islamaumaroc

ولسوف يعطيك ربك فترضى

  عمر بنعباد

العدد 321 ربيع 1-ربيع 2/ غشت-شتنبر 1996

حينما يقبل شهر ربيع الأول من كل عام، ويهل هلاله على أمة الإسلام، ويستقبل فيه المسلمون بكل بلد ومكان مناسبة دينية جليلة، وذكرى إسلامية عظيمة، يشرق نورها، يشع ضياؤها على أمة الإيمان، إنها ذكرى مولد سيد الكائنات، وهادي البشرية والمخلوقات، وداعيها إلى التوحيد وإلى عبادة الله، والقيان بجميع أنواع الطاعات والمبرات، والاستباق إلى الخيرات والمكرمات، سيدنا ونبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، لقول الله سبحانه: "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا".
وهي مناسبة طيبة يستبشر بها المسلمون، ويستحضرون فيها ذلك المولد النبوي الكريم، الذي شاء الله وسبق في علمه وأزله أن يجعل منه مولد خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن يكون مبعثه للناس رحمة، وفي وسط الأمة العربية التي كانت إذ ذاك منغمسة في جهل كبير وضلال مبين، لتكون منطلق الرسالة الإسلامية، ومركز دعوتها الحق، ولتحمل بعد ذلك رسالة الدين الإسلامي الحنيف الذي بعث الله به هذا النبي الصادق الأمين، وهدايته ونوره، ومشعل حضارته ومبادئه الربانية إلى الخلق والناس كافة، مصداقا لقول ربنا الكريم: "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين".
فلقد كانت الأمة العربية حين مولد الرسول "، وحين بعثته سادرة في ظلمات من الجهالات والضلالات، ومن الغي الموفي بأهله على الشقاء، كان الناس في ضلال الاعتقادات والعبادات، والأوهام والخرافات، وسوء الأخلاق وفساد المعاشرة والمعاملات، كما يتضح ذلك من كلمة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال أمام النجاشي أثناء هجرته إلى الحبشة: «كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وحسبه، وأمانته وصدقه، فدعانا إلى نبذ عبادة الأوثان، وإلى عبادة الله وحده، وأمرنا بصدق الحديث، وصلة الأرحام وحسن الجوار، فعدا علينا قومنا، فهاجرنا إلى بلد نطمئن فيع على ديننا وعبادة ربنا».
وبتلك المبادئ الإسلامية الشاملة، التي جاء بها المولد والمبعث النبوي الكريم، والتي تضمنها القرآن المبينـ والحديث النبوي الشريف، والسيرة النبوية الطاهرة، وتمثلها الرسول " في حياته الخاصة والعامة، تكونت على مدى ثلاث وعشرين سنة من مبعثه " على رأس أربعين سنة، وقضائه في مكة ثلاث عشرة سنة، وفي المدينة بعدها عشر سنوات، كانت كلها سنوات الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، لإصلاح المجتمع، وتبليغ الدعوة للناس كافة، حتى أكمل الله دينه، وأتم على أمة الإسلام نعمته، وجعل منها أمة واحدة في العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة، تهتدي بهدي الإسلام، وتستنير بنور الإيمان في شؤون دينها ودنياها، وتلتقي على الخير والصلاح، وتتضامن وتتناصر على الحق والعدل، وتتعاون على البر والتقوى، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتجاهد في سبيل دينها ووحدتها بالفكر والحوار والإقناع، وبالعدة والسنان لرد العدوان ودفع الطغيان، حتى تظل الأمة الإسلامية أمة عزيزة منيعة، وتبقى كما أراد الله لها، وكما تركها النبي " أمة قوية متماسكة، متحدة متآخية، وعلى المحجة البيضاء سائرة، تحافظ على مقدساتها الدينية، ومقوماتها وثوابتها الوطنية، وتفرض وجودها وتقديرها بين كافة بني الإنسانية، تحقيقا لقوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" وقوله تعالى: "وأن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاتقون".
وهي المبادئ والمثل الإسلامية التي يجب أن يستحضرها كل مسلم ومسلمة بهذه المناسبة الدينية العظيمة، ويعمل لبلورتها وإبرازها في أعماله الفردية والاجتماعية، ويتذكرها باستمرار من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما يتذكر فضائل هذا النبي الصادق الأمين، وما أعطاه الله تعالى وخصه به من المكارم والمنجزات والمحاسن، والمزايا في هذه الحياة الأولى والأخرى، ويحرص على الإقتداء به وإتباعه قولا وعملا، لنيل المغفرة والمحبة، والرحمة ورضوان الله في الدنيا والآخرة، حيث جعل منه الحق سبحانه القدوة الحسنة الكاملة لأمته المؤمنة، وآتاه معجزة القرآن العظيم، ومعجزة الإسراء والمعراج، والشفاعة العظمى والمقام المحمود، وحقق له ما وعده به من العطاء الجزيل والفتح المبين والنصر العزيز، فقال تعالى في حقه: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا"، وقال سبحانه: "وإنك لعلى خلق عظيم"، وقال: "ولسوف يعطيك ربك فارضى".
وإذا كان المغرب قد عاش في شهر ربيع الأول هذه الذكرى الإسلامية العظيمة بما تقتضيه من فرح وسرور واحتفاء وابتهاج، بذكرى المولد النبوي الكريم، ومن عمارة مساجد الله وبيوته بما ينبغي من العبادة والدروس الدينية، والتعمق في فقه السيرة النبوية الطاهرة، واستخلاص المواعظ والحكم والعبر النافعة في حياة الأمة.
فإن هذا الشهر تزامن مع شهر غشت من هذه السنة، وهو شهر يستحضر فيه المغاربة قاطبة ذكرى وطنية جليلة، لها مكانتها البارزة في تاريخها جهاد العرش العلوي المجيد والكفاح الوطني المستميت الذي خاضته الشعب المغربي بقيادة عاهله المفدى جلالة المغفور له محمد الخامس،  ومن أجل استعادة العزة والكرامة ونيل الحرية والاستقلال.
ففي يوم عشري غشت من سنة 1953، أقدم الاستعمار على أكبر مغامرة وأعظم مخاطرة فاشلة هزت كيان المغرب والمغاربة، ومست بكرامتهم وعزتهم الروحية والوطنية، تمثلت في المساس بمؤسسة العرش المغربي في شخص العاهل المفدى، وذلك بالإقدام على نفي جلالة المغفور له محمد الخامس وأسرته الملكية الشريفة، وإبعاده عن شعبه الوفي ووطنه المغرب العزيز.
وقد كان ذلك الحدث الفزع صدمة عنيفة لدى أبناء المغرب، وكافة فئاته وشرائحه المتماسكة، ومبعث انتفاضة عارمة وثورة قوية ضد المستعمر وجبروته، فأخذ هذا الشعب الأبي الوفي يجاهد ويكافح، ويناضل ويدافع، ويضحي بكل نفس ونفيس، وبكل غال وثمين، من أجل إرجاع الملك الشرعي إلى عرشه ووطنه وشعبه، وتمتيع المغرب بحريته واستقلاله، فالتقت إرادة العرش والشعب، واجتمعت كلمتهما وعزيمتهما على السير في درب الكفاح، ومواصلة طريق الجهاد والنضال لتحقيق لاستقلال.
فبعد سنتين من نفي محمد الخامس وأسرته الملكية، ومن الانتفاضة الشعبية العارمة، أدرك الاستعمار أنه لا يمكن أن يستمر في سياسته الغاشمة الخاطئة، ولا أن يجد في المغرب راحة وسعادة، ولا مطمعا له ولا أملا في الأمن والاستقرار مادام الملك الشرعي للبلاد في المنفى، وما دام المغرب لم ينل استقلاله وحريته، فقرر إرجاع محمد الخامس إلى وطنه وعرشه وشعبه، وفتح المفاوضة مع جلالته لتمتيع المغرب بمطالبه المشروعة العادلة، ومعنويته كرامته المتأصلة في الاستقلال والحرية، والوحدة لترابية، والحفاظ على هويته الوطنية.
وبذلكم حقق الله للمغرب في هذه المرحلة من تاريخه العريق، ما حقق له في مراحل وفترات أخرى سابقة، ضاربة في أعماق أصالته وتاريخه المجيد، من فتوحات وانتصارات، سجلها له التاريخ بمداد الفخر والاعتزاز، وجعلت الحق يعلو فيه، ولا يعلى عليه، وتحقق بها للمغرب ما يتحقق لكل أمة مسلمة مجاهدة في سبيل نصره دينها وعزة وطنها، من فتح وانتصار، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى: "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم".
وهكذا رجع محمد الخامس مع أسرته من المنفى معززا ومكرما، متوجا بإكليل العز والانتصار، حاملا في يده وقلبه بشارة انتهاء عهد الحجر والاستعمار، وبزوغ فجر الحرية والاستقلال، وهو يلهج بحمد الله تعالى وثنائه، ويقرأ قول الله تعالى: "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور"، ويردد ما جاء في الأثر: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، وجهاد النفس وبناء الوطن والمغرب الحديث بما يحقق له التقدم والازدهار، ويرفع شأنه وقدره بين بني الإنسان في كل مكان.    
فجزا الله محمدا الخامس عن المغرب والمغاربة أحسن الجزاء، وأثابه على ما قدمه من جهاد وصبر وتضحية للوطن والدين، وللعروبة والمسلمين، وجعل مقامه في أعلى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وبارك الله في خلفه ووارث سره، ورفيقه في الكفاح والنضال ومساعده ومناصره في السراء والضراء، جلالة الملك الحسن الثاني، وأيده بفتح ونصر من عنده، وجعل الخير لهذا الوطن ولبلاد الإسلام على يده، وأقر عينه بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير الجليل سيدي محمد، وبصنوه صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وحفظه في كافة أسرته الملكية الشريفة، وأعاد على جلالته هذه الذكريات الدينية والوطنية وهو موفور الصحة والعافية.
ورحم الله شهدائنا الأبرار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، من الإخلاص والوفاء والتضحية في سبيل دينهم ووطنهم وعرشهم العلوي المجيد، واسترخصوا نفوسهم في سبيل إعزاز الدين ونصرة الوطن، وجعلهم من الأبرار المكرمين في جنات النعيم، وحقق النصر لكافة المسلمين في كل باد ومكان وحين، مصداقا لقوله سبحانه:
"وكان حقا علينا نصر المومنين".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here