islamaumaroc

الشباب ركيزة الأمة وأداة نهضتها

  عبد العالي بنيعيش

العدد 320 محرم-صفر 1417/ يوليوز 1996

قبل أن أدخل ف يصلب الموضوع وتحليله، أود أن أحدد المحاور والعناصر والعناصر التي سيركز عليها هذا المقال وهي كالآتي:
أولا: تمهيد وتوطئة.
ثانيا: مفهوم الشباب وواجبه.
ثالثا: المؤسسات ووسائل إصلاح الشباب.
رابعا: خاتمة.

" أولا: تمهيد وتوطئة:
بهذه المناسبة السعيدة، مناسبة عيد الشباب المجيد أردت أن أساهم بهذا المقال احتفاء بهذا العيد السعيد، ولم أجد وسيلة أعبر بها عن مشاعري الفياضة إلا مجلة «دعوة الحق» الغراء، التي فتحت وتفتح قلبها لمن يريد أن يساهم في بناء وطنه، ويعمل على النهوض بأمته دينا ودنيويا.
لقد اعتاد الشعب المغربي أن يحتفل كل سنة بذكرى عيد الشباب، ذكرى عزيزة على كل من بدأ عودُه يَصْلُبُ، وبنيانه يتماسك، ذكرى غالية على شباب الثورة والجهاد ضد الاستعمار والدخلاء، من أجل الوطن والملك والاستقلال والحرية، ونحمد الله أن هذه الأمة تزخر بأعداد هائلة من هذه الطاقات الشابة، طاقات القوة والعطاء والإنماء، فهي أم ثروة، ومصدر خير لها، إذا عرفنا كيف نوجهها التوجيه السليم والسديد، لأن شبابنا من خيرة شباب الدنيا وأفضلها، إذا وضحت له المعالم، وتيسرت له أسباب ووسائل الثقافة النافعة، والتربية الإسلامية الصحيحة.
ومن هذا المنطلق، وعلى أساسه أخط هذه السطور مساهمة في إحياء هذه الذكرى العزيزة علينا، وفي تقديم وجهات نظر حول الأساليب والطرق الكفيلة ببناء شخصية شباب يعي دوره الحقيقي في بناء الأمة، ويقوم بواجباته الدينية والوطنية على أحسن وجه، ذلك الشباب الذي وصفه جلالة الملك – حفظه الله – بقوله:
«عضو يعرف ما عليه، وماله، ولكن عضو ينفع بلده. سواء داخل بلده أو خارجه».(1)
وبعد هذا التمهيد أنتقل إلى صلب الموضوع: «الشباب عتاد المستقبل وعماد الأمة».

" ثانيا: مفهوم الشباب وواجبه:
أ- مفهوم الشباب:
إذا وقفنا على تعريف المصطلح من الناحية اللغوية، تجد أن الشباب «مصدر»، والشبيبة «مصدر» وجمع شبيبة شبائب: أي الفتاء، وهو من سن البلوغ إلى الثلاثين تقريبا. ويطلق على أول الشيء نحو: «شباب النهار».(2)
فمرحلة الشباب تبدأ عند الإنسان في ربيعه الخامس عشر، بينما يتخطى فترة المراهقة والصبا، بحيث يعرف تغيرات شاملة في مختلف الجوانب الجسمية، والفيزيولوجية، والعقلية، والانفعالية، والاجتماعية، ويبدأ في التكيف معها لأنها تتميز بالشدة والمحن والمعاناة، ليمتد إلى سن الأربعين، حينما يبلغ المرء أشده مبتدئا علمية الهبوط والانحدار.
قال الله تعالى: "حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أعمت علي وعلى والدي"(4) وقال تعالى في سورة أخرى: "ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما...".(5)
إذن، نهاية الشباب هي أربعون سنة، وهي نهاية نضجه، واكتمال قوته الجسمية والعقلية.
فالشباب ربيع العمر، تكتمل فيه مختلف جوانب القوى الجسمية والعقلية، وتنفجر فيه المواهب، وتتفتح المدارك، وتتبلور العبقريات والاستعدادات، ومن هنا كان شباب كل أمة أثمن كنز نعتز به، وأعظم رصيد وثروة تفتخر به، لأنه أساس حاضرها وعدة مستقبلها.
ب- واجب الشباب:
بما أن الشباب عتاد المستقبل وعماد الحاضر، كان عليه القيام بواجبات متعددة، وأساسية تجاه نفسه ومحيطه ووطنه ومقدساته، فكان الحفاظ عليها، وعدم التهاون تجاهها، من أهم أولوياته.
ونبرز أهمها ونلخصها فيما يلي:
1- واجبه نحو نفسه والآخرين:
هو العناية بجسمه، وهي شرط لازم لكمال الحياة الخلقية والعقلية والروحية، إذ عدم الاعتناء بالجسم يؤدي إلى اختلال القوى الخلقية، وضعف الإرادة، فيجب على الشباب ألا يقرب الخمر واللهو، حتى لا يصيبه خوار في العزيمة وفي الأخلاق، وانحلال في الجسم، كما جاء في الحديث الشريف حول الابتعاد عن المسكرات: «اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر»، وفي حديث آخر: «سافروا تصحوا».
وكذا قوله تعالى في سورة الأعراف "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق، وأن أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون".(6)
فمن خلال هذين الحديثين الشريفين، والآية الكريمة يتبين مبلغ حرص الشارع على حفظ الأجسام وصونها مما يرديها، ويجعلها فريسة للأمراض، غير صالحة لما هيأها الله لها من شتى الأعمال والتكاليف.
ومن أبرز واجبات الشباب نحو نفسه أيضا أن يعمل على تقوية الإرادة فيه، فتقويتها يكسب الشجاعة التي يحفظ بها الإنسان كرامته الشخصية، فلا يرضى الاستعباد طائعا مختار، ولا ينقاد للعادات السيئة، لأن كل ذلك يعني التنازل عن إرادته وكرامته.
كذلك فمن واجبات الشباب الهامة أن يجتهد في تكميل نفسه ثقافيا واجتماعيا، فيختار الأعمال المشروعة، ليكسب عيشه حتى لا يصير عالة على المجتمع، تطبيقا لقوله تعالى: "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور"(7)، وعملا بدعوة الإسلام للكسب، قال رسول الله ": «ما من مسلم يزرع زرعا أو يغرس غرسا فيأكل منه إنسانا أو سبع أو طائر إلا كان له صدقة»، وإيمانا منهم أن العمل المشروع في مرتبه الجهاد في سبيل الله، وما البطالة والكسل إلا رذائل، لما خطرها على المجتمع، وكما قال أحد علماء الأخلاق: «إن البطالة شر من الرذيلة، لا بل هي أم الرذائل».
ومن واجبات الشباب والنشء نحو الآخرين أن يمحو كل أثر للحسد والبغض والغيبة والسعي بالنميمة، وأن يحل العواطف الشريفة محلها، كمحبة الأهل والأقارب، وخصوصا منهم الوالدين، عملا بقوله تعالى: "ووصينا الإنسان بوالديه حسنا"(8)، وأن يحسن المعاشرة، ويختار الصحبة الحسنة ويخلص إليها، وقد ضرب النبي " مثلا رائعا في اتخاذ الصديق الصالح، بقوله: «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة». فالمعاملة الحسنة والصداقة الطيبة شيئان أساسيان للشباب المسلم، فهما يمنعانه من الوقوع في الشهوات الدنيئة، ويدفعانه نحو حب الخير والصلاح.
2- واجب الشباب نحو الوطن:
على الشباب أن يسعى لعظمة وطنه ورقيه، فعظمة الوطن غاية كل وطني غيور يريد أن يصل إلى قمة المجد والعلى، وهذا من أنبل الواجبات، وأن إثما ما دونه كل إثم أن ينصرف أبناء الوطن عن القيام بحقوقه، فما الوطنية إلا تلك العاطفة التي تزجي في نفوسنا حب الوطن. وتحبس أبلغ جهودنا وأنبل مساعينا لخيره والعمل لمجده، ففي رفعة الوطن رفعتهم، وفي ذلة وشقائه ضعفهم وشقاؤهم، فحب الوطن من الإيمان كما يقال، فالارتباط بالوطن، والحنين إليه يولد لدى الفرد شعورا وإحساسا عاطفيا نحوه، مهما ابتعد عنه لطوارئ أو ظروف مرحلية، فالعودة إليه وخدمته تبقى دائما واردة بذلك الإحساس والحب الذي تولد عن كونه شعورا في القلب لا يفارق الإنسان.
فالرسول " قد سمع وصف مكة من أصيل فجرى دمعة حنينا إليها. وقال: «يا أصيل، دع القلوب تقر»، (9) فهذا مأمور به في الإسلام، وأن يضحي المرء بكل شيء من أجل الوطن من أسمة ما يمكن أن تقوم به الأجيال، حفاظا على وحدته وتربته، ومقدساته.
3- واجب الشباب نحو المقدسات: الدين، النظام الملكي، اللغة:
" الدين: إن من أول واجبات الشباب العمل على التمسك بالدين الإسلامي ونشره وحفظه، والدفاع عنه والانتساب إليه، والتحلي بأخلاقه، واعتباره ذلك شيئا أساسيا في حياة الشباب، فهو طهارة للنفس، وتهيئة للروح، وتزكية لها.
فالإسلام هو الدين الرسمي المنصوص عليه دستوريا، وقد تمسك به خلفا على سلف، الشعب المغربي اقتناعا واختيارا منذ دخوله إلى المغرب عبر الفتح الأول للصحابي عقبة بن نافع، فالتخلي أو البعد عنه يعني إقصاء أهم مقوم من مقومات الوحدة والاستقرار في هذا البلد.
إذا، كان الحفاظ عليه وحمايته مسؤولية تقع على كاهل كل الشباب المغربي.
قال الله تعالى: "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين".(10)
" النظام الملكي: ومن المقدسات التي يجب على الشباب أن يخلص لها ويدافع عنه هو جزء من حماية الدين الإسلامي، إذ لولا هذا لكانت أجراس الكنائس، ونواقيس البيع ترن في جميع أرجاء شمالي إفريقية، بل وفي إفريقية كلها، فهذا النظام هو الذي وقف حصنا منيعا في وجه الصليبية حينما انهارت الدولة الإسلامية في الأندلس، شمالي البحر الأبيض المتوسط.
" اللغة: من واجبات الشباب المسلم كذلك الحفاظ على اللغة العربية من التهميش والإهمال، لكونها لغة القرآن، ولغة الأجداد، واللغة الرسمية المنصوص عليها دستوريا، فالتنكر لها أو تهميشها هو في الحقيقة إضعاف لها وإقصاء لها من الحياة، على أن اللغة العربية محفوظة بحفظ القرآن المبين، الذي قال فيه الحق سبحانه: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ".
فحب اللغة من حب الله والرسول، كما ذكر أبو منصور الثعالبي النيسابوري(11): «من أحب الله تعالى أحب رسوله محمد "، ومن أحب الرسول العربي أحب العرب، وأحب العربية التي نزل بها أفضل الكتب على أفضل العرب والعجم، ومن أحب العربية عني بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها».
فاللغة العربية هي وسيلتنا للوصول إلى الفكر العالمي.
فعلى الشباب واجب الحفاظ على لغة الضاد، لغة القرآن، ولغة التراث الفكري والحضاري والثقافي لأمتنا.

" ثالثا: مؤسسات ووسائل إصلاح الشباب:
بعدما تكلمت عن الشباب وواجباته أنتقل الآن إلى الكلام عن المؤسسات التي تكون الشباب وتهيئه لأن يكون أداة صالحة ووسيلة بناءة لا هدامة، وعنصرا فاعلا ومنفعلا، وعن الحقوق الأساسية التي تدعم استقراره النفسي والمادي، فالشباب المثالي النافع لأمته ووطنه الذي ننشده يجب أولا وقبل كل شيء أن تهيأ له الأرضية الصالحة والخصبة لإنباته ورعايته والشروط الضرورية لإصلاحه وبنائه.
1- مؤسسات التكوين والتربية ودورها في توجيه النشء:
 " الأسرة: على المجتمع أن يهيئ وبعد لهذا الشباب المنشود أعضاء المؤسسة الأولى التي يتم فيها زرعه وإنباته، وذلك بالبحث عن الأم الصالحة والأب الصالح، الواعيين بدورها في الحياة، وبهدفهما من التزاوج، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون".(12)
" المدرسة: وهي المؤسسة الثانية لبناء شخصية الرجل الصالح لدينه وأمته ووطنه، فالمدرسة هي الآداة الثانية في توجيه الإنسان حيث تتلقفه وهو ما زال عجينة يصلح لجميع الأشكال والأحجام، ولجميع البذور النافعة.
وهذا ما يدعو إلى الاهتمام بالمعلمين والمربين الذين سيتلقون أبنانا ويأخذونهم ويسقبلونهم في رحلتهم الأولى من البيت إلى المدرسة، وانتقالهم من ذوي المستوى العلمي الرفيع، والاعتناء بهم ماديا وأدبيا وتكوينهم التكوين الصحيح المتين حتى يتمكنوا من أداء رسالتهم التعليمية والتربوية على الوجه الأكمل السليم.
" البيئة: وهي المجتمع، المحيط، الأجواء، المكان، الزمان، الأنظمة، الإدارة، الهيئات النقابية والسياسية، وكذلك الجمعيات الثقافية والرياضية والتربوية والفنية.. إلخ، فهذه كلها مؤسسات ووسائل ينبغي توظيفها واستثمارها في خدمة شباب الأمة ولصالح نهضتها وتطورها.
2- الحقوق المادية والمعنوية للشباب ودورها في إصلاحه:
مرحلة الشباب كما أشرنا هي ميلاد جديد، وفترة انتقالية تتلخص في دخول الشاب مرحلة مواجهة المشاكل والمسؤولية، معتمدا على ذاته في إيجاد الشغل المناسب، والسكن اللائق، والزوجة الصالحة، وحرية المشاركة والمساهمة، في تنمية البلاد حقوق أساسية مشروعة يكتسبها وينالها في إطار المواطنة، حتى لا يفقد الشباب الأمل، وينشأ عنده الخوف من المستقبل، ويتولد لديه الإحباط النفسي، ويصبح عرضة للانحراف وتبديد الطاقة في اللجوء إلى المسكرات والمخدرات، والانهيار الأخلاقي مهما كان نوع التربية ومراحل ومؤسسات الإعداد التي مروا منها.
لذا كان تهييء وتيسير هذه المسائل خطوة مهمة لإصلاح الشباب، والحفاظ على سلامة ذهنه وصفاء قلبه.
ولأهمية هذا الموضوع وخطورته كان لجلالة الملك حفظه الله بادرة طيبة في الاهتمام بالشباب ومستقبلهم، ومن ذلك ما ذكره في خطابه عند الذكرى الواحدة والستين لميلاده – 8 يوليوز 1990 – يؤكد مدى حرص جلالته على ضمان مستقبل شباب بلده ووطنه، فقد قال أعزه الله:
«أردت أن أشكرك فيما يهمني ويؤرقني، ألا وهو مستقبل بلدنا، وبالطبع مستقبل شبابنا، الذي هو حارسها وكاهلها وبانيها، والمسؤول عليها والملتزم لها».(13)
ثم أشار جلالته إلى الخطوات العملية التي قرر إنجازها لفائدة الشباب حيث أكد في نفس الخطاب السابق بقوله:
«لذا قررت شعبي الله سبحانه وتعالى وتوفيقه إنشاء المجلس الوطني للشبيبة والمستقبل».
فإضافة جلالته لفظ المستقبل كان جد سديد وهادفا لكون الشباب دائما يتطلع إلى غد أفضل وأحسن، هذا مما يدل على بعد نظرة جلالته ورؤيته الحكيمة في تدبير أمور شعبه وبلاده.

" رابعا: إعداد الشباب وتكوين شخصيته:
بعد التطرق إلى واجبات الشباب، والحديث عن المؤسسات والشروط الأساسية في إصلاحه، أتناول الآن الكلام عن الجوانب الأساسية في إعداده وتهييئه، وتكوينه من جميع الجوانب، الروحية منها والعقلية والجسدية والحسية.
1- الإعداد الروحي والديني:
يعتبر الإعداد الروحي والديني للشباب أول خطوة في تهذيب الشخصية، وتربية سلوكه، وتقويم أخلاقه من الاعوجاج والانحراف، والخروج عن جادة الصواب.
وقد أشار جلالته بكلمة سامية إلى أهمية التزود بالإيمان، وذلك بمناسبة هجرة الرسول "، فقال حفظه الله.
«على الشباب المسلم أن يتزود بالإيمان وبرسالة دينه القويم تزودا يقيه غائلة التيه بين ضلالة المذاهب المادية، ويجنبه عاقبة التردي في حماة الفسوق والانحلال، ويهديه إلى الصراط المستقيم صراط الكتاب الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه».(14)
فزرع الإيمان بالله، والخوف منه، والتوكل عليه كفيل بأن يدفع الشباب المسلم إلى الابتعاد عما وصل إليه الشباب المغربي من الضياع والفراغ الروحي، الذي ولد لديهم نوعا من البغض والتمرد على المجتمع، نتيجة غياب روح التوكل على الله والصدق معه، وغياب روح التخلق بالمحبة والصبر.
كما أشار إلى هذا بغض الأساتذة(15) بأنه قد ترتب عن هذا الفراغ الروحي ميل الشباب الغربي نحو الهروب من الواقع إلى المخدرات والمسكرات، وممارسة العنف بدوافع شتى. وهذا كله ناتج عن ضعف وقلة التنشئة على الاطمئنان الروحي الذي هو أساس توازن الإنسان وبناء الحضارات، كما قال الفيلسوف البريطاني «برنادشو»: «كنت أعرف دائما أن الحضارة تحتاج إلى دين، وأن حياتها أو موتها يتوقفان على ذلك».(16)
وهذا واضح لنا أن معيار قيام الحضارات أو سقوطها هو الدين، الذي يضبط سلوك الإنسان واتجاهاته المادية والمعنوية.
وانطلاقا من الصور المخيفة التي وصل إليها الغرب روحيا، ينبغي العمل على تجنب شبابنا مما وقع فيه الشباب الغربي، حتى لا يقع فيما وقع فيه شباب المجتمع المغربي، وحتى لا يفقد هويته وقيمه، ويتحول إلة قطعان من الحيوانات المفترسة.
لذا ينبغي أخذ الاعتبار والدروس من فساد الأحوال والأوضاع التي أصيب بها الغرب من جراء إهماله للقيم الروحية، والخصائص الإنسانيةـ خاصة وأن الشباب المسلم في أي بلد مسلم نشأ وينشأ في ظل الإسلام وفي بيئته الأصيلة، وأن شباب المغرب وبلده المومن يعيش في كنف ملكية دستورية، وفي ظل وعهد ملك مومن صالح مصلح جلالة الحسن الثاني، الذي جعل في مقدمة اهتماماته وأعماله الخالدة الحفاظ للمملكة المغربية على مقوماته الدينية والروحية، وأصالتها الثقافية والحضارية، فهيأ له دستورا، في مقدمة بنوده الأولى: الإسلام، واللغة العربية، واعتنى جلالته بمساجد الله وبيوته بناء وترميما، وعمارة بالعلم والفقه والدروس الدينية، وبرعاية العلم والعلماء، في هذا البلد المغربي العزيز.
2- الإعداد العقلي والمعرفي:       
بعد تربية الفرد روحيا، وتهييئه دينيا، يأتي جور المرحلة الثانية في بناء شخصية الإنسان وإتمامها، وذلك بتعليمه وتثقيفه الثقافة السليمة المناسبة لعصره ووطنه ولأمته، وتزويده بجميع أنواع المعرفة، سواء منها الثقافة السليمة الإنسانية والعلوم التجريبية والتكنولوجية، وتلقينه تاريخ الحضارات المختلفة، بحيث نجعل منه إنسانا ملما بكل قضايا التطور الحاصل في حياة الإنسانية ومواكبا للإنتاجات المعرفية والفلسفية والتقنية المعاصرة.
وهكذا يتحقق تحصين الشباب بمستوى ثقافي وحضاري متين يمنحه أسباب المنعة والوقاية من الانزلاقات، ومن الانحرافات الجارفة، ويتم تمكينه أيضا من أسباب الوصول على إدراك الحقيقة،والهدف من وجوده في هذه الحياة.
ولقد أدرك المسلمون الأولون قيمة ومنافع تكوين الفرد تكوينا روحيا وعلميا ومهنيا، فأسسوا المدارس والمعاهد والجامعات لهذا العرض، ونصب العلماء والمربون أنفسهم لذلك، أخذا بأيادي أبنائهم وبناتهم، حفاظا لهم من الوقوع في مزالق الانحراف، ومن هؤلاء العلماء والمربين الإمام «الغزالي» الذي وضع لهذا الغرض منهجا رائعا، حيث ألف عدة كتب في هذا المجال، وعلى رأسها «الإحياء» و«الاقتصاد في الاعتقاد»... لأنه أدرك أن تقويم الاعوجاج في الإنسان، وإصلاحه وتثقيفه لا يكون إلا بوسائل المعرفة والعلم.
3- الإعداد الجسدي والجسمي والحسي:
بعد الإعداد العقلي والروحي الذي يكون له دور في بناء شخصية الشباب، تأتي المرحلة الأخيرة في إتمام هذا الإعداد، بتهييئه جسديا وجسميا، بالرياضة والنظافة، والتغذية، والرحلات، والمخيمات وغيرها من الأنشطة والأعمال التي تعمل على تطوير قدراته وكفاءاته البدنية والحفاظ على سلامتها وصحتها، وتهييئه حسيا بتربية الذوق عنده، وتهذيب طاقاته الفنية، وذلك وتشجيعه على الإبداع، والاستمتاع بجمال الحياة، والترويح عن النفس بالكيفية والأسلوب الذي يناسب ميولاته وتعبيراته الحسية، من تشكيل ومسرح وشعر وقصة، وغيرها، وذلك ف يغير انحراف ولا اعوجاج عن الجادة، والأخلاق الفاضلة، وفي إطار ملتزم وهادف وجاد.
وهكذا يتم بناء شخصية الشباب من جميع الجوانب والمجالات المتعلقة بتكوين الإنسان وتكامله روحيا وجسديا وعقليا وحسيا.
" خامسا: خاتمة:
وخلاصة القول أن الشباب هو قوة الأمة ذخيرتها، وأساس نهضتها ورقيها.
لذا يجب العمل على تهييء جميع الوسائل لإصلاحه، وجعله في المستوى اللائق، وتسخير جميع الإمكانيات المتاحة، حتى تستفيد منه الأمة والوطن على المستوى السياسي والاجتماعي والديني والاقتصادي، ونعتني به كل عناية.
فعلى المجتمع أن يعمل يدا في يد للحفاظ علة هذه الطاقات الخلاقة الهائلة، وتوجيهها وجهة صالحة، نافعة للوطن والأمة، وما ذلك بعزيز على ذوي الهمة العالية والإخلاص من كافة المثقفين والمواطنين.

1) دعوة الحق – عدد 239 – ذي القعدة 1404 – غشت 1984.
2) المنجد في اللغة والأدب والعلوم – البعثة الجديدة – مادة: شب – ص: 371.
3) الإسلام والشباب، لمحمد السعيدي: الوعي الإسلامي: عدد: 262: ص: 107.
4) سورة الأحقاف – آية: 15.
5) سورة القصص – آية: 13.
6) سورة الأعراف – الآية: 31.
7) سورة الملك – الآية: 158.
8) سورة لقمان – الآية: 13.
9) نص شريف منقول من كتاب «الرسائل» للإمام الشهيد، حسن البنا – ص: 103.
10) سورة آل عمران – الآية: 85.
11) كتاب فقه اللغة، لأبي منصور الثعالبي النيسابوري.
12) سورة الروم – آية: 21.
13) دعوة الحق: عدد 280، محرم صفر الخير 1411 – عشت 1990.
14) مجلة الإيمان: السنة الأولى – محرم صفر 1384، يونيو، يوليوز 1964، عدد 7 و8 – ص: 5.
15) الوعي الإسلامي: عدد 271 ص: 64 – رجب 1407هـ - مارس 1987
16) نفس المصدر: الوعي الإسلامي عدد 271.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here