islamaumaroc

تحية تقدير للشباب بمناسبة عيد الشباب

  محمد يسف

العدد 320 محرم-صفر 1417/ يوليوز 1996

لو أننا سألنا إنسانا تخطى عتبة الشباب ومضى نحو الكهولة يسعى، عن أعز شيء ضاع منه، ويتمنى لو يعود إليه ثانية، لأجاب على الفور، ودون تردد:
إنه الشباب.
غير أن هذا الشباب – كمرحلة من مراحل العمر – إذا أدبر وتولى، فإنه لا سبيل إلى استرجاع شرخه من جديد.
وقد حفلت دواوين الأدب والشعر، والتاريخ والأمثال والحكم، ومعها كتب التربية وعلم النفس والأخلاق: قديمها وحديثها، بحكايات الشباب وأخباره، وقصص الفتوة وبطولاتها، وغرائب الأساطير والمغامرات التي ترتبط بحياته.
ويكاد الدارسون المختصون في موضوع الشباب من الباحثين أن يجمعوا على أن فترة الشباب هي أجمل فصل في الحياة وأروع محطة في العمر، ولكنها في نفس الوقت أخطر مراحل هذا العمر وأكثرها تعقيدا وحساسية، من حيث إنها تكون المنعطف الذي تتحدد فيه ملامح شخصية الإنسان، ويتقرر فيه مستقبله ومصيره.
من أجل ذلك، ومن أجل أن الشباب يمثل الثروة الحقيقية للأمة، وزادها في سفرها، وخطابها الممتد، ورسالتها إلى المستقبل، وعدتها عند الشدائد والمحن، وعملتها الصعبة التي لا تهتز أبدا في برصة القيم مهما اختلفت موازين الأسواق، واضطربت مقاييس التعامل، وسادت فوضى السياسة والاقتصاد.
من أجل ذلك، كان حتما لازما على الأمة أن تحرس هذه الثروة وترعاها، وتحيطها بكل الشروط الأمنية اللازمة وبجميع الوسائل المادية والمعنوية الملائمة.
وغير خاف أن الشباب في ديننا وشريعتنا وعلى مدى امتداد أطوار التمدن الإسلامي، تاريخا حافلا بالمواقف والأمجاد، فمنذ عصر المبعث تصدر الشباب موكب الإصلاح، وقاد كتائب النصر والفلاح.
بدأت قصة مسيرته الرائدة مع الفتية الرواد الأوائل الذين التفوا حول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم في معترك التصحيح الذي خاضه ضد فساد الأوضاع. بمكة – أولا – عندما واجه رموز الوثنية وحماة النظام الجاهلي الذي عفا عليه الزمن، ثم بالمدينة – بعد الهجرة – في مواجهة مع النفاق والجمود والجحود.
ولا عجب أن يستهوي الإسلام بمبادئه المشرقة المتحررة فكر الشباب، ويمتلك عقولهم ويسكن وجدانهم. فما الإسلام في واقعه سوى صياغة جديدة للإنسان، وتنوير لعقله، وتجديد لخلاياه التي دمرتها الجاهلية، ومن ثم فقد وجد نفسه، واكتشف ذاته بكل أبعادها المادية والنفسية في فضاء الإسلام الرحب الذي وسع مواهبه وقدراته، واستوعب كل نشاطه وإبداعه، وقدم الحلول الناجعة لمشاكله وقضاياه حيث عجزت الأنظمة الفلسفية عن ذلك.
وقد توزع شباب الإسلام ميدان العمل، كتائب متحركة في كل محور من محاور الحياة، حيث أبدت طلائعه الأولى قدرة فائقة على إعادة ترميم ما أفسدته الوثنية من الفطرة السليمة.
وهكذا ففي ساحة الدعوة الهادئة الهادفة – التي لا تعنت فيها ولا تشنج، التقينا بالشباب في شخص مصعب بن عمير الصحابي الرافض لطقوس الوثنية – وهو يتصدى للكبار من قادة الأوس، وسادة الخزرج يناقشهم – وهو الغريب بينهم – قضايا الدين والكون والحياة والإنسان، من خلال منظور لم يألفوه، ومنهج لم يعهدوه، ويعرض عليهم العقيدة غضة طرية مبرأة من كل الشوائب والعيوب، خالية من كل التعقيدات والغوامض والمبهمات فيبهرهم بصدق لهجته وحلاوة منطقه وسحر بيانه، ووضوح مسلكه، وقوة حجته. وينساب خطابه إلى قلوبهم انسيابا تنشرح له صدورهم، وتلين له أشعارهم وأبشارهم، وتنطلق ألسنتهم بكلمة الحق مرددة نشيد الوحدانية الخالدة، فيتلاشى وهم الوثنية وسرابها تحت وهج الحقيقة الدينية.
وفي معترك الحوار الهادئ والجدال الحكيم القائم على صدق الكلمة، وعمق الإيمان وقوة الحجة والبرهان، ونصاعة البيان نلتقي مع فريق آخر من أنصار الله وجنوده في شخص جعفر بن أبي طالب في المهجر بالحبشة يوم أن وقف منافحا عن الحق، متصديا لانتحال المبطلين ورد زائف دعواهم في مشهد إيماني خالد خذل الله فيه الكفر وأذل حزبه، ونصر الإيمان وأعز جنده، ? وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ? [الزمر: 61].
ويذكر التاريخ أن المشركين كانوا قد دبروا مكيدة ضد المهاجرين بالحبشة، ولفقوا لهم تهما باطلة للإيقاع بهم، واستعداء السلطة الحبشية عليهم، وحملها على تسليمهم، مستعملين في ذلك أخس الوسائل وأخبث الحيل، بما فيها الرشوة والكذب والتضليل، ولكن الله رد كيدهم في نحورهم، وصدق ربنا العظيم: ?وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا? [الأحزاب: 25].
وأما رياض العلم، وحرم المعرفة، والتعبد في محرابها، والضرب في الأرض ابتغاء تحصيلها، فإن طلائع شباب الصحابة، جعلوا من ذلك قضيتهم الأولى، وهمهم الدائم، وهاجسهم الذي استوطن منهم العقل والضمير والوجدان.
ففي أقل من عشر سنوات، تحول مجتمع المدينة الأمي إلى مجتمع قارئ كاتب عالم، يفخر بالقلم ويعتز بالكتاب، وأصبحت مدينة النبي صلى الله عليه وسلم حاضرة العلم والمعرفة والإيمان.
وفي يوم مشهود من أيام العلم وأعياده، توجت فيه مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم نخبة من أعلام الصحابة برزوا في العلوم وتألقوا في سماء الفكر، يتصدرهم شباب يتقد إيمانا وعبقرية: علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، ومعاذ ابن جبل، وأبو عبيدة عامر بن الجراح وطبقتهم من الذين مثلوا الفوج الأول للنجباء العلماء في بداية الإقلاع العلمي للدولة الإسلامية.
وسيرا مع المشروع الإسلامي الضخم في مجال البحث، وتطوير المعرفة والإحاطة بما أبدعه الأقدمون بصرف النظر عن انتمائهم الديني والعرفي لأن الناس في نظر الإسلام أمة واحدة لا يتقاضون إلا بالإيمان والعمل الصالح، فقد توجه الشباب إلى معرفة اللغات وتعلم الألسن لقراءة ما خلفه الأقدمون من جهة ولترتيب ملف الحوار المزمع إجراؤه مع الآخرين من جهة أخرى.
وقد وقع التركيز بالخصوص على اكتساب اللغات ذات البعد المعرفي، كالسريانية التي كانت تمثل يومئذ لغة العلم والإدارة وتسيير الدولة.
وفي هذا المجال وامتلاك أدواتها ووسائلها، إنه زيد بن ثابت الذي أظهر قدرة خارقة ونبوغا لافتا في تعلم الألسن، بحيث استطاع أن يتقن السريانية والعبرانية – كتابة وحديثا – في زمن قياسي، لا يتعدى شهرا.
ومن المذكورين في هذا المقام، الصحابي الشاب العالم عبد الله بن عمرو بن العاص، الذي كان يتكلم أكثر من لغة تمكن بفضلها من الاطلاع على تراث الأقدمين وأصبح مرجعا معتمدا في الموضوع، يؤولون إليه فيما أشكل عليهم من أنبائهم وثقافتهم.
ولابد أن نؤكد هنا أن طبيعة الرسالة الإسلامية تقتضي مثل هذا الانفتاح على اللغات والثقافات والحضارات الأخرى، لأن ذلك من تمام استراتيجية الخطاب الإسلامي حتى يجمع بين الإقناع والإمتاع في آن واحد.
ولعل المقارنة بين الأمس واليوم في موضوع اللغات هو أنهم كانوا يتعلمون من أجل حمل الأمانة، أما اليوم فإننا نتعلم فقط للتفصح والثرثرة والرطانة.
هذا عن معركة القلم، التي خاضها ضد الأمية والتخلف الفكري بنجاح، مما هيأ لإقامة دولة تجمع بين رهبة الدين وسلطان العلم في نسق متفرد.
أما عن المعركة المسلحة التي أبى الشرك إلا أن يعلنها على الإسلام وأنصاره، فإن دور الشباب فيها كان حاسما، حيث وقف صامدا بشموخ وعزة في وجه المعوقين لمسيرة التجديد والبعث وبناء الإنسان السوي.
ويلاحظ أن استجابة الشباب للتعبئة كانت تتسم بالسرعة والكثافة كلما أهاب داعي التضحية والفداء جنديا مأمورا وقائدا آمرا.
وما ثبت أن القيادة في عصر المبعث تهيأت لبعث تبعثه، أو سرية تسيرها، أو غزوة تقودها. إلا وأقبل شباب الصحابة راغبا في التطوع والخروج، طالبا أن تتاح له فرصة الإسهام في رد العدوان عن العقيدة، فإذا حدث أن رد بعضهم لصغر سن أو لعذر مانع، استاء وحزن واكتأب، وأسف على ما فاته من شرف الجهاد، لإعلاء كلمة الله وتحقيق موعوده في الأرض.
ولهم في ذلك أخبار طريفة، وحكايات لطيفة، تدل على عمق اليقين الذي سكن قلوبهم وشغل تفكيرهم، فصغرت الحياة في نظرهم، وهانت إزاء ما وعدهم الله به من نعيم مقيم وثواب عظيم.
ولا أحب أن تفوتني الإشارة في هذا المقام إلى الحظوة الكبيرة التي نالها الشباب بتتويجه كقائد عسكري في شخص أسامة ابن زيد الذي عينه المصطفى الأكرم على رأس جيش، يتألف من مشيخة الصحابة وأهل السن والسبق فيهم، وعمره يومئذ لا يتعدى الثامنة عشرة. وكأمير حاكم في شخص عتاب بن أسيد، وهو أيضا شاب يتدفق حيوية، ويتفجر نشاطا وقوة.
وفي هذا التتويج من الدلالات والمعاني ما يعجز عن تحليله القلم واللسان، ويقصر عن إدراك أبعاده ومراميه سلطان البيان.
أفرغ بعد هذه اللمحة المركزة عن الحيز الذي يشغله الشباب في المشروع الإسلامي لإعادة بناء الحياة ووضع الإنسان في سياقه، لأجيب عن تساؤل من يتساءل عن مغزى عيد الشباب وعن البعد التربوي والحضاري الذي يرتبط به.
والحق أن حديث الشباب في المغرب والحجم الذي هو عليه، لم يبدأ إلا غداة عودة الأسرة الملكية من المنفى، وانطلاق عملية إعادة الاعتبار للفعاليات الوطنية، وإقامة هياكلها.
والتاريخ شاهد على أن الشباب كان حاضرا في معترك المقاومة ضد من غيبوا السيادة الوطنية وتآمروا على وجود المغرب كدولة وعرش وكتاريخ وحضارة، بيد أن الشباب المغربي كان مدينا بحماسه واستماتته وبطولته واستشهاده لهذا العرش الذي يتميز عن باقي عروش الدنيا قديمها وجديدها، بأن الجالس عليه، يسكن في خلايا المغاربة وضميرهم ووجدانهم، إذا أصيب عضو منه تداعى له سائر الجسد. لقد أبى محمد الخامس – نور الله ضريحه – إلا أن يعرب للشباب – وقد لمس في ولي عهده الشاب المتوثب من صفاء الذهن، وقوة العزيمة وسداد الرأي، وبعد النظر ما لمس – من التكريم والتبجيل الذي يكنه له العرش.
فجعل من يوم ميلاد الأمير الملهم مولاي الحسن مفخرة الوطن، وقدوة الشباب، وعيدا للفتوة، وتمجيدا لها، وتقديرا لدورها الرائد، في البناء والتشييد والابتكار والتجديد.
وعندما اعتلى الملك الشاب، مولانا الحسن الثاني – أطال الله بقاءه – عرش أسلافه المنعمين، ملوك الأشراف الغر الميامين، خطا بمفهوم الشباب خطوة نوعية إلى الأمام، بما أتاح له من الفرص، وهيأ له من الظروف والمناسبات، إذ دفعه إلى ارتياد العلوم والمعارف بما أقامه من المعاهد والجامعات وإشراكه في السياسة والتسيير، وفي التخطيط والتدبير، وأحدث للعناية به وتفقد أحواله ورعاية شؤونه مجالس وهيآت وخلايا كلفها بالتفكير في مستقبله وحل مشاكله وتحسين المادي والمعنوي من أوضاعه، حتى يطمئن عن نفسه ومستقبله، مما سيكون له – بإذن الله وحسن عونه – أثره المحمود، ويتحقق في ظله الأمل المنشود.
وسيظل عيد الشباب عبر الحقب والسنين معلمة بارزة في حياة الناشئة ومحطة مضيئة في طريقها – وهي تحث الخطى نحو الأفق المشرق والغد السعيد، كلما مضى فوج تلاه فوج آخر يحمل الرسالة ويؤدي الأمانة ويضيف إلى القديم جديدا، وإلى التالد طريفا.
فتحية ملؤها التقدير والإعجاب إلى كل أبنائنا الشباب، والنصر والعز والتمكين والتسديد لأمير المومنين هبة الله للأمة في هذا العيد وفي كل عيد.

    

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here