islamaumaroc

أهمية النوازل في الدراسات الفقهية والاجتماعية والتاريخية.

  إسماعيل الخطيب

العدد 316 رمضان 1416/ يناير-فبراير 1996

أمامنا ثروة فقهية ضخمة، منها ما شملته الطباعة ومنها ما هو بحاجة إلى التحقيق والنشر.
والذين سعدوا بالإطلاع على بعض هذا التراث اقتنعوا بأن ذاك الإنتاج الفكري هو نتاج فكر متقدم، كان السمة البارزة لفقهاء المسلمين.
لقد جاء الإسلام بمصدرين أساسيين للتشريع هما الكتاب والسنة، وقد رأى فقهاؤنا - بعد اعتمادهم على هذين المصدرين- أن يجتهدوا لمواكبة الحياة، وأن لا يقفوا أمام تطورها موقف المتفرج، وأيقنوا أنهم إن فعلوا ذلك فقد خانوا الأمانة التي تحملوها، لذلك فقد عملوا على إبراز مصادر أخرى، فتحت أمامهم أفق البحث، وأصبح فكر الفقهاء في مستوى من الشمولية والوعي استطاع بهما أن يقدم الحل الإسلامي لمختلف المشاكل التي واجهت المجتمعات الإسلامية.
يقول «الشهرستاني» في «الملل والنحل»:
الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعا أيضا أنه لم يرد في كل حادثة نص، ولا يتصور ذلك أيضا، والنصوص إذا كانت متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى، علم قطعا أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد».(1)
وقد برزت عقليات كونت مدارس فقهية تبلورت فيما بعد إلى مذاهب اختلفت في الفروع «وإن هذا الاختلاف قد فتح القرائح، فاتجهت إلى تدوين علم الإسلام، مجتهدة متبعة من غير جمود، وتركت من بعد ذلك تركة مثرية من الدراسات الفقهية، لا نكون مغالين ولا متجاوزين المعقول إذا قلنا إنها أعظم ثروة فقهية في العالم الإسلامي».(2)
لقد عمل الفقهاء على إغناء الفقه الإسلامي، وبالتالي فقد عاشوا عصرهم، وكانوا على وعي تام بالبيئة التي يعيشون فيها.
فهذا الإمام مالك- مثلا - عاش في عصر تعددت فيه الآراء عقديا وسياسيا، وبرزت كثير من البدع، فأعلن السير على منهج السنة، سواء فيما يتعلق بالفقه أو العقيدة.                      
وقد رأينا من مالك التزاما بالنص، قرآنا أو سنة، فهو يأخذ بالمنقول، ولا يجري وراء الفروض العقلية.
وبذلك المنهج واجه تلك الآراء المنحرفة التي انحرفت في العقيدة، وابتدعت فيها، كما أقام منهجه الفقهي على أساس الأخذ بالكتاب والسنة، ومنها فتاوى الصحابة وأقضيتهم، وعمل أهل المدينة، ثم القياس، والمصلحة وسد الذرائع، والعرف، والعادات.
وبذلك استطاع الفقه أن يواكب الحياة، وبالنسبة لمذهب مالك، فقد نمت فروعه، لتعدد المصادر فيه.
ونظرا لاختلاف الأجواء التي انتشر فيها المذهب، فقد توسع أفق الآخذين به من المجتهدين في إطاره، فكثرت الأقوال في المذهب وكثرت الأقوال في المسألة الواحدة مما يفتح أمام المفتي باب الاختيار الواسع.
ومن ثم فقد كان أمام فقهاء الفتوى في الغرب الإسلامي زاد خصب، استطاعوا بواسطته أن يجدوا الجواب لكل مسألة عرضت عليهم، مع العلم أن إمام دار الهجرة كان من منهجه التأني في الفتوى، وقد روي عنه أنه قال:
«ربما وردت علي مسألة تمنعني من الطعام والشراب والنوم»، وذلك أنه يقضي أياما في دراسة المسألة.
ولا غرو فالمفتي إنما ينقل للناس ما جاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا نظن أن فقهاء المذهب قد ابتعدوا عن منهج إمامهم، وهم يقومون بتبليغ الأمانة العلمية للناس.
ومن هنا كان لـ: «كتب النوازل» مكانها المرموق بين المصادر الفقهية، فهي تضم – في الغالب- فتاوى طائفة من الذين ضاعت مؤلفاتهم، وإلى ذلك أشار«الونشريسي» في مقدمة كتابه«المعيار» بقوله: «جمعت فيه من أجوبة متأخريهم العصريين ومتقدميهم مما يعسر الوقوف على أكثره في أماكنه، واستخراجه من مكامنه، لتبدده وتفريقه، وانبهام محله وطريقه».(3)
ولعل استفادة الأجيال السابقة من«كتب النوازل» إنما كانت منحصرة في الناحية الفقهية فقط، غير أن مناهج البحث الحديثة جعلت من «كتب النوازل» مادة علمية واسعة، يستطيع الباحث أن يستخرج منها معلومات جيدة موثقة عن جوانب الحياة: اجتماعية واقتصادية وثقافية.
 غير أن الاستفادة الفقهية تظل في مقدمة ما يجنيه الدارس، ذلك أننا نجد في كتب «الفتاوى» و«النوازل» من دقائق المسائل ما لا نجده في كتب الفقه الأخرى، وذلك نظرا لارتباط تلك المسائل بوقائع الحياة وبالمشكلات المستجدة.
وبعد الفوائد الفقهية التي كانت هي الدافع لتصنيفها تأتي الفوائد الأخرى التي تتصل بالحياة الاجتماعية والاقتصادية.
ويذكر الدكتور محمد بن شريفة (4) أن عددا من المستشرقين تنبهوا إلى أن المؤلفات الفقهية في فروع مثل: النوازل، والفتاوى، والشروط، والرسوم العدلية، والحوليات الحبسية، تنطوي على أهمية تاريخية، واجتماعية واقتصادية، وعدوها في جملة الوثائق التاريخية، واعتبروها من المصادر الإخبارية.
ولا شك أن كتاب «المعيار» للونشريسي يعتبر من أهم «كتب النوازل» فقد جمع عددا كبيرا من فتاوى علماء الأندلس والمغرب وتونس وغيرها.
إن «المعيار» يتمم النقص الكبير الواقع في المصادر الموضوعية لتاريخ المغرب وبالخصوص في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، مما يجعله مصدرا لا غنى للباحث المغربي عن دراسته واستخراج دفائنه».(5)                           
وقد تنبه بعض الباحثين إلى هذه النواحي في «المعيار» فعملوا على دراسته، والاستفادة من مادته.
فعند مطلع القرن العشرين نجد المستشرق الفرنسي «أميل أمار» يكتب تحليلا عاما لفتوى المعيار، المعيار، نشر بباريز في «مجموعة الوثائق المغربية» بالمجلدين 12 و 13 (1909 – 1908).
ونشرت الدكتورة وداد القاضي بمجلة «الفكر العربي» (عدد21) بحثا في موضوع «المدرسة من خلال المعيار».
كما أعد الدكتور حسن الوراكلي دراسة قدمها في ندوة المؤرخين المغاربة والأسبان بالرباط سنة 1984 بعنوان: «ملامح المجتمع الغرناطي من خلال فتاوى فقهائه المتضمن في المعيار».
ولا يزال «المعيار» بحاجة إلى مزيد من الدراسات لاستخراج دفائنه.
وقد فتح الدكتور الوراكلي آفاق البحث أمام «مجموع» أبي القاسم محمد بن طركاظ العكي، (6) وذلك بدرسه «لمسائل ابن لب» واستخراج لمحات عن غرناطة أيام الدولة النصرية في المجالات التالية: المجال الديني،
والمجال الاجتماعي، والمجال الاقتصادي.(7)
ويمكننا أن نلاحظ هنا أن «كتب النوازل» تمد الباحث التاريخي بمادة تضن بها كتب التاريخ، فهذه الكتب تتجه أساسا للحديث عن طبقة خاصة، بينما تزودنا «كتب النوازل» بمادة نستشف من خلالها الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لمختلف الطبقات.
وهكذا، فمن الطرائف التي استفدناها من خلال من «مسائل ابن لب» توفر غرناطة على تعاونيات للألبان وتعاونيات لمنتجي زيت الزيتون، والملاحظ أن أصحاب هذه التعاونيات هم صغار الفلاحين.
كما استطعنا التعرف على الأوضاع الاجتماعية للطبقات الفقيرة، وتردي الأحوال الاقتصادية في غرناطة، وما نتج عن ذلك من أزمات خانقة.(8)
وكتاب «مذاهب الحكام في نوازل الأحكام»(9) من كتب النوازل التي حظيت بالدرس التاريخي، فقد اعتمد الدكتور محمد بن شريفة عليه في التقاط أصداء من الحياة العامة في مدينة سبتة أيام المرابطين.(10)
وهذه «النوازل» تمتاز بطابعها المغربي، وملامحها
الشمالية على العموم، والسبتية على الخصوص، ويتجلى ذلك في «النوازل»التي تتصل بالبيئة البحرية بسبتة، مثل الصيد البحري، وكراء المراكب.(11)
ومن الطرائف التي نستفيدها من نوازل عياض أن أهل سبتة – خاصة الأسر الغنية - كانوا يتخذون خادمات اسبانيات نصرانيات، كما نتعرف على العلاقات الاجتماعية بين طبقات السكان، ففي نوازل الوصايا والأحباس والهبات نلمس شيوع الوصية بالثلث على الفقراء، ووجود أسباب خاصة بالمساكين، مما ينبئ عن شيوع روح الخير والرحمة.
والكتاب في جملته يقدم لدارسي الحياة السبتية مادة طيبة تسد ذاك الفراغ الهائل الذي يلمسه
الباحث في تاريخ سبتة نظرا لضياع أهم الكتب التي ألفت في تاريخها، وفي مقدمتها «العيون الستة في تاريخ سبتة» للقاضي عياض..
إن هذه « النوازل » التي بين أيدينا اليوم تشير إلى تلك الأدوار التشريعية الزاهية التي كان فيها القضاء                                                                                                                       
 والتشريع على درجة عالية من الرقي والاتساع، وكان هناك طائلة من المفتين تصدر الحل لما وقع من نوازل، فأطلق عليهم اسم «الفقيه النوازلي» كانوا يرون أن مهمتهم لا تنحصر في إي) التعريف لمذهب أهل التصوف: ص: 21.
4) «حلية الأولياء»: 16 – 17.
جاد الحلول الفقهية لما ينزل بالناس من مشاكل، بل كانوا يرون أن عملهم الأساس هو تطبيق الاجتهاد، وإقامة الدليل على أن التشريع.
ومما ساعدهم على ذلك – إلى جانب إخلاصهم لدينهم – أن جهدهم العلمي لا يضيع سدى، بل يجد طريقه إلى التطبيق والتنفيذ، ويصبح بعدهم علما نافعا ينتفعون هم بثوابه، وينتفع الناس بتطبيقه.

(1) الشهرستاني: الملل والنحل/2 4.
(2) محمد أبو زرة: تاريخ المذاهب الإسلامية / 302    
(3) أحمد الونشريسي: المعيار المغرب.../1:1.
(4) من أًداء الحياة اليومية في سبتة المرابطية - مجلة« المناهل» عدد 22.
(5) المصادر العربية لتاريخ المغرب / 1: 28.
(6) تولى قضاء «ألمرية» سنة أربع وخمسين وثمانمائة، وقد عنى بجمع «النوازل»، فجمع
«فتاوى» علماء غرناطة (توجد ضمن مجموع مخطوط رقم 1447 د بخزانة الرباط.
(7)مجلة كلية الآداب بتطوان – العدد الأول.
(8) السابق/ ص: 33.
(9) للقاضي عياض وولده محمد – تقديم وتحقيق وتعليق: د.محمد بن شريفة.
(10) مجلة «المناهل» / العدد 22 ص: 224.
(11) السابق/ ص: 230.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here