islamaumaroc

علم الكلام بين الأصالة وموضوعية المواقف

  محمد محمد بنيعيش

العدد 313 ربيع 1-ربيع2 1416/ غشت-شتنبر 1995

تمهيد :
ما من أمة لكي تصون أصالتها وخصوصيتها إلا وتستعمل وسائلها القصوى للدفاع عن مقوماتها ومكتسباتها الروحية والفكرية، أو الحضارية بصفة عامة.
وعلم الكلام عند المسلمين يعد من أهم العلوم الأصيلة النشأة والمنبت الذي وقف في وجه التشويش الإلحادي والزندقي، وما إلى ذلك من مظاهر الانحراف العقائدي والنظري، أو "الإيديولوجي" بلغة العصر.
ورغم ما أداه هذا العلم من وظيفة غاية في الفعالية والدقة والصرامة العلمية من أجل حماية الثغور الإيمانية والروحية للمسلمين، فإنه بقي في نظر الكثير من المثقفين المسلمين في الماضي والحاضر متأرجحا بين القبول والرفض، وبين التقدير والتحذير، كما أنه تعرض في بعض الأحيان إلى محاولة سلبه حظه في الأصالة من حيث منبته وبنيته الذاتية.
وأمام هذا التموج التقييمي لعلم الكلام وفعاليته وأبعاده، كان لزاما في عصرنا توضيح واقع هذا العلم على حقيقته، وبالتالي، النظر في مد إمكانية  اعتماده  في عصرنا الحالي منهجا ومضمونا، حتى نكون من المستفيدين الموضوعيين بوعي من التراث الإسلامي الخالد، استفادة تمكننا من تطوير أفكارنا، وتزويدها بالثمين من المعارف التي لا تبلى، ومسايرة ركب عصرنا دون استلابه أو انتهابه، بل بإدراك سليم واسع الآفاق، وثقة وتحليل موضوعي لفعالية العلوم الإسلامية في الماضي، وإمكانية توظيفها على نفس المستوى في الحاضر بحسب الطلب والضرورة، وبحسب الظرف والوعورة.

أولا : مصطلح علم الكلام بين أصولية المنبت ودعوى الترجمة :
لم يستطع المؤرخون لعلم الكلام أن يتفقوا كليا وقطعيا على سبب تسميته بهذا المصطلح، وإنما بقيت الإحالات حول سبب هذا الإسم مجرد احتمالات وفرضيات، كما نجد مثلا عن الشهربستاني في كتابه "الملل والنحل" يعلل سبب ظهور هذا الإسم  بقوله :
"ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتبا للفلاسفة حين فسرت أيام المأمون، فخلطت مناهجها بمناهج الكلام وأفردتها فنا من فنون العلم، وسمتها باسم الكلام، إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها وتقاتلوا عليها هي مسألة الكلام، فسمي النوع باسمها، إما لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنا من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان". (1)
وهذا النص فيه إيماءة إلى الأوضاع الثقافية والسياسية التي واكبت ظهور اسم "علم الكلام" وخاصة بعد الاستيراد المعرفي الرسمي، الذي تمثل في إصدار المأمون أمره بتفسير الكتب الفلسفية اليونانية، وهو ما أدى بالمعتزلة المتصدرين لهذه الحملة في شخص المأمون نفسه إلى خلط مناهج الفلاسفة بمناهج الكلام، وهذا يعني حسب النص أن "علم الكلام" كان قبل ورود المناهج الفلسفية مما يعني أصالة علم الكلام عند المسلمين مادة وموضوعا، وأن المناهج الأجنبية المستوردة لم تكن سوى أدوات إضافية حسب ما يقتضيه الجدل ومتطلباته.
كما أن النص يحتوي إشارة صريحة إلى تلك المحنة التي وقعت أيام المأمون ومن تابعه، وهي محنة القول بخلق القرآن، وما تفرع عنها من النقاش الذي دار بين المعتزلة والحنابلة بصورة خاصة، وبين الفريقين معا والأشاعرة من جهة أخرى، وخصوصا حول مسألة كلام الله.
والاحتمالان الواردان في النص كلامها يؤكد أصالة "علم الكلام" عند المسلمين، فسواء أكانت المسألة مترتبة عن الجدل حول خلق القرآن، أو كانت ناتجة عن مقابلة المنطق اليوناني بالكلام الإسلامي كوسيلة لمناهضة الفكر اللاهوتي اليوناني، والدفاع عن العقيدة الإسلامية، انطلاقا من أصولها الثابتة في الكتاب والسنة النبوية.
ونص الشهرستاني صريح في إحالة سبب التسمية بالقول بالمقابلة وليس بالاستراق أو الاقتباس. وهذا يعني الاجتهاد في إحداث وسيلة للمقاومة والجدل تكون مناسبة لنوع سلاح الخصوم في مده وجزره، وتحقيقاته وإيهاماته تلازما وسبرا وتقسيما وخلفا.
فلبرما قد أدخل المعتزلة بعض قضايا المنطق اليوناني في مجادلاتهم الكلامية، وقعدوا بعض المناهج لهذا الغرض، كما يقول الشهرستاني في هذا النص :
" وكان بين المعتزلة والسلف في كل زمان اختلافات في الصفات، وكان السلف يناظرونهم عليها لا على قانون كلامي، بل على قول إقناعي، ويسمون الصفاتية، فمن مثبت صفات الباري تعالى معاني قائمة بذاته، ومن مشبه بصفاته بصفات الخلق، وكلهم يتعلقون بظواهر الكتاب والسنة، ويناضلون المعتزلة في قدم الكلام على قول ظاهري". (2)
ولكن رغم تفوق المعتزلة الجدلي على غيرهم آنذاك، فلا يوجد دليل قاطع على أن تفوقهم كان بسبب الأدوات النطقية اليونانية، بل القول الموضعي هو أن المعتزلة اكتسبوا خبرة جدلية، ومناهجهم الرئيسية في الجدل الكلامي من خلال تجاربهم ومناظراتهم الحامية، التي كانوا يعقدونها مع الفرق الإسلامية الأخرى. وقد كان ذلك قبل عهد المأمون بكثير، وقبل استيراد العلوم اليونانية رسميا إلى الساحة الثقافية الإسلامية.
إن ملابسة شرح الفلسفة لظهور اسم لكلام كما ذكر الشهرستاني ربما حذا بالبعض إلى الزعم بأن الكلام في اللغة العربية يقابل "اللوغوس" في اليونانية و"ملتا "في السريانية، وأن علم الكلام نقل ترجمة للتعبير اليوناني أو السرياني الذي يخص قضايا اللاهوت اليوناني أو النصراني تشبه بعض قضايا علم الكلام في الإسلام.
وهذا الزعم لا مستند له علميا ولا تاريخيا، وذلك لخصوصية المضامين المعرفية العقائدية التي تضمنها هذا العلم، وأصوليتها المقتبسة مباشرة من القرآن والحديث النبوي.
كما أن الاتفاق في بعض المعارف والمصطلحات التي تواضعت عليها بعض الأمم بنفسها يدخل في إطار وقوع الحافر على الحافر، ولا يعتبر ذريعة للقول بالاقتباس أو الاستراق إلا إذا كان هناك دليل واضح على ذلك، وهذا الدليل لم يثبت لدينا بخصوص سبب التسمية بعلم الكلام، الأمر الذي جعل  جهابذة المؤرخين يختلفون في تحديد السبب الرئيسي وراء هذا الإسم.
كما نرى أن ابن خلدون بدوره كمؤرخ متخصص وموضوعي يقع فيما وقع فيه الشهرستاني قبله في الحيرة فيقول :
"وسموا مجموعة "علم الكلام" إما لما فيه من المناظرة على البدع، وهي كلام صرف، وليست براجعة إلى علم، وإما لأن سبب وضعه والخوض فيه هو تنازعهم في إثبات "الكلام النفسي"، (3) وهكذا بقيت المسألة مترددة بين إما وإما.
ولكن الغالب على ميل أصحاب تلك الإحالات هو اعتبار تلك المحن المتعلقة بموضوع خلق القرآن التي أثارها (الجعد بن درهم) ثم دافع عنها بصفة رسمية المعتزلة، واعترض عليها الحنابلة وعلى  رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، وبعدهم الأشاعرة الذين قالوا بالكلام النفسي، مما أسفر عن هذه التعارضات اجتهادات واستصدار آراء عقائدية متشعبة في الموضوع أعطت بعدا أوسع وتعقديات متراكبة.
وعلى كل حال، فعلم الكلام كفرع لعلم التوحيد قد نبع من داخل الأمة الإسلامية، وارتكز في مباحثه على أصول إسلامية عقائدية منحصرة في القرآن الكريم والسنة النبوية، ولم يكن للمؤثرات الخارجية كالمنطق اليوناني مثلا من دور في تطوير مناهجه (لا معارفه) إلا من باب استخدامه كآلة مساعدة للدفاع عن العقائد الإيمانية بالأدلة والحجج العقلية.
ثانيا : المعطيات التاريخية لتأكيد الآصال الكلامية :
فالجدل الكلامي عرف عند المسلمين قبل اطلاعهم على الفلسفة الإغريقية أو غيرها، وقد عرف حدته بعد "معركة صفين" بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان (سنة 36 هـ 357 م)، كما يؤكد المؤرخون، هذا الجدل كان في أغلب صوره ذا طابع فقهي أكثر منه عقائديا، ذلك لأنه تمحور حول مرتكب الكبيرة ووقعه من الإيمان، وحول مقولة "لا حكم إلا لله" ومفهوم البيعة الشرعية وأبعادها... إلخ.
لكن هذه المواضيع لم تكن لتظهر عل صورة تمذهب يأخذ طابعا رسميا، وإنما كان ذا خلفية مذهبية طارئة مدرسيا وتناقلية يلهج بها كل من مال إلى هذا الشخص أو ذاك كمناصر ومؤازر طائفي وسياسي، وقد تحكمت في صياغة تلك المواضيع الإسقاطات أو العفوية في اختيار النصوص المناسبة لمنازعة الخصم كيفما اتفق، كما فعل الخوارج ضد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، والذي تفطن لهذه الإسقاطات وأخطارها، فكانت قولته الشهيرة "كلمة حق أريد بها باطل".
وفي عهد الأمويين وبعدما انتقل النظام السياسي إلى يد معاوية وخلفه، وبعدما ظهرت الفرق المتعارضة في مواقفها الفقهية أو السياسية على وجه الدقة من شيعة وخوارج ومرجئة ومعتزلة فيما بعد أخذ الجدل العقائدي يتحول إلى فن خاص، ومناقشات منهجية معقدة، تأخذ صورة التمذهب الفردي الاستقطابي، إذ سيبرز ( الجعد بن درهم) الذي كما يقول ابن نباتة :
كان "أول من تكلم بخلق القرآن أمة محمد بدمشق، ثم طلب فهرب، ثم نزل الكوفة فتعلم منه (الجهم بن صفوان) القول الذي نسب إلى الجهمية". (4)
ويقول ابن تيمية :
"أصل فشو البدع بعد القرون الثلاثة، وإن كان أصلها في عصر التابعين، وأول من حفظ عنهم مقالة التعطيل في الإسلام هو (الجعد بن درهم) وأخذ عنه (الجهم بن صفوان) فنسب إليه". (5)
وهذه المسائل المثارة في هذا العصر لم تكن تمثل اختلافات فرعية، وإنما كانت اختلافات أصولية، كما يقول الشهرستاني :
" وأما الاختلافات في الأصول، فحدثت في آخر أيام الصحابة بدعة معبد الجهمي، وغيلان الدمشقي، ويونس الأسواري في القول بالقدر، وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر، ونسج على منوالهم واصل بن عطاء الغزال، وكان تلميذ الحسن البصري، وتلمذ له عمرو بن عبيد، وزاد عليه في مسائل القدر، وكان عمرو من دعاة يزيد الناقص أيام بني أمية، ثم والى المنصور، وقال بإمامته، ومدحه المنصور يوما فقال :"نثرت الحب للناس فلقطوا غير عمرو". (6) مع العلم أن الأشخاص المذكورين في النص السابق يخالفون الاتجاه الذي سلكه الأشخاص الذين ذكرهم الشهرستاني في هذا النص رغم أنهم يسمون جميعهم قدرية، إذ الأولون يثبتون القدر ويقولون بالجبر المطلق، بينما الآخرون يقولون بالحرية، وعدم خضوع فعل الإنسان لتوجيه القدر".
وهذه اختلافات أصولية واضحة مما سيكون سببا في دفع أهل السنة للرد عليهم، إذ يحكي أنه لما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة سنة 99 هـ استدعى (غيلان الدمشقي) واستتبه من القول بذلك كله.. وأظهر (غيلان) التوبة. وهكذا خاض عمر بن عبد العزيز معركة الكلام التي كانت رحاها دائرة يومذاك، فكان أول متكلمي أهل السنة – حسب رأي بعض المؤرخين- وله رسالة بليغة في الرد على القدرية".(7)
ورغم تجند أهل السنة للرد على المبتدعة والملاحدة وغيرهم، فإن "علم الكلام" لم يأخذ طابعه كعلم متخصص إلا في عهد العباسيين، كما سبقت الإشارة إليه ولقد كانت المجادلات الكلامية تحدث في أغلب الأحيان بين أهل السنة والمعتزلة، فيما يتعلق بمسألة الصفات التي كانت تتأرجح بين النفي والإثبات، وهي اختلافات في الصياغة أكثر منها اختلافات في الاعتقاد، إذ الكل كان يثبت لله الصفات التي أثبتها لنفسه في كتابه العزيز، لكنهم اختلفوا في تصور الصفات وتحديد تعلقها بالذات، ولم تصدر المخالفة العقيدية إلا من بعض الحشوية الذين تطفلوا على الميدان، فشبهوا الخالق بالمخلوقات، أو من بعض المتطرفين النظريين، الذين عطلوا الصفات عن تعلقها بالذات.
وأمام هذه الاختلافات المتأرجحة بين الإفراط والتفريط، نشأ – كرد فعل معتدل – مذهب أبي الحسن الأشعري (295 هـ)، الذي كان من جهة تمذهبه العقائدي في الماضي معتزليا، ومن جهة تمذهبه الفقهي حنبليا، "فتوسط بين الطرق، ونفى التشبيه، وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف، وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه، فأثبت الصفات الأربع المعنوية والسمع والبصر والكلام القائم بالنفي بطريق النقل والعقل، ورد على المبتدعة في ذلك كله، وتكلم معهم فيما مهدوه لهذه البدع من القول بالصلاح والصلح والتحسين والتقبيح، وكمل العقائد في البعثة، وأحوال الجنة والنار والثواب والعقاب، وألحق بذلك الكلام في الإمامة".(8)
هذا التحول والتطور المنهجي الذي عرفه "علم الكلام" على يد (أبي الحسن الأشعري)، سيعرف استقطابا جماهيريا مهما جدا، وسيجد أهل السنة – باستثناء بعض متشددي الحنابلة – متنفسهم في المنهج الذي اختاره أبي الحسن الأشعري، وسيقتفي طريقته من بعده تلامذته : كابن مجاهد وغيره، وأخذ عنهم أبو بكر الباقلاني، إذ سيضع المقدمات العقلية والقواعد المعرفية، التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار، وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد، والخلاء، وأن العرض لا يقام بالعرض... إلخ، وجعل هذه المقدمات من المسائل الواجب اعتقادها اعتمادا على قاعدة "بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول".
بعد ذلك، جاء إمام الحرمين "أبو المعالي الجويني"، فأملى كتابه "الشامل" في علم العقائد، ثم لخصه في كتاب "الإرشاد"، وعنذئذ دخل المنطق بصفة رسمية في مناهج المتكلمين بعدما أزالوا منه شوائب الفلسفة اليونانية، واعتبروه مجرد قانون ومعيار يسبر به الأدلة كباقي المعايير التي كانوا يستعملونها عند الاقتضاء. ومن هنا خالفوا قول الباقلاني الحاصر للقواعد المعرفية المتأرجحة بين البديهيات والمسلمات، مما يقوض مبدأ "بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول"، وبالتالي انفتح المجال بتعميق المباحث، وتطوير المناهج بحسب المطالب والمعارج، فكانت هذه الطريقة هي ما يعرف بطريقة المتقدمين، وقد تميزت بالرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه من العقائد الإيمانية، وجعلوهم من خصوم العقائد لتناسب الكثير من المذاهب المبتدعة ومذاهبهم، فكان أهم من كتب في طريقة الكلام على هذا الوجه أبو حامد الغزالي من خلال كتاب "الاقتصاد في الاعتقاد" وغيره، فتبعه الإمام الخطيب، وجماعة قفوا أثرهم واعتمدوا تقليدهم، وخاصة ما سلكه الإمام فخر الدين الرازي في كتابه :" المطالب العالية من العلم الإلهي"، وهو الكتاب الذي يمثل "علم الكلام" في أوج تطوره، وتشعب مواضيعه ودقتها.
ثم توغل المتأخرون – على حد تعبير ابن خلدون – من بعدهم في مخالطة كتب الفلسفة، مما أفقد علم الكلام استقلاليته، بل طابعه الأصولي الواضح في توجهه وغاياته.
ولهذا نجد ابن خلدون سيصرح بقوله :" وأما محاذاة طريقة السلف بعقائد علم الكلام، فإنما هو للطريقة القديمة للمتكلمين، وأصلها كتاب "الإرشاد" وما حذا حذوه، ومن أراد إدخال الرد على الفلاسفة في عقائدهم، فعليه بكتب الغزالي والإمام ابن الخطيب، وإن وقع فيها مخالفة الاصطلاح القديم، فليس فيها من الاختلاط في المسائل والالتباس في الموضوع ما في طريقة هؤلاء المتأخرين من بعدهم". (9)
ثالثا : علم الكلام بين الاعتبارات الذاتية والموضوعية في التراث الإسلامي :
إن هذا الاتجاه الذي سلكه الغزالي ومن تبعه بخصوص الرد على الفلاسفة عن طريق توظيف المناهج الفلسفية في علم الكلام كوسيلة وأداة للمناظرة، ومقارعة الخصم بنوع سلاحه، لم يكن ليروق ابن تيمية ومن سار في دربه ممن لا يستوعبون قيمة علم الكلام، ودوره الحضاري وأبعاده العقائدية والاجتماعية، مع العلم أن ابن تيمية قذ وظف المناهج الكلامية بحذافيرها، وامتصها امتصاصا في مجادلاته، بل استعمل الأساليب المنطقية في زعمه رفض المنطق، وبالتالي أعلن الحرب على المتكلمين وعلى الفلاسفة في جبهة واحدة وإسقاط واضح، كما نجده في هذا النص يقول :
" لكن المعلوم من حيث الجملة أن الفلاسفة والمتكلمين من أعظم بني آدم حشوا وقوة للباطل، وتكذيبا للحق في مسائلهم، ودلائلهم لا يكاد – والله أعلم – تخلو لهم مسألة واحدة عن ذلك". (10)
وهذا النقد الموجه إلى المتكلمة عموما ومقارنتهم بالفلاسفة لم يكن نقدا مجردا من انفعال، وذلك لأنه جاء في معرض المقارنة بين أهل الحديث وأهل الكلام، واتهام هؤلاء الأخيرين الأولين في بعض الأحيان بالحشو، وغيبة النظرة التحليلية للنصوص، وتدبرها التدبر السليم، ما جعل بعضهم يقع في التشبيع العقيدي، وخاصة لدى بعض الحنابلة السطحيين بل فئة عريضة منهم ما زالوا لحد الآن يعانون من الجمود الفكري، والتقحل الذهني في تفسيرهم للنصوص الدينية، وإصدار الفتاوى العشوائية المدمرة للأمة رغم ادعائهم السلفية والأصولية، وما إلى ذلك من المصطلحات التي قال عن مثلها علي بن أبي طالب رضي الله عنه :" كلمة حق أريد بها باطل". ولغاية أن وصل الجمود ببعضهم – حينما دخلت سيارة تسير بالوقود أول مرة إلى مدينتهم – فأفتوا فيها "بأنها رجس من عمل الشيطان".
وعند هذا الاعتراض البسيط والسريع يتأسس بالضرورة الاعتراض المركب من عناصر ومقدمات نجمع بين موقف الماضي والحاضر، وبين مظاهر الفعالية والتواكلية في الفكر الإسلامي، وبين مسببات النهضة والتخلف، وصلة كل ذلك بعلم الكلام... إلخ.
ففيما يتعلق بموقف الماضي من علم الكلام، فإن الأمة تكاد تجمع على ضرورة هذا العلم في زمانه، وأنه كان وسيلة دفاعية راقية توظف العقل بكل قواه وتعمقاته لتفسير العقيدة الإسلامية، ودحض شبهات الملحدين والمتشككين والزنادقة، إذا كما يقول الشيخ محمد عبده :" والذي علينا اعتقاده أن الدين الإسلامي دين توحيد في العقائد لا تفريق في القواعد، العقل من أشد أعوانه، والنقل من أقوى أركانه، وما وراء ذلك فنزعات شياطين، أو شهوات سلاطين، والقرآن شاهد على كل بعمله، قاض عليه في صوابه وخطله". (11)
والمتكلمون في الحقيقة لم يزيدوا على غير هذا التصوير، بحيث أنهم اعتقدوا ثم استدلوا، وذلك لهدف ميعن وموضوعي ألا وهو حماية عقائد المسلمين من التشويش والتشكيك، كما يقول أبو حامد الغزالي :"ثم إني ابتدأت بعلم الكلام فحصلته وعقلته، وطالعت كتب المحققين منهم وصنفت فيه ما أردت أن أصنف، فصادفته علما وافيا بمقصوده، غير واف بمقصودي، وإنما مقصودة حفظ عقيدة أهل السنة، وحراستها عن تشويش أهل البدعة". (12)
إذن، فعلم الكلام ضروري وهادف، ووظيفته تقف عند حد ضرورته، وبذلك يبقى سلاحا يوظف ويطور بحسب الغزو المعلن ضد المسلمين، وبحسب الأسلحة والسموم الموجهة إلى عواصمهم القلبية مركز العقيدة والإيمان.
ولهذا السبب يكسب "علم الكلام" استمراريته وضرورة حضوره كوسيلة دفاعية وتعميقية طالما أنه يوجد معارض ومشكك للمسلمين في عقائدهم، سواء كان هذا المشكك وسوسة نفس، أو وسوسة إنسان وشيطان، وطالما أن المنظور فيه هو الله تعالى مطلوب قديم وباق لا يفنى، إذ هو أصل الوجود  و"هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير".
ومن خلال هذه الأبعاد والغايات وجد أبو حامد الغزالي وغيره من الأشاعرة والمتكلمين المتأخرين بصفة خاصة المبرر لإدخال المسائل الفلسفية في الدراسات الكلامية دون تحرج، كما يصرح بذلك الغزالي نفسه قائلا :
"الإلهيات : وهو بحث في ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته، وهو داخل في الكلام أيضا، والفلاسفة انفردوا فيها بنمط آخر من العلم، بل انفردوا بمذاهب بعضها كفر وبعضها بدعة، كما أن الاعتزال ليس علما برأسه، بل أصحابه طائفة من المتكلمين وأهل البحث والنظر انفردوا بمذاهب باطلة، فكذلك الفلاسفة". (13) ويقول أيضا في المنطق بأنه :" بحث في وجه الدليل وشروطه، وهما داخلان في علم الكلام".
فإذا كان "علم الكلام" له هذا الدور المفيد جدا للأمة الإسلامية، فمتى يصير ذا نتائج سلبية وعكس ما كان متوخى منه؟
مبدئيا يمنع العامة غير المتخصصين في الخوض في علم الكلام  وتعقيداته، ومن هنا كان الجواب صريحا وواضحا عند الغزالي من خلال كتابه:" إلجام العوام عن علم الكلام"، الذي فصل فيه الإجراءات الكلامية للحيلولة دون خوض العامة في علم الكلام، وهذه الإجراءات نفسها تدخل في إطار منهج علم الكلام للحيلولة دون التشويش والتشكك في عقائدهم، وسبب هذا المنع يحدده أيضا "محيي الدين بن عربي" بقوله :
"ثم نرجع إلى السبب الذي لأجله منعنا التأهب لتجلي الحق إلى قلبه من النظر في صحة العقائد من جهة علم الكلام، فمن ذلك أن العوام بلا خلاف من كل متشرع صحيح العقل، عقائدهم سليمة، وأنهم مسلمون، مع أنهم لم يطالعوا شيئا من علم الكلام، ولا عرفوا مذاهب الخصوم، بل أبقاهم الله تعالى على صفة الفطرة، وهو العلم بوجود الله تعالى، بتلقين، الوالد المتشرع أو المربي، وأنهم من معرفة الحق سبحانه وتنزيهه على حكم المعرفة، والتنزيه الوارد في ظاهر القرآن المبين، وهم فيه بحمد الله على صحة وصواب، ما لم يتطرق أحد منهم إلى التأويل، فإن تطرق أحد منهم إلى التأويل خرج عن حكم العامة، والتحق بنصف ما من أصناف أهل النظر والتأويل، وهو على حسب تأويله، وعليه يلقى الله تعالى، فإما مصيب وإما مخطئ، بالنظر إلى ما يناقض ظاهر ما جاء في الشرع، فالعامة بحمد الله سليمة عقائدهم، لأنهم تلقوها، كما ذكرنا، من ظاهر الكتاب العزيز التلقي الذي يجب القطع فيه".(14)
وهذه المواقف كما نرى صادرة من علماء صوفية بالدرجة الأولى، وهو ما يعني أن الصوفية بدورهم قد أوغلوا في علم الكلام، واطلعوا على أبحاثه، بل أبدعوا في مناهجه، واعتبروه علما ضروريا ومطلبا مهما للاستدلال والبرهنة.
وقد أكد هذا أبو القاسم الجنيد بقوله :" إن أول ما يحتاج إليه العبد من عقد الحكمة معرفة المصنوع صانعه، والمحدث كيف كان إحداثه، فيعرف صفة الخالق من المخلوق، وصفة القديم من المحدث، عندئذ يذل بدعوته، ويعترف بوجوب طاعته، فإن لم يعرف مالكه لم يعترف بالملك لمن استوجبه".
ومع هذه الدعوة إلى النظر والاستدلال، فإن الصوفية باعتبارهم متكلمين يجعلون حدا للمباحث الكلامية، ولا يسمحون لأنفسهم بالاسترسال في الحكم على صفات الله بمجرد الأقيسة العقلية، والظنون الذهنية، والتي لا تجد لها سندا صريحا في الكتاب أو السنة.
ولهذا نجد مثلا أبا الحسن النوري يجيب حينما سئل كيف لا تدركه العقول ولا يعرف إلا بالعقول؟ فقال :" كيف يدرك ذو أمد من لا أمد له، أم كيف يدرك ذو عاهة من لا عاهة له، ولا آفة، أم كيف يكون مكيفا من كيف الكيف، أم كيف يكون محيثا من حيث الحيث فسماه حيثا، وكذلك أول الأول وآخر الآخر، فسماه أولا وآخرا، فلولا أنه أول الأول وآخر الآخر ما عرف ما الأولية وما الآخرية". (15)
إذن، فالصوفية من بعض وجوه مواقفهم متكلمون، وهذا ما ذهب إليه بعض الباحثين المعاصرين من اعتبارهم ضمن الفرق الكلامية، لكنهم كانوا مع ذلك موضوعيين أكثر من غيرهم من الفرق الكلامية، فلم يريدوا أن يدخلوا في متاهات الخلافات والتأويلات المتكلفة التي نهجها المتكلمون الآخرون، سواء كانوا معتزلة أو أشاعرة وغيرهم، وكذلك لم يريدوا أن يجمدوا كما جمد، أو تزمت بعض الحنابلة، وخاصة المتأخرين، منهم حتى وقعوا في تشبيهات تبرأ منها السلف الصالح، ولم يصرح بما صرحوا به تكلفا وتسطحا.
ويكاد يجمع الصوفية على أن الاستدلال العقلي لا يمكن تصديقه إلا في إثبات صفة وجود الله تعالى وصفة وحدانيته، وهما الصفتان المتلازمتان اللتان عنهما يترتب التنزيه المطلق لله تعالى، وعليهما تقاس باقي الصفات، فوجود الله أصل الأصل، ووحدانيته صفة الشمول، إذ تشمل وحدانية وجود الذات والصفات والأفعال.
وفي نظري أن علم الكلام ذي الطابع الاستمراري عبر كل العصور ينبغي أن يقتصر على النظر في هاتين الصفتين، أي صفة الوجود والوحدانية، وما بعد ذلك لا ينبغي سوى التنزيه والتوقف عن الخوض فيما لا طاقة للعقل في فهمه، بل لأن الأمر، إذا تجاوز هذا الحد فسيكون – كما قال ابن خلدون – بمثابة من يرد أن يزن الجبال بميزان الذهب، إذ الميزان صحيح ولكنه غير قادر على حمل أكثر من سعته مما يترتب عنه تكسر الميزان واضطرابه.
إذن، فالمواقف من علم الكلام وضرورته تميزت عند العقلاء وأهل الحق والموضوعية بالاعتدال، ووضع الأمور في مواضعها، أما أن يرفض علم نفيس لمجرد أنه أدخل أدوات أجنبية في استعمالاته كوسائل استثنائية، فهذا ليس من الموضوعية في شيء، بل إنه سعي إلى إحباط وتثبيط العزائم والعقول المتفتحة للنهضة بالأمة الإسلامية بعد كبوتها، وإسهام في تكريس التخلف، وفرض الوصاية غير المستحقة على الفكر الإسلامي وتراثه، مع معارضة كلام الله الداعي إلى النظر والبحث واكتساب المعارف حيثما كان مصدرها، إنسانية كانت أم كونية.
رابعا : مظاهر الإسقاطات المعاصرة في تقييم علم الكلام:
وكمواقف معاصرة، فمما يؤسف له أن بعض المترسمين بالثقافة الإسلامية، ومدعي الحفاظ على الأصالة الإسلامية والسلفية، والتخطيط للنهضة حسب منظورهم الضيق، يتخذون مواقف شاذة وإسقاطية إلى أبعد ما يكون الإسقاط ونتائجه، وذلك حينما يريدون أن يكرسوا تصوراتهم الخاصة بسلبياتها وسطحياتها حول أسباب التدهور الحضاري الذي عرفه المسلمون بعدما كانوا أعظم مؤسس للحضارة بمفهومها \لأخلاقي والعلمي والعمراني...إلخ.
فعندما يحاولون تحديد أسباب هذا التدهور الذي نجر أذياله في عصرنا الحالي، فإنهم يحيلونه بصورة ببغائية إلى عناصر ذات جذور استشراقية في صياغتها، سواء شعروا بذلك أم لم يشعروا، وعلى رأس هذه الأسباب في زعمهم، يطرحون إما موضوع الخلاف الكلامي العام الذي مثلته الفرق الكلامية ذات التوظيف العقلي في الاستدلال العقائدي، وإما الحضور الصوفي ذي التوظيف الروحي المرسخ للاستدلال العقائدي، بالمعنى الذوقي والأخلاقي.
وفي نظري أن هذه التعليلات ليست سوى تعليلات غوغائية، وتدخل في إطار ما اصطلح عليه بتفسيرات "حراشيف السطوح"، أي ذلك نبات الذي لا يظهر إلا على سطوح المنازل المهملة والمتعرضة للبرد بعد غياب الوقاية والحماية.
وكرد سريع عليها، فيما يخص التصوف الإسلامي باعتباره مدرسة روحية وأخلاقية من جهة، وباعتباره فرق كلامية سنية من جهة أخرى ساهمت في تقعيد الأدلة وتحديد آفاقها، فإنه قد عرف أوجه في أواخر القرن الثاني الهجري، ومنذ ذلك الحين، وهو في ظهور مستمر واستقطاب جماهيري منقطع النظير، وموازاة لذلك كانت الحضارة الإسلامية بكل مرافقها العمرانية والاقتصادية، في تصاعد مستمر.
ونظرا لما ترتب عن الثروة والمال والسلطة من البذخ والترف واللهو والغلو، فإن التصوف كان كميزان قوي للمجتمع الإسلامي حتى لا يفقد أصالته، وينجرف مع تيار المادة وزخرف الدنيا، ورغم موازاة التصاعد الصوفي للتصاعد المدني والعمراني في التاريخ الإسلامي، فأنه لم يكن أبدا معيقا لهذا الإزدهار، ولم يكن حجر عثرة أمام التنمية أو الإبداع، بل على العكس من ذلك، وسع الآفاق، وأسس المؤسسات، وأجرى أصحابه التجارب العلمية، الروحية منها والنفسية والمادية على حد سواء، في الزاويا، والمرابط، والخانقاه، وأجريت عل تلك المؤسسات التربوية الأوقاف والعطايا لضمان استمرارية التكوين وضمان فوائده على مستوى المعاملات والأخلاق.
فلم إذن لم يعق التصوف الإسلامي الزحف الحضاري الإسلامي آنذاك، ولم يعرقله كما يزعم البعض؟.
أما فيما يتلق بعلم الكلام بصفته ووظيفته السابق تحديدها، باعتباره صلب الموضوع الذي نحن بصدد دراسته في صورته الشاملة، فأقول :
من المعلوم أن"علم كلام" كما سبق، وعرضنا النص الشهرستاني قد عرف رونقه في عهد الخلفاء العباسيين "هارون والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل"، كما عرف قبل هذه الفترة بكثير، وكان الجدل قائما على أشده، وبالموازاة كانت المدنية عند المسلمين متصاعدة إلى أعلى مستوياتها في شتى مجالاته العمرانية والاقتصادية والفنية والعسكرية والصناعية والفلاحية...إلخ.
فلماذا أيضا لم يعق علم الكلام هذا الزحف الحضاري ولم يؤد به إلى الشلل، كما يزعم مشلولو العصر الحاضر؟
أو ليس الجدل الذي كان في الماضي أضعاف ما هو عليه الآن؟
ألو ليست الفرق الكلامية التي كانت في الماضي أكثر تشعبا وتضاربا بل فرضا للرأي كما فعل المعتزلة أكثر مما هو عليه الحال الآن؟
بلى، إن الماضي كان جدلا علميا مكثفا ومخلصا، وكان ورعا ونسكا وصفاء روحيا شفاف، أما الحاضر فمهاترات وإسقاطات وخلفيات لا علاقة لها بالعلم بتاتا، والسلوكات انحرافات وتلوثات وتمظهرات مزيفة، وذلك لأنها تنكرت لماضيها، وحاربته بأهوائها وإسقاطاتها، فلا ظهرا أبقت ولا أرضا قطعت، وإنما هي أشباح بلا أرواح، وجماجم بلا أدمغة أو عقول.
إن الملاحظ تاريخيا وموضوعيا على التدهور الحضاري عند المسلمين هو عندما تدخل العامة في التوجيه العقائدي، والفرض المذهبي، وخاصة بعد ظهور الاتجاه الحنبلي السطحي المتشدد والذي لا علاقة له بالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلا بالتلقب، وإلا فشتان ما بين الإمام أحمد بن حنبل ومذهبه وبين من يدعون الانتساب إليه، مع العلم أنه كان ذا صلة وثيقة بعلماء الكلام والصوفية حتى اعتبر متكلما من جهة، وصوفيا من جهة أخرى، بالإضافة إلى تخصصه الفقهي والحديثي.
فكيف يا ترى يقصى علم الكلام جملة من ساحة الثقافة الإسلامية بجرة قلم أو هوى عشوائي، رغم ما قدمه من عطاء فكري إسلامي أصيل ساهم في تحصين الأمة الإسلامية من الغزو الأجنبي، وساهم في الاكتشاف العلمي الرصين نظريا وتجريبيا، تشهد له الكتب التي لا تحصى من مؤلفات علماء الكلام، سواء كانوا معتزلة أو أشاعرة، أو ماتريدية أو ظاهرية، أو صوفية، أو حتى حنبلية معارضة.
فالمتكلمون خاضوا في الحديث في الجوهر وتحدثوا عن النهاية واللانهاية والكمون والتولد، والطفرة، والحركة والسكون، والبصريات والمرئي والرائي واللامرئي، والأبعاد والتراكيب والتحاليل، والإرادة والفعل والانفعال والتفاعل، والقدرة والمعجزة والكرامة وطي المسافات، والزمان والمكان، ودورات الأفلاك، وكروية الأرض، وطبيعة السماء والشمس والكواكب، وطبائع الأشياء، والوجود والعدم، والإمكان الذهني والإمكان الواقعي، والاستحالة العادية، والاستحالة الفعلية، والواجب، والممكن، والمستحيل والعدل، وعلاقة الروح بالجسد، والتذكر والنسيان، وخصوصيات الإنسان...إلخ.
أو ترفض كل هذه المعلومات بدعوى السلفية السطحية، ودعوى الحفاظ على عقيدة التوحيد، مع العلم أنها لا تعارض التوحيد في شيء، بل على العكس من ذلك يستدل بها استدلالا عقليا برهانيا على هذه العقيدة وسموها.
بماذا يعترض على الأشاعرة مثلا حينما قالوا بأن الأجسام متألفة من الجواهر، والجوهر الفرد جزء لا يتجزأ؟
أفلم يكن هذا التركيز والخيار العلمي نجاحا مشعا في تصور الأشاعرة ومنهجهم؟
وها هو العلم الحديث بعد استعمال المجهر، يكتشف أن الكون مكون من ذرات، كل ذرة تستقل بذاتها وخصوصياتها، أفلا يخدم هذا الاكتشاف رأي الأشاعرة عند القول بالجوهر الفرد أو الجزء الذي لا يتجزأ؟
وكرأي مناهض للأشاعرة سواء عند المعتزلة أو ابن حزم الظاهري الذين رأوا لا جزء إلا وهو قابل للتجزؤ إلى ما لا نهاية، فإنه رغم ذلك يبقى خادما لمبدأ رياضي وعقلي واقعي وصوري في آن واحد، وهو إمكانية تصور التجزؤ إلى ما لا نهاية، مهما دق الجسم أو غمض، مما يؤكده مبدأ انشطار الذرة.
ولكن رغم التعارض الموضعي بين الفريقين فكلا المبدأين يبقى صالحا للاستعمال وللتوظيف، فالأول واقعي تؤيده التجارب الحديثة، والآخر عقلي ذهني يحدده مبدأ التجويز العقلي، بل التحصيل الواقعي المعاصر.
فهذا مثل بسيط من ضمن آلاف الأمثلة التي تبين إدعاءات علماء الكلام، سواء على مستوى الاستدلال العقائدي، وأو على مستوى الاكتشاف الكوني في صورته الظاهرية، وحركاته الجرمية.. إلخ.
فهل يا ترى يمكن إقصاء هذا العطاء والإنتاجات الفكرية الرائعة التي استفاد منها غيرنا بمجرد إلقاء الكلام على عواهنه، وبمجرد دعوى السلفية الشكلية لا غير؟
وأي بديل تراثي يمكن أن يعوض في زعم البعض، أو يقيم مقام هذا الاتجاه العلمي المتفتح عند المسلمين؟
إن الاتجاهات الداعية إلى إقصاء هذه العطاءات التراثية بدعوى تبديعها أو تسببها في التدهور الحضاري عند المسلمين، أو مخالفتها لعقيدة السلف ليست سوى تعبير عن جهل بالتراث الإسلامي من جهة، وتقليد أعمى وانشطارية في تقييم وفهم مواقف ماضية ظهرت في عصر التدهور والاختلال السياسي عند المسلمين، حتى أصبح التبديع لكل عمل بديع طابع يطبع بصورة عامة قائمة عريضة من أصحاب هذه الاتجاهات، فلا نهضة حققوا، ولا علوم دققوا، وياليتهم من غفلتهم استفاقوا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


1 – الملل والنحل : الشهرستاني، بهامش الفصل في الملل والنحل : ابن حزم / ج، ص :32.
2 – الشهرستاني : الملل والنحل / ج1 ، ص :36.
3 – ابن خلدون :المقدمة. مكتبة محمد عاطف / ص : 347.
4 – ابن ثباتة، شرح العيون / ص :203.
5 – ابن تسمية: الرسالة الحموية / ص :15.
6 – الشهرستاني الملل والنحل / ج1 ، ص :32.
7 – عمر فروخ، تاريخ الفكر العربي / ص : 152 (نقلا عن الفرق بين الفرق :البغدادي/ ص :220).
8 – ابن خلدون : المقدمة/ ص : 347.
9 – ابن خلدون، المقدمة /ص :348.
10 – ابن تيمية : مجموع فتاوى (4) مفصل الاعتقاد، مكتبة المعارف  - الرباط /ص :28.
11- محمد عبده، رسالة التوحيد/ ص :17.
12 الغزالي، المنقذ من الضلال، مكتبة الجندي/ ص :14.
13 – الغزالي، إحياء علوم الدين / ج1، ص :22.
14 – بن عربي، الفتوحات المكية : دار صادر/ ج1، ص : 34.
15 –السراج الطوسي: اللمع/ ص :58.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here