islamaumaroc

الخطاب الملكي الهام الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله أمام الجمعية الوطنية الفرنسية بمناسبة الزيارة الموفقة له إلى فرنسا في أوائل شهر ماي 1996.

  الحسن الثاني

العدد 320 محرم-صفر 1417/ يوليوز 1996

ففي أوائل شهر ماي 1996 قام صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله بزيارة دولية إلى فرنسا بدعوة كريمة من فخانة رئيسها السيد جاك شيراك، حيث كان فيها جلالته محل حفاوة كبيرة واستقبال عظيم من طرف رئيس الدولة الفرنسية وحكومتها والشعب الفرنسي والجالية المغربية القاطنة فيها.
وكانت هذه الزيارة الموفقة مناسبة كريمة تميزت فيما تميزت به من روعة الاستقبال، بالخطاب الملكي الهام الذي ألقاه جلالته – حفظه الله – أمام الجمعية الوطنية الفرنسية يوم الثلاثاء 7 ماي 1996 والذي كان له صداه البعيد، وأثره الكبير لدى الجمعية المذكورة والرأي العام الفرنسي بصفة عامة.
ويسر مجلة دعوة الحق إيراده ونشره في هذا العدد الخاص من المجلة بمناسبة عيد الشباب المجيد، وتخليده في صفحاتها بمداد الفخر والاعتزاز.
وفيما يلي النص الكامل لهذا الخطاب الملكي الهام. 
الحمد لله واحده، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه.
السيد الرئيس:
حضرات السيدات والسادة النواب:
إن الدعوة التي تلقيتها من رئيس الجمعية الوطنية تستدعي أن أزجي لهذه المبادرة تشكراتي الحارة.
ولقد اعتبرتها عربون صداقة عميقة بين شعبينا، وأود أن أغتنم هذه المناسبة للتأكيد على الخصال المتعددة التي تحلى بها الرئيس فيليب سوغان كرجل سياسة ذي باع طويل يتحلى بالصدق والاقتناع.
إن الرئيس سوغان – الشخصية المحبة للعدل والإنصاف – هو أيضا رجل نزعة إنسانية، متشبع بحس متوسطي ثابت ونشيط.
المغرب وفرنسا يعملان دون هوادة لتثبيت فيم السلام والعدل والتقدم.
وإننا – يا سيادة الرئيس – نقدر فيكم هذه الخصال أيما تقدير، فأنتم تحسنون التحدث إلينا، والتأثير في نفوسنا، كما أنكم تحسنون الإصغاء إلينا وفهمنا. وهذه الخصال التي تتحلون بها تشكل ميزة كبرى عرفتم كيف توظفونها بسخاء وحماس لخدمة شعبينا.
الخطاب الملكي الهام الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله أمام الجمعية الوطنية الفرنسية
فعلى ضفتي البحر الأبيض المتوسط تتطلع فرنسا والمغرب بكل مشاعرها إلى أن يسود العالم السلام والعدل والتقدم، ويعملان دون هوادة لتثبيت هذه القيم في عالمنا الذي يعاني من ويلات الحروب والأزمات الاقتصادية.
إنني في هذا المكان أحس بوحدة المشاعر مع ممثلي الأمة الفرنسية وأعتقد أننا معا سننجح بعون الله.
لقد كان بالإمكان حديثي أن يقف عند هذا الحد ما دامت وحدة المشاعر التي يعبر عنها والثقة المتبادلة التي تبرره أمرا بديهيا.
وإذا كنت سأواصل الحديث لبعض الوقت فلأن المحفل الذي أستقبل فيه يحفزني بكل قوة إلى التعبير عن فكرة أود الإفضاء بها إليكم.
وقد صادقت جمعيتكم مؤخرا على تعديل دستوري أدخلت بموجبه إصلاحات على نظام الدورات، وتم به توسيع مجال الاستفتاء.
وفي المغرب تم قبل بضع سنوات، وبالضبط عام 1992، إغناء الدستور بالتأكيد على تشبث المغرب بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا، من خلال إحداث مجلس دستوري، وتعزيز وسائل مراقبة البرلمان للحكومة.
وفي هذا الوقت بالذات يتم إعداد تعديل جديد يهدف إلى إحداث غرفة ثانية، وبالتالي إعطاء بعد جديد للمؤسسة النيابية، ومن شأن هذا التعديل أن يعزز اللامركزية التي نأخذ بها، خاصة على المستوى الجهوي.
وهكذا تتطور الدساتير وتطبيقاتها لدى الجانبين، وذلك بالتأكيد ليس من باب الرغبة المحضة في التغيير، بل لأن الوقت يمر، والمجتمع يتغير، ولأن الحياة هي التأقلم، ولكن مع ذلك لا ينبغي أن نخطئ فنقول: إن بعضنا ينقل عن الآخر.
ففي المجال الدستوري لا توجد طريقة صناعية لتوفير معامل تقدم مفاتيحها جاهزة للاستعمال، إذ أن مجرد التقليد سيكون شيئا عقيما، وإذا ما لجأنا إلى الاستعارة واستعمال التشبيه فإنه يحسن النظر إلى أي دستور على أنه لباس، واللباس يفصل ويخاط على شكل وحجم من سَيَرتديه، بل وأكثر من ذلك فإن من نعد له اللباس لن يحتفظ بع في شكله وهيأته على الدوام، لأن اختلاف مراحل العمر والحالة الصحية واللياقة البدنية كلها تتطلب إدخال تعديلات على اللباس بدءا من مجرد رتوشات بسيطة إلى استبدال اللباس بكامله.
ورب ساخر يقول: إن اللباس هو أيضا مسألة موضة، وبالتالي لا يتعين إخضاع المؤسسات للتغيير حسب الأهواء، ولكن ألا تنطوي الدعوة إلى الحداثة التي غالبا ما نسمعها على شيء من هذا؟
يبدو لي أن استعمال مصطلح «الحداثة» في الحياة السياسية هو موضع سوء تفاهم، حيث إن بعض من يستعمله يعتقد أن الحداثة السياسية تتطلب بغض النظر عن الجغرافية والتاريخ تطابق المؤسسات في جهوي دول العالم؛ وقد سبق أن قلت: إن هؤلاء مخطئون، بينما يعتقد آخرون إنهم أكثر واقعية، ويرون على العكس من ذلك أن الحداثة بعيدة المنال بالنسبة لدول التي يتعارض فيها احترام التقاليد مع أي تغيير حقيق، وخطأ هؤلاء لا يقل عن خطأ الأولين.
الخطاب الملكي الهام الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله أمام الجمعية الوطنية الفرنسية
لقد سبق لجان جوريس أن رفض التعارض الآلي بين الماضي والحاضر، وعندما صاح قائلا بما مفاده أن «النهر يظل وفيا لمنبعه وهو يجري نحو البحر».
وأنا أقول (بفصاحة أقل مع الأسف) إن وحدة القيم والمبدأ الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية يمكنها أن تجمع وتؤلف بين تقاليد مختلفة دون أن تفقد خصوصياتها ودون أن تمس بهذه التقاليد.
ولأن المؤسسات السياسية حية مثل البشر يصبح لزاما أن لا نحبسها في نصوص جامدة متحجرة، فمن الأكيد أن الحركة الدستورية الناشئة في أواخر القرن الثامن عشر كانت تحلم بأن تجعل من الدستور كتابا مقدسا يتحدى الزمن والتاريخ.
غير أن أمثلة عديدة، ومن ضمنها نموذجكم ونموذجنا، علمتنا أنه بدون أن تتغير باستمرار قواعد اللعبة السياسية فإن كل أمة تتوفر على مقدرة ذاتية لتأقلم غنية بالتطبيقات الجيدة.
وإذا كان من الضروري أن لا تكون النصوص جامدة فمن الواجب أن تكون هناك قاعدة للعبة لا تشكل غاية في حد ذاتها، كما لا ينبغي أن تكون اللعبة نفسها مجرد تطبيق لهذه القاعدة.
إن هذه اللعبة تتكون من علاقات إنسانية تربط بين المحكومين والحاكمين وبين الأفراد والمجموعات الاجتماعية، وبين السلطة المركزية والجماعات اللامركزية، إنها إذن ليست لعبة بين أشخاص آليين.
ولهذا يتعين أن يترك (لمن يمارس هذه اللعبة) هامش من الحرية والقدرة الحقيقية على الابتكار، ليس بالطبع بما يتعارض مع النصوص القانوني، بل بنا يسايرها جنبا إلى جنب، أي بإفساح المجال لما يسمى في بلدان أخرى بالقواعد المتعارف عليها دستوريا.
إن مفهوم الديمقراطية يعني بالضرورة التعددية، فهو يفترض تعدد الآراء والأحزاب وهيئات الدولة، كما يفترض تعدد مستويات الإدارة والمقاولات العمومية أو الخاصة والمنظمات الاجتماعية أو النقابية.
وفي هذا المناخ على مختلف الفاعلين السياسيين أن يعملوا على إسماع أصواتهم المختلفة وتعاقبهم بالتناوب عند الاقتضاء، شرط أن يتحقق دائما إجماعهم على المهم أي الاستقلال الوطني والوحدة الوطنية.
وحين يتعلق الأمر بالقضايا الكبرى أو عندما يتعين العمل على اتخاذ قرار تتردد بشأنه الحكومة أو المنتخبون فإن الشعب نفسه عن طريق الاستفتاء يتدخل للحسم في اختيار أفضل الوسائل الملائمة.
تلكم هي مصادر القانون التي تعتبر في الوقت نفسه جذور الحضارة السياسية وثمارها، وهي لا تمدنا بنماذج جاهزة بل بتجارب تتجدد بالممارسة، وتعود فائدتها على من يقودونها ومن يلتزمون بمقتضياتها.
السيد الرئيس،
أيتها السيدات والسادة النواب.
لقد أردت من خلال عرض هذه الفكرة عليكم حول تطور المؤسسات أن أنوه بجمعيتكم الموقرة التي هي جهاز عمل دستوري حي وأداة ذات مكانة كبرى، وأن أرد باسم المملكة المغربية على رسالة المودة العريقة الحميمة التي تلقاها بلدي من خلال شخصي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here