islamaumaroc

كلمات وإشارات-10-

  عبد القادر زمامة

العدد 313 ربيع 1-ربيع2 1416/ غشت-شتنبر 1995

32 – مع ابن رشيق في "العمدة" :
الأصول التي هي المراجع والمصادر قل أن يبلي الدهر من جدتها، أو أن يذبل زهرتها... ولاسيما إذا كانت نتائج موضوعية محددة، وذاتية متبصرة ذكية، واطلاع واسع لأصحابها...
في رحاب القيروان التاريخية، وفي ظلال دولة المعز بن باديس الصنهاجي، وفي رئاسة الشاعر الكاتب أبي الحسن بن أبي الرحال الشيباني، أستاذ المعز، ورئيس ديوان الإنشاء في دولته.. كتب أبو علي الحسن ابن رشيق كتاب :"العمدة في محاسن الشعر وآدابه" وجعله شبه مدونة للشعر العربي، تاريخا وفنا وموضوعا، ووسيلة وغاية، مع كل الأدوات : اللغوية والبيانية والعروضية، التي تمكن الشعر من ثقافة شعرية وذوقية، وملكة نقدية، تجعله يتخطى الصعاب وينجو من الأخطاء...
ولم يغفل ابن رشيق جانب تقديم الأمثلة والنماذج المتنوعة التي لها طابع خاص، وإشعاع أدبي خاص، وهادف بياني خاص...
وقد نقل ابن رشيق من كتب السابقين فأحسن النقل، وانتقى أحسن الانتقاء، واستشهد فأصاب الهدف...
وهذا يدل على أنه كان أقام مكتبة حافلة بكتب الأئمة الأدب، واللغة، والنحو، والعروض...وأنه خريج مدرسة أدبية، على رأسها أستاذه الشهير أبو إسحاق الحصري صاحب كتاب "زهر الأدب" المتوفى سنة 413 هـ.
وإذا علمنا أن مضمون كتاب :"العمدة" هو :
الثقافة الشعرية : تاريخا، وفنا، وممارسة..
والبلاغة  علما، وذوقا، وأسلوبا، وتتنوعا...
والنصوص المنتقاة من الأدب الجاهلي والإسلامي والعباسي، ولاسيما منها الوصفيات والغزليات...
علمنا أن ابن رشيق كان على جانب كبير من الذوق والإطلاع، ليقدم هذه المضامين التي تزيد أبوابها على المائة، ولكل باب موضوع محدد ونقاش مناسب، وهدف يسعى إليه بذكاء ومهارة، وتمثيل وإيضاح...
وابن رشيق يذكر في الغالب المصادر التي نقل منها من دواوين الشعراء، وكتب أعلام الأدب واللغة والتاريخ... ومن المستغرب أنه لم ينقل عن الأندلسيين إلا نادرا... وعن ابن ربه صاحب كتاب "العقد" بالخصوص، ولعل ذلك كان مرة واحدة...
وموقف ابن رشيق من الأندلس والأندلسيين موقف لم يكن يخفى على الباحثين والدارسين، ونكتفي هنا بالإشارة إليه... من غير استشهاد..
وبعد نكبة القيروان لم يرد اللجوء إلى البلاد الأندلسية، وفضل المقام في "المهدية": قبل أن يهاجر إلى "صقلية"، حيث توفي هناك في مدينة "مازرة" كما يقول المؤرخون...
ونعثر في كتاب "العمدة" على نظرات طريفة وإشارات لطيفة، بأسلوب شيق، بقلم المؤلف ابن "رشيق" تناول فيها عدة أشياء... مثال ذلك ما نجده في باب :"عمل الشعر وشحذ القريحة له".
يقول ابن رشيق :
" وقال الأصمعي : ما استدعى شارد الشعر بمثل الماء الجاري، والشرف العالي، والمكان الخالي، يعني الروض... وحدثني بعض أصحابنا من أهل "المهدية": بموضع يعرف (بالكدية) هو أشرفها أرضا، وأطيبها هواء، قال : جئت هذا الموضع مرة، فإذا عبد الكريم على سطح برج هنالك قد كشف الدنيا... فقلت : أبا محمد... قال : نعم. قلت : ما تصنع هنا...؟ قال : ألقح خاطري...وأجلو خاطري... قلت : هل نتج ذلك شيء؟ قال : ما تقر به عيني وعينك إن شاء الله سبحانه... وأنشدني شعرا يدخل مسام الجلد رقة، قلت : أهذا اختيار منك اخترعته؟ قال : بل برأي الأصمعي..."
ومعلوم أنه يقصد بعبد الكريم ...أستاذه عبد الكريم النهشلي المؤلف المعروف صاحب كتاب "الممتع".
وقد نقل عنه ابن رشيق نقولا كثيرة وذكره مرات متعددة، وفي مناسبات متعددة...
وابن رشيق شاعر معروف غزير الإنتاج، فلم يشأ أن يؤلف "العمدة في محاسن الشعر وآدابه" من دون أن يودع بها بعض قصائده ومقطعاته.
فنجده يذكر قصيدته الشهيرة المحفوظة التي يقول في أولها :
الشعر شيء حسن
ليس به من حرج
أقل ما فيه ذهاب
الهم عن قلب الشجي
يحكم في لطافة
حل عقود الحجج
ويقول في آخرها :
فعلموا أولادكم
عقار طيب المهج
كما يذكر القصيدة التي يصف بها الزرافة، وقد جاء فيها :
وتمد في الهواء جيدا يزينها
فكأنه تحت اللواء لواء
وغني عن البيان والإيضاح، أن لأبي علي ابن رشيق خارج كتابه "العمدة" أشعارا كثيرة... حتى جمع له منها ديوان شهير ...
كما أن له أشعارا كثيرة موزعة في عدة كتب : شرقية، وأندلسية، ومغربية.
وقد كان مع منافسه وخصمه الملازم : ابن "شرف" من شعراء بلاط المعز بن باديس...
وقد جمعتهما الغربة في صقلية، وكان "ابن شرف" يريد النزوح مع ابن "رشيق" إلى الأندلس ولكن ابن رشيق قال :
مما يزهدني في أرض أندلس
ألقاب مقتدر بها ومعتضد
ألقاب سلطنة من غير مملكة
كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد
فأجابه ابن شرف :
إن ترمك الغربة في معشر
قد جبل الطبع على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهم
وأرضهم ما دمت في أرضهم
والاستشهاد ببيتي ابن رشيق.. وابن شرف.. شهير ...
والأبواب الأولى من "العمدة" لها في النقد وتاريخ الشعر العربي... وتسجيل ما رواه الرواة، من شعر الخلفاء الراشدين، وأعلام الفقهاء، والتابعين قيمة توثيقية من جهة.. وأدبية ذوقية من جهة أخرى...
وكل ذلك ينسجم مع "مذهبية ابن رشيق" في الفن الشعري... وتفضيله شكلا وموضوعا على فنون النثر...
والثقافة الأدبية والشعرية بالخصوص يحشد لها ابن رشيق كمية وافرة من الأخبار والآثار والمناقشات، وأسماء الشعراء والنقاد، ابتداء من العصر الجاهلي إلى العصر العباسي، مع إشارات إلى مواطن القوة والضعف، والابتكار والتقليد عند الشعراء، والاقتباسات والسرقات الشعرية.
ولا ينسى ابن رشيق بعض أدعياء الأدب من معاصريه، ممن يريدون أن يذكروا في قائمة الشعراء المجيدين.. وما هم – في رأي ابن رشيق – إلا مثل الحشرات التي تريد أن تصبح ثعابين...
ولقد أشار إليهم ابن رشيق من غير أن يذكر أسماؤهم، وفوق إليهم سهام النقد، متبرئا من المزاعم التي زعموها، والادعاءات التي رددوها..
ومن جملتها أن ابن رشيق يفضل أعلام الشعر السابقين... ويهمل اللاحقين المعاصرين.. وحجة ابن الرشيق التي يرددها أن للشعر مجالات وقواعد، وللمعاني والألفاظ خصائص ومميزات تعلن عن إجادة المجيد، وإحسان المحسن، وإصابة المصيب، طبقا لقواعد البيان والنقد...
كما أنها في نفس الوقت تفضح الأدعياء والهجناء ممن جهلوا القواعد، وخانتهم المواهب :
من تحلى بغير ما هو فيه
فضح الامتحان ما يدعيه
وابن رشيق بعد هذا وذلك متحدث بارع ومحلل لبق، وأديب ذكي، يؤنس وحشتك، ويمتع نظرك، وسمعك، ويجعلك تنظر إلى منهاجه نظرة تقديم واهتمام واستفادة.
والحديث عنه وعن "العمدة" متسع، ولكننا هنا في مقام الإشارات..
33 – تطور مدلول "الثقافة" في عصرنا :
حظي هذا اللفظ بانتشار كبير، واهتمام لا مزيد عليه في اللغات الحية، فهو "الثقافة" في لغتنا... وهو (culture) في الفرنسية...
لكن الشيء الذي يثير الانتباه هو هذا "المضمون" الذي أخذ يتسع حول ما ينور العقول .. ويهذب الأذواق... ويربي ملكة الحكم على الأشياء المادية والمعنوية، عند الأفراد والجماعات الإنسانية... في كل بقعة من هذا العالم...
وعملية الاتساع هذه نجدها قد وصلت إلى الفنون، وبعض العلوم، وإلى أخلاق وممارسات، وإلى نماذج من التفكير والتعبير، تنتقل ويأخذها مجتمع عن مجتمع...
والوسائل المتعددة في هذا العصر تمكنت فعلا من توسيع مضمون الثقافة لأدنى مناسبة.. أو ملابسة...
والطريف في الأمر أننا صرنا نسمع أصواتا هنا وهناك، تدعو إلى الحذر والتيقظ علميا وفكريا وحضاريا.. ليلا يتسع مضمون "الثقافة" أكثر من اللازم، فتمتص المعرفة البشرية المتنوعة..
34 – فاشودة :
الحادثة الدبلوماسية بين فرنسا وبريطانيا التي كادت تشعل نار حرب بين الدولتين، وذلك أن حملة فرنسية بقيادة الكابتان "مارشان" تشتمل على جنود سنغاليين وفرنسيين خرجت من إفريقيا الغربية قاصدة منطقة أعالي النيل في السودان، وتحملت مشاق جسيمة في طريقها طيلة سنتين إلى أن وصلت إلى بلدة (فاشودة) وهي بلدة صغيرة على النيل تسمى الآن (كودق) ورفعت العلم الفرنسي هناك، وكان ذلك في 15 يوليوز 1868م.
وكان الهدف السياسي من هذه الحملة هو محاولة التسرب إلى شرقي إفريقيا، ومزاحمة النفوذ البريطاني هناك، وجر ابريطانيا إلى فتح ملف القضية المصرية من أجل الجلاء عن مصر..
ولكن ابريطانيا نجحت في تطويق الحملة وإفساد الخطة الفرنسية، وإقناع ساسة باريس بجلاء الحملة الفرنسية على "فاشودة" بعد إنزال العلم الفرنسي، ونصب العلم المصري.
وكان لهذه الحادثة طنين ورنين في السياسة الدولية، وكتبت حولها عدة تعاليق، ومنها تلك التعليقات التي كتبها "لورد عراي" في مذكراته السياسية الشهيرة.
35 – الألمعي والألمعية:
لا أدري كيف ارتسمت صورة "الألمعي" في ذهني بعدما حفظت هذا البيت الشعري منذ سنوات الدراسة الأولى :
الألمعي الذي يظن لك الظن
كأن من رأى وقد سمعا
فصورة هذا الإنسان المثالي ارتسمت في ذهني.. كما ارتسمت صفته التي هي :"الألمعية" المنسوبة إليه... لأن الشعر ذكر الألمعي.. وفسر مدلول الكلمة حيث قال :
" يظن لك الظن كأن قد رأى وقد سمعا.."
فهذا إنسان ذكي، ذو فراسة صادقة.. يفهم الأشياء من مقدماتها.. ويحكم بتجربته وممارسته على الوقائع من معرفة ملابساتها وظروفها..
وصاحب هذا البيت شاعر جاهلي جوال حكيم، وهو أوس بن حجر التميمي، له ديوان شهير مطبوع... انعكست تجارته على قصائده ومقطعاته.
ويقول الرواة : إن الشاعر زهير  بن أبي سلمى كان ربيبه، لأنه تزوج أمه، ومنه تعلم الرصانة والحكمة في شعره..
وقد سئل الأصمعي عن معنى كلمة "الألمعي" فأنشد بيت أوس بن حجر، ولم يزد على ذلك شيئا، لأن الوصف الذي وصف الشاعر به "الألمعي" كاف في بيان المعنى المراد..
وجاء في صحيح البخاري في كتاب "فضائل الصحابة".. باب مناقب عمر :
"... لم تكن أمة إلا كان فيها محدث، فإن يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر.. قيل : وما المحدث..؟ قال : الذي يرى الرأي... ويظن الظن.. فيكون كما رأى.. وكما ظن.."
36 - رحم الله الحسن يا شوهاء :
يوم زلزلت الأرض بأكادير منذ أكثر من ثلاثين سنة نظم الشاعر المغربي الراحل : إدريس الجايي قصيدة رائعة سماها :"لوحة الرعب" جاء فيها :
رب ثكلى مضت تهرول عجلى
سلب الذعر عقلها والبلاء
فتعالى عويلها ثم بحت
فإذا الصوت ضحيكة بلهاء
وعروس زفت إلى الموت والفستان
كفن ودمها الحناء
وأب ينكت الحصا جاحظ العينين
تاهت أفكاره السوداء
وشهيد تحت الثرى وشريد
أعثرته الأنقاض والأشلاء
ويد كالعرجون أنبته الصخر
ومدت عسى يراها الفضاء
ورؤوس مجندلات وأخرى
قد لوتها الضلوع والأمعاء
يالهول المصاب في أكدير
رحم الله الحسن يا شوهاء

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here