islamaumaroc

هو الذي أيدك بنصره وبالمومنين

  أحمد مجيد ابن جلون

العدد 320 محرم-صفر 1417/ يوليوز 1996

بشوق متزايد، ننتظر كل سنة حلول ذكرى ميلاد جلالة الملك الحسن الثاني لنطلق العنان لذاكرتنا وعاطفتنا، منتظرين منهما أن يكونا في مستوى ما نكنه لقائد الأمة من إعجاب وإجلال وشكر وامتنان على المكانة التي بوأنا إياها، والدرجة الرفيعة التي بلغناها، والرقي الذي حققناه، ومستوى النمو الذي ضمناه، والسمعة الطيبة التي أصبحت ميزة بلادنا بين الأمم، والاستقرار الذي نعيش في أحضانه، والديمقراطية الحقة التي ينسق ملكنا المحبوب معالمها بحذر ويقظة، وحرية تستمد روحها من إيماننا بوجوب احترام حقوق الإنسان.
مرت سنة أخرى تتبعنا خلالها بامتنان وشكر واقتناع وفخر المبادرات المتوالية التي أقدم عليها جلالته لتعزيز اقتصاد البلاد، والدفاع عن حرية وحقوق العباد، وضمان الانطلاقة الاقتصادية، وإظهار بلادنا على حقيقتها وهي المملكة المتشبثة بالمبادئ والأخلاق، الغيورة على كرامتها التي تجعل من النقاش المجدي والتفاهم الخلاق ميزة علاقاتها، والتي لا تالو جهدا في خلق جو التعايش السليم مع غيرها، ولا تتردد في المساعدة على إصلاح ذات البين كلما استشيرت أو طلب تدخلها.
أغطى ملكنا الرائد للجو الني نعيشه اتجاهه القويم، ولاختيارات الأمة وجهة تقيها النزاع العقيم والانفعال البغيض والمجازفة في الفعل والقول، ومكنها من التحلي بمزايا التروي وحب التآزر، وزرع بين أعضائها بذور التآخي والمحبة والتضامن، ونسق المجتمع على أسس الحريات والحقوق، حريات الأفراد والجماعات، وحقوق المواطن في حياته وعمله ومكتسباته وعائلته، وجعل من المغرب القلعة المنيعة التي لا تقبل إلا ما هو عادل، ولا تومن إلا بما هو منصف، وتلتزم الصبر والأناة حتى أصبح الكل يعترف بمزاياها، ويصفها ما هي أهل له، ويضعها في صف الدول الوفية التي تنفع ولا تضر، وتساعد ولا تتنكر.
منذ بضعة أسابيع، قام جلالته حفظه الله بزيارة دولة فرنسا، وذلك تلبية لدعوة كريمة من طرف رئيس الجمهورية السيد جاك شراك الذي تربطه بالعاهل الكريم صداقة قديمة ومتينة، والذي يكن لبلدنا المحبة والتقدير، وبقدر ما حققناه من منجزات وما قاومناه من صعاب، وما تغلبنا عليه من مشاكل مادية وخلقية.
ومنذ أن وطئت قدماه التراب الفرنسي خصه شعب البلاد باستقبال رائع، معتبرا فيه الملك المصلح والصديق الوفي لمبادئه، والقائد الذي أعطى لوطنه مظهره المقنع، ومقدرا فيه أخلاقه النبيلة، وتطلعه المستمر إلى توفير ما هو أفيد لوطنه وأصلح لخدمة العلاقات المغربية الفرنسية في إطار التقدير المشترك والمعاملة الإيجابية المتبادلة ومرت الزيارة في جو خاص ومتميز، وطبعتها سلسلة من المظاهر الرمزية التي أدت إلى توافق تام وعجيب بين الدولتين.
وإن الحفاوة التي طبعت مراحل الزيارة، والخطب المتبادلة، والآراء المعبر عنها، والأفكار التي عرضت، والملاحظات التي أبديت، والحفاوة التي ميزت اللقاءات، كل هذا كان دليلا واضحا على أن الدولتين مقنعتان بالضرورة الملحة لبناء مستقبل قار بينهما على أسس من المصداقية والتفاهم، وبإقامة جسر متين ضد كل من شأنه أن يعكر الجو أو أن ينسف المجهود المبذول.
فالمغرب وفرنسا عاشا عقودا أمكنهما أثنائها أن يعرف أحدهما الأخر، وأن يقدر فيه مزايا كانت سبب خلق جو من التقدير والتقارب والمحبة والتفاهم، وإذا آمنت فرنسا أنه لا يمكنها أن تستغني عن المغرب في نجاح سياستها الجديدة المتجهة نحو إفريقيا والعالم العربي فإن المغرب مومن بدوره بأن فرنسا تكون أحسن حليف له لتحقيق ما يصبو إليه من الالتحاق بالدول الراقية بأوروبا.
ومما يشجع على بلورة هذه الرؤيا وتحقيق أهدافها تلك العلاقة المتينة والصداقة العميقة الموجودة بين جلالة الملك والرئيس شراك، وكذلك الاعتبار المتبادل بين الشعبين، وتقدير المسؤولين الفرنسيين لما يبدله المغرب من جهود للخروج من التخلف المادي. فقد ظهر جليا أن فرنسا أصبحت مقتنعة بأن المغرب على المحجة البيضاء في اختياراته الديمقراطية، خصوصا بعد الخطاب التاريخي الذي ألقاه جلالة الملك أمام المجلس الوطني الفرنسي.
إلا أم هذه الرؤيا لم تكن ممكنة، ولم يبرز هذا الاختيار إلا لأسباب خلقية تستحق الوقوف عندها والإشارة إلى أبعادها، ففرنسا تعرف جلالة الملك الحسن الثاني وتقدر فيه تلك المزايا والمؤهلات التي جعلت منه الرجل الصالح والملك المثالي، ورجل الدولة الذي فرض نفسه على كل المستويات بذكائه الخارق، وعمق تقديره للمواقف، والأحداث، ورفضه لكل مشبوه، واستعداده الدائم للتوفيق والوساطة المجدية، وتفانيه في خدمة وطنه وشعبه، وبإبائه الذي يجعل منه أوفى صديق وأخلص حليف، وبانقياده إلى أسمى الأخلاق ورفع المبادئ.
أما جلالته دام الله عزه وعلاه فهو أعرف بفرنسا وتاريخها، وبالمبادئ السامية التي جعلت منها منهجها وانطلاقة جهادها في خدمة الإنسانية، وبتطوعها لمؤازرة كل من يسعى إلى إيثار المصلحة العامة، وبالتقدير الذي تكنه لشعبنا والعناية التي تخصه بها، وباستعدادها للعمل المشترك مع قائد البلاد وراعي الأمة والعباد، حتى نحقق ما تصبو إليه أمتنا من رقي وازدهار.
كل هذه الحقائق تجلت من المراحل المقنعة لتلك الزيارة الميمونة التي قام بها جلالة الملك لفرنسا، والتي كان نجاحها باهرا ونتائجها سارة، وأبعادها توحي بالاعتقاد بأن الخير أمام، وأن الغد سيكون لا محالة أفضل وفي مستوى ما ننتظره ونتمناه.
لقد تبودلت خطب فكان فحواها نبيلا ومستواها رفيعا، والالتزامات التي تحتوي عليها واضحة ومشجعة، والعواطف التي عبرت عنها نبيلة ومطمئنة، ونظمت مقابلات واستقبالات، فأبهرت بحفاوتها وبهائها، وكانت تعبيرا صادقا عما يكنه الشعب الفرنسي للمغرب من صداقة متينة وعاطفة نقية وعميقة.
واستقبل جلالة الملك ممثلي الجالية المغربية، فكانت ساعة خالدة ظهر فيها ذلك التلاحم المقدس بين العرش والشعب، بين عاهل عاهد فأوفى ووفى وبين رعايا ملكين بغريزتهم ووجدانهم، متشبثين بالدوحة العلوية الشريفة. حقا، لقد كان حقا الوفاء والإخلاص والتعلق والرضى.
وإذا خانتني الذاكرة في يوم من الأيام، فلن أنسى تلك الوقفة العظيمة التي وقفها جلالة الحسن الثاني أمام البرلمان الفرنسي، وذلك الخطاب القيم والمقنع الذي ألقاه، فكان الملك الواعي بحقيقه شعبه، والأستاذ الجامعي الذي ألقى درسا تحتفظ به الأجيال تلو الأجيال لبلاغته وعمق أفكاره، ووجاهة آرائه، وجدوى استنتاجاته.
مرة أخرى أعطيت، أيها الملك الصالح والمومن المتحلي بأخلاق القرآن، الحجة على توفيقك، وليس ذلك بغريب مادام المولى سبحانه وتعالى: ?هو الذي أيدك بنصره وبالمومنين?.
صدق الله العظيم، والسلام.


          
       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here