islamaumaroc

البلاغة العربية: ظروف نشأتها والفرق الفكرية التي ساهمت في نضجها.

  محمد الحجوي

العدد 316 رمضان 1416/ يناير-فبراير 1996

• ظروف نشأة البلاغة العربية:
ساهمت عوامل متعددة في ظهور الدرس البلاغي ونضجه منذ فترة مبكرة على يد الأعراب الأوائل، الذين عاشوا في صدر الإسلام، فقد كان الشعر الجاهلي يغذي عقولهم ووجدانهم بأمثاله وحكمه وتعبيره البليغ، ثم كانت تعابير القرآن وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي أوتي جوامع الكلم أكثر عمقا في نفوسهم وعقولهم، فجاءت خطبهم بليغة محكمة. وبلغت أقوالهم في البيان والمعاني النهاية في الإيجاز والإحكام.
وقد تجلى هذا التأثير في الصحابة رضوان الله عليهم، فكانت خطبهم مضرب المثل في الإيجاز والإفصاح عن المعاني.

• فمن خطب أبي بكر الصديق:
«وليت أمورهم وليست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم». (1)
وكان علي بن أبي طالب في خطبه وأقواله بليغا فصيحا. وأقواله من شواهد البلاغيين في البديع والمعاني.

•فمن كلامه المتناسب قوله في بعض مواضعه:
«أين من سعى واجتهد، وجمع وعدد، وزخرف ونجد، وبنى وشيد».
قال السبتي: «فأتبع كل لفظة ما شاكلها، وقرنها بما يشبهها».(2)
كما ذكروا له تعريفات بلاغية، منها قوله:
«البلاغة إيضاح الملتبسات، وكشف عوار الجهالات بأسهل ما يكون من العبارات».(3)
 وكان الأعراب في خطبهم وأقوالهم فصحاء بلغاء مثل الصحابة.
قال الجاحظ:
«ولم أجد في خطب السلف الطيب والأعراب الأقحاح ألفاظا مسخوطة، ولا معاني مدخولة، ولا طبعا رديئا، ولا قولا مستكرها».(4)
ووصفهم الشاعر «أبو دؤاد الأيادي»بميزة الإحسان في القول، إيجازا وإطنابا، بحسب الموضع الملائم لهما:
يرمون بالخطب الطوال، وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء (5) ولمكانة هؤلاء الأعراب في البلاغة والفصاحة كان العلماء الذين دونوا اللغو والشعر وأخبار العرب يأخذون عنهم.
ذكر أن أبا عمرو بن العلاء (توفي سنة 154هـ):«كانت عامة أخباره عن أعراب أدركوا الجاهلية».(6)
ومن هنا وجدنا النقاد والبلاغيين يعنون بتعريفاتهم وأقوالهم في البلاغة.
سأل معاوية صحار بن عياد(7)
«ما تعدون البلاغة فيكم؟
قال: الإيجاز
قال معاوية: وما الإيجاز؟
قال صحار: أن تجيب ولا تبطئ، وتقول فلا تخطئ».(8)
 كما كانت أقوالهم بليغة في الإيجاز والإصابة.
 وصف أحدهم أعرابيا فقال: «كان والله يضع الهناء مواضع النقب».(9)
من هنا نستطيع أن نقول: إن أصول البلاغة العربية في ظواهرها وقضاياها بدأت معالمها تتضح في بيئة هؤلاء الأعراب الخلص.
ثم كان لاختلاط العرب بالأمم الأخرى، إبان الفتوحات الكبرى، وبعد الاستقرار في الأمصار الجديدة، أثر كبير في الدرس البلاغي والعلوم الأدبية والفكرية، فقد كانت هذه الأمم ذات حظ كبير من المعرفة العقلية بإتقانها علومها لم يكن للعرب عهد بها، مثل الفلسفة والمنطق اليونانيين، الذين أحدثا ثورة في الفكر العربي تجلت في الجدل والحوار وعمق التحليل، وهي سمات طبعت جل العلوم التي صنف فيها المسلمون.
قال الجاحظ يذكر منهج تلك الأمم في التفكير:
«وكل معنى للعجم، فإنما هو من طول خلوة، وعن مشاورة ومعاونة، وعن طول التفكر، ودراسة الكتب، وحكاية الثاني علم الأول، وزيادة الثالث في علم الثاني، حتى اجتمعت ثمار تلك الفكر عند آخرهم».(10)
وقد أفرز هذا الاختلاط ظاهرة الشعوبية(11) التي دفعت أعلام الأدب للرد على دعاتها، بإبراز خصائص البيان العربي المتمثل في تراثه الشعري وخطبه، وفي القرآن، وأحاديث الرسول عليه السلام، وكان الرد عليهم من هذه الزاوية عاملا إيجابيا في تطور الدرس البلاغي، وكتابات الجاحظ في تطور الدرس البلاغي، وكتبات الجاحظ في هذا المجال غنية بالإشارات إلى فضل البيان العربي.

•الفرق الفكرية التي ساهمت في الدرس البلاغي:
إن التعرف على هذه الفرق يساهم بإيضاح الجهود العلمية الأولى التي كانوا يستقون منها علومهم، وهي مصادر متعددة الاتجاهات، من القرآن والشعر والفلسفة والمنطق، وتجعلنا كذلك نتمكن من معرفة المنهج الذي استعملته كل فرقة في بحوثها البلاغية والنقدية.

• اللغويون:
كان اهتمام هذه الفئة منصبا على جمع الشعر وشرحه، وتدوين اللغة وضبط معانيها، وفضلهم على اللغة العربية وآدابها بارز فيما تركوه، فالدواوين الشعرية المجموعة شرحت ونقحت على يدهم، والمعاجم      
البلاغة العربية: ظروف نشأتها والفرق الفكرية التي ساهمت في نضجها
اللغوية الضخمة اعتمد أصحابها في تأليفها على أقوالهم، وكانوا في شروحهم للشعر واللغة، يقفون على روعة التشبيه والاستعارة، وجزالة الألفاظ وسلامة المعاني، مع ملاحظة الوجوه التي يكتسب بها الكلام رونقه وجماله، تارة بالتدقيق في تحليل تلك الصور، وتارة أخرى بالاكتفاء بشروح غريب اللغة والمعاني الغامضة.
 ومن هؤلاء أبو عمرو بن العلاء الذي كان «أوسع علما بكلام العرب ولغاتها وغريبها»، (12) وكان بالإضافة إلى ذلك معنيا بأخبار الشعراء، وبتتبع ما في شعرهم من محاسن وعيوب.
من ذلك قوله  لأحدهم كان يدعي أنه شاعر:
«كان يقال: شاعر وشويعر وشعرور».
قال: «من أيهم أنا»؟
قال: «لست منهم».
فقال: «فمن أنا»؟
قال: «أنت شعرة».(13)
 ومثل هذا الكلام المفضل الضبي (تـ178 هـ)، وكان يعني بالأخبار، ورواية الشعر، الذي يكثر فيه الغريب، وبالرغم مما وجه له من نقد في اختياره الغريب الذي هو دليل على الاستكراه، والتكلف، وفساد الذوق، (14) فإن للمفضل رأيا في وجوه البلاغة يدل على سلامة ذوقه، ومعرفته بمواطن حسن الكلام.
 ذكر الجاحظ عن ابن الأعرابي (تـ 231هـ) أن المفضل الضبي سأل أعرابيا عن البلاغة:
فقال الأعرابي: «الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خطل».
فسأل ابن الأعرابي المفضل«ما الإيجاز عندك»؟
قال: «حذف الفضول، وتقريب البعيد».(15)
فعبارة المفضل في الإيجاز لها دلالة في بيان المحكم من الكلام، الذي يعطيه المعنى الكثير بالقليل من اللفظ، وييسر لك الكلام حتى لا يبقى مستعصيا على الفهم.
ومن هؤلاء الأصمعي (تـ 216هـ)، الذي كان مثل أستاذه أبي عمرو، معنيا بجمع الشعر وتحقيقه، وشرح غريب لغته، وغامض معانيه أخرى.
فمن حديثه عن الألفاظ المتنافرة قوله:
«ومن ألفاظ العرب ألفاظ تتناثر، وإن كانت مجموعة في بيت شعر لم يستطع المنشد إنشادها إلا ببعض الاستكراه.
فمن ذلك قول الشاعر: (من الجز)
وقبـر حرب بمكــان قفر   وليس قرب قبر حرب قبــر(16)
إن مثل هذا التنافر في الألفاظ يفقدها فصاحتها، ويجعل الشعر رديئا تنفر منه النفوس، لأن من شروط توفر البلاغة والفصاحة في الكلم أن تقع اللفظة إلى جنب أختها موقعا مرضيا.
ولهذا قال الجاحظ
«وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ إفراغا واحدا، وسبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان».(17)        
ومن أقوال الأصمعي التي تدل على عمق معرفته بجوهر الكلام البليغ، قوله:
«البليغ من طبق المفصل، وأغناك عن المفسر».(18)
أما ملحوظاته في التشبيه فكان يقف فيها على المحاسن والعيوب.
من ذلك نقده لقول امرئ القيس: (متقارب)
وأركب في الروع خبفانة
     كسا وجهها سعف منتشر (19)
لأنه شبه ناصية فرسه بسعف النخلة، والشعر إذا غطى العين لم يكن الفرس كريما. (20)
وذم كذلك لفظة «السقيم» في بيت النابغة الذبياني: (كامل)
نظرت إليك بحاجة لم تقضها
   نظر السقيم إلى وجوه العود (21)
وكان الأصمعي سباقا إلى الإشارة لبعض المصطلحات البلاغية التي سنجد البلاغيين يعنون بها عناية كبيرة، وتبنى عليها مباحث بلاغية، مثل مصطلحات «الالتفات» و«الإيغال» و«الطباق».
قال إسحاق الموصلي: «قال لي الأصمعي: أتعرف التفات جرير؟
قلت: وما هو؟
فأنشدني: (وافر)
أتنسى إذ تودعنا سليمى
بعود بشامة، سقي البشام (22)
ثم قال: أما تراه مقبلا على شعره، إذ التفت إلى الشام فدعا».(23)
أما الإيغال فحدده الأصمعي تحديدا دقيقا حتى إن علماء البلاغة كلما ذكروا هذا الفن رجعوا إلى قولته فجعلوها شاهدا وحجة.
فقد سئل من أشعر الناس؟
فقال: «الذي يجعل المعنى الخسيس بلفظه كبيرا، أو يأتي إلى المعنى الكبير فيجعله خسيسا، أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى».(24)
إن قولة الأصمعي: «أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى»، تحدد هذا الفن وتحصره بالزيادة في القافية خاصة، ولكن هذه الزيادة ليست حشوا وهذرا من القول، وإنما لتزيد في معنى البيت.
 وذكر الأصمعي أجود شواهد هذا الفن البديعي من قول الأعشى:
كناطح صخرة يوما ليفلقها
            فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل (25)
فقد تم عنده المثل بقوله: «وأوهى قرنه»، فلما احتاج إلى القافية، قال: «الوعل»، فزاد بها معنى.
وذكر من شعر ذي الرمة قوله:
         قف العيس في أطلال مية واسأل
رسوما كأخلاق الرداء المسلسل (16)
فقد تم كلامه في قوله «الرداء»، ثم احتاج إلى القافية فقال: «المسلسل»، فزاد شيئا.
وقوله:
أظن الذي يجدي عليك سؤالها
         دموعا كتبديد الجمان المفصل (27)
فقد تم كلامه في «الجمان»، فلما احتاج إلى القافية، قال: «المفصل»فزاد معنى.(28)
 أما التطبيق فإن البلاغيين ظلوا في مختلف العصور يستشهدون بما قاله «الأصمعي» في هذا المصطلح، ويعتبرونه حجة.
فهذا «السجلماسي» عندما رد على «قدامة»بادعائه أن المطابقة من اشتراك المعنيين في اللفظ الواحد بعينه، فيجمعهما اللفظ لا المعنى. (29)
 أثبت أن المطابقة هي المنافرة لا المشاكلة برجوعه إلى ما قاله «الخليل»، و «ابن المعتز»،(30) واستدل بقول الأصمعي: «أصلها وضع الرجل مع اليد».(31)
وبما رواه صاحب «الأغاني»حيث قال:
«قلت لعلي بن سليمان الأخفش – وكان أعلم من شاهدته بالشعر -: طائفة – وهم الأكثرون – تزعم أن الطباق ذكر شيء وضده، وطائفة تقول: هو اشتراك المعنيين في اللفظ الواحد.
فقال: من الذي يقول هذا؟
قلت: قدامة وغيره.
قال: هذا يا بني التجنيس، ومن ادعى أنه طباق فقد أتى خلافا على الخليل والأصمعي.
قلت: أفكانا يعرفان هذا؟
فقال: سبحان الله، وهل غيرهما في علم الشعر وتمييز خبيثه من طيبه».(32)
 فهذا النص يدل دلالة قوية على ما كان يتمتع به «الأصمعي» من قدرة على تمييز خبيث الشعر من طيبه.
 ونجد مثل هذه الإشارات البلاغية عند ابن سلام (تـ 231هـ)، من ذلك إشارته إلى الصورة الغريبة في قول امرئ القيس: (الوافد)
وقاهم جدهم ببنـي أبيــهم
        وبالأشقين ما كـان العقـاب
وأفلتهـن علبـاء جريضـا
       ولو أدركنه صفـر الوطاب(33)
فقد أبهمت الصورة في قوله: «صفر الوطاب»، فقال رؤبة: «لو أدركوه لقتلوه، وساقوا إبله، فصفرت وطابه من اللبن».(34)
 وأشار ابن سلام إلى معنى آخر لو يذكره رؤبة: «وقال غيره: «صفر الوطاب» أي أنه كان يقتل فيكون جسمه صفرا من دمه، كما يكون، لو طاب صفرا من اللبن.(35)
 ونجد في حديث «ابن سلام» عن الشعراء إشارات لخصائص المعاني والألفاظ، ومميزات الشعر الخالي من التكلف. من ذلك قوله في النابغة الذبياني:
«كان أحسنهم ديباجة شعر، وأكثرهم رونق كلام، وأجزلهم بيتا، كأن شعره كلام ليس فيه تكلف، والمنطق على المتكلم أوسعمنه على الشاعر، والشعر يحتاج إلى البناء والعروض والقوافي».(36)
 وأشار إلى « التضمين »، ورأى أنه مذهب شائع في كلام العرب، يستزيدون في شعرهم شعر غيرهم، كالمثل إذا ورد في موضعه:«وقد تفعل ذلك العرب، لا يريدون به السرقة».(37)
ومثل ذلك بقول كثير من الرجاز:
عند الصباح يحمد القوم السرى.(38)
يتضح، من خلال ماراينا، أن جهود العلماء اللغويين كانت منصرفة إلى مباحث دقيقة في النقد والبلاغة، بالإضافة إلى رواية الشعر وشرحه، والبحث في خصائص جودته التي تقوم على استواء المعنى، وجزالة الألفاظ، وعناية الشاعر بالأوزان والقوافي، وهي المجالات التي برزوا فيها، وأبدعوا حتى غدت مرجعا لكل الدارسين في هذه القضايا.

• الكتاب:
كان لهذه الفئة دور كبير في النقد والبلاغة وتطوير أساليب اللغة العربية بواسطة الرسائل والتوقيعات وتأليف الكتب في مختلف ميادين المعرفة.
فبالنسبة لجهودهم في البلاغة كانت تعريفاتهم وأقوالهم في تحديد مقاييس الجودة والرداءة في الألفاظ والمعاني، وبيان آلة البلاغة في الأقوال الشعرية والخطبية تشكل الأسس التي بنيت عليها مباحث فنون البلاغة عند البلاغيين المتأخرين.
 ومن هؤلاء الكتاب «ابن المقفع» (تـ: 142هـ) الذي عرف البلاغة من وجوه متعددة:
«البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا وخطبا، ومنها ما يكون رسائل، فعامة ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها، والإشارة إلى المعنى، والإيجاز هو البلاغة».(39)
هذه الوجوه التي تجري فيها البلاغة عند «ابن المقفع»جديدة وطريفة، ولا سيما ذكره السكوت، والاستماع والإشارة،وهي الوسائل الأولى التي يحتاج إليها متعلم البلاغة قبل أن يحتج أو يجيب، أو ينظم شعرا، ويحبر كلاما بليغا.
ولهذا قال أبو يعقوب الخريمي (تـ212هـ):
«لم يفسر أحد البلاغة تفسير عبد الله بن المقفع».(40)
 وقد جعل ابن المقفع جماع البلاغة في «الإيجاز»، وجل البلاغيين ينصون على أن الإيجاز هو عمود البلاغة وجوهرها المحمود، وكأنه عندهم النهاية في تجويد القول، لأن الكلام فيه يحوي معاني كثيرة بألفاظ قليلة.
 ومن الكتاب البلغاء الذين وجدنا لهم كلاما بحدد شروط جودة الألفاظ والمعاني جعفر بن يحيى (تـ 187هـ) الذي سئل عن البيان فقال
«أن يكون الاسم يحيط بمعناه، ويجلي عن مغزاك، وتخرجه عن الشركة، ولا تستعين عليه بالفكرة. والذي لا بد منه، أن يكون سليما من التكلف، بعيدا عن الصنعة، بريئا من التعقد، غنيا عن التأويل».(41)
 فهذا كلام في غاية الدقة والإحاطة بوجوه البيان، لا يصدر إلا عن متمرس بضروب الكلام، وبمواضيع الإجادة فيه، ولا سيما إشارته إلى الوسائل التي تجعل الكلام غامضا ومتكلفا ومعقدا، وهي سمات الكلام الهجين.
 ونجد بعض الأئمة من آل البيت وأبناء الخلفاء مثل هذه الأقوال في بيان وجوه الكلام البليغ، فقد ذكرإبراهيم ابن محمد (تـ 132هـ) الوجوه التي تحسن بها البلاغة فقال:
«يكفي من حظ البلاغة أن لا يأتى السامع من سوء إفهام الناطق من سوء فهم السامع».
قال الجاحظ:
«أما أنا فأستحسن هذا القول جدا».(42)
وقول إبراهيم بن المهدي (تـ 224هـ إلى كاتب له، وكان يتتبع وحشي الكلام:
«إياك وتتبع الوحشي طمعا في نيل البلاغة، فإن ذلك العي الأكبر، وعليك بما سهل مع تجنيك ألفاظ السفل».(43)
ولعل الإشارة إلى ما جاء في صحيفة بشر بن المعتمر (تـ 210هـ)تجعلنا نقف على الأثر الكبير في تطوير مقاييس البلاغة، وشروط الإجادة فيها من جميع وجوهها.
فمما ذكره من مساوئ التوعر على اللفظ والمعنى قوله:
«وإياك والتوعر، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك».(44)
وإذا كان هذا الكلام من صميم البلاغة، فإن ذكره لخصائص اللفظ والمعنى هو أشد علقة بالبلاغة والنقد، فالمعنى لا يصير كريما إلا إذا التمس له لفظ كريم، وبذلك يصون البليغ كلامه من الهجنة والعيوب:
«ومن أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما معا يفسدهما ويهجنهما».(45)
 والكلام لا يشرف إلا إذا كان من معاني الخاصة، بل مدار الشرف:
«على الصواب وإحراز المنفعة، مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال».(46)
إن المباحث البلاغية تركزت على مثل هذه الإشارة الصائبة في مميزات اللفظ والمعنى، والوجوه التي تحقق للكلام منفعته ولذته الفنية.

• الأصول الثقافية لعلماء البلاغة:
إن المتمعن في المصادر البلاغية المتنوعة، الأدبية والنقدية واللغوية، يلاحظ أن ثقافة البلاغيين كانت متشعبة، يأخذون من الشعر وشروحه، ومن تفاسير القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن المصادر الأجنبية، ولا سيما كتب أرسطو في الفلسفة والمنطق.
وقد لستطاعوا بواسطة هذه الثقافة كشف وجوه البلاغة والفصاحة في التراث الشعري والنثري، وفي الكلام المعجز، مع ملاحظة التفاوت البياني بينهما، فابن بني الاصبع استخرج من «آية» واحدا وعشرين ضربا من البديع ليبرهن على حسن التناسق في كلام الله، مع الجزالة والإحكام، وأن أي كلام مهما بلغ من الفصاحة والبلاغة لا يماثله في تناسقه وإحكامه.
وهذه الآية التي وقف عندها هي قوله تعالى وقيل يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء اقلعي، وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي، وقيل بعدا للقوم الظالمين(47)
ففي هذه الاية من البديع:
«المناسبة التامة» في: ابلعي وأقلعي، و «المطابقة اللفظية» في: السماء والأرض، و«الاستعارة» في قوله:           
ابلعي وأقلعي للأرض والماء، و «المجاز»في قوله: يا سماء، لأن الحقيقة: يا مطر السماء، و «الإشارة» في قوله: «وغيض الماء»، فقد عبر بهاتين اللفظتين عن معان كثيرة، و«الإرداف»في قوله:«واستوت على الجودي»، عبر عن استقرار السفينة على هذا المكان، و«التمثيل» في قوله: «وقضي الأمر»، عبر بذلك عن هلاك الهالكين ونجاة الناجين، و«صحة التقسيم»: وذلك حين استوعب أقسام أحوال الماء، و«الاحتراس» في قوله:«وقيل بعدا للقوم الظالمين»، حتى لا يتوهم البعض أن الهلاك عم من لا يستحق الهلاك، و«الانفصال»: فقد تقدم ذكر«القوم»قبل الآية في قوله تعالى: وكلما مر عليه ملك من قومه سخروا منه، (48) فاقتضت البلاغة أن يؤتى بلفظة«القوم» ليعلم أنهم القوم الذين تقدم ذكرهم، و «المساواة»، إذ ألفاظ الآية لا تزيد على معانيها، و«حسن النسق»، وذلك بعطف القضايا بعضها على بعض بأحسن ترتيب، و«الإيجاز والتسهيم»، لأن أول الآية يقتضي آخرها، و«التهذيب»، في كون مفردات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن، و«حسن البيان»،من جهة أن السماع لا يتوقف في فهم معنى الكلام، و«التمكين»، لأن الفاصلة مستقرة في قرارها، و«الانسجام»، وهو تحذر الكلام بسهولة وعذوبة وسبك.(49)
إن استخراج هذه الضروب من البديع من«آية»بلغ عدد ألفاظها سبع عشر لفظة، ليظهر إلى أي حد كان البلاغيون حريصين على كشف وجوه الحسن في القرآن قصد تأكيد إعجازه.
وكان الشعر يأخذ منهم حظا من هذه العناية، وذلك بالوقوف على حسن ترتيب كلامه في ألفاظه ومعناه، وما حوى من ضروب البديع التي تزيده حسنا.
فابيات يزيد من الطثرية: (من الطويل)
ولما قضينا من منى كل حاجة
     ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على دهم المهاري رحالنا
     ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
     وسالت بأعناق المطي الأباطح(49)
يكشف فيها عبد القاهر الجرجاني وجوه الحسن والبيان، في ألفاظها التي سلمت من الحشو، والغريب، والمبتذل، الساقط، فجاءت:
«كأنها الماء جريانا، والهواء لطفا، والرياض حسنا، وكأنها الرحيق مزاجها التنسيم».(51)
وبما احتوت ألفاظها من فنون وشجون الحديث: «ثم دل بلفظة«الأطراف»على الصفة التي يختص بها الرفاق في السفر، من التصرف في فنون القول وشجون الحديث، أو ما هو عادة المتطرفين من الإشارة والتلويح والرمز والإيماء».(52)
ولا ريب مثل هذه الإشارة تنبني عن الجهود التي بذلوها في شرح التراث الشعري وكشف محاسنه، بل نجد منهم من يجعل شعره – بجانب التراث – موضوعا للدرس البلاغي، وغايتهم من ذلك الزيادة في توظيح الظاهرة البلاغية.
فأبو القاسم السبتي كان يجعل شعره شاهدا لألوان من فنون البديع التي تحدث عنها، فمما استشهد به في «التبليغ» قوله: (من البسيط)
لم يبرح المجد يسمو ذاهبا بهم
         حتى أجاز الثريا، وهو ماقنعا
قال:
«فقولي: وهوما قنعنا، من التبليغ الذي أفاد زيادة في المعنى ظاهرة».(53)         
أما إطلاع بعض البلاغيين على الثقافة الأجنبية وعمق معرفتهم بها، فتجليا في استعانتهم بالفلسفة والمنطق لتقويم مباحثهم، وقد بدأت هذه المرحلة منذ فترة مبكرة على يد الجاحظ، وقدامة بن جعفر، وامتدت في مباحث بلاغيي الغرب الإسلامي في القرنين السابع والثامن الهجريين: حازم، والسجلماسي، وابن البناء المراكشي، فاكتمل على يدهم البحث في الدرس النقدي والبلاغي بالمنهج الفلسفي والمنطقي.
إن تأثير البلاغيين بالفلسفة والمنطق اليونانيين لا يعني أنهم أخذوا مفاهيم البلاغة وقوانينها من الفكر اليوناني، ولا سيما من أرسطو، وإنما استعانوا بالفلسفة و المنطق لإحكام أسس الجدال والحوار والتقسيمات والتفريعات.
أما مادتهم التي كانوا يستقون منها الشواهد، ويقيمون عليها القواعد فهي التراث الشعري نثري، والقرآن الكرين، وبهذا كان مقصدهم يختلف عن مقصد اليونان. (54) 

•المصادر والبرامج:
1 – الأدب والغرابة: عبد الفتاح كيليطو – دار الطليعة للطباعة والنشر / الطبعة 1. 82.
2 -  أسرار البلاغة: عبد القاهر الجرجاني، بعناية السيد محمد رشيد رضا / دار المعارف – 78.
3 – بديع القرآن: ابن بني الإصبع – تقديم وتحقيق: حفني محمد شرف / الطبعة 1 / 57
4 – ديوان الأعشى الكبير ميمون بن قيس: شرح وتعليق: د. محمد محمد حسين / دار النهضة العربية74.
5 – ديوان الجرير: نشر محمد إسماعيل عبد الله الصاوي / دار الأندلس.
6 – ديوان ذي الرمة: تحقيق د. عبد القدوس أبو صالح / مطبوعات جمع اللغة العربية بدمشق – 74.
7 – ديوان امرئ القيس، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم / ط2 – دار المعارف – 64.
8 – ديوان النابغة الدبياني: تحقيق: شكري فيصل – بيروت – 68.
9 – ديوان يزيد بن الطثرية: تحقيق: حاتم صلاح الضامن / دار التربية للطباعة والنشر – بغداد.
10 – رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة: أبو القاسم الشريف السبتي – تحقيق: محمد الحجوي / نسخة مرقونة.
11 – زهر الآداب وثمر الألباب: أبو إسحاق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني – ضبط وشرح: زكي مبارك / دار الجيل / ط4.72.
12 – ضحى الإسلام: أحمد أمين – ط 10 / دار الكتاب العربي.
13 – طبقات فحول الشعراء: محمد بن سلام الجمحي – تحقيق: محمود محمد شاكر / 74.
14- العمدة في محاسن الشعر وآدابه: ابن رشيق – تحقيق: محمد قرقزان / ط1.
15 – كتاب الصناعتين: أبو هلال العسكري – تحقيق: د. مفيد قميحة / دار الكتب العلمية – ط1 – 81
16 – لسان العرب، أبو الفضل جمال الدين بن منظور.
17 – المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع: أبو محمد القاسم السجلماسي – تقديم وتحقيق علال الغازي /ط1.
18 – الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري: أبو القاسم الحسن بن بشر الآدمي – تحقيق: السيد أحمد صقر / دار المعارف – 61.
19 – الموشح: مآخذ العلماء على الشعراء في عدة أنواع من صناعة الشعر: أبو عبد الله المرزباني – تحقيق: علي محمد البجاوي / دار الفكر العربي.
20 – نقد الشعر: أبو الفرج قدامة بن جعفر – تحقيق: د. محمد عبد المنعم خفاجي – ط1 – 80

(1) العمدة: 1/439.
(2) رفع الحجب:1/31.
(3) كتاب الصناعتين: 63.
(4) البيان والتبيين: 2/8-9
(5) نفسه: 1/44.
(6) نفسه: 1 / 321.
(7) من بني عبد القيس، توفي نحو سنة 40هـ (البيان والتبيين: 1/96 )و (الأعلام:3/201).
(8) البيان والتبيين: 1/96.
(9) نفسه: 1/107_الهناء: القطران، والنقب، وأحدها نقبة: القطع المتفرقة من الجرب، اللسان: (نقب).
(10) البيان والتبيين: 3/27 – 28.
(11) ظهرت الشعوبية نتيجة الصراع السياسي والاجتماعي والثقافي بين العرب وبعض الغلاة من الأمم التي دخلت الإسلام. انظر (ضحى الإسلام): 49 
12) طبقات فحول الشعراء: 1/14(13) الموشح: 444، الشعرور: هو الذي لا شيء في النظم.
(13)انظر (العمدة: 1/236).
والشعرة: العانة، اللسان (شعر).
(14) انظر: كتاب الصناعتين: 12.
(15) كتاب الصناعتين: 193.
(16) البيان والتبيين: 1/65.
(17) نفسه: 1/66.                   
(18) نفسه: 1/106، والعندة: 1/430.
(19) ديوانه: 163 – الروع: الفزع، والخيانة: الفرس الخفيفة السريعة واصلها في اللغة الجرادة، اللسان (خفيف).
(20) الموشح: 120، والموازنة: 1/35.
(21) ديوانه: 35، والعمدة: 1/511، على أن ابن رشيق اختلف مع الأصمعي في جودة هذا التشبيه، فرأى أنه «لا يلحق ولا يشق غبار صاحبه، ولم يجد فيه المطعن إلا بذكر «السقيم» فإنه رغب عن تشبيه المحبوبة به (نفسه).
(22) دبوانه:512.
(23) العمدة:1/639.
(24) كتاب الصناعتين: 422.
(25) ديوانه: 61
(26) ديوانه: 586.                                                                
(27) نفسه.
(28) انظر الخبر في: كتاب الصناعتين:422، والعمدة: 1/655 – 656، ورفع الحجب: 1/79.
(29) نقد الشعر: 162.
(30) المنزع:370.
(31)نفسه: 371.
(32)نفسه: 372.
(33)ديوانه:138.
(34) طبقات حول الشعراء: 1/53.
(35) نفسه.                                                                
(36) نفسه: 1/56
(37)نفسه: 1/58.
(38)نفسه.
(39)البيان والتبيين: 1/115 – 116. والعمدة: 1/420.
(40) زهر الآداب: 1/145.
(41)البيان والتبيين: 1/106.
(42) نفسه: 1/87.
(43) زهر الآداب: 1/159.
(44) البيان والتبيين: 1/135.
(45) نفسه.
(46) نفسه.
(47) سورة هود – الآية:44
(48) آية: 38.
(49) بديع القرآن: 340 – 342.
(50) ديوانه: 64.
(51) أسرار البلاغة: 15 – 16.
(52) نفسه: 17
(53) رفع الحجب: 1/82، والبيت في مدح يوسف بن إسماعيل النصري.
(54) الأدب والغرابة: 54. (كيليطو).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here