islamaumaroc

ملك على رأس قائمة الخالدين

  حمداتي ماء العينين

العدد 320 محرم-صفر 1417/ يوليوز 1996

ليست الثقافة وحدها المعيار الأساسي لنجاح العظماء في الوقت الذي لا يمكنهم الوصول بدونها.
ذلك أن كل عظيم احتفظ لنا التاريخ باسمه ضمن سجل الخالدين، لابد أن يكون استشرف جملة من المنجزات الصعبة، ثم كرس حياته لإنجازها كلها أو بعضها.
وقليلون هم أولئك الذي أدركوا مبتغاهم من خلال تنفيذ كل خططهم ببلوغ جميع أهدافهم.
لذلك، ونحن نحتفل أن نترك العاطفة جانبا لنتعامل مع عطاءاته، ومن خلال ثلاثة عقود ونصف، تميزت فيها الإنسانية بتأرجحات كونية، عصفت بالبعض، وأرغمت البعض على الاستسلام، وقذفت بآخرين إلى إدراجهم ضمن قائمة المدانين من قبل المبادئ الإنسانية بكل معطياتها الفكرية والعلمية، والسياسية، وهذا التدخلات بين السلبيات والإيجابيات التي طبعت النصف الأخير من هذا لقرن قللت من عدد العظماء اليوم، في الوقت الذي أضفت على الناجحين منهم هالة من القدسية شدت مشاعر كل الإنسانية إليهم بسبب عملهم المتميز لصالح كل أفرادها.
وعندما يتسم أي كاتب بالموضوعية، فلن يجد من قادة العالم ثانيا للحسن الثاني يمكن من تحقيق أضخم العطاءات التي تجاوزت محيط بلده وحدود منطقته، ومذاهب عصره.
وللذكرى، التي تنفع المومنين، نسجل وقفة عند كل واحد من هذه المعالم لنقترب من بعض مميزات من تفرد بالعظمة في وقته.
فالعطاءات التي تجاوزت محيط بلده المملكة المغربية البلد الصغير، جغرافيا، والكبير فكرا وتاريخيا وكفاحا، تربع جلالة الملك الحسن الثاني على أريكة ملكه على إثر انتزاعه بفضل كفاح طويل قاده والده جلالة الملك العظيم محمد الخامس وهو بجنبه.
والحقيقة أن فترة كفاح المغاربة ملكا وشعبا من أجل الحفاظ على السيادة واسترجاعها طالت لمدة قرون؛ فمن الوقت الذي سقطت فيه دولة الأندلس، وشرعت الكنيسة استعمار الدول غير الأوروبية، أصبحت التطلعات إلى استعمار المغرب تشكل المرحلة الأولى والحاسمة في عملية التمكن من الاستحواذ على كل الجناح الغربي للإسلام، والجزء الغربي كم إفريقيا كلها، وما كان أحد يظن أن الشعب المغربي سيصمد بقيادة العرش العلوي المجيد طيلة تلك المدة التي استمرت من منتصف القرن الرابع عشر، حتى بداية العقد الثاني من هذا القرن، عندما تم سكوت العرش والشعب عن عملية فرض الحماية، اختيارا لأهون الضررين، وتوثيقا للإطار القانوني، الذي يمكن المغرب من استرجاع سيادته عندما تمكنه ظروف الكفاح من ذلك، إيمانا بأن ما سلب من السيادة لا يسترجع إلا بكفاح أصحابه.
ومع ذلك فإن صلابة المكافح المغربي ونضج المفكرين السياسيين أدعمت جهود ملك موفق يساعده ولي عهد نابغة، كلها آليات مكنت المغرب من استرجاع السيادة على الجزء الأكبر من الوطن.
بسرعة، راهن أعداء المغرب من خلالها على أن مراميهم البعيدة سيحققونها عن طريق تشعبات الموروث الاستعماري، الذي هيأ الأرضية الصالحة لجميع بذرات التوتر، ونذكر منها الجيوش الأجنبية التي تتربص بالمغرب دائرة السوء في أكثر من فرصة، والأراضي التي بقيت تحت يد المستعمر، إضافة إلى تلك التي ألحقها بأرض الغير، ظنا أنها أرضه، مع ما ظن أنه زرع بواسطته الإحن والبغضاء بين أبناء الأمة الواحدة، يضاف إلى هذا كله تعمد إفراغ شكل الدولة من محتواه، بافتقادها لكل المؤسسات والمرافق والبنيات التحتية لجميع المجالات، بصرف النظر عن موقف المغرب في العالم الثالث الذي ارتمت جل دوله في أحضان المعسكر الشيوعي، مما جعل الخروج عن اختياراتها بمثابة إشعال فتيل الحرب بينها وبين من ظهر بالنشوز عن سراب دعايتها الخادع، وقد عانى المغرب كثيرا من المحاولات للتخلص منه كدرع حائل بين أتباع المعسكر، وبين ابتلاع القارة الإفريقية.
هذه الملامح العامة لوضعية المغرب في السنوات الأولى للاستقلال، وفي الوقت الذي شرع الملك العظيم المغفور له محمد الخامس يخطط لولوج خضم الجهاد الأكبر لمواجهتها، كانت الأقدار تختاره لغير ذلك، فتنتقل به إلى الرفيق الأعلى لينال جوار الله جزاء المجاهدين الصابرين، مخلفا وراءه مغربا يحمل طموحات عظيمة وجه إليها جلالته، ورسختها توعية كل فعاليات الوطن، أثناء حملة المواجهة مع المستعمر، وأصبح المواطن العادي ينتظر من خلالها أن يمنحه الاستقلال فوق إمكانيات الوطن، ذي الخزينة الفارغة، والمشاريع الضعيفة إن لم نقل المعدومة، والقدرات المحدودة بسبب عقود من الاستنزاف والتخريب تعمدتها قوة عاتبة ترسم من وراء ذلك عدة أهداف، على رأسها عدم فتح المجال للأقطار الإفريقية في أن تحذو حذو المغرب في الاستقلال واسترجاع السيادة، وكانت ترسم لوحة قاتمة يرى من خلالها أعداء المغرب بنظارتي السوء التي تعمدوا نظر المغرب من خلالها.
هذه المشاكل كلها دفعت الكثيرين إلى الاحتمال بأن الملك الشاب يواجه عُباباً من المعوقات، أقل ما سينتج عنه أن يواجه المغرب تحولات مؤثرة في كيانه وقيمة ومعتقدة ومقدساته الإسلامية بكل خصائصها، أو يدخل في دوامة من عدم الاستقرار، وإذا لم يشاهد أيا من هذين الاحتمالين فليس هناك شك عند الأكثرين في أنه سيبقى سلطنة مطوقة وضعيفة، بسبب ضخامة ما ورث الملك الشاب من مشاكل يعقدها مناخ دولي، أكبر معسكراته كرس كل طاقات دوله للتخلص من المعتقد الديني والقيم الحضارية.
هذا الواقع سبق أن كتبت أن أصحابه لم يختل من عناصر معادلاتهم سوى عدم إحاطتهم بكنه الملك العظيم جلالة الملك الحسن الثاني، لأن الحقيقة والواقع أن المغرب لم يبق بيده من أدوات مواجهة تلك المعوقات سوى عبقرية ملكه وتوفيقه وبعد نظره، وبذلك مكن المغرب من تجاوز كل العقبات، بتزامن مع تسلمه زمام المكانة والزعامة الحاضرة والفاعلة في توجيه وتقرير مسار السياسة العالمية، فالتخلف الاقتصادي، ورسم الخطط للخروج من وطأته، والأجزاء المغتصبة، ووضع المناهج البعيدة الأهداف، والمستحيلة على التصور المعاصر، والتي أنجبت معجزة الزمن المسيرة الخضراء،    وولوج مرحلة مسلسل وضع أسس مؤسسات دولة القانون، كلها أهداف جعلها الحسن الثاني مكاسب أدركها بكفاحه، وبعد نظره، وحتى مع عدم إدراك كثير من مفكري أبناء شعبه لأبعادها في لحظة صدور القرار بتنفيذها.
تلك المكاسب أدركها المغرب وهو يعطي اهتماما بالغا لفرض وجوده على خضم السياسة العالمية، وهو مؤثر ومسموع الكلمة في الوقت الذي لم تتوفر لديه إمكانيات الدول العظيمة، ولا ريع عائدات نفط الدول الغنية ماليا بهبة من الله.
ورغم ذلك، استطاع المغرب بفضل عبقرية قائده أن يرسم للقارة الإفريقية إطارا يجمعها، ويكرس تعاونها، فيصهر جميع القواسم المشتركة في بوتقة التعاون والتكامل لتتمكن من استرجاع مكانتها، إذا سلم ذلك الإطار من ملئه بإرادات السفهاء المخربين، ونعني بذلك بعض موظفي منظمة الوحدة الإفريقية.
ثم فرض المغرب أيضا، بفضل العمل الدؤوب للعاهل المفدى، الدور الرائع في إخماد نار الحرب الباردة، بالعمل على نزع فتيل التوتر من نار حرب أوشكت على الاشتعال في أكثر من نقطة من العالم.
ومن أهمها القضية العربي الأولى قضية فلسطين الحبيبة، يضاف إليها ما يعرفه الكل من حضور المغرب في إرجاع الأمن والحرية للزايير، وأنكولا، وجنوب إفريقيا، على امتداد تلك التوترات إلى آخرها قضية الشيشان، والمشاركة الفعالة في مؤتمر شرم الشيخ.
على امتداد هذا المسار العالمي، يدرك الملاحظ من خلاله كيف أعطى الحسن الثاني للمغرب أكثر من قدراته، وأهله ليلعب المكانة السامية، التي ألحقته بمصاف ممارسات الدول العظيمة القوية.
ومن خلال استحقاقات عالمية تسلم المغرب مكانة فاقت قدراته، وتعدت حدود منطقته، وكيفت المصالح من مذاهب عصره، ليخلد التاريخ للحسن الثاني الملك العبقري، الذي ما حد من عزمه ما نثر في طريقه من أشواك، وما اعترض مسيرته من معوقات، وما دبر لبلده من مؤامرات، فكان كأنما تلهمه الظرفية القاتلة لغيره جذوة التفكير التي ينير قبسها مسيرة إلى تلميع بلده، فيدرك من بين تراكماتها مكسبا سياسيا، وبعدا حضاريا، ورصيدا ماديا، ومستوى فكريا، يجعل عاقبة البلاد حمدا، وخاتمة الشدة نصرا، وفاتحة الشر سلما.
وها نحن اليوم نحتفل بعيد ميلاد جلالته، والمغرب يتسامى في تحقيق المكاسب، وإسكات صوت الأعداء، وحبس أنفاس الحسدة.
أما الإشعاع الذي تجاوز حدود بلده فيتجلى في كون بلد مثل المغرب أصبح قطب تحريك مجرى سياسة العالم، حتى أولئك الذين يجاهرون بالعداء لابد أن تقودهم حكمة وتبصر قائده إلى استشارة ملك بلد لا يكنون له المحبة، ولا يتمنون له الخير، ولكنهم لا يجادلون في جدوى مساهمته في توجيه السياسة العالمية لينير السبيل أمام الحائرين إلى الرأي الأمثل، وليأخذ بيد التائهين إلى الطريق الصحيح.
فقضية الشعب الفلسطيني التي هي قضية العرب الأولى كان أول من أخذ بفك رموز تعقيداتها، والتوفر على الشجاعة الكافية التي تجعل المصالح العليا فوق تأجج العواطف.
وكان أول من جمع المسلمين من خلال قادتهم على مائدة واحدة لتوحيد الرأي الإسلامي رغم اختلاف المذاهب والطوائف، ولم يتمكن من ذلك قائد، بعد الفتنة الكبرى التي عرفها الصدر الأول للدولة الإسلامية في عهد الخليفة أمير المومنين حبيب رسول الله وصفيه سيدنا علي بن أبي طالب حشرنا الله في زمرة محبيه.
فمن ذلك تاريخ تباينت الآراء، وتنافرت النفوس، وتفكك شمل الأمة، ولم يقدر لها أن تتصافى أو تتعارف من خلال أعلى هرم مسؤولياتها قبل دعوة جلالته لذلك ونجاحه فيه، على إثر جريمة إحراق المسجد الأقصى سنة 1969. وسيقف التاريخ طويلا عند مساهمة جلالته في تحرير إفريقيا، ومحاولة لم شملها، وتقارب آراء مسؤوليتها، هذا إضافة إلى تقاطر رؤساء الدول العظيمة على عاصمة المملكة للاستنارة بنور عبقريته والتحلي برداء حكمته.
فجهود الحسن الثاني نصره الله تفيأ العالم ظلالها فحجبت عنه نار حروب محرقة، واسترشد برأيه، فهداه إلى أقوم الطرق، ونثر في درر عبقرية ما أصبح جاريا على الألسنة سائغا حلوا فهمه وبعيدا إدراك مثله.
ولأمته حقق فوق طموحاته وأسمى من تخطيطاتها، وأضخم من إمكانياتها، وللإسلام ناصر ونشر، وعنه دافع، ولأبعاده قرب، ولنصوصه وضح، وفيها وبها اجتهد..
فلا غرابة إذا سجلته مسير إدراكاته وعطاءاته على رأس الخالدين أيده الله ونصر، وأقر عينه بولي عهده، وأخيه المولى رشيد، وسائر أفراد عائلته الكبيرة والصغيرة.


    

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here