islamaumaroc

الشباب في السنة والكتاب

  إسماعيل الخطيب

العدد 320 محرم-صفر 1417/ يوليوز 1996

الشباب عماد الأمة وكنزها، ورجاؤها ورأس مالها وعدتها.
الشباب: ثروة الأمة، على أكتافه يبني الحاضر والمستقبل، وبواسطته تتحقق للمجتمع حياة أفضل.
الشباب: ذخر الأمة، وهو القوة التي تقف - بحكمة – في وجه كل التحديات.
وشبابنا – وهو الذي تربى في كنف الإسلام، أبي، واع طاهر المنبت، حقق لأمته الكثير... الكثير.
لذلك، حق لهذا الشباب أم يكون له عيد يقف فيه وقفة تأمل، ينظر برضى إلى ما وفقه الله لتحقيقه، ويرسم طريق المستقبل، ويجدد العزم على السير بخطى ثابتة...
الشباب والشبيبة: الفتاء والحداثة، قيل: هو في الإنسان من سبع عشرة إلى إحدى وخمسين/ وما بعدها فهو شيخ، أو إلى الثلاثين كاملة، أو إلى اثنتين وثلاثين. وما بعدها كهل.(1)
واللفظ يدور حول معنى الارتفاع، والاضطرام، والنشاط، وأول الشيء، ولم يرد في القرآن الحكيم، وإنما ورد قي القرآن لفظ (فتى) الذي من معانيه: الحديث السن، الشباب، وذلك في قوله تعالى: "قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم"،(2) وقوله سبحانه: "إذ أوى الفتية إلى الكهف"،(3) وقوله تعالى: "إنهم فتية آمنوا بربهم".(4)
الأنبياء والرسل... شباب: الأمر ما اقتضت حكمة الله تعالى أن يرسل الرسل إلى أقوامهم وهم في مرحلة الشباب، أي في مرحلة النضج والقوة والعطاء.
قال ابن عباس: ما بعث نبيا إلا وهو شاب، ولا أوتي العلم إلا وهو شاب، واقرأ (قالوا سمعنا فتى) (وإذ قال موسى لفتاة) و (أنهم فتية).(5)
فهذا إبراهيم عليه السلام كان شابا حين بعثه الله رسولا وأتاه رشده، وأنار بصيرته، وكان قومه أهل
 أوثان، وقد علم أن الأصنام لا تسمع ولا تبصر، ولا تضر ولا تنفع، ولا تجيب دعاء، فكانت له مواقف مع قومه متعددة، فتارة يحاج والده، وأخرى يحاور الجمهور، ثم إذا به يحاج الملك، وتارة يستفز قومه إلى محاجته بتكسير الأصنام، وتكررت منه هذه المواقف، غير أنهم ظلوا على عنادهم... فإبراهيم عليه السلام كان فتى قويا في شرخ الشباب، وهو يقارع الباطل، ويصمد في وجه الشرك والضلال، كباقي الرسل الذين أتوا من بعده.
ويوسف عليه السلام، كان في ريعان الشباب، وغضارة الفتوة عندما دعته امرأة العزيز إلى نفسها، فمنعه دينه من الوقوع في عمل من أعمال السفهاء، وظل صامدا وتحمل الأذى، ودخل السجن، وفي السجن صار يدعو لعبادة الله، ويسأل صاحبيه: "أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار"، فأصبح السجن بالنسبة له ساحة للدعوة إلى التوحيد، ونبذ كل عبادة لغير الله تعالى، واتباع ملة إبراهيم: "واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء".
ويحيى عليه السلام: قال الله تعالى فيه: "وآتيناه الحكم صبيا"، فقد آتاه الله تعالى الأحكام والمعرفة بها منذ صباه، فكان بارعا في الشريعة الموسوية، ومرجعا لكل من يستفتي في أحكامها، وقد نبئ قبل أن يبلغ الثلاثين.(6) وبعد قتله جهر المسيح بدعوته.
والمسيح عيسى بن مريم عليه السلام، ما إن بلغ الثانية عشرة من عمره – كما جاء في الأناجيل – (7) حتى وجدناه يجادل علماء الهيكل الذين أعجبوا به وقالوا: كيف أوتي مثل مثل هذا العلم وهو حدث لم يتعلم القراءة؟! وفي سنن الثلاثين أوحي إليه وحمل إلى الناس وهو في ريعان الشباب دعوة التوحيد، وجاهد وصابر، وتحمل كثيرا من المشاق في صبر وأناة، ورفعه الله إليه شابا، قال ": «... ورأيت عيسى شابا أبيض».(8)
ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام ابتعثه الله تعالى، وهو في أوج الشباب، وقاوم عناد المشركين، وتحمل ما تحمل من مشاق، وهو في سن الشباب».
عن أنس بن مالك، قال: «أقبل نبي الله " وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، ونبي الله " شاب لا يعرف...».(9)

رجال الدعوة... شباب:
حدثنا الكتاب الحكيم عن أولائك الفتية الذين اطمأنت نفوسهم بالإيمان، ويسرهم ربهم للعمل الصالح، من الانقطاع إلى الله تعالى، ومبايعة ومباعدة الضالين، والزهد في الدنيا، وكيف أنهم آثروا اللجوء إلى الكهف بعيدا عن قومهم الذين اتخذوا آلهة من دون الله، فضرب الله على آذانهم سنين عددا، ثم بعثناهم من رقدتهم الطويلة... إنهم أصحاب الكهف، أولائك الشباب الذين: «قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلاها لقد قلنا إذن شططا».
لقد آمنوا برب الكون وأنه إلاه واحد، ونظروا إلى قومهم فاستنكروا ما هم عليه من شرك وضلال، ووقفوا موقفا قويا قوة شبابهم، وقرروا الهجرة عن الديار، واعتزال الأهل والأقارب، فكان في ذلك ما أملوه من رحمة واطمئنان ورضوان.
وحدثتنا السنة(10) عن ذلك الشاب الذي أعجب بحديث راهب فأخذ عنه الدين، وظهرت على يده كرامات، وأخبره الراهب أن سيبتلي، وكذلك كان، فعندما دعا إلى الاعتقاد بإلاه واحد وأنه الذي بيده الأمر كله عذب أتباعه، ودعي للرجوع عن دينه فأبى، ولم تفلح محاولات قتله، بل ظهرت آيات دفعت الناس إلى الإيمان بالله، فما كان من الطغاة إلا أن حفروا الأخدود وملؤوه حطبا، وصاروا يرمون فيه كل من أبى الرجوع عن الدين.(11)
والذين آمنوا بالله، واتبعوا الرسول عليه الصلاة والسلام في بداية الدعوة كانوا من الشباب:
فعلي بن أبي طالب الذي أسلم وهو صبي في الثامنة من عمره أسندت إليه المهام الجسام وهو في سن الشباب، عن أبي البختري عن علي قال: بعثني رسول الله " إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، بعثتني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء، فضرب صدري بيده ثم قال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه. فو الذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين.(12)
والزبير بن العوام أسلم وهو ابن ست عشرة سنة، وهاجر إلى الحبشة، ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله "، وثبت معه يوم أحد، وبايعه على الموت، وشهد بدرا وهو ابن تسع وعشرين سنة.(13)
وسعد ابن أبي وقاص – من الثلاثة الأوائل الذين أسلموا – أسلم وهو ابن سبع عشرة سنة، وهو أول من رمى في الإسلام بسهم، قال علي بن أبي طالب: ما سمعت رسول الله " يفدي أحدا بأبويه إلا سعدا، فإني سمعته يقول يوم أحد: إرم سعد، فداك أبي وأمي.(14)
وعامر بن فهيرة، كان منن المستضعفين ممن يعذب بمكة ليرجع عن دينه، فصبر وهاجر وشهد بدرا وأحدا وقتل يوم بئر معونة سنة أربع، وهو ابن أربعين سنة.(15)
وعمر بن الخطاب أسلم وهو ابن ست وعشرين سنة، (16) قال ابن مسعود: كان إسلام عمر فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمارته رحمة.
وسعد بن معاذ، كان له الدور الأكبر في إسلام الأنصار، وشهد المشاهد، ورمي يوم الخندق سنة خمس من الهجرة، فمات من رميته تلك، وهو ابن سبع وثلاثين سنة.(17)
وأسامة بن زيد، عينة الرسول عليه الصلاة والسلام، قائدا للجيش المتوجه لمواجهة إمبراطورية الرومان، وهو دون العشرين.
ويطول بنا الحديث لو أردنا استقصاء أسماء ذاك الرعيل الأول من الشباب الذين نصروا الله ورسوله، وجاهدوا في الله حق جهاده، وكانوا شباب دعوة وجهاد، همهم في الحياة: دينهم وأمتهم.

الشباب... مسؤولية:      
بداية مرحلة الشباب، هي فترة النحول في حياة الإنسان، حيث يكتمل النمو الجسمي والعقلي، وتبدأ المسؤولية: «رفع القلم عن... وعن الصبي حتى يشب»(18) فالشاب مسؤول عن شبابه فيم أبلاه.(19) فقوة الشباب مثلها كمثل حد السيف يستخدمه المجاهد في سبيل الله أو قاطع الطرق، «إن الشباب هم الذين كانوا دعاة المساوئ والمنكرات في أقدم العصور كما كانوا هم الجيش العرمرم لرفع ألوية الخير والصلاح».(20)
ولذلك وجب الاهتمام بالشباب، وكان من حقه أن يعان على حل مشكلاته، وأن تذلل له الصعاب ليجد السبيل إلى التقدم والارتقاء، وإننا لنجد في التوجيه النبوي ما يرشد الشباب إلى أقوم السبل، فالاستقامة، والقيام بالواجبات، وترك المنهيات أمر مطلوب من الشاب. قال ": «سبعة يظلهم لله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله».(21)
وإعانة الغير – خاصة من عجز – من مهمات الشباب: «ما أكرم شاب شيخا من أجل سنة إلا قيض الله له عند سنه من يكرمه».(22)
وإذا كانت المشكلة الجنسية – خاصة في عصرنا – أساس مشكلات الشباب، فإن «المجتمع المسلم لم يعرف الجنس كمشكلة، لأن الحياة فيه ارتبطت بمنهج الله وتنظيمه» «وقد جعل الإسلام للجنس – كما جعل للغرائز كلها – ضوابط ذاتية، وضوابط اجتماعية تنظمه، وتحدد طريقه وأسلوبه» وهذا نموذج للمنهج النبوي في توجيه الشباب في هذا الجانب: «عن أبي أمامة قال: إن فتى شابا أتى النبي النبي " فقال: يارسول الله، إئذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا مهْ، فقال: «أذْنُهْ» فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال فداءك، قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم...».(23)
ودعا الرسول الشباب إلى الزواج: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء».(24)
وذاك التوجيه النبوي الذي وجه الشباب إلى الأهداف التي خلق الله الإنسان من أجل تحقيقها، أوجد شبابا بني حياته على السلوك المرتبط بعقيدته، فهو شباب يسعى إلى امتلاك ناصية العلم، وهو شباب يعطي قيمة للوقت، وهو شباب يعمل على تكوين العقل السليم والجسم السليم، وهو شباب في كل عمل من أعماله يطلب مرضاة الله، وهو بذلك ذاقوا حلاوة الإيمان: «عن عبد الله بن عمرو، قال: جمعت القرآن فقرأته كله في ليلة، فقال رسول الله ": إني أخشى أن يطول عليك الزمان، وأن تمل، فأقرأه في شهر، فقلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: فأقرأه في عشرة، قلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: فأقرأه في سبع، فقلت دعني أستمتع من قوتي وشبابي، فأبى».(25) وعن أنس بن مالك قال: «كان شباب من الأنصار سبعين رجلا يقال لهم: القراء، قال: كانوا يكونون في المسجد، فإذا أمسوا نتحوا ناحية من المدينة، فيتدارسون ويصلون...».(26)

أهل الجنة... شباب: 
إذا كان أهل الجنة يدخلونها على أكمل صورة وأجملها و «أخلاقهم على خلق رجل واحد».(27). "
فهم أيضا يدخلونها في عمر القوة والفتوة والشباب، أبناء ثلاث وثلاثين، عن معاذ بن جبل عن رسول الله " قال، «يدخل أهل الجنة جردا مردا، كأنهم مكحلون، أبناء ثلاث وثلاثين».(28) ويقال لهم: «...وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا».(29) إنه شباب دائم، ونعيم دائم، ورضوان من الله أكبر.
وبعد، نلك صورة للشباب المسلم – من خلال الكتاب والسنة – شباب نظيف السلوك، عالي الأخلاق، حريص على أقامة الدين والسير على منهج الصالحين، شباب يحب الخير ويعمل له ويبني وطنه، شباب أسوته أولائك الرسل الكرام الذين كانوا نماذج للطهارة والعفة، والقوة والأمانة، والصبر والتماسك.

1) معجم متن اللغة.
2) سورة الأنبياء 60.
3) سورة الكهف 10.
4) سورة الكهف 13.
5) الدر المنثور 5: 317.
6) قصص الأنبياء – للنجار 369.
7) أنظر: إنجيل لوقا 2: 40 – 52.
8) مسند أحمد 1: 274.
9) صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار – باب هجرة النبي " وأصحابه إلى المدينة – حدثنا رقم 3911. 
10) صحيح مسلم: الزهد 73.
11) أنظر تفسير سورة البروج.
12) الطبقات الكبرى – لابن سعد – 2: 337.
13) السابق 113.
14) السابق 139 – 141.
15) السابق 231.
16) السابق 270.
17) السابق 433.
18) الترمذي في الحدود: باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد – وأحمد 6 – 100.
19) الترمذي في القيامة 1.
20) بين يدي الشباب – المودوي – ص: 74.
21) متفق على صحته.
22) أخرجه الترمذي (2023).
23) انظر تمام الحديث في مسند الإمام أحمد رقم 22274.
24) متفق على صحته.
25) سنن ابن ماجة – حديث رقم 1346.
26) مسند أحمد – حديث رقم 13462.
27) صحيح مسلم، كتاب الجنة – باب أول زمرة يدخلون الجنة – رقم الحديث 2834.
28) صحيح الجامع 6: 337 حديث رقم 7928.
29) صحيح مسلم: كتاب الجمة وصفة نعيمها – باب في دوام نعيم أهل الجن

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here