islamaumaroc

أثر الثاقافة الإسلامية في تشكيل شخصية المسلم

  محمد فاروق النبهان

العدد 320 محرم-صفر 1417/ يوليوز 1996

من حق الشعوب أن تعرف ذاتها، هذه هي نقطة البداية في مسيرة المجتمعات المتطلعة إلى الأمن النفسي والاستقرار الاجتماعي. ومعرفة الذات تطلع فطري وغريزي، سواء بالنسبة للأفراد أو المجتمعات، وعندما تضطرب هذه المعرفة ويكون طريقها متشعبا ومعوجا فمن الطبيعي أن تضطرب الشخصية الإنسانية، وأن يصدر منها من أنواع السلوك ما يعتبر في موطن الإدانة.
والشخصية الإسلامية هي وليدة ثقافة شمولية متكافلة، أسهمت في نمو تصورات فكرية وقيم سلوكية، جعلت المسلم في حالة انسجام مع ذاته، فلا يضيق بفكره، ولا يتناقض مع تصوراته، ولذلك جاءت شخصيته متماسكة منسجمة، وهذا هو الأصل في نمو الشخصية الإسلامية وفي طبيعة تكوينها.
وعندما يقع التناقض بين الذات بمكوناتها العضوية والغريزية والتصور الفكري المتعلق بالقيم، فسرعان ما ينعكس أثر ذلك التناقض على السلوك العام، فيقع التصادم بين الإنسان وذاته، وتنكفئ النفس على ذاتها في موقف رقابي يجسد حالة التيه والضياع، وتبرز آثار ذلك على السلوك العام، في مواقف متطرفة وسلوكيات عدوانية.
وهنا نتساءل: أين يقف المسلم اليوم، وعلى أية أرضية فكرية وثقافية يجد نفسه؟
والإنسان عندما يفتقد هويته يفتقد مشاعر الانتماء، والإسلام بالنسبة للمسلم هوية وانتماء، وعندما يختاره، فإنما يختار طريقا واضح المعالم، معبد المسالك، يوفر لسالكيه الأمن والاستقرار، ويمنحهم الشعور بالانتماء إلى جماعة متكافلة ذات رؤية حضارية، وذات ثقافة شمولية، وذات منهجية في مواقفها الفكرية.
والذين يحاربون الثقافة الإسلامية إنما يحاربون مجتمعهم، ويواجهون معركة غير متكافئة، لأن الثقافة الإسلامية هي الامتداد الفكري لشخصية المسلم، فمن تصدى لامتدادات الشخصية، فقد اعتدى وأثار مشاعر الاستفزاز، وأعلن الحرب على غيره، ومن حق من وقع الاعتداء عليه، أو على فضائه وامتداده، فمن حقه أن يدافع، وهو منتصر على وجه اليقين، لأنه لا خيار له إلا أن يصمد، لأنه يدافع عن ذاته.
وتتشكل الشخصية الإسلامية من خلال مكونات ذاتية وخارجية تسهم في صياغة تلك الشخصية، سواء من حيث الرؤية الفكرية أو من حيث مكانة القيم في النفس.
ومن أبرز هذه المكونات ما يلي:
أولا: الطبيعة الذاتية للشخصية الإنسانية في، قابليتها النفسية.
والنفس عالم مغلق على أسراره وطاقاته وقابليتها، ويعتبر السلوك التعبيري الأداة الواضحة للكشف عن تلك القابليات المخبوءة، وبالرغم من أن هذه القابليات ليست حتمية وفطرية في معظم الأحيان، فإن جزءا غير يسير منها يتكون من خلال ظروف بيئية وعوامل نفسية تعمقها مشاعر المعاناة وانفعالات أخرى.
ثانيا: المؤثرات الخارجية التي تسهم في تكوين ملامح الشخصية.
وأهم هذه المؤثرات، البيئية المحيطة بالإنسان، منذ طفولته الأولى، وهذه البيئة تصوغ له رؤيته، وتسهم في تكوين الملامح الأولى لشخصيته السلوكية، والطفل في سنواته الأولى يملك قابليات غير محدودة للتعلم والمحاكاة والتقليد. ومن الطبيعي أن يتلقى دروسه الأولى من المحيط القريب منه، سواء بطريقة موافقة أو مخالفة، بحيث يمتد أثر البيئة في تكوين رؤيته، وبخاصة فيما يتعلق بالقيم السلوكية والقيم الأخلاقية، ولهذا يجب التأكيد على أهمية نقاء البيئة الاجتماعية كعامل أساسي في تكوين الشخصية الإنسانية، والبيئة النظيفة مؤهلة لتكوين شخصيات سوية، تؤمن بأخلاقية السلوك وقيم التعايش وكرامة الإنسان، ونبذ التطرف والعنف واحترام حقوق الغير.
وهنا نقف وقفة طويلة عند هذه المكونات النفسية والخارجية، لتأكيد أثر التربية الإسلامية في استقامة الطبائع البشرية، من حيث أثر هذه التربية في تعديل الغرائز الفطرية والتحكم في اندفاعاتها وتقليم أظافر تلك الغرائز الطائشة المخربة للنظام الأخلاقي العام، والمتمردة على كل قواعد الانضباط المحمود.
والتربية الدينية ليست مادة تعليمية، ولا يراد بها استظهار بعض الأحكام والإشادة بمواقف من تاريخنا، وإنما يراد بها أولا استخلاص قيم الإسلام في مجال السلوك الإنساني، من خلال دراسة المنهج الأخلاقي في القرآن والسيرة النبوية، لكي تكون هذه القيم مطبوعة في النفس، راسخة في الجذور في أعماق الشعور، كمثل عليا لسلوكيات متميزة. ونظرا لمكانة الدين في النفس البشرية، فإن من اليسير أن تحظى هذه السلوكيات باهتمام الناشئة، وأن تنمو قيم الفضيلة في نفوسهم من خلال ذلك النموذج الأعلى الذي يحظى بقداسة دينية.
وتهتبر التربية الدينية من أهم الأسباب التي تدفع الناشئة إلى التزام طريق الاستقامة والتعلق بقيم الفضيلة، وعندما تكون مناهج هذه التربية سليمة، فمن المؤكد أن أثرها ينعكس بطريقة إيجابية وسريعة على أخلاقية المجتمع وتماسك الأسرة، وتكافل الأفراد والجماعات، وبخاصة فيما يتعلق بظاهرة الجريمة وانحراف الأحداث، حيث أكدت الدراسات الاجتماعية والتربوية أثر التربية الدينية في تطويق مظاهر الانحراف، وفي التخفيف من حدة الاندفاعات الطائشة للمراهقين.
ويجب على النظام التربوي أن يكون واضحا في التزاماته، منسجما في تكوينه، وألا يكون بعضه متناقضا البعض الآخر في دفاعه على كرامة الإنسان، وفي تحديد مواقفه من قيم الفضيلة، ومن المؤسف أن الأنظمة التربوية التي تستمد مواقفها وقيمها من مصادر متناقضة وغربية تنشىء حالة من التوتر في نفسية الشباب، لأنهم يجدون أنفسهم في مواجهة قيم متناقضة، فتضطرب معاني الفضيلة في أذهانهم، وهذه ظاهرة سرعان ما يظهر أثرها السلبي في اضطراب سلوكيات الشباب واندفاعهم لإغراق أنفسهم في مستنقعات الغريزة، باحثين في لحظات السرور والبهجة عن المتعة واللذة، ومدمرين في لحظات الغضب كل قيم      التعايش والتساكن من خلال موقف التمرد والعنف.
والنظام التربوي الصحيح والسليم هو القادر على مواكبة طرائق التعليم الحديثة المستمدة من  قيم إسلامية أصيلة، من غير إغراق في مثاليات مفرطة في تجاهل طبائع النفس البشرية، ومن غير إفراط في مراعاة حريات متجاوزة لما يدعو إليه المنهج التربوي السليم من وجوب ضبط السلوك وتقليم أظافر الشطط، لكي لا يصبح الشطط مطية لانحرافات الشباب.
ولا ينبغي أن يغفل النظام التربوي الاستعدادات الفطرية لدى الأطفال، والقدرات العقلية والغرائز الطبيعية، فالطفولة جميلة بعبثها، غنية بقدراتها، وهي تعبير عن ذاتية الأطفال، وهي أداة لتنبيه شخصياتهم، ولا يجوز إغفال تطلعات الأطفال، ولا تجاهل هذه الاستعدادات، وإن مطاردة الطفولة من خلال تجاهل مطالب الأطفال هو تجاهل لواقع وإنكار الحقيقة، ولا نريد لأطفالنا أن يكونوا رجالا في عقولهم، ولا يكونوا كبارا في اهتماماتهم، فمن لم يعش طفولته، بعبثها وتمردها وصخبها، فسرعان ما يبحث عن هذا العبث والتمرد والصخب في شبابه، ويصبح أسير العواطف مكبوتة واستعدادات فطرية مخبوءة.
ويمكننا تفسير ظاهرة السلوكيات المتطرفة في الشخصية الإنسانية بالأسباب التالية:
أولا:
أزمة الهوية والانتماء.
وكل شخصية تبحث عن هويتها التي تعتبر امتدادها الإنساني، وعندما تضطرب رؤية الشخصية في البحث عن ذاتها، فسرعان ما تشعر بحالة اغتراب داخلي، ويؤدي هذا الاغتراب إلى سلوكيات مضطربة، تتمثل في حالة اللامبالاة حينا وحالة التطرف حينا آخر، وغالبا ما تقود هذه الوضعية إلى سلوكيات التمرد والرفض والتعصب، وأحيانا تقود إلى الانحلال والانهيار. ومن حق الإنسان أن يجد ذاته من خلال شعوره بالانتماء، وأن توفر له أسباب الاستقرار النفسي، وفي ظل هذه المشاعر الدافئة يشتاق الإنسان إلى حياة الجماعة، ويرتاح في كنف تلك الجماعة، والإنسان بطبيعته يميل إلى حياة دافئة ومستقرة، وإذا تيسرت له تلك الأسباب، فسرعان ما يسقط أحماله، ويختار موقعه الذي يحدده لنفسه.
ثانيا: اضطراب القيم في النفس:
ويؤدي هذا الاضطراب إلى حالة توتر وحالة امتلاء، واضطراب القيم دليل على اضطراب النظم التربوية وعدم انسجامها، وأهم ركن من أركان التربية السليمة أن يكون النظام التربوي منسجما، ويدور حول محور أخلاقي ثابت، بحيث تتضح الرؤية لدى المربي، وينعكس أثر ذلك على الآخرين.
ومن المؤسف أن الأنظمة التربوية في عالمنا الإسلامي ما زالت غير مستقرة، وذلك بسبب تناقض الفلسفة التربوية، وتعدد المناهج وتنافرها، بحيث يصبح الطفل أو الشاب في مرحلة ضياع وتيه، يبحث عن مجهول لا يعرفه، فهو بين قيم متنافرة، ونظريات متناقضة، وليس بينها ما يجعلها في موطن القبول.
ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على علاقات الفرد بأسرته ومجتمعه بطريقة سلبية، ولابد في هذه الحالة من تصحيح الأوضاع التربوية بطريقة علمية وواقعية، تنطلق من منطلق الوضوح في الوسائل والغايات، وتهدف إلى تكوين شخصية إنسانية سوية، من خلال توفير أسباب الاستقرار النفسي.
ثالثا: تنمية روح الفردية والأنانية في الشخصية:
وهذه الظاهرة هي نتيجة حتمية لأساليب التربية الخاطئة والمرتجلة، والتي تدفع الفرد إلى الانغلاق على نفسه، فيصبح عاجزا عن التكيف، بسبب ما تراكم في نفسه من آثار سلبية. وعندما تبتدئ الظاهرة الفردية وتنمو في الكيان الإنساني، فمن الطبيعي أن يقع التصادم بين الإرادات الإنسانية، ويرفض كل طرف الطرف الآخر، وينكر عليه حقه في الحوار وإبداء الرأي، فيحدث الاحتكاك وتنمو مشاعر التوتر والتعصب وتصبح الأجواء النفسية مهيأة للتصادم، وتبرز سلوكيات الغصب من خلال مواقف الرفض والتمرد، وسرعان ما تنهار قيم التعايش تحت ضغط السلوكيات الناتجة عن حالات الاحتقان.
ولابد في هذه الحالة من تفريغ هذه الطاقات المعبأة والمختزنة، وفتح الأبواب والنوافذ أمام نسمات هادئة ومريحة تسهم في إزالة التوتر أولا، وتخفف من آثاره السلوكية ثانيا.
وأزمة الشباب ليست ناتجة عن الشباب أنفسهم، وإنما هي وليدة حالات خاطئة سواء في البيئات الاجتماعية أو في المناهج التربوية. والسلوك تعبير دقيق عن مشاعر وانفعالات داخلية، وعندما تضطرب تلك المشاعر تزداد حدة الانفعالات، ويقع التعبير عن ذلك الانفعال بسلوكيات الغضب والتمرد. وإن أية نصائح وتوجيهات ستظل ضعيفة الأثر ما لم يتم اللجوء إلى إصلاح الخلل في الظروف المؤدية إلى ذلك الخلل.
ومن أشد الأخطار التي تهدد أمن المجتمع أن يشعر جيل الشباب باليأس نتيجة حالات إحباط متلاحقة، والإحباط ينمي مشاعر اليأس إلى أن يصبح منهجا سلوكيا، وعندئذ تبحث الشخصية اليائسة عن المواقف والسلوكيات التي تنسجم مع مشاعر النفس، وتجد تلك الموقف والسلوكيات التي تنسجم مع مشاعر النفس، وتجد ذلك الموقف والسلوكيات خلاصا مقبولا لما تشعر به من معاناة، وفي هذه الحالة من الصعب أن تقبل النفس المستسلمة لليأس والمنفعلة والمتوترة بأي حوار، لأنها تجد في الحوار أداة لتمييع طاقاتها واستلاب إرادتها، ولهذا يجب أن يكون الحوار أداة للتقارب والتساكن بين مجموعات مازالت لم تبلغ رحلة اليأس.
والحوار منهج سليم للأخذ والعطاء، وللسماع والإسماع، وهو سلاح يجب أن يستخدمه كل طرف من الأطراف للتقارب من الطرف الآخر، وعندما يحاول أحد الأطراف أن يحتكره لنفسه، وأن يستخدمه كأداة للتغلب على الآخر، فسرعان ما يفقد الحوار قيمته، وتسقط قدسيته، لأنه بذلك يصبح مطية الأقوى لمقاومة الأضعف، وإذا لم يعترف الأضعف بضعفه، فسرعان ما يتراءى له الحوار منهجا مذلا واستسلاما مهينا، ولهذا تقع السخرية من أي حوار لا يتمكن فيه كل طرف من إيصال رسالته للآخر.
والشخصية الإنسانية السوية هي وليدة منهج تربوي متكامل، تتكاثف فيه القوى المحيطة بالإنسان من بيئة سليمة وثقافة شمولية وتربية أخلاقية في تكوين الظروف المريحة، التي تجعل الإنسان في موطن الرعاية والاهتمام، فلا تدفعه المعاناة الداخلية إلى إحباطات نفسية، ولا تذله الحاجة ولا يقع تجاهل غرائزه، وعندما تستقيم رؤيته وتنضج شخصيته، ويختار السلوك الذي يرتضيه لنفسه.
ومن أبرز الأسباب المؤدية إلى التطرف في السلوك الإنساني أن يقع تجاهل المتطلبات الضرورية لنمو الشخصية الإنسانية، وهذا التجاهل يمثل في نظر صاحبه اعتداء على ما يعتقده حقا من حقوقه، سواء تعلق الأمر بحقوقه الإنسانية وحرياته الشخصية أو بمعتقداته الدينية وثقافته وقيمه. ومن الصعب الإنكار على من وقع الاعتداء عليه أن يقف موقف الدفاع عن ذاته بكل الوسائل التي يملكها، تعبيرا عن غضبه، فالإنسان في لحظة الغضب الناتج عن تجاهل حق من حقوقه يفقد مقومات الحكمة والتعقل في قراراته وسلوكياته، ولا يمكن أن يخاطب بلغة الإدانة والإنكار، لأن العقل البشري في مثل هذه المواقف يتراجع دوره، وتصبح الغرائز عمياء في تكوينها وهي أقوى اندفاعية، يحد العقل في لحظة الهدوء من قبضتها، ويكفل يديها ويجعلها أسيرة مستذلة، فإذا استفزت الغرائز بسبب تجاهل أو إنكار ثارت وقويت ونمت قدراتها، وأخذت المبادرة من العقل، وحدت من سلطانه، ولابد في هذه الحالة من إزالة الأسباب المؤدية للغضب، عن طريق إصلاح الخلل، ثم يبتدئ حوار هادئ جاد يربح النفس ويقوي من قرارات العقل، في عودة سليمة إلى مناخ الاستقرار المريح الذي يعتبر العامل الأساسي في تكوين ظروف التعايش الاجتماعي والأمن النفسي.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here