islamaumaroc

…في المناظرة الدولية حول صومعة الكتبية…

  عبد الكبير العلوي المدغري

العدد 320 محرم-صفر 1417/ يوليوز 1996

نظمت جمعية الأطلس الكبير بمدينة مراكش يوم الجمعة 24 مايو 1996 مناظرة دولية لصيانة صومعة الكتبية، استدعت لها من المغرب وخارجه كفاءات علمية، وفعاليات مقتدرة ذات اهتمام وخبرة في مجال الحفاظ على الإرث الإنساني الحضاري، والفن المعماري الإسلامي.
وتشرفت هذه المناظرة الهادفة برسالة ملكية سامية وجهها إلى المشاركين فيها حضرة صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله، وتلاها مستشاره الجليل، الأستاذ الكبير السيد عبد الهادي بوطالب.
وكان في مقدمة الحضور المشاركين فيها السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، الذي ألقى بالمناسبة كلمة، أبرز فيها أولا مدى العناية الفائقة التي يوليها أمير المومنين أعزه الله لمآثر الفن المعماري المغربي الأصيل، ولمعالمه الإسلامية العظيمة، ولموضوع المناظرة وصومعة الكتبية العريقة.
كما أشار سيادته إلى الدور الهام الذي تقوم به جمعية الأطلس الكبير في هذا المجال، منوها بالمجهود المشكور الذي تبذله في هذا المضمار.
ثم تطرق في إيجاز وتركيز إلى ما تنهض به الوزارة وتضطلع به من رعاية متواصلة، وصيانة مستمرة لجميع بيوت الله، وكافة مساجده الكبرى العتيقة في ربوع المملكة، حتى تبقى مصونة مرعية، وفي حلة طيبة، تؤدي رسالتها الإسلامية الخالدة، طبقا للتوجيهات الملكية السامية.
وفيما يلي النص الكامل للكلمة التي ألقاها السيد الوزير بهذه المناسبة الطيبة:

بسم الله الرحمن الرحيم
يسعدني ويشرفني أن أحضر هذه الجلسة الافتتاحية للمناظرة الدولية التي تنظمها جمعية الأطلس الكبير لصيانة صومعة الكتبية.
وأهنئ الجمعية أولا على هذا الشرف الذي أضفاه مولانا صاحب الجلالة الحسن الثاني على مناظرتها بتوجيه رسالة ملكية سامية إلى المشاركين فيها، وتكليف مستشاره الأستاذ الكبير السيد عبد الهادي بوطالب بتلاوتها؛ وهذا يدل على اهتمام جلالته بموضوع المناظرة، والعناية الخاصة التي يوليها جلالته لهذه الصومعة الخالدة.  
كما أهنئ الجمعية ثانيا على نجاحها في استقطاب هذه الكفاءات والفعاليات المشاركة، والتي تنبئ بأن مستوى المناظرة سيكون رفيعا، وعطاءها سيكون كبيرا، وهو مستوى تعودناه من جمعية الأطلس الكبير بفض جهود رئيسها المؤسس الحاج محمد المديوري، وأطرها المتميزة بالكفاءة والإخلاص والحيوية.

حضرات السيدات والسادة:
كلما زرت مراكش ورأيت الكتبية في قفصها الحديدي أنشدت مع أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله:
صـداح يـا ملك الكنـارويـا أمير البلبل 
             بالـرغم مني مـا تعاني في الحديد المقفل
ولقد كان بعض الناس يضيقون بهذا القفص تعاطفا مع الكتبية، وإشفاقا وحبا.
كان البعض ممن اتصلوا بنا وكاتبونا يعتقدون أننا لا نحتاج إلى هذه الخبرة وهذه الدراسات الطويلة، وهذه الآليات التي تسجل حركة الصومعة.
وكانوا يعتمدون على منطق بسيط وهو أن الصانع المغربي الذي صنع الكتبية ما يزال حيا، إنه الصانع التقليدي الخالد الذي ما زالت أعماله تتحدى القرون، والذي يحسب الأبعاد الدقيقة بعينه المجردة، ويصحح الخطأ بحدسه الفطري، ويفك أعقد العمليات الهندسية واللوغارتمية بحركة عفوية من دماغه الأمي.
إنه ذلك الكائن الموهبة والشاعر الفطري الذي يصنع الشعر بالزليج والخشب والجبص والفضة والنحاس، هو قبضة من عبقرية الفن، فطرية غير مصنعة في المدارس، ونورانية لا تستوعبها القوالب والعلب الورقية المرقمة من نوع الماجستير والدكتوراه.
فلماذا لا نختار اللجوء إلى هذا الصانع الذي يمتلك بالفطرة النقية الصافية ما وراء التقنيات لنستشيره في أمر الصومعة، وحالها، ومصيرها، فيجيبنا في لحظة بما سيجيب عنه التقنيون في سنوات. 
الحق أنه كيفما كان تقديرنا لصانعنا التقليدي، واعترافنا بعبقريته وكفاءته فإن الاختيار السليم والطريق القويم هو الاستعانة بمعطيات وجدارة العلم الحديث، وهو ما تمثل في هذه الدراسات التي لجأت إليها جمعية الأطلس الكبير وقام بها خبراء وتقنيون على أرفع مستوى، واعتمدت على المنهج العلمي وأدوات التكنولوجيا الحديثة؛ عملا بتعليمات مولانا أمير المومنين الحسن الثاني أدام الله علينا نعمة وجوده.
وها نحن اليوم نتوفر على دراسة علمية قيمة تتم لأول مرة في تاريخ الكتبية تهم موضوع الترميم والإصلاح من الناحية المناخية والبيئية والجيولوجية والهدروجيولوجية والأركيولوجية والجيوتقنية؛ وهي دراسة من شأنها – إن شاء الله – أن توضح لنا السبيل في كل الإصلاحات التي تهم المآثر التاريخية ذات القيمة، وأعتقد أن زميلي الأستاذ عبد الله أزماني وزير الشؤون الثقافية متفق معي، وهو الساهر الأمين على ترميم مآثرنا وإنقاذ تراثنا وروائع معمارنا.

حضرات السيدات والسادة:
قامت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالجانب الموكول إليها من أشغال إصلاح وترميم جامع الكتبية من الداخل.
فقمنا بتقشير المرطوب وإعادته من جديد بالجدران والأقواس والسقف بداخل المسجد والصحن، مع صباغة المسجد برمته؛ كما تم تقليع فورمة بالبراشيل، مع إعادة التزفيت ووقايته، كما تمت إعادة شبكة التطهير بداخل المسجد وخارجه، وإعادة شبكة توزيع الماء العذب داخل المسجد، وشبكة تصريف مياه الأمطار بالسطوح،وتم إعادة الزليج القديم بالصحن، وإصلاح الرخام بمداخل المسجد، وتلميع النافورات والسواري الرخامية، وإعادة الشبكة الكهربائية للمسجد برمتها على أحدث مستوى، وتجهيز المسجد بعدة أثريات حائطية وفنارات، وكذا الشبكة الصوتية.
وفيما يتعلق بأعمال النجارة تم إحداث أبواب زجاجية لأقواس الصحن مع الخشب الممتاز، وكذلك شواف من المشرابي لقاعة صلاة النساء، وإعداد وصنع أفراك جديد من الخشب المنقوش ليقوم مقام القديم المتآكل.
وقد أنفقنا على جميع هذه الأشغال مليارا من السنتيمات من صندوق الأوقاف، وننوي – إن شاء الله – القيان بتفريش المسجد بالزرابي بمجرد ما تنتهي الأشغال التي تكفلت بها جمعية الأطلس الكبير ووزارة الشؤون الثقافية، وهي ترميم وإصلاح الصومعة والجدران الخارجية للمسجد، وسوف تجد منا التأييد الكامل والمساندة اللازمة حتى تعود لهذا المسجد العظيم رونقه وبهجته وإشراقته وجماليته في العهد الحسني الزاهر، الذي ما شهدت عصور لتاريخ مثله في العناية ببيوت الله.
والله نسأل أن يحفظ مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني وأن يحسن جزاءه على هذه العناية البالغة، والرعاية السابغة التي أضفاها على هذا البيت العتيق، والمسجد الأصيل العريق، الذي أسس على تقوى من الله، وكان ما يزال رمزا خالدا من رموز الإسلام، ومعلمة تشرق بها حضارته، وتراثا غاليا يعتز به المغاربة، وينشد به ذكرهم في الآفاق.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here