islamaumaroc

لمحات حول نشأة القراءات في المغرب منذ نشأتها إلى عهد الحسن الثاني

  محمد المختار ابن اباه

العدد 320 محرم-صفر 1417/ يوليوز 1996

عيد الشباب موسم سنوي يعرب فيه المغاربة عن بالغ ابتهاجهم بذكرى ميلاد صاحب الجلالة الحسن الثاني حفظه الله، راعي نهضة المغرب، وقائد مسراته المظفرة.
وبمناسبة هذا العيد الوطني تتاح الفرصة للتذكير بالانجازات المتنوعة التي تحققت في عهده الزاهر، ولاستعراض إسهام الأمة المغربية في تشييد صرح الحضارة الإسلامية، إذ اعتاد الباحثون تناولها، كل حسب اهتمامه واختصاصه.
وفي هذا العدد الخاص من مجلة «دعوة الحق» الغراء أرى من المناسب أن أتناول باختصار تطور علم القراءات في المغرب، وكيف رافقت قراءة إمام المدينة مذهب عالم المدينة، حيث انتقلا دن دار الهجرة إلى الأندلس، ثم احتضنها المغرب منذ آماد بعيدة، ثم نوجز القول أيضا في العناية الخاصة التي كان ملوك المغرب يولونها لهذا العلم منذ القديم إلى اليوم.
1- نشأة علم القراءات:
 لقد نشأ في علم القراءات القرآنية في مستهل القرن الهجري الثاني نع بداية تدوين العلوم الشرعية، ولقد كان نشوءه نتيجة حتمية للعناية بكتاب الله الكريم، الذي أنزله الله تعالى على رسوله المصطفى عليه الصلاة والسلام، وتكفل بحفظه، وأورثه الذين اصطفى من عباده.
في حياة الرسول الأكرم " كان جبريل يتدارسه معه في رمضان وحيا وتذكيرا، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يكتبونه بكل الوسائل المتاحة، ويسعون في حفظه وفهمه، ثم بعدما التحق الرسول " بالرفيق الأعلى جمعه الخليفة أبو بكر حينما استحر القتل في القراء في وقعة اليمامة.
وفي أيام الخليفة عثمان تعددت القراءات وظهر التنافس بين أهلها، فقرر أن يجمعه، وعين لهذه المهمة مجموعة من الصحابة برئاسة زيد بن ثابت الأنصاري، الذي سبق أن شارك في الجمع الأول، وعهد إليهم بنسخ عدة مصاحف، منها «الإمام» الذي بقي بيد الخليفة المصحف المدني، وبعث مصاحف إلى مكة المكرمة والبصرة والشام.
2- القراءات المتواترة: 
وما كتبه هؤلاء الصحابة هو ما عرف بالرسم العثماني من معجزات الحفظ لأنه مكن من استيعاب مختلف القراءات، التي أجمع على إمكان تنوعها وفقا للحديث الصحيح، الذي أقر شرعية قراءاته على سبعة أحرف، حتى إن ابن الجزري يقول: إن المصاحف جردت من النقط والشكل لاستيعاب مختلف القراءات الصحيحة.
وقد يتوهم البعض أن هذه الأحرف السبعة تعني القراءات السبع المتواترة عن الأمة، والحقيقة أن القراءات الصحيحة أكثر من سبع، فأبو عبيد بن سلام أوصلها إلى أكثر من عشرين، وأول من حصرها في هذا العدد هو الإمام محمد بن مجاهد (تـ 324)، وممن تبعه في هذا الرأي ابن الباذش الغرناطي في كتاب «الإقناع» وابن فيره الشاطبي في قصيدة «حرز الأماني في نظم التيسير» للداني، غير أن بعض الأئمة زاد على السبعة، وقد ألف أبو عمر الداني كتابا سماه «ما زاد على السبعة»، وجعلها ابن غلبون ثمانية في «التذكرة»، وأبو معشر الطبري في «التلخيص».
ثم إن جمهور القراء اتفقوا على تواتر عشر قراءات، وهي قراءة نافع ابن عامر اليحصبي، وأبو عمرو بن العلاء، وعاصم ابن أبي حمزة الكسائي، وأبو جعفر بن القعقاع، ويعقوب الحضرمي، وخلف، ثم زاد الحسن بن محمد البغدادي توتر قراءة الأعمش في كتاب «الروضة» وجعلها بعضهم أربعة عشر بزيادة قراءة الحسن البصري وابن شنبوذ وابن محيصن.
ولقد اصطلح على القراء التفريق بين القراءة والرواية والطريق، فالقراءة ما ينسب إلى الإمام مثل قراءة نافع، والرواية ما نسب إلى كبار أتباعه، مثل: رواية قالون وورش عن نافع، الطريق ما اختاره المقرئون وأخذوه عن أئمة الرواية مثل الطريق الأزرق عن ورش، والأصبهاني عن تلامذة ورش، وأبي نشيط عن قالون.
وإذا كانت القراءات والروايات والطرق متعددة فإن أئمة التجويد وضعوا ضوابط محكمة لإثبات القراءة، إن اختل أحدها اعتبروها شاذة: وهي صحة السند إلى النبي "، وموافقة رسم المصحف العثماني احتمالا، وقواعد العربية ولو بوجه.
3- دخول القراءات إلى المغرب والأندلس:
 ومثل ما اعتمد المغاربة مذهب عالم المدينة الإمام مالك بن أنس، اعتبارا أنه عمود السنة وامتداد للعمل النبوي، اختاروا كذلك قراءة إمام المدينة نافع بن عبد الرحمن.
وأول من حمل قراءة نافع إلى الأندلس أبو محمد الغازي بن قيس، الذي كان مؤدبا بقرطبة، ثم حج ورجع إلى الأندلس بموطأ الإمام مالك وقراءة نافع، وقد صحح مصحفه على مصحف نافع ثلاث عشرة مرة، وكان قوي الحفظ، صحيح القراءة.
وممن روى عنه عبد الله بن حبيب، وأخذ عنه أيضا ابنه عبد الله، وروى عن ابنه نجله محمد صاحب اللغات والأشعار، ولقد ارتضى القراء الغازي ورسمه ماعدا أحرف قليلة ذكرها الشاطبي في «رائيته» بقوله:
هي يهي مع السي بها ألفـــا
               في يائه رسم الغازي وقد ذكرا
 وبعد الغازي يشتهر ذكر أبي عبد الله محمد بن عبد الله القرطبي الذي استأدبه الحكم بن هشام لابنه وعينه قيما على خزانته، وكان علماء القرآن، وقد أخذ عن ورش بن سعيد تلميذ الإمام نافع.
ثم تأتي الخطوة التالية على يد محمد بن خيرون المعافري القروي الذي رح إلى المشرق، وسمع من أبي الحسن إسماعيل بن يعقوب الأزرق المدني، ودخل العراق وأخذ عن محدثيها، وقدم بقراءة نافع على أهل افريقية، وكانوا قبل ذلك على حرف حمزة، فاجتمع عليه الناس وكانت إليه الرحلة، وله كتاب «الابتداء والتمام»، وكتاب «الألفات واللام». 
ويقول ابن الجزري في «غاية النهاية»:
إن أبا عمرو الطلمنكي هو أول من أدخل علم القراءات في الأندلس بعد رحلته إلى المشرق، وأخذه عن عبد المنعم بن غلبون، ثم ظهرت على يده مجموعة من كبار المقرئين الأندلسين، وكلام ابن الجزري لا يعني أن علم القراءات لم يك موجودا قبل الطلمنكين فقد رأينا آنفا ما كان من وجود قراءة الإمامين: نافع وحمزة بن حبيب الزيات.
4- العصر الذهبي للقراءات في الأندلس:
والذي نستنتج من أولوية الطلمنكي هو تأليفه لكتاب «الروضة» الذي قد يكون أول مصنف أندلسي اشته في القراءات. ثم لا نلبث قليلا حتى نرى أن الأندلس أخذت الصدارة في هذا العلم مع شيخ القراء بلا منازع أبي عمروا الداني(ت 444)، الذي تجمعت لديه أسانيد الرواية، وتفرعت من عنده معارف الدراية، أخذ أولا عن خاله محمد بن يوسف الأموي (429)، ثم رحل إلى المشرق، وأخذ عن قرائها الأعلام، مثل فارس بن أحمد الحمصي (401) وطاهر بن عبد المنعم بن غلبون، وخلف بن إبراهيم المصري (402) المتخصص في رواية ورش.
 ومن أجل تلاميذ الدائي أبو داوود سليمان بن نجاح مولى المؤيد بالله، والذي ألف كتاب سليمان بن نجاح مولى المؤيد بالله، والذي ألف كتاب «البيان الجامع» في ثلاثمائة مجلد، كما له «أرجوزة» في أصول القراءة تزيد على 18 ألف بيت!! أما مؤلفات الداني فإنها تزيد على المائة، من أشهرها «كتاب التيسير» في القراءات السبع الذي نظمه القاسم بن فيرة الشاطبي في رائعته المعروف بـ«حرز الأماني ووجه التهاني»، والتي نالت شهرة فائقة، وتنافس عليها الشارحون والمعلقون لإحكام منهجها وطرافتها في الرمز واللغة والنظم، وصدق فيها قول ناظمها.
أهلت فلبتهـا المعـاني لبـابهـا
               وضعت بها ما ساغ عذبا مسلسلا
وفي يسرها التيسير رمت اختصاره
               فأجنت بعـون الله منـه مؤمـلا
وأفـافها زادت بنشــر فؤائـد
               فلفت حياء وجهها أن تفضــلا
كما نظم الشاطبي أيضا «كتاب الداني» في الرسم المعروف بالمقنع، وذلك في رائيته المعروفة بـ: «عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد»!!
والملاحظ أن أكثر الإجازات الأندلسية لم تسلك طريق الداني والشاطبي، فنرى أن المقرئ الكبير أبا بقي القرطبي رفع إسناده في الإجازة إلى قارئي مكة المعروف بابن العرجاء، مع أنه أخذ عن كبار المقرئين في الأندلس، ولعل أهل الإجازات فضلوا السند المشرقي لعلوه.
5- ازدهار القراءات في المغرب:
وفي العهد الذي تصدر فيه أبو جعفر ابن الزبير في الأندلس، وتوطدت أركان علم القراءة في المغرب على يد ثلاثة شيوخ كان لهم الفضل في ترسيخ هذا العلم وشيوعه: نذكر منهم من اشتهر بالنحو، وهو ابن آجروم الذي كان إماما في القراءات، وله شرح حافل على الشاطبية.
أما الثاني فهو محمد بن محمد الأموي الشهير بالخراز ناظم عمدة «البيان ومورد الظمان في رسم القرآن وضبطه»، ونال هذا النظم شهرة بين علماء القراءة، وتناوله كثير منهم بالشرح والتعليق، أمثال الحسين بن علي الشوشاوي صاحب «تنبيه العطاش على مورد الظمان»، وأحمد بن علي بن عبد الملك الرجراجي الذي ألف «ري العطشان في رفع الغطا عن مورد الظمان»، ومن شراحه عبد الواحد بن عاشر في كتاب «فتح المنان على مورد الظمان».
أ- ابن بري التازي:
العالم الثالث هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي ابن محمد التازي المشهور بابن بري الذي كان بارعا في علوم كثيرة كالقراءة والتفسير والحديث والفقه والفرائض والنحو، وكتب عن «مختصر المدونة» للبراذعي، واختصار «شرح ابن أبي الربيع لإيضاح الفارسي». 
وكتابه الشهير مثل شهرة الأجرومية هو «نظم الدرر الطوالع في قراءة الإمام نافع» الذي ألفه سنة 697 وقال في ذلك.
نظمـــه مبتغيـا لـلأجـر
            علي المعروف بــابن بـري
سنة سبع بعد تسعـين مضـت
               من بعد ستمائة قـد انقضـت
ومن الغريب أن الإجازات المتداولة لا تستند إليه ولا إلى طريق الداني الذي صرح هو نفسه باختيارها.
وكتب على نظم ابن بري هذا عشرات من الشروح والتعاليق والحواشي.
ومن مشاهير شراحه، معاصره ونده محمد بن محمد الخراز (718) الآنف الذكر،  وابن المجراد (تـ: 778)، والمنتوري (تـ: 834)، والعلامة لاشهير محمد بن غازي المكناسي، وابن غازي(تـ: 919) صاحب «تفصيل عقد الدرر»، وفيه «نظم الطرق العشر إلى قراءة نافع».
ومن شراحه كذلك عبد الرحمن بن مخلوف الثعالبي 875، والمارغيني صاحب «النجوم الطوالع».
ولعلماء شنقيط عليه أكثر من عشرين شرحا، منها «شرح» عبد الله ابن الحاج، حماه الله (1209)، ومحمد حبيب بن مابى (تـ: 1366)، ومحمد مولود بن أحمد قال (تـ: 1323) اليعقوبي، ومحمد الطالب بن محمد اعلي.
ب- ابن القاضي:
ومن ألمع شراح «نظم الدرر» عبد الرحمن ابن القاضي صاحب «الفجر الساطع» (تـ: 1082) الذي ملأ القرن الحادي عشر علما وتأليفا وتدريسا.
لقد تربى ابن القاضي ف يبيت أبي المحاسن الفاسي، وقرأ في محيطه فبرع في علوم القرآن والحديث، ومن أشياخه سيد محمد بن يوسف التأملي، وأخذ الإجازة عن أبي زيد عبد الرحمن الفاسي، كما تتلمذ على عبد الرحمن بن عاشر صاحب المنظومة الفقهية المشهورة. وقد جرت بينهما مساءلات شعرية، منها قول ابن القاضي:
أيـا من سما فوق النعـائم والنسر
               وصار إمام الناس في السبع والعشر
 عنيـت بذاك شيخنـا ومفيدنــا
               وقدوتنـا مفتـي الأنـام بلا نكـر
وشهرته بين الورى بابن عاشــر
               وأوصافه في العلم جلت عن الحصر
إذا وقف القارئ لحمـزة معلمــا
               على لفظ ما من بئس منفصل السطر
هل الحكم بالتحقيق وهـو الذي جلا
               كإن لم وإنه مع نظائره تجـــري
أم الحكم بالتخفيف رعيا للفظهــا
               أجيبوا بنص ينشر الحـق كالــدر
فأجابه ابن عاشر بقوله:
جوابك والرحمـن يفخر مــا تطـوي
               ويعليك ذكرا فـي صــدور ذوي الذكر
بتحقيق ذاك الهمـــز جزمــا لأنـه 
               تقدم كلمات الوقوف كمـــا تــدري
ويوضح ذلك الرسم والوقــف قبلهــا
               فقد فات شرط الوقف عن حمزة المقري
وذا القدر كاف فـي الجــواب لأنـه
               مفاد عموم وهــو نــص بلا نـكر
ج- محمد بن عبد السلام الفاسي:
وفي الشطر الأخير من القرن الثاني عشر برزت شخصية أحد أئمة المقرئين الذين أسهموا بجهد وافر في هذا الفن، وهو العلامة محمد بن عبد السلام الفاسي المتوفي سنة 1214، والذي كتب عشرات المصنفات والبحوث والأنظام في علم القراءات، وتناولت كتبه مجموعة من الأجوبة عن مسائل في الرسم والوقف ومخارج الحروف، ونظم أكثر من أرجوزة في الوقف والابتداء وأحكام الهمز.
  ومن أهم مؤلفاته كتابه في محاذاة الشاطبية الموسوم بـ: «إتحاف الأخ الأود المتداني محاذي حرز الأماني»، ومهد له مقدمة ذكر فيها مجمل الأحكام القرآنية، وبين فيها أسانيده في المغرب والمشرق.
أخذ الفاسي عن شيخ القراء في أبي زيد عبد الرحمن ابن إدريس المنجرة (تـ: 1178)، فكان سنده ومفيد وعمدته، وأبو زيد هذا ممن له قدم راسخة في هذا العلم، وله حواش وتعليقات معروفة على «فتح المناد»، وعلى «كنز المعاني» للجعبري، و«شرح دالية ابن المبارك في الهمز والمد».
وما يمتاز به محمد بن عبد السلام إبداء نوع من التحفظ على وقف الشيخ محمد بن أبي جمعة الهبطي الذي شاع في عصره، واعتمده جل قراء المغرب حتى قال فيه عبد السلام المدغري:
واسلك طـريق الهبطي في الأوقـاف
               فإنـــه لصنعــــــه الإرداف
جــد معين إذ به جــرى العمــل
               في مغـرب بــه الأداء قـد حصـل
فأما الفاسي فإنه اتبع سبيل ابن الجزري في تقسيم أنواع الوقف في آرائه المعروفة.
د- أبو الربيع السلطان مولاي سليمان العلوي:
أما الآخرون عن عبد السلام الفاسي، فمن أشهرهم السلطان أبو الربيع مولاي سليمان العلوي الذي كان على منوال والده السلطان العالم مولاي محمد بن عبد الله، والسلطان مولاي سليمان من رواد العلم اكتسابا وكتابة وتشجيعا، وبالخصوص علم القراءات. فهو الذي وهب جائزة مائة مثقال ذهب، مكافأة على ثلاثة أبيات نظمها أبو العلاء إدريس البدراوي في حكم الإشمام والروم وهي:
ضممـت لإشمام لتفعل مثلــــه 
               فضنت وجاءت في القراءة بالأصل
فرمت إخفاء لكي تدرك المنـــى
               فقالت: أشيخ الذكر يقرأ بالوصــل
فإن وقــوفي يقتل الصب حسنـه
               فقلت لها قفي فقـد لــذ لي قتلـي
والمولى سليمان هو الذي أمر إدريس بن عبد الله الودغيري (تـ: 1143) بتأليف «التوضيح والبيان في مقرإ بافع بن عبد الرحمن»، والودغيري هذا عدة «مصنفات» في القراءة.
6- جهود المغفور له محمد الخامس:
وفي مستهل القرن الماضي بدأت الدول الاستعمارية تسعى إلى بسط نفوذها على المغرب، وبذلت في ذلك ما أوتيت من قوة إلى أن فرضت عليه نظام الحماية، وتمكنت بمقتضاها من إيقاف النهضة التي كان المولى الحسن الأول يخطط لها، ولقد انعكست هذه السيطرة على المد الثقافي المغربي بما في ذلك المحاولة العلمية التي كان المولى عبد الحفيظ من روادها، عند ذلك أصبحت المراكز العلمية في المغرب، بعدما كانت مصدر عطاء وإشعاع، محاصرة بين جدران الجوامع اتخذها العلماء قلاعا محصنة للحفاظ على العلوم الشرعية التي انزوت بين سلاطين المساجد والزوايا.
وبعدما اعتلى المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه عرش أسلافه المنعمين عمد رحمه الله إلى وضع خطة محكمة لتحرير البلاد، فكان من قوامها استنهاض التعليم والدراسات الإسلامية والعربية، وأولى عناية خاصة بجامعة القرويين، وعنها بقول في خطاب العرش من سنة 1950.
«وقد علمنا ما كان للمعاهد الدينية من أثر ف يحفظ الشريعة ورد الشبهات عنها وبث الأخلاق الفاضلة، ونشر العربية، فوجهنا لجامعة القرويين التي كان لها الحظ الوافر في المحافظة على كيان الحضارة الإسلامية وإمداد البلاد بعلماء وسيلة ترد إليها مجدها وتعيد إليها سمعتها إلا اتخذناها».
ثم قرر تنظيم الكتاتيب القرآنية وإلحاقها بمصالح القصر الملكي، ثم حولها إلى مدارس قرآنية عهد الإشراف عليها إلى العلامة المقرئ عبد الله الجراري مؤلف «متعة المجودين»، كما حرص على تعميم التلاوة في الإذاعة وتنظيم المباريات في التجويد، وتأسست في الإذاعة المغربية حصة للقرآن الكريم، حرص محمد الخامس رحمه الله شخصيا على مدتها وتوقيتها. ?
7- نهضة هذا العلم في عهد صاحب الجلالة الحسن الثاني:
وبعد استعادة الحرية والاستقلال أعطى جلالة الحسن الثاني أيده الله ونصره انطلاقة جديدة للنهوض بالعلوم القرآنية.
وزيادة على تحقيق ما أنجز من نشر التراث في مختلف العلوم القرآنية تركزت العناية المولوية على إخراج «مصحف الحسن الثاني» في أبهى حلة، وأجود صنعة، من حيث توثيق الرسم وصحته، ودقة الضبط وإحكامه، وجودة الخط وحسنه، وبذلك جدد عهد العناية بالمصحف الشريف، وهي من أعرق تقاليد ملوك المغرب؛ فقد كان الموحدون يتداولون أحد المصاحف العثمانية ويحملونه في أسفارهم وغزواتهم تيمنا به إلى أواخر عهد المرينيين، وكان وصوله إلى الخلفية الموحدي يوما مشهودا.
ومما قيل فيه:
جزى الله عـن هذا الأنام خليفـة
               به شربوا مـلء الحيـاة فخلـدوا
وحباه ما دامـت محاسـن ذكـره
               على مدرج الأيام تتلــى وتنشـد
لمصحف عثمان الشهيـد وجمعـه
               تبين أن الحق بــالحق يقصــد
ثم أضاع عليهم ف يبعض وقائعهم واسترده المرينيون، وضاع مرة أخرى في وقعة طريف ووقع في أيدي البرتغال، بيد أن أبا الحسن المريني استرده من جديد ووصل إلى فاس سنة 745.
ثم تأتي بعده قصة المصحف العقباني، وهو المصحف الكبير الذي توارثته ملوك المغرب بعد المصحف العثماني، وقد كتبه خديج بن سلمة الأنصاري لعقبة ابن نافع في سنة 47هـ؛ ولقد أحضر هذا المصحف في مراسيم بيعة المنصور الذهبي حسب ما قال الفشتالي في «مناهل الصفا»، ثم نقله السلطان المولى الرشيد العلوي إلى خزانتهم بفاس، وكان من الذخائر التي بعث بها السلطان مولاي عبد الله إلى الحجرة الشريفة بالمسجد النبوي، ولعله هو المصحف المحفوظ الآن في متحف طوب قاتي سراي في أسطنبول تحت رقم 44.
وعناية ملوك المغرب بكتاب الله تذكرنا بتلك الوصية الخالدة التي تركها المغفور له جلالة الملك محمد الخامس رضوان الله عليه لخلفه، ووارث سره الحسن الثاني عندما عهد إليه بولاية العهد يحثه فيها على اللجوء إلى كتاب الله العزيز كلما ادلهمت عليه الأمور.
ولقد كانت هذه الوصية ماثلة أمام الحسن الثاني حينما جعل المصحف سلاحه السلمي في المسيرة الخضراء التاريخية وكأنه يستمع إلى قول الشاطبي.
وبعـد فحبـل الله فينـا كتـابــه
               فجاهـد بـه حبـل العـدا متحبـلا
وكان المصحف الشريف هو السلاح الحاسم الذي شهره المجاهدون في مسيرته لتحرير الصحراء وانتصار الراية المغربية التي كانت تستظل بحمى القرآن العزيز.
وفي عهد جلالته، استعادت المساجد دورها في التلاوة كل يوم، وأخذت الليالي الرمضانية زينتها في القراءة والتراويح والدروس الدينية التي تلقى أمام حضرة جلالة الملك، والتي تنتقل إلى جميع الأقطار عبر القناة الفضائية، غير أن هذا العمل كان معززا في أساسه بالتعليم القرآني الذي يتضمن الآن مئات الكتاتيب القرآنية، وعشرات المدارس العتيقة المحتضنة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
وفي مستوى أعلى توجد الآن في جل الأقاليم المغربية مدارس متخصصة في القراءات، مثل «دار القرآن» في الرباط، و«مدرسة دار زهيرو» بطنجة، و«مدرسة سيدي الزوين» بمراكش، و«معهد القراءات» بتارودانت. وفي هذه المدارس جدد المغرب عهده بالدراسات القرآنية في العهد الحسني المشرق.
ومما يعزز هذه الجهود إنشاء «كراسي متخصصة في القراءات»، ففي مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء يقوم بالتدريس أستاذ القراءة والتجويد الدكتور التهامي الراجي، وفي المسجد الأعظم بالعاصمة الإسماعيلية مكناس يشرف عليه المقرئ الجليل الأستاذ إبراهيم الهلالي. 
كما أعيد إلى جامع القرويين دوره العريق في تدريس العلوم الشرعية تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي تسهر بعناية وجد، وتنفذ بإحكام وحكمة، تعاليم أمير المومنين صاحب الجلالة الحسن الثاني أدام الله له العز والتمكين.
وهكذا يشهد المغرب اليوم نهضة قرآنية يدنو قطاف ثمارها للشباب المسلم المتمسك بكتاب الله وتعاليمه.
ومما يدعو إلى الطمأنينة على مستقبل هذه الانطلاقة أن باعثها والساهر على تطورها جلالة الملك الحسن الثاني ليس من أولئك الذين يرضون بالتوقف على مستوى معين من إنجازاته، بل إن من مميزاته في التفكير والأسلوب السعي إلى «الحسنى والزيادة»، وهذا يؤكد أن آفاق المستقبل في الدراسات القرآنية في المغرب سيعرف مزيدا من المد والاتساع، وأن مستوياتها ستشهد مزيدا من العلو والارتقاء.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here