islamaumaroc

حاجة الدعاة إلى مقومات

  عبد الهادي التازي

1 العدد

الحق أن الرغبة كانت ملحة لاستصدار هذه (الدعوة) سيما في عصر كهذا طغت فيه المادة، واستبدت بالناس الحيرة، وتملك الآخرين نوع من التساهل والعبث واللامبالاة وأن الأمر - من لدن صاحب الجلالة - بإسماع الناس هذا النوع من القول كان في جملة المحامد التي عرفها لجلالته هذا الشعب العربي المسلم الغيور. فمن هؤلاء الذين سيدعون الناس؟ وهل أن الدعوة مجرد صناعة لا تتطلب من صاحبها أكثر من أن ينصب نفسه أمام الناس يأمر ويقترح؟ وهل يكفي لأن يصبح المرء داعية أن يتوفر على وعي الكثير من الآي والحديث ليردد أمام الناس ما قاله الله، وما رواه عن رسول الله؟ هذه أسئلة يجب دائما أن نجعلها نصب أعيننا متى أردنا أن نقوم بواجب الدعوة. إنه لمن السهل بمكان أن تقول، ولكن هل من السهل كذلك أن تحصل على مستمع يميل إليك بقلبه ووجدانه؟.. إن العقلاء من القوم يفضلون عدم الدعوة على أن يكون الدعاة غير أهل للدعوة، إذ أن الخطر فيهم وهم يقومون بها يكون أكثر مما لو سكتوا. فكيف يجب أن يكون دعاتنا؟ هل من نوع ذلك الطبيب الذي وقف أمام الناس يصف لهم دواء يصلح النظر بينما هو لا يستطيع أن يفتح عيونه من داء العيون؟ إن أبرز صفات الداعي أن يؤمن بما يدعو إليه إيمانا لا يتطرق إليه الشك ولا يساوره اضطراب، نعم أن يعتقد وأن تظهر عليه هو أمارات ذلك الاعتقاد، لا فقط إسداء النصح لنا، ولكن دائما: في بيته، وفي طريقه، وفي مكتبه، وفي أحاديثه العادية مع الآخرين .. نعم، نريد أن يكون الداعي مشبعا بالمبدأ الذي يدعو إليه، فهو يدعو إلى الصراحة في القول وإنك لن تراه بحال منافقا أو مخاتلا وهو يدعو إلى الإخلاص في العمل وإنك لن تضبط عليه في يوم من الأيام تهاونا أو خذلانا لجانب الإخلاص؛ وهو يدعو إلى العدل وإنك لن تنجح في ظرف ما من الظروف أن تقف عليه وهو يوازن بين كتف الخصوم، أو يتناول رشوة ولو على أنها (هدية) من الهدايا، أو تذكار في جملة التذاكير. فمهمة الداعي إذن شاقة، فعليه إذن أن يفعل أكثر مما يكون عليه أن يقول، وإن جانبا من الناس يفهمون في الداعي العكس، بيد أنهم يسفهون الداعي حينما يفهمونه هكذا. فما الدعوة إلا انعكاس لما تنطوي عليه نفوس الدعاة، وإلا انقلبت إلى تدجيل وشعوذة وتضليل؛ إن الداعي مرب، ومن الضروري لنجاح المربي أن يتكيف بالخصال التي يريد أن يرى عليها الذين يتعهدهم، وإلا أصبح عرضة لسخرية الناس وحديثا لهم يتندرون به في المجالس...

وبعد هذا، أعني بعد أن يكون للداعي ثقة بما يقول، عليه أن يكون خبيرا بطرق التبليغ، عليه أن يلم إلماما تاما بأحوال الناس وظروفهم، فرب مريض ينجح معه نوع من الدواء لا ينجح مع آخر، ومع أن الداء واحد، والألم واحد، وليس يستغرب هذا إلا من لا خبرة له بسلوك الناس، وإن ما تخاطب به المعاقر للخمور من طبقة عادية من الناس، ليس هو بحال تماما ما تخاطب به طبقة أخرى تزعم لنفسها التحضر والتثقيف، ولا تؤمن إلا بما يقوله الدكتور (موريس) عن خطر الخمر على حياة الإنسان .. وإن نوع اللوم الذي يوجه لعابث جاهل ليس هو أبدا نفس العتاب الذي يمكن أن تتوجه به لآخر يسمو به غروره عن معتاد القول، وإن القلوب مفاتيح لو توفق الدعاة في الاهتداء إليها لتمكنوا من أصحابها كما يشاؤون، وكما أن الطعام الغليظ الثقيل، يسبب لمتناوله أحيانا أسوأ الأمراض، فكذلك (الدعوة) التي لا يصحبها (ذوق) تفقد كل قيمة. وقد تستحيل إلى جفوة. ولقد ضرب النبي عليه الصلوات المثل للناس، فكان(يحدث الناس على قدر ما يفهمون) وكان يتخير ظروف الموعظة، ويكره أن تتجاهل حال المخاطبين، فكان يعبث بقلوب مستمعيه كما يريد فلا يشعرون إلى وهم للخمر يلعنون، وللأصنام يكسرون، وعلى ماضيهم يضحكون ومع أن عهدهم بالخمور والأصنام بعيد وعريق. ولهذا كان في صدر ما يعنى به رجال الحكم في البلاد المتحضرة، تخير الدعاة من بين المتضلعين في علم النفس، الخبيرين بأحوال الإنسان، ونحن لا نقصد هنا بالداعي مجرد الخطيب أو الواعظ ولكن نتعداه إلى الداعي مهما كان: فالآباء في بيوتهم، والعمال في عمالاتهم، والأساتذة بين طلابهم، والوزراء فيما يرجع لاختصاصاتهم، وكذلك الأمراء والملوك.. كل هؤلاء (دعاة) عليهم أن يتخيروا أنسب الأحوال لدعوتهم حتى تجد مكانها في القلوب. فرب دعوة نفعت في صيف 1943 ولكنها لو تأخرت بعشر سنوات، لأصبحت في عداد المبتذل من القول، الذي لا يؤبه له، ورب كلمة في قوم تفعل فعل الأعاصير، ولكنها بالنسبة لآخرين لا تعدو أن تكون زقزقة عصافير فجميل بالداعي إذن أن (يستذوق)، وحري به أن لا يكون نقمة في توجيهه للناس. وما أكثر ما يكون نجاح الداعي مضمونا لو أنه رجع إلى تاريخ الدعاة منذ العصور الأولى ليعرف (الطرق) و(الوسائل) التي تخيروها لنشر دعوتهم، فليس من العبث مجاراة القرآن للعرب أول الأمر في الإشادة بثمرات النخيل والأعناب التي يتخذون منها "..سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً.."[النحل67] ليرجع بعد حين ليشهر بإثمها الكبير ومنفعتها الهزيلة، ثم ليحذرهم بعد ذلك من الصلاة وهم (سكارى). ثم ليفصل فيها بقوله: "..فاجتنبوه.." [المائدة 90 ]كل هذا كان تصيدا للفرص من المربي وتقديرا لظروف الناس.

على أن هناك شرطا ثالثا يجب أن يظل شعارا للداعي، ولا نرى له عذرا في عدم التمسك به، ذلك هو التجرد في دعوته عن (الغرض)، ولست أعني بهذا أن لا يكون للداعي هدف يرمي إليه، فإن تلك هي مهمة الدعوة، ولكن الهدف الذي نستقذره ونهيب بالدعاة أن يتساموا عنه هو القصد السيء، الذي يرجى منه فقط التعريض بالناس والتشهير بهم، وإن هناك طائفة من الدعاة أخفقوا ورماهم الله بالفشل والمقت لأنهم لا يهدفون من وراء أقوالهم إلا لإثارة الأحقاد، وتغذية الضغائن، فليسوا مصلحين إخلاصا للإصلاح، وليسوا مرشدين تقديرا لواجب الإرشاد، ولكن ليرووا ظمأهم من أعراض الآخرين وشخصهم.

وهناك أمر رابع جدير بنا أن نلفت إليه الأنظار، أنظار الذين يوجهون الناس، سيما وهو - أي الرابع - يختصر لنا الطريق للوصول إلى الغاية التي نتوخاها، وسيما أيضا وهو يوفر على الدعاة كثيرا من العنت الذي قد يعترض سبيلهم؛ علينا أن نوجد (انسجاما) بين الذين يقومون بهذه المهمة السامية، نعم، (انسجاما) في الأفكار والغايات، فإن مما يشتت الفكر أن يهيب أحدنا بالناس: أن افعلوا أمرا بينما ينادي الآخر فيهم: أن لا تفعلوا .. وإن العصر الجديد بما ظهر فيه من (أحداث) ليستحث منا السير نحو تحقيق هذا (الانسجام)، لنجد لناس هذا العصر (أقضية) يلجأون إليها عند تلك الأحداث، أقضية لا ترهقهم ولا تضنيهم، ولكنها في الوقت ذاته لا تجعل منهم إباحيين يسترسلون إلى الحضيض الذي يرجو غيرنا جاهدا أن يتخلص من ويلاته وثبوره، ولست أجهل المتاعب التي قد تقف في طريق هذا (الانسجام) ولكني أعتقد أنه متى سلمت النية واتسعت الخبرة، وتجرد الناس عن أهوائهم، لا بد أن نتغلب على سائر الصعاب...

تلك هي المقومات التي ينبغي أن نتزود بها في طريقنا إلى إرضاء الرغبة الملكية الكريمة، ونحن أكثر ما نكون اقتناعا - متى لم نحد عن هذا السبيل - أننا سنصبح عما قريب أمام مواطنين صالحين، لا التواء فيهم ولا تعقيد ولا شذوذ. على الدعاة أن يعرفوا أن العهد الجديد فتح أعين الناس أكثر من أي وقت مضى، فهم - ولهم الحق في ذلك - يتتبعون حركات المنتصبين عن كثب، فإذا كان هذا المنتصب أول من يتحرى ما يقول، وإذا كان أدرى الناس بالناس، وإذا كان نبيل القصد شريفه، وجد أنصاره ومستمعيه، وإلا انفض الناس من حوله، وساءت طنونهم به، ثم لا يلبث أن يمسى في عداد (دعاة السوء) الذين يأمرون ولا يأتمرون، ويعظون ولا يتعظون .

نحن حقا في حاجة إلى (دعاة)، ولكن على الدعاة أن يعرفوا أن سر نجاحهم في الإيمان، والحكمة، والنزاهة، والتعاون.     

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here