islamaumaroc

ذكرى لا تنسى حديث حول الدروس الحسنية المنيفة

  محمد البعلبكي

العدد 316 رمضان 1416/ يناير-فبراير 1996

سبق لهذه المجلة أن نشرت في عددها 311 – السنة السادسة والثلاثون، المؤرخ ب: محرم – صفر 1416 موافق يونيو – 1995، والخاص بمناسبة عيد العرش المجيد. وفي باب «من ثمرات الصحف والمجلات»، حديثا لمجلة «الأفكار اللبنانية» عن الدروس الحسنية المنيفة، التي يترأسها مولانا أمير المومنين جلالة الملك الحسن الثاني بالقصر الملكي العامر خلال شهر رمضان من كل سنة. ويحضرها صفوة من علماء المملكة والعالم الإسلامي. وذلك في عددها الصادر في 6 مارس 1995 استهلته بالقول، باب الملوك هو أكثر الأبواب إغراء بالدخول، وهل مناك أكثر فضولا من أن تكون بين يدي ملك؟
  وجاء هذا الحديث متميزا بعدد من الانطباعات القيمة حول هذه الدروس، التي تعتبر منبرا للفكر الإسلامي الرصين، وإشعاعا من إشعاعاته المتميزة الباهرة. ونموذجا غنيا بالعطاءات الفكرية الإسلامية الوافرة.
 وبعد مجلة «الأفكار اللبنانية»، تأتي«جريدة النهار» البيروتية اليومية الواسعة الانتشار – وعلى صدر صفحاتها الأولى – حديثا قيما حول هذه الدروس، التي ذاع صيتها في أرجاء العالم الإسلامي، وطبقت شهرتها الآفاق. بقلم الأستاذ محمد البعلبكي، نقيب الصحافة اللبنانية، مشيدا بها قائلا: «وإنما بلا ريب لظاهرة فريدة في العالم الإسلامي يشهدها القصر الملكي في عهد أمير المومنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله حيث من هذه السنة الحميدة. منذ  ولاه الله مقاليد الأمة العربية».
 واعتبارا لما ورد في حديث الأستاذ محمد البعلبكي: من رؤى وانطباعات وشهادات صادقة حول هذه الدروس الحسنية المنيفة.
يسر المجلة أن تنشره على صفحات هذا العدد، تعميما للفائدة وفيما يلي نصه الكامل:
 عدت من المملكة المغربية الشقيقة بعدما حظيت بدعوة من وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري لحضور الدروس الحسنية الرمضانية، التي تقام في القصر الملكي كل يوم بعد الإفطار، طوال شهر رمضان.
 وكان لي شرف المثول بين يدي صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني طوال عشرة أيام من أيام رمضان، حضرت فيها برفقة القائم مقام مفتي الجمهورية اللبنانية الدكتور محمد رشيد قباني بين يدي جلالته كل الدروس التي ألقاها الأجلة من كبار علماء المغرب، وجميع أنحاء العالم الإسلامي الأوسع.
 وإنها بلا ريب لظاهرة فريدة في العالم الإسلامي يشهدها القصر الملكي كل عام منذ سن الحسن الثاني – قبل نحو عشرين عاما – هذه السنة الحميدة، التي لم يسبق إلى مثلها من جانب أحد من رؤساء الدول الإسلامية في هذا العصر، محييا بذلك مجالس العلم والعلماء التي شهدتها أيام ازدهار الحضارة الإسلامية عبر التاريخ بدعوة من الخلفاء وولاة أمر المسلمين، المقدرين قدر العلم والعلماء، وأهمية مواصلة البحث والحوار، ومحاولات الاجتهاد لفهم صحيح للدين، والتعمق في جوهره، والسعي لتطوير أحكامه، ضمن نطاق الشريعة الرحبة، مواكبة لتبدل أحوال الزمان والمكان، ومتغيرات العصر وعجلة الحياة والتاريخ التي لا تعرف التوقف، وكل ذلك صيانة لمصالح المسلمين وتقدمهم في مختلف مجالات المعارف والعلوم.
 ولقد رأيت في الدروس الحسنية الرمضانية مشهدا عجبا لم تر عيني له مثيلا، إذ يلتقي كل مساء بعد الإفطار في إحدى قاعات القصر الملكي جميع سفراء الدول العربية والإسلامية من غير استثناء، فيجلسون إلى يمين القاعة، ويلتقي معهم جميع أركان الدولة المغربية: من رئيس الوزراء.، إلى جميع أعضاء الحكومة، إلى عدد كبير من أعضاء مجلس النواب، وكبار قادة القوات المسلحة، فيجلسون إلى يسار القاعة، أما في صدرها، أي في مواجهة مجلس الملك، فيجلس كبار علماء المدعوين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
وحين يدخل الملك على الجمع، يقف الكل إكراما بين يديه، ويحييه كبار العلماء المدعوين، ثم يأخذ جلالة الملك مجلسه متربعا على الأرض، وإلى يمينه ولي العهد الأمير محمد، وإلى يساره شقيق ولي العهد الأمير رشيد. أما العالم الذي يلقي الدرس فيجلس مقابل الحسن الثاني على منبر مرتفع قليلا عن الأرض، وحين يشرع في إلقاء درسه، يوجه كلامه كله إلى الملك الجالس بين يديه بكل تواضع، يصغي إلى كل ما يقوله العالم الحاضر بكل تواضع، يصغي إلى كل ما يقوله العالم المحاضر بكل انتباه، وهو المعروف بسعة علمه في الدين وشؤون الشريعة، فيذكرني والله بقول الشاعر العربي القديم:                                                            
من لي بإنسـان إذا خاطبتـه
          وجهلت كان الحلم رد جوابه
وتراه يصغـى للحديث بسمعـه
          وبقلبه ولعــله أدرى به
حتى إذا أنهى المحاضر درسه في الوقت المحدد طلب إلى الحسن الثاني أن يتفضل بختم الجلسة، فيأخذ جلالته بتلاوة بعض آيات القرآن الكريم سرا، ثم يقول بصوت مسموع:
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. 
 ويقف الملك ويقف الجميع، ويتقدمون مرة أخرى لتحيته والسلام عليه، قبل أن ينصرفوا، وقد امتلأت نفوسهم بأرفع الأجواء الروحية، وازدادوا علما بما سمعوا من البحث الراقي في مختلف شؤون الدين والشريعة، بكل ما يتناوله من مشكلات العصر وتحدياته، وما يراه المحاضر من نهج لمواجهة هذه التحديات، بما يضمن التطور البناء ضمن إطار الشريعة السمحاء.
 وإنه لمجلس عن نظيره، بما يخيم عليه من احترام العلم، وصادق التواضع، وذالك العبق الروحي البهي المحيي للإنسان بما يرتفع به فوق توافه المادة، وشؤون هذه الدنيا الرخيصة.
 على أن أ÷م ما في الأمر أنه لا ينتهي هنا، فظهر كل يوم يلتقي المشاركون من العلماء جميعا في مقر المجلس العلمي الإسلامي خارج القصر الملكي، ويناقشون المحاضرة التي استمعوا إليها في اليوم السابق في حضور صاحبها، فيتناولونها بالتعليق والتحليل، والنقد العلمي الإيجابي، بكل روح موضوعية، وبعد أكثر من ساعتين من النقاش ينهي صاحب المحاضرة الجلسة بتلخيص وجهات النظر التي أبديت، والإضافات التي حفلت بها مداخلات المشاركين، مستكملا بذلك كل ما قد يكون فاته في محاضراته لتغدو أكثر شمولا، وأكثر دقة.
 ومن مآثر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أنها تتولى جمع المحاضرات التي تلقى في الدروس الحسنية الرمضانية كل عام، وطبعها كاملة، لا باللغة العربية فحسب، بل بكل اللغات الحية، ومختلف لغات العالم الإسلامي، وتوزعها مجانا لتكون منهلا عذبا للدارسين، ومرجعا لا غنى عنه لكل باحث في آفاق الدين الحنيف، ومجالات الشريعة البالغة الرحابة، حتى تتسع لاستيعاب تحديات كل العصور، لا خير المسلمين وحدهم بل لخير البشرية جمعاء.
جزى الله الملك الحسن الثاني كل خير على ما يقدم للإسلام في تلك الدروس من خدمة جلى للدين وللناس: والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا.
 صدق الله العظيم

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here