islamaumaroc

اهتمام حسني مبكر بالشباب

  قاسم عزيز الوزاني

العدد 320 محرم-صفر 1417/ يوليوز 1996

أهم مرحلة في الحياة هي مرحلة الشباب، فيها يقع التحول الذي يخرج منه الفرد من طور الصبا إلى طور الرجولة، وفيها يكتمل نموه، ويبلغ رشده، ويشتد عوده، ويتضح فكره.
والشباب هو القوة الدافعة في حياة الشعوب، هذه القوة التي تمتد بالإنسانية إلى الأمام، فتخلق وتبدع، سواء في مضمار الإنجاب أو في الميدان الصناعي أو الفني أو الأدبي...
ولذلك فهو محبوب في كل زمان ومكان، وعند الخاص والعام، وعند الأمم القاصية والدانية، وبرهن على أهميته منذ فجر التاريخ حتى اليوم، ولا يزال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
هام به الكل، ونظروا إلى قوته وحركاته بإعجاب، لفت أنظار المربين في مختلف الأنحاء، فأخذوا يولونه التقدير الكبير، والعناية الفائقة، وينادونه بتوجيه للعلم والإخلاص والصحة والسلوك الحسن، ليصبح أفراده رجالا صالحين، يقدرون على البناء، ويدعمون الأركان. وإلا كانت العاقبة وخيمة على مستقبل البلاد بإنضاج أشخاص ناقصين لا يفيدون ولا يستفيدون.
وعيد شباب جلالة الملك الحسن الثاني يحيي الالتفاتة إلى هؤلاء الشباب كلما حل موعده، ويذكر بوجودهم ويتفقد أحوالهم، ويدعو إلى ضرورة الاهتمام بشؤونهم، ويوحي بكل معني الخير بما يقدمه لهم صاحب الجلالة من المنافع الكثيرة وما يزال، وبما يحمل في طياته من الشمائل العالية، والدروس القيمة التي يستفيدونها من حكمة قيادته.
ويطيب لي بمناسبة الذكرى السابعة والستين لميلاد جلالته أن أحييها ولو بالقلم، وأساهم في تسليط الأضواء على جانب من توجيهاته السامية من خلال خطبه ومحرراته، التي كان يلقيها جلالتها في بداية تفتحه وعنفوان شبابه، وفي الفترة الصعبة التي كان يجتازها المغرب.
وإن الدارس لهذه الخطب ليلتمس بوضوح ما كان يرمي إليه من خير لهذا الشباب منذ نعومة أظفاره إلى  (صورة) صاحب السمو الملكي مولاي الحسن في الرابعة عشرة من عمره يحضر مؤتمر أنفا (22 يناير 1943) إلى جانب والده جلالة السلطان محمد الخامس والرئيس الأمريكي روزفيلت والوزير الأول البريطاني تشرشل
الآن، ينبهر لكثرتها، ويعجز عن الحديث عن تفاصيلها والإحاطة بما فيها.
وهذا ما دعاني، بعدما تصفحتها أن أقتصر فقط على ما أبرزه جلالته في حقبة من حياته، هي ما قبل نفيه صحبة والده جلالة الملك طيب الله ثراه، وابتداء من سنه الذي بلغ فيه الثانية عشرة، أي ما بين سنة 1941 إلى سنة 1953، أقتطف منها نتفا غالية، وأذكر منها مواقف مشرفة، مركزا حديثي على الناحية العلمية والثقافية، مع أن هذه المرحلة كانت عصيبة في بلادنا كما لا يخفى، لا يجرؤ فيها، إلا البطل المقدام، على اقتحام المخاطر بتوجيه الشباب إلى التثقيف والتعليم، وتوعيتهم وإرشادهم، وإعدادهم بالتالي لمناهضة المستعمر الغاصب، سواء بالقلم واللسان كما سيأتي ذكره، أو بالتطبيق والبيان، كما حدث عندما نزل جلالته فعلا إلى الميدان، حيث أبان عن إخلاصه ومساندته لحركة التحرير الوطني، وهو لازال في سن الخامسة عشرة، «عندما شارك ورفاقه بالمدرسة المولوية في المظاهرة التي نظمت بالمشور، في الوقت الذي كانت فيه المظاهرات التحررية تندلع في جميع ربوع المملكة، عقب تقديم المطالبة بالاستقلال في شهر يناير 1944، مما استفز وأغضب سلطات الحماية التي أعلنت معارضتها لمساندة مولاي الحسن للوطنيين».(1)
وهذه الأعمال كان ها الأثر البليغ، أدت إلى نفيه، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وإلى الثورة على الاستعمار والمطالبة بإرجاع ملك البلاد وولي عهده والأسرة المالكة ثم استقلال الوطن.
لقد أدرك حفظه الله وهو في صغر سنه خطر الجهل وآفاته، وأهمية العلم ومزاياه، فكان لا يدع مناسبة تمر إلا ويدرج فيها نصائحه الغالية، وتوجيهاته لسامية، ونداءاته المتكررة من أجل الكرع من حياض العلم، والارتشاف من آفاق المعرفة، وتوصل إلى أن العلم أفضل كسب في الحياة، قَدَّر قول الله تعالى في كتابه العزيز، ذلك السؤال الاستنكاري: ?قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون?.(2) وقوله رسوله ": «ما من داع يدعو إلى هدي إلا كان له مثل أجر من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، وما من داع يدعو إلى ضلالة إلا كان عليه مثل أوزارهم لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا».(3) حيث قال ابن عبد البر في «شرحه»: «حديث هذا الباب أبلغ شيء في فضائل تعليم العلم والدعاء إليه، وإلى جميع سبل الخير»، (4) وتعتبر الشاعر عن هذا المبدأ السامي الذي يدعو إليه الإسلام في قوله:
فالعلـم يـرفع أمـة ويعزهـا
            والجهل يخفضهــا أذل مقـام
ويحضرني الآن ما ذكره الدكتور «فليب سالم» ذو الجنسية الأمريكية من أصل لبناني، كبير الأطباء بالولايات المتحدة الأمريكية، ورئيس أطباء داء السرطان، والمقرب من البيت الأبيض، وموجها حديثه إلى العرب من أن الحضارة لا تقدر بالعمران والبناءات الضخمة، ولا بتشييد القصور الفاخرة، وإنما بكثرة العلم والعلماء.(5)
? أول خطاب:
من أحسن الصدق وطالع اليمن، أن كانت أولى خطب صاحب الجلالة وهو في مقتبل عمره، وظهور نبوغه، الخطبة التي ألقاها بصحن «جامع القرويين» بفاس سنة 1360هـ (14 / 6 / 1941) وسنه إذ ذاك اثنتا عشرة سنة، حيث قال فيها:
«معهد القرويين الذي يرجو سيدنا المنصور بالله أن يكون للأمة المغربية حوضا تستقي منه المعرف الدينية والمعلومات الدنيوية التي تكون للجميع مبعث السعادة ومصدر العرفان...».(6)   
وبعدما أبلغ الحاضرين باهتمام جلالة الملك محمد الخامس بالكتاتيب القرآنية، لما يعلمه من أن كتاب الله هو رائدنا الوحيد في سعينا وراء المصلحة الدينية والدنيوية، ولا سعادة لنا إلا به، أضاف:
«ولذلك يرجو نصره الله من كل أحد منا أن يبذل جهد المستطاع حتى تكون كل حركاتنا وسكناتنا تحت راية القرآن، فإذا حفظناه في لفظه ومعناه، ولازمنا تعاليمه الرشيدة، وامتثلنا أوامره، واجتنبنا نواهيه، رجعنا بلا ريب إلى استحقاق قوله تعالى: ?كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله?.(7) 
صدرنا بهذا الخطاب: لأنه كان فاتحة عهد له في هذا المجال، ولأنه يرسم خطة البلاد في التشبث بالأصالة، والتمسك بالعقيدة الإسلامية بالعناية بالقرآن ورفع رايته والعمل بما جاء به. ولذلك نراه في حديث آخر بعدما ذكر إكرام النبي " بهدي القرآن، وانتشار الإسلام، وتقد العمران، أبدى انتقاداته لحالنا وتصوره لما آل إليه أمرنا، فقال:
«... ثم نبذنا القرآن فانتبذنا، وهجرنا هديه الكريم فسقطنا... وما كان ليخرجنا من مدارك الخسران إلا إقامة هدي القرآن، لا نهتدي بمجرد حفظه، بل نفهمه ونتدبره، فإقامة هدى القرآن هي السبيل الوحيد لنجاتنا في الدنيا وفي الآخرة، هي سبب فوزنا إن كنا ممن يروم الفوز، ووسيلة نجاتنا إن بحثنا حقيقة عن رسائل النجاة»(8).
ثم أطلق هذا النداء:
«أيها الشباب! احفظوا القرآن، وتعلموا العلم لتدبره كما أمرنا به الباري جل جلاله..».
ثم أردف قائلا:
«ثم اعلموا بأوامر، فقد ضمنت لكم السعادة، واجتنبوا نواهيه ممتثلين إرشاده، فبه ترتقون مدارج الفلاح والسيادة».(9) 
وإذا عمدنا إلى ربط الماضي بالحاضر، فإننا نلمس هذا السلوك القويم، وهذه الروح الدينية تتجلى في مختلف أطوار حياته إلى الآن، حيث نلاحظ في إحيائه للدروس الحسنية الرمضانية، في ظل ملكه، وعهده الزاهر، إبرازا لتعاليم الإسلام الصحيحة، ولمناحي شريعته الصادقة في جميع الأقطار، وحيث نالت هذه الدروس مكانة بارزة في العالم بصفتها أفضل البرامج الدينية في القنوات التليفزيونية العربية لسنة 1416هـ / 1996م.(10)   
? الرغبة في بناء معاهد العلم:
كان جلالته، ينتهز فرصة الحديث في أكثر خطبه على تشييد معاهد العلم، فقال:
«وآمالنا وطيدة في أن يعم تأسيس هذه المدارس سائر أقطار المغرب، ‘ذ العلم هو أساس كل نهوض، ولا حياة لأمة بدون علم، فإن التقدم المادي والمعنوي ينبني دائما على أسس الحقائق العلمية».(11)
وفي خطبة أخرى، وبعد أن ذكر جلالته أن محمدا الخامس بنى مدرسة النهضة بمكناس من ماله الخاص، وأرسل تلاميذ يكلمون دراستهم على نفقته الخاصة في الخارج في التعليم العالي، وفي مختلف الميادين العلمية، وجه نداء إلى الأغنياء فقال:
«بادروا أيها الأغنياء إلى إتباع هذه المسالك الحميدة لتكون البلاد بنجدتكم سعيدة.
أسرعوا إلى تأسيس أركان النهضة المغربية بإعداد العاملين الأكفاء، وأنفقوا في سبيلها ما تستطيعون، ولكم من الله أحسن الجزاء.
أكثروا من المدارس والمهندسين والأطباء والخبراء الاقتصاديين يرق بهم المغرب أعلى درجات الكمال».(12)
ومما قاله في خطابه بمعهد مولاي المهدي:
«أيها السادة! إن المدارس أفضل بقعة يختارها الرجل للتمهيد للعمل، ولوضع الخطط، واتخاذ الوسائل، إذ المدارس مصابيح البلاد، منها يقتبس أبناء الشعب ذلك النور الرحاني الذي يغمر الأذهان، ويضيء طريق الحياة، ويفتح الأعين، فتقوى على رؤية الحقيقة، وتمييز الحق من الباطل، وتفضيل الخير على الشر».(13) 
وهو لا يكل ولا يمل من الحديث عن العلم، ويأبى إلا أن يعطي المثل بالعالم المتحضر وسبب تقدمه، فيقول في نفس الخطبة:
«فلولا العلم، ولولا سعة فكر العلماء، لما نجحت الإنسانية في استغلال تلك القوى الطبيعية العجيبة التي جعلت سكان المعمور، مهما بعدت الشقة بين مواطنهم، مقتنعين بأن سعادة أمة لا تتم ولا تستقر، ما دامت قطعة من الأرض يخضع أهلها (إلى) الفقر والخوف، فالعالم الجديد الذي تتعاون الأمم اليوم على وضع أسسه جعل عماده الأساسي وركنه الأول العلم، فمنزلتنا فيه تقاس بما اكتسبناه من العلوم، وما ساهمنا به من الأبحاث، وما أنجزناه من المخترعات، وما شيدناه من المدارس والمعاهد والكليات».(14)
? إشادته برجال التعليم:
وهو في حثه على المراكز العلمية، لا ينسى أن رجال التعليم هم الوسيلة الفعالة لبلوغ الغاية المرجوة، والمرقاة للصعود إلى العلى، ولذلك فهو يدفعهم لهذه المهنة الشريفة دفعا، ويشجعهم للقيام بهذا العمل، ويذكرهم بالمهنة الملقاة على عاتقهم ويشيد بهم، وقال: «لقد أحسنتم صنعا يوم اخترتم التعليم مهنة، واتخذتموه حرفه، فلا لذة أكبر ولا جميل أعظم من مقاومة الجهل، والانتصار على الأمية، ونشر أنوار المعرفة.
لقد أحييتم نداء أبي النهضة المغربية ملكنا المفدي سيدي محمد بن يوسف الذي يرى فيكم جنده الخالص، يرسله حربا، عنوانا على الجهالة أينما كانت، وعلى الأوهام والخرافات أينما استقرت».
وبعدما وجه إليهم نصائح تربوية قيمة، أضاف قائلا:
«إننا في حاجة ماسة إلى الرجل الحر، ذي الفكر الثاقب والضمير الحي، لا يخضع إلا للحق، ولا يرعى في تفكيره وعمله إلا المصلحة العليا، مصلحة وطنه، همه أن يجد لتسعد أمته، وأمله أن يكد لتتفوق بلاده، فهل أنتم لتهييء أمثال هؤلاء الرجال عاملون، وهل أنتم لإعداد شبيبة نشيطة مرنة متوثبة مستعدون؟...».(15)
ويوجه نصائحه الغالية إلى العلماء فيقول:
«يتعين على المرشدين أن يبادروا لفعل ما يدعون إليه يكونوا خير قدوة للعاملين، ومثال حيا للمهتدين، وخير من يوجه إليه هذا القول العلماء، لأنهم محور الرشاد، وخير قدوة للعباد، فإنهم بمنزلة القلب للأمة إذا صلحوا صلحت، وإذا انتعشوا انتعشت، بهم يفيق الرقاد من عميق السبات، بهم تبعث الحياة في الأرض الموات، بهم تورق أشجار المعارف بعد الذبول، بهم تخضر رياض السعادة بعد القحول...».(16)   
? الحث على طلب العلم:
الملاحظ أنه في هذا الجانب كان لا يكل ولا يمل في الإرشاد إلى التعليم، سالكا بذلك بذلك شتى الوسائل، فتارة بإعطاء الأمثلة الحية، وتارة بالرغبة الصادقة، وتارة بالإدلاء بالحجة الدامغة، ويظهر من حديثه أنه كان يتحرق شوقا لرؤية شباب وطنه متعلمين ذكورا وإناثا، في الحاضرة والبادية، والأماكن البعيدة والقريبة.
وهكذا ففي إحدى خطبه، وبعدما استعرض ما أثبته المؤرخون من عظمة العرب ومراكزهم في العلم والحضارة، قال:
«فماذا فعلنا نحن بعدهم؟
أخلدنا إلى تراثهم نأكله أكلا لما، وانزوينا إلى الخمول نؤثر الكسل ونحب الاتكال حبا جما، بلغ بنا التخاذل حتى صرنا نعتقد أن تعليم الشباب آفة، وأن من حرمة المرأة أن تنزوي في عقر بيتها مع شر العوائد متكاتفة، ولجيوش الجهل والخسران محالفة، بلغ بنا الشقاء أن العظيم منا من ينفق الملايين في شهواته البهيمية يباهي بالتبذير في سبيل الشيطان، ويفتخر بالإنفاق في مهاوي العصيان».(17)
وبعد ما أعطى أمثلة للتضحية في سبيل تعليم الشباب بأحد الزنوج الأمريكيين بعدما منع الاسترقاق، وما قساه من شدائد وتضحيات في الوصول إلى هذا الهدف، وبمسلمي الهند في (حيدر آباد) سنة 1326هـ لإنشاء جمعية لتعليم أبناء المسلمين، وبمصر والشام، وجه هذا النداء: عمروا مدارسكم بالمتعلمين، وألزموهم المواظبة في التحصيل، ووجهوا إلى الخارج كي يرجعوا إلى المغرب بأنوار العرفان ووسائل التعليم بين بني الإنسان...».
وقال بمناسبة أخرى:
«إلى طلب العلم يندبنا كتاب الله العزيز: ?وقل رب زدني علما?(18)، وإلى اجتناء ثماره دعانا رسوله الكريم حين قال عليه الصلاة والسلام: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»،(19) في سبيل نشر العلم بين الفتيات والفتيان لا يزال يناديكم جلالة أمير المؤمنين حاملا راية سعادة بني الأوطان.
فلبوا أواكر ربكم تفلحوا، وأجيبوا داعي نبيكم تنجحوا، واسلكوا سبيل سلطانكم تصلحوا...».(20)
وإذا كان لا يغفل عن الحث على تعليم البنات، فهو ينوه بالمتعلمات منهن، ويعطي بالأسرة المالكة مثالا ملموسا لتكون إسوة حسنة لغيرها من المواطنين والمواطنات، فيقول:
«كانت البنت المغربية في زوايا الإهمال، فصارت تقتفي ذلك المثل الأعلى الذي سطرته الأميرات، وفي طليعتهن للاعائشة، تتبارى بأنجح الأعمال، ساعية لموارد التعليم، مستنيرة 
(صورة) لحضرة صاحب السمو الملكي ولي العهد مولانا الحسن يتصدر المجلس الإداري لجمعية الطالب يوم تدشين ناديها الجديد بأحسن المثل في الجديد والقديم، وأصبحنا نشاهد فيهم الممرضات الخبيرات في المستشفيات، كما سنشاهد بحول الله المدرسات في مدارس البنات».(21)
? الحث على تعليم اللغات:
وهو إذ يحث على طلب العلم لا يقف جامدا أمام لغة واحدة، ولا يقنع بفهم لسان واحد، بل يدعو إلى التفتح على اللغات، ويشيد بها لفوائدها الجمة، جاعلا لغة البلاد في الصدارة، فيقول: «كان الواجب علينا أن نتعلم بإتقان لسانين، ونحقق التحصيل في كل الفنون التي يشمل عليها كل واحد منها.
  أولا: اللسان العربي: بما فيه من تعلم الصرف والنحو واللغة والأدب والتاريخ، وما يشمله القسم الديني من حفظ القرآن وتعلم التوحيد والفقه ومبادئ الأثر.
  ثانيا: اللسان الفرنسوي: بقسميه الأدبي والعلمي، مع الرياضيات الصائرة الآن من الضروريات في تربية الأحداث».(22)
«واسهروا على حفظ كل ما يمكنكم من اللغات الأجنبية بعد إتقان لغتنا العربية، التي هي أساس ثقافتنا القومية».
وأتى بهذا الشعر دليلا على ما يسعى لتحقيقه:
بقدر لغات المرء يكثر نفعـه،
               فتلك لـه عند الشـدائد أعـوان
فبادر إلى حفظ اللغات مسارعا
               فكان لسان في الحقيقة إنسان(23)
? آخر كلمات قبل النفي:
كانت آخر كلماته في هذه المرحلة من حياته «يا شباب المغرب». موجهة «لجمعية الطالب المغربي» بمناسبة صدور عدد ممتاز من مجلة «رسالة المغرب» أشاد فيها بالشباب فقال:
«قلب الأمة النابض شبابها، فالشباب مناط آمالها، وذخر مستقبلها، فيه تتجلى مظاهرها حيويتها، وبهم يستشهد على نبوغها ورقيها، وبقدر كدهم يكال لكل أمة ما تستحقه من ثناء، وما تستهدف له من ملامة وهجاء.
ثم وجه خطابه إلى الذين تبوأوا المكانة منهم في الوظائف والأعمال، قال:
«ويسرني أن أتوجه، بصفتي طالبا، إلى أصدقائي الطلبة الذين أسعدهم الحظ، فارتقوا مدارج المعالي وأدركوا بكدهم أعز الأماني.
إن المغرب – أصدقائي – لا يزال ينتظر منكم شتى الجهود، وأن المستقبل يتطلب منكم أن لا تركنوا للجمود والركود.
فسيروا دوما في مقدمة القافلة جادين، واجتنبوا أن تكونوا في مؤخرتها شأن الجامدين.
شيدوا لهذه البلاد العزيزة صرحا من الفخار متينا، وجددوا أياما كان فيها العز لها قرينا».(24)
أكتفي بهذا القدر، وأدعو الشباب إلى دراسة الفكر الحسني من خلال خطبه وأحاديثه للاستفادة وأخذ العبرة.
وأدعو لصاحب هذه الذكرى بالصحة وطول العمر حتى يحقق للشباب الرفاهية والسعادة والهناء.
إنه سميع مجيب الدعاء.

1) من مقال عنوان: نبذه من حياة صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني في «خطب وندوات صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني» المجلد 1 – ص: 34 / نشر وزارة الإعلام بالمغرب.
2) سورة الزمر – الآية: 9.
3) «موطأ» الإمام مالك برواية يحيى، ص: 145 / حديث 309، و«التمهيد» لابن عبد البر / حديث 31 من البلاغات ج 24 / 326 تج. أحمد سعيد أعراب، نشر وزارة الأوقاف بالمغرب.
4) المصدر الأخير: 24 / 329.
5) أذيع هذا الحديث ضمن برنامج «أصداء أمريكية» في إذاعة دبي الفضائية يوم 6 / 5 / 96.
6) «خطب وندوات صاحب الجلالة» 1 / 38.
7) نفس المرجع، والآية من سورة «آل عمران» الآية: 110. 
8) من خطبته بمناسبة افتتاح المدرسة الحسنية القرآنية بزقاق الحجر فاس بتاريخ 14 جمادى الآخرة 1362 (18 /6/1943)، المرجع الأخير 1 / 56.
9) جاء ذلك في استطلاع الرأي أجرته «تي في» ونشرته مؤخرا حول برامج شهر رمضان في القنوات الفضائية العربية، ونقلته عنها جريدة «العلم» المغربية بعنوان «الدروس الحسنية» ص: 10، ع 16824 بتاريخ 20/5/96.
10) من «خطبة» بمناسبة افتتاح مدرسة مولاي عبد الله بالدار البيضاء في شعبان 1362 غشت 1943، «خطب وندوات صاحب الجلالة» 1/60 – 16.
11) من «خطبة» بمناسبة افتتاح هذه المدرسة.
12) ألقيت بتاريخ 10 جمادى الأولى 1366 (10/4/1947) المرجع السابق: 1 /177.
13) ألقيت بتاريخ 19 جمادى الأولى 1366 (10/4/1947) المرجع السابق: 1/173 -174.      
14) من «خطاب» له بمدرسة النهضة بفاس بتاريخ 25 حجة 1366 (9/11/1947) المرجع السابق: 1/201 – 203.
15) من«خطابه» بجامع ابن يوسف بمراكش 4 ربيع الثاني 1364 (20/3/1945) المرجع السابق: 1/77.
16) من «خطبة» له طويلة بمناسبة افتتاح المدرسة التي أكر سيدي محمد الخامس بتأسيسها، وشاركت في تشييدها نخبة من أعيان فاس بتاريخ 16 قعدة 1365 (7/10/1941) المرجع السابق: 1/131.
17) ؟؟؟
18) ذكر هذا الحديث العلامة المناوي في «فيض القدير شرح الجامع الصغير» حديث 5264 / دار الفكر، بإسقاط «ومسلمة»، والذكر يدخل فيه الأنثى: قال تعالى: ?يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى?، (الحجرات – 13) وقال: ?إنما المومنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم? (الأنفال – 2)، والوجل؛ يحصل من الذكر ويحصل من الأنثى كذلك.
19) من «خطاب» بمناسبة الحفلة التي وضع فيها جلالة سيدي محمد الخامس الحجر الأساسي لمجموعة مدارس (رياض العروس) بمدينة مراكش بتاريخ 11 رجب 1369 (29/4/50) «خطب وندوات صاحب الجلالة» 1/ 227.
20) المرجع السابق: 1/225. 
21) من «خطبة» بمناسبة حفل انتهاء السنة الدراسية المولوية بتاريخ 5/7/1942 المرجع السابق 1/46.
22) من «خطابه» بمناسبة توزيع الجوائز بالدار البيضاء بتاريخ 2 شعبان 1365 (2/7/1946)، المرجع السابق: 1/107.
23) «رسالة المغرب» ع: 139 أبريل 1952، والمرجع السابق: 1/234 – 235.
24) من كلمة صاحب السمو الملكي ولي العهد مولاي الحسن الذي وجهها إلى جمعية الطالب المغربي.
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here