوطات.
- نص المخطوطتين.
- الفهارس.
وهكذا بعث هذا النص الأدبي الهام في (208) صفحة في أول محاولة ليكشف عن عمق العلاقات التاريخية الطيبة واستمراريتها بين صقعين من أهم بلاد العالم الإسلامي على الإطلاق، المملكة العربية السعودية، والمملكة المغربية، ووفاء عاهليهما بقيم عليا ثابتة مستمدة من حضارة عريقة ضاربة الجذور في أعماق التاريخ، وذات تقاليد متجذرة في تحدي عوامل الاستعمار الرامية إلى وضع الحدود، وتمزيق العالم الإسلامي.
ورحلة «لمحة بصر على البلاد المقدسة» نموذج أدبي سام دبجة قلم عالم متبحر في عرام نضجه الثقافي، ونموه العلمي، ينضاف إلى سجل الخالدين الذين حازوا قصب السبق في هذا المضمار، وتتضمن لوحات فنية رائعة لجميع الأماكن التي جازها، خاصة جدة والحرمين الشريفين، وحالتهما في أربعينيات هذا القرن.
إنها من جهة أخرى تصور بعثة ملك المغرب سيدي محمد الخامس قدس الله روحه إلى الديار المقدسة، وعلى رأسها العلامة السائح محملا برسالة مولوية هامة، هي أول رسالة تصدر منه إلى أخيه جلالة الملك عبد العزيز آل سعود آنذاك؛ وإنها –أي الرسالة – لدى وضعها في إطارها التاريخي لتعبر عن تحد صريح لإرادة الاستعمار التي كانت في غطرسة وعنفوانها من الوطنيين والتي وجدت مقاومة صامدة من المخلصين، وعلى رأسهم ملم البلاد المنعم في عفو الله.

  مضمون المخطوطتين:
ففي الأثر «الاتصال بالرجال» وصف دقيق بقلمه لولادته ونشأته وأخذه للعلم، وعمله في قصر السلطان المولى يوسف رحمة الله عليه، وأسباب انتقاله إلى ثغر الجديدة، والعلماء الذين التقى بهم، وآثارهم ومكاتباتهم، ووادي الصم، وأبي الجعد ومآثرهما وما أملاه هناك، وأعلام المنطقة وأصولها، وأحواز فاس، ثم المدينة وولايته قضاءها وعدولها وأرباب المعرفة فيها ومآثرها.
وأما «لمحة البصر على البلاد المقدسة» فيصف استقبال أعضاء الوفد من الجناب الشريف بعد مقدمة هامة، وتكليفه بالمهمة، وصفاته، وما احتقبته البعث الشريفة من هدايا للحرمين الشريفين، والوداع، فالانطلاق إلى الرباط وفاس فوجدة والجزائر.
ثم امتطاء الباخرة ووصفها بدقة، فحجاج تونس الخضراء الذين التحقوا بهم، وما تم من تعارف بين علماء تلك الأصقاع، والوصول إلى بور سعيد، وعبور قناة السويس، وإحرامهم لدى مسامتة رابغ إلى أن رسوا بمرفأ جدة
ومن ثم انطلقوا إلى البلد الأمين، ومثلوا أمام العاهل السعودي عبد العزيز آل سعود غفر الله له ورحمه رحمة واسعة، وقدم الله له المؤلف رسالة من أخيه المغفور له محمد الخامس، وارتجل كلمة بين يديه، وألقى محمد المختار السوسي قصيدة رائعة، ودعاهم إلى حفلة غسل الكعبة، وحفل عشاء، ثم خرجوا إلى منى وعرفات، وهنأوا العاهل بالعيد السعيد، وأعجبوا بحالة الأمن، أيامه، وبدون أسعار الصرف، ثم الوداع. ودخول طيبة والسلام على سيد الوجود أسعد الساعات في الحياة، وعادوا أدراجهم إلى جدة.
وامتطوا الباخرة القناة، وودعوا إخوانهم التونسيين في ميناء بنزرت، والجزائريين في الجزائر، آيبين إلى الوطن الغالي حالين على أهل وجدة الكرماء، وفاس ومكناس، فإلى رحاب لجناب العالي بالرباط، وقد بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة والفريضة.
لقد خلف السائح رحمه الله تراثا عريضا يربو على أربعين أثرا، ما بين كتاب ورسالة، جد في كتابتها مدى عمره القصير، ما يزال أكثرها مخطوطا ل ينشر إلى يوم الناس هذا، وقد آن لها أن ترى النور.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here