islamaumaroc

أمير الأطلس.

  أحمد العلوي

العدد 320 محرم-صفر 1417/ يوليوز 1996

أريد في هذه المقالة أن أعلق على قصيدة أنشأها الشاعر مولاي الطيب العلوي (1) يوم أم كان صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله يحمل لقب «أمير الأطلس».
لا أعرف بالضبط الظروف التي أوجبت اعتماد هذا اللقب في ذلك الوقت، ولكن يظهر أن لقب «أمير الأطلس» لم يكن إلا بالتأكيد الصلات الوثيقة بين الشعب وأسرة محمد الخامس وولي عهده آنئذ «أمير الأطلس» مولاي الحسن.
هذه القصيدة تناسب المناسبة، مناسبة ذكرى عيد الشباب، وإن كان قد مضى عليها وقت طويل، لكنها مع ذلك تمثل الشعور الحي الذي كان الوطنيون والمجاهدون من أجل الحرية والاستقلال والانعتاق يكنونه لصاحب الجلالة المغفور له محمد الخامس، ونمثل المكانة التي كان يحتلها ولي العهد حينئذ الأمير مولاي الحسن في الذهنية المغربية.
والحقيقة أن هذه القصيدة كانت تبشر بكثير من المناقب التي لاحظها الشاعر في الأمير الشاب، والتي توالي ظهورها بتوالي السنين.
يقول الشاعر:
إليك أمير الأطلس الفذ ينتهي
               رسول الأماني ظافرا بالمؤمل
وإنك بعد الملك أول صارم
               يسل على الجهل البغيض المفتل
ولا يخفى هنا أن الشاعر هنا لا يركن إلى المبالغة والتمثيل الشعري، ولكنه كان يقرر حقيقة ملموسة، فلم تكن أماني المستقبل معقودة على غير الأمير الشاب مولاي الحسن، ولقد انعقدت عليه فعلا فتحققت على يده كثير من الأماني كأمنية الوحدة الترابية، وأمنية الأمن الغذائي، وأمنية السدود، وكأن الشاعر كان يحس بأن أماني المغاربة في ذلك العهد نوعان، أمنية الانعتاق والاستقلال على يد محمد الخامس، وهي مهمة عظيمة استغرقت جل العهد الذي تولى فيه الملك، وأمنية بل أمنيات ما بعد الاستقلال، وهذه كان جيل الشاعر يتوسم في الأمير مولاي الحسن، «أمير الأطلس»، أن يكون محققها.
وقد صدق التاريخ، ما توسموه، وعاد «رسول الأماني ظافرا بالمؤمل» كما قال الشاعر في مطلع القصيدة. ومن الحق أن يقال هنا أيضا:
إن البيت الثاني يؤكد المتواتر من أخبار المؤرخين لفترة الأربعينيات.
ومما هو معلوم لمل متابع للوضعية في ذلك العهد، أعني المشاركة الفعلية الذي كان يقوده والده المغفور له محمد بن يوسف، كان أول صارم بعد الملك محمد الخامس، وكان يشترك معه في الحرب التي شنها على الجهل، بإنشاء المدارس، وإصلاح جامعة القرويين، وتشجيع البعثات.
ولقد تابع «أمير الأطلس»، صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، تلك المهمة بعد الاستقلال، وبعد أن آل ليه أمر الحكم والسيادة، محاربة الجهل البغيض حتى صار من الحق أن يقال:
إن المغرب لم يعرف الحسن الثاني من كثرة في الجامعات والكليات ومؤسسات البحث العلمي، ومن تنام في عدد الطلاب، ومن نمو للمنشور في عالم الكتاب والمجلات، لقد كان صارما سل على الجهل البغيض كما قال الشاعر في العقد الأربعين من هذا القرن.
ويكفي أن نقارن المنشور بيد المغاربة في مختلف الفنون والعلوم والآداب في هذا العهد الحسني بحالة المغاربة من قبل، فنرى أن ما كان غريبا عجيبا يندهش له الناس، كنشر كتاب، أو مجلة، أو كتابة رسالة أو أطروحة، صار في العهد الحسني أمرا جرت به العادة، وتكاثر حتى كادت الزعامة تعقد فيه للمغاربة، وما ذلك إلا بسياسة الرشاد التي ضبط دواليبها «أمير الأطلس»، والتي سمحت بخلق الظروف المناسبة لذلك التكاثر العلمي النافع.
لم يكن الشاعر الوطني «مولاي الطيب العلوي» غافلا في ذلك العقد الأربعيني عن الصعوبات التي تحيط بالعامل في ذلك العقد الأربعيني عن الصعوبات التي تحيط بالعامل في حقل الإرشاد، وعن أن الضرورة كانت توجب تعليم فرائس الجهل بعد التسلح بالصبر، إذ لا ينبغي للمصلح الواعي أن يظن بالجماعة المتعلمة ما يرى في نفسه من قدرة، لابد في تلك الأحوال من التمهل، ولو كان المتمهل قادرا على تحقيق أعلى درجات الإسراع.
هذه كانت حال «أمير الأطلس» المتمهل في اتجاهه نحو المثل الأعلى رفقا بأحوال الذين هم تحت وصايته، العاجزين عن التمكن من قوة كقوته:
ضربت لنا الرقم القياسي مسابقا
               إلى المثل الأعلى سباق التمهـل
ولو أطلقت منكم أعنـة سابـق
               لكنا كذر حول نجـم مهلــل
ولكنكم لا ترتضـون انفرادكم
               عن الشعب فيما يرتقي بالمنزل
والمنزل هنا معناه: المتخلف.
ومن البين المعروف لكل مطلع على تاريخ المغرب أن ملوك المغرب وسلاطينه من نسل المولى إسماعيل كانوا باستمرار يواجهون مشكلة التخلف بأضرب الطرق في باب الحكمة، لم يكن أحد منهم يرضى بإرغام المغاربة على تحمل العلميات الجراحية المجتمعية، كما لو يكونوا ليرتضوا بالانفراد بنعم الرقي. كانت سياستهم – التي كان «لأمير الأطلس» صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله فضل تمثيلها خير تمثيل – تختار جانب الاعتدال في الأمر، كان التمهل والتأني سبيلهم، وكان حبهم لمشاركة الشعب في الأخذ بأسباب الرقي عادتهم.
لذلك فالقارئ لهذه القصيدة الفريدة في بابها – إذ لا نعلم في غيرها من قصائد ما قبل الاستقلال ذكرا لهذا اللقب المحفوظ فيها – يحس بأن الشاعر لم يحتج إلى الاختراعات المجازية، السبب واضح: حين تبرز الفضائل في الممدوح، فلا معنى لأن يصطادها الشاعر بالخيال، بل يكفيه أن ينقلها بلغة الحقيقة إلى لباس اللفظ.
يضيف الشاعر إلى ذلك تعليلا لطيفا يذكرنا بتعليلات المتنبي فيقول:
ولو كان في الفردوس ذو العقل مفردا
لكان سجينا بين كأس ومنـدل
               وما قيمة التهذيب والعلم في الفتى
إذا كان يغدو بين وغد وأجهـل
               وما التذ ذو علـم بأنعم علمـه
إذا لم يبادلـه النبيـه بمقـول
ثم يبني على هذه الاعتبارات التي تسمو إلى درجة الحكمة السامية، وإلى رتبة القوانين المؤسسة للمواقف النبيلة، يبني عليها ويجعلها علة لسلوك «أمير الأطلس» المتجه إلى ضرب المثال في التطور والتحضر والتمدن لشباب تأخذ بتلابيبه أطناب الدعوة إلى الانغلاق، ولذلك سماه الشاعر شبابا مجمدا فقال:
لذاك تنازلتم إلى مستوى الورى
               فكنتم نقيضا للشبـاب المجمـد
للشباب المجمد الذي رأى في «أمير الأطلس» نموذجا فريدا للشباب الجديد، فيطفق ينزع عنه لبوس الجمود، ويتخلص من عوامل التجميد: للشباب المجمد الذي ورطه جموده في القتام، قتام الحيرة والشعوذة:
ولما بدا تحت القتام رعيلكم
               إذا بكم الهادي لنور مشكل
والقتام الظلام، والنور المشكل الذي له شكل وقوام يغفل عنه الغافلون من الشباب في ذلك العهد.
هل نحتاج بعد هذا إلى البرهنة على زعامة «أمير الأطلس» صاحب الجلالة الحسن الثاني لحركة تنوير الشباب بجنب والده زعيم حركة الانعتاق؟
إن الشاعر يسجل حقائق، شاهدها ويصوغها هنا في قالب شعري، وإن كان لهذه القصيدة ومثيلاتها من فضل، فهو أنها تحفظ قطعة من تاريخ المغرب، وتشهد بالانخراط المبكر لصاحب الجلالة وهو «أمير الأطلس» في حركة التغير الاجتماعي إبان الحماية. لم يمنعه سنه وهو دون العشرين وقت إنشاء هذه القصيدة، من أن يتحلى بالوعي الذي جعله قائدا للشباب في عهد والده المغفور له محمد بن يوسف.
ويمضي الشاعر بعد ذلك إلى تفصيل القول في هذا النور المشكل – أي الذي له شكل وهيأة – فإذا هو رفع رأس المعارف عاليا، وإذكاء روح الطموح، وتوجيه البلاد وجهة عربية، وإزالة روح الخمول، والنهوض بالفتاة المغربية بجانب أخيها الفتى:
وأسميتما رأس المعارف عاليـا
               فأمسى عزيزا فوق كـل مبجـل
نفختم بذا روح الطموح فأصبحت
               بلادكـم تغلي به غلـي مرجـل
ووجهتمـوهـا وجهـة عربيـة
               فأحبب بها من وجهـة للتوسـل
أزلتم خمول النفس عن كل واطن
               وكم كان منقضـا عليهم بكل كل
فوضحتم سبـل الهـدى لقوافـل
               تخوفها طول السرى تحت أرحل
فتاتهم مثل الفتى فـي نهوضهـا
               وذاك سعود العيش في سعد منزل 
وبعد، فإن الذي دعاني إلى توجيه القول إلى التعليق على هذه القصيدة، تفردها بكونها مديحا لصاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله، وهو في سن الحداثة والشباب الأول، المتجدد في شخصه الكريم كلما أهل هلال عيد الشباب، عيد أمير الأطلس.


1) القصيدة تعود إلى أوائل العقد الأربعيني، والشاعر وطني معروف 1900 – 1964.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here