islamaumaroc

عيد الشباب رمز من رموز المقدسات الوطنية

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 320 محرم-صفر 1417/ يوليوز 1996

لعل من المفيد أن يستغل رجال التربية والتعليم كل مناسبة تساعدهم على تنمية الوعي الوطني وعلى رفع الهمة ليكون المواطن في مستوى تحمل المسؤولية الملقاة على عاتقه على اختلاف أشكالها، فليس هناك أخطر من أن يترك الفرد سبهللا لا يجد من يوجهه للخير، ولا من يرشده إلى أصلح السبل وأقومها.
ومن أحسن المناسبات توجيها للمواطن المغربي عيد الشباب، فهو الرمز الدائم الذي يبلور أمامهم طريق الخير، ويذكرهم بالجهاد المتواصل، الذي جاهده الحسن الثاني نصره الله منذ أن كان وليا للعهد إلى الآن.
حزم متواصل وتفكير دائم، وسياسة رشيدة يواجه بها الأحداث العالمية بكل حذر، ليظل المغرب وفيا لمبادئه، حرا في تصرفاته، سالكا مسلك المتشبثين بالأصالة التي لا تضيق على مسايرة العصر، فهو يدعو إلى المحافظة على المبادئ الإسلامية، وعلى الإقتداء بالمذهب المالكي، وعلى الاهتداء بهدي الرسول "، إلا أنه في الوقت ذاته يدعو إلى النهل من معطيات التقدم العلمي والتقني ليبقى المغرب قائم الذات، مستوي السلوك، لا ينساق إلى التعصب المقيت، ولا إلى الانحلال المميت، وبذلك يحقق الوسطية المطلوبة شرعا، قال تعالى: ?وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا?.
ويمكن الاستدلال على ذلك بما لقيه جلالته من توجيهات في هذا الشأن، سواء في خطبه الرسمية، أو في استجواباته العديدة، أو في إرشاداته العامة.
ولا بأس من أن نستشهد هنا بخطاب وجهه جلالته يوم عاشر يوليوز سنة 1993 أثناء استقباله لمجموعة من الباحثين المغاربة القاطنين بالخارج الذين شاركوا في «الملتقى الأول لنقل التكنولوجيا»، الذي احتضنته مدينة الرباط، فقد قال فيه:
إن بلدكم في حاجة إليكم، ويمكنكم أن تخدموا بلدكم دون أن تفارقوا مهنتكم، وذلك بأن تكونوا دعاة في المعاهد والجامعات والكليات التي تعملون فيها لتربطون الصلة بيننا وبينكم، ولتحملوا إلينا التكنولوجيا الجديدة في جميع الميادين، وتساهموا في تشييد المختبرات والبنايات المتخصصة للعلم والبحث، فأنتم لا أقول إنكم بمثابة سفراء، بل أكثر، فكل واحد منكم ومنكن يمثل بضاعة مغربية كأنها حجرة مكنونة، لأن كل واحد منكم يحمل على عاتقه مسؤولية تمثيل المغرب، وفي قلبه وعقله ووجدانه قيمة العلم الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يضيفها عليكم، فالعلم شيء مهم جدا، وهو الهدف الأسمى لكل من أراد أن يتبارى في هذه الحياة، ولكن العلم وحده لا يكفي إذا لم يكن هناك العلم بالضمير، وبالأخلاق، الطيبة والتشبث وبمكارم الأخلاق، وبالوطنية الحقة».
إن هذه التوجيهات مدعاة إلى خلق شباب متفتح على الحضارة، دائب على العمل، بعيد عن الكسل لا ينساق للشهوات، ولا تغريه الملاهي والمغريات، وبذلك يقدر عن الإسهام في ازدهار البلاد، وفي رفع مستواها المادي والمعنوي، فالأمة بأفرادها، وكل عمل يحيى به الفرد لا ريب أن نفعه يعود على الأمة جمعاء.
وهذا أمر بديهي بالطبع، إلا أن البلوغ إليه يحتاج إلى مجهود فكري، وإلى تخطيط منسق، تشارك فيه جميع الهيآت المكلفة بالتوجيه، سواء عن طريق التلقين النظري، أو عن طريق الممارسات العلمية، فليس هناك غنى عن القدوة الصالحة، وكلما تعدد من يقتدي به يف الصالحات دل على أن الأمة تسير نحو التقدم، وتتدرج نحو الرقي، وتخط لنفسها طريقا يحميها من المهلكات، وينجيها من كل الموبقات.
إننا بهذا التصور الواضح نستقبل كل سنة هذا العيد، وكلنا أمل في أن يكون مدعاة إلى تقوية الوعي الوطني لدى الشباب المغربي، وما على المربين إلا أن يجعلوا من أهدافهم التربوية تقوية هذا الجانب في نفوس طلبة العلم، لأن الكثير منهم سيصبح في المستقبل مسؤولا عن التسيير الإداري والسياسي، وفي هذا الإطار يمكن استغلال مختلف المواد لتحديد القالب المستوي لحماية الشباب من الانهيار النفسي، ومن الانحراف الخلقي.
وما زالت أتذكر أنني حينما كنت أقدم لطلبتي درسا في العروض يتعلق «ببحر الرمل» أنني استغللت ذكرى هذا العيد فقلت لهم آنذاك:
يا شباب الحزم يـا روح العمـل
               يا حماة المجـد يـا نبـع الأمـل
هـذه البشـرى توافيكـم ومــا
               أعـذب البشرى بأنغـام الرمـل
والغرض من ذكر هذين البيتين تأكيد الربط الروحي بين الطلبة وبين هذه المناسبة ليكون ذلك سبيلا إلى إبراز القيمة الوطنية لهذا العيد، ذلك أن الإيحاء ضروري في المجال التربوي، فهو الذي يحرك في النفس طبيعة التحدي، ويجعل المتلقي حريصا على تطبيق ما يوحي به إليه، فإذا كان من واجب الشباب أن يتصفوا بالعزة، وأن يحموا المجد، وأن يعتبروا أنفسهم الأمل المرتجى، وأنهم روح العمل المرسي لثبوت كيان الدولة، فلا ريب أنهم سيحرصون على الاتصاف بكل ما من شأنه أن يجعل منهم الشباب الموعود المهيأ للبناء لا للهدم، المعد للمنافسات الدولية، فلا يصاب بالانتكاس، ولا ينهار أمام الأزمات، ولا يتسم بأي نوع من أنواع الصغار، لأنه قد اكتسب الحصانة بالتربية واستفاد من المعطيات التي بين أيديه، وصار بنفسه قدوة للغير، فإذا ذكر ذكر بالخير، وإذا شوهد شوهدت فيه مزايا الإنسان الواعي العاقل.
وقد أبان جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله حينما استقبل الجالية المغربية في فرنسا وما جاورها أثناء رحلته إلى الديار الفرنسية عن هذه الفكرة حيث ذكر أنه يثلج صدره ما يسمعه من كل الذين يتحدثون عن المغاربة ملتزمين في أعمالهم، بعيدين عن كل ما من شأنه أن يسيء إلى سمعتهم، أو سمعة بلادهم.
ولعل السبب في ذلك كونهم حريصين على التشبث بهويتهم، وعلى عدم رغبتهم في الاندماج الكلي في البيئة الأوربية، ويساعدهم على ذلك ما يتلقونه من عناية مولوية دائمة وما تقوم به وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية من نشاط ديني وتربوي، خصوصا في شهر رمضان المعظم، سواء عم طريق إرسال الفقهاء والواعظين إليهم، أو عن طريق الدروس التي تلقى إليهم بواسطة الإذاعة المسموعة والمرئية.
إن الحرص على المحافظة على الهوية المغربية ضروري، وهو يساعد على إبقاء الروابط بين الجاليات المغربية في الخارج وبين وطنهم الأم، وإن هذه الروابط هي التي ينبغي التذكير بها في كل المناسبات، وعلى رأسها «عيد الشباب» الذي لم الدور الكبير في توعية الإنسان المغربي، وتذكيره بالمقدسات الوطنية والدينية، ليجعلها شعارا يبني على أساسه مجد الدولة في الحاضر والمستقبل.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here