islamaumaroc

أهمية مصطلحات الفقه الإسلامي وتيسير الاستفادة منها

  قاسم عزيز الوزاني

العدد 313 ربيع 1-ربيع2 1416/ غشت-شتنبر 1995

من الملاحظ أن كل لغة عامة تنشأ إلى جانبها لغة خاصة، تتخذ أشكالا متعددة حسب ميدان تخصصها، فهناك لغة الأطباء، والصيادلة ولغة الفلكيين والمنجمين، ولغة أصحاب الفقه والقانون ... وهي ما يعبر عليها بالمصطلحات...
ويجدر بنا أولا أن نورد تعريفا بالمصطلح ليتميز عن غيره، ثم نتطرق باقتضاب إلى طريقة العناية به في لغتنا، ثم نقدم أنموذجا مشروحا يتعلق بالفقه الإسلامي.

أولا  : التعريف :
وقبل ذلك لا بأس أن نورد كيف تطورت هذه الكلمة عبر التاريخ.
عرفت هذه اللفظة "بالاصطلاح" قديما، ولعل أو من استعملها أبو عثمان الجاحظ المتوفى سنة 255 هـ (1)
وكان معنى "المصطلح" عند غيره أيضا يشرح بما يناسب الاستعمال المتعارف عليه، وقد يقرن بالمعنى اللغوي الأصلي، كما عند الطبري المتوفى سنة 320هـ، حيث عرف "الزكاة" بقوله :
"أما إيتاء الزكاة فهو أداء الصدقات المفروضة، وأصل الزكاة نماء المال وتثميره وزيادته، ومن ذلك قيل : زكا الزرع إذا كثر ما أخرج الله منه، وزكت النفقة إذا كثرت...". (2)
وكان الفقهاء يستعملون كلمة "الشرع" عوض الاصطلاح، في رسالة ابن أبي زيد القيرواني يقول الشارح أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المنوني المتوفي سنة 939 هـ مثلا عن الصلاة :
" وأما الصلاة فالمراد بها في "الشرع" "الركعات والسجدات"، ولم يتعرض لشرح أصلها اللغوي الذي هو الدعاء.
ثم غلب "الاصطلاح" ففي تعليق العدوي المتوفى سنة 1181 هـ على شارح الرسالة قال :"أي في اصطلاح أهل الشرع". (3)
ولعل أول من استعمل هذه الكلمة من الفقهاء بعد الجاحظ النسفي، عمر بن محمد المتوفى سنة 537 هـ، "وهو فقيه حنفي" في كتابه :" طلبة الطلبة في اصطلاحات الفقهاء".
وهناك من يعبر عن "الاصطلاح" "بالحدود" وأول من نعلم أن تطرق لهذه التسمية من الفقهاء هو الباجي، أبو الوليد سليمان بن خلف المتوفى سنة 574 هـ في كتابه "الحدود" ( وهو مرجع عام)، ثم جاء آخرون بعده، منهم ابن عرفة المتوفى سنة 803 في كتابه "الحدود" الذي شرحه الرصاع المسمى "بشرح حدود ابن عرفة" للرصاع.
وقد عرف "الإصطلاح" من القدماء الجرجاني، علي بن محمد الشريف المتوفى سنة 816 هـ فقال :
"الاصطلاح عبارة عن اتفاق قدم على تسمية الشيء باسم ما ينقل عن موضعه الأول". (4)
ثم غلب التعبير بالمصطلح" في هذا العصر.
وطبيعي أن هناك فرق بين "المصطلح" ولغة "المعجم" المتداولة كما مر معنا في لفظ "الزكاة" و"الصلاة"، ولعل أنسب تعريف بهذه المفارقة هو ما عبر عنه (كي روندو) من أنه على العموم يتكون من شقين :
مفهوم notion ويطابق حقيقة الشيء وواقعه.
تسمية dénomination  وهي التي تعبر عن المفهوم لهذا الشيء.
وهو ينتمي إلى مجموعة مفهومية، ويعرف بالنسبة لهذه المجموعة في إطار ميدان علمي أو تقني بعيدا عن اللغة اليومية. (5)
وهذا ما يعني أن بين لغة "المصطلح" ولغة "المعجم" العامة فرقا، إذ هذه في نظر (ميشال لوكرين) تتكون من جانبين :
دال signifiant ، ويعبر عن مجموع حروف الكلمة التي ترمز بها إلى مدلول ما.
مدلول signifié للدلالة على معنى حسي أو معنوي في اللغة.
ويضيف بأنه في إطار المصطلحية، فإن كل مصطلح لا يعبر إلا على واقع الشيء، في حين أن الكلمات في المعجم اللغوي قد تحمل معان تابعة من ثقافة المجتمع وعقائده وعاداته، ويسائل كيف أن كلمتين من لغتين اثنتين ليس لهما نفس المدلول مع أنهما في الاستعمال العادي يصلحان لتعيين الصنف نفسه، ويتضح ذلك في أحد أمثلة ساقها وهي : في إحدى لغات (الطوكو) الكلمة التي تعني الأرنب البري Lièvre تفيد معنى "المحتال" في حين أن في الفرنسية ليس لها هذا المدلول، وسنكون مخطئين إن استنتجنا أن الأرانب البرية الفرنسية أقل مكرا من أخواتها الإفريقية. (6)
ويمكن القول بأن في لغتنا ولغة غيرنا من الأمثلة ما يشبه ذلك : فمفردة "كلب" تفيد أوصافا مشتركة بيننا وبين غيرنا "كالوفاء". وأوصافا خاصة بكل جانب، فبينما يحمل عندنا صفة "نجس" يحمل عند أصحاب اللغة الفرنسية، وربما عند غيرهم، صفة مضادة لها.
وقد أكد (كي روندو) هذا الفرق بين لغة "المصطلح" ولغة "المعجم" العامة، حيث اعتبر الأولى "موضوعية" تخضع المفاهيم لحقيقة الأشياء، والأخرى "ذاتية" تتبع الميول. وإذ تهتم المصطلحية – كما يرى – بوسائل تسمية المفاهيم بواسطة الكلمات والعبارات في إطار مباحث إنسانية متخصصة، فإن اللغة العامة تتكون من كلمات وعبارات لا ترجع إلى ميدان متخصص، والحد بينهما ليس صلبا، إذ يمكن للمصطلح نفسه أن يكون مفردة من مفردات اللغة أو العكس، ويستدل بمثال من الفرنسية لكلمة "مغاص" Colique التي تعد في المصطلحات الطبية ( أي أوجاع البطن)، حيث تعبر في نفس الأوقات في إطار اللغة عن مدلولات أخرى هي :
"أضجره" إذا قلنا : donner la colique à quelqu’un
"خاف" إذا ثقلنا : avoir la colique (7)
وبناء على ما تقدم، يمكن إعطاء مثال للتمييز بين لغة المصطلح، واللغة المعجمية العامة بكلمة "ذهب"، فإنه من الناحية العلمية البحتة يوصف بأنه معدن أصفر، يتحلل بالحرارة ذات الدرجة الفلانية، ولا يصدأ...إلخ، فهذه أوصاف ثابتة لا تتأثر بالميول، ولا دخل لذاتنا فيها.
أما من حيث اللغة العامة، فإننا قد نضيف بأنه "ثمين" كما نعتبره في مجتمعنا، وقد لا توجد له هاته القيمة في لغة غيرنا من يتوفر عندهم هذا المعدن بكثرة، أو ممن لا يعطونه أهمية.

ثانيا : العناية بالمصطلح :
إذا كان العرب عبر العصور قد اجتهدوا في هذا الجانب، وصرفوا جهودا كثيرة في خدمته، ساعدت على تقدم الأمة العربية والإسلامية، فقد صرنا نلاحظ تقاعسا أو بالأحرى تباطؤا في إدخال الجديد من المصطلحات العلمية والحضارية، رغم ما يبذله مكتب تنسيق التعريب في العالم العربي بالرباط من مجهودات في هذا الصدد. (8)
ومن نافلة القول أن نشير إلى أن المصطلحات الجديدة توصل إليها أسلافنا بالوسائل التي نمت بها اللغة العربية نفسها (9) وهي :
1 – الاشتقاق : وهو تنزع كلمة من كلمة أخرى على أن يكون تناسب بينهما في اللفظ والمعنى، فمن مصدر "السمع" مثلا يشتق الفعل الماضي "سمع" واسم الفاعل "سامع" واسم المفعول "مسموع" ...إلخ. ويعتبر أكثر خصوبة وتطوعا للابتكار والخلق. (10)
2 – المجاز: وهو لفظ ينقل المتكلم من معناه الأصلي الموضع له إلى معنى آخر بينه وبين المعنى الأصلي علاقة، مثل : فلان أسد، وهو ينطق بالدرر، فكلمتا "أسد" و"درر" استعملتا مجازا في غير ما وضعتا له، والعلاقة بين المعنيين هي الشجاعة في الكلمة الأولى والحسن في الثانية.
والمجاز يساعد على تحوير المعنى القديم للكلمة العربية لوضع مصطلحات عالمية، وقد كان الاعتماد عليه في نقل معاني الألفاظ الأصلية التي كانت معروفة في الجاهلية إلى معنى علمي جديد، اقتضاه التغيير الجذري الذي طرأ على حياتهم كالصلاة والزكاة والحج والجاهلية والفاسق. (11)
3 – النحت : وهو انتزاع كلمة من كلمتين أو أكثر، على أن يكون ثمة تناسب بين المنحوت والمنحوت منه في اللفظ والمعنى، مثل "البسملة" منتزعة من بسم الله الرحمن الرحيم و"الحوقلة" من لا حول ولا قوة إلا بالله، و"الحمدلة" من الحمد لله، و"عبشمي" نسبة إلى عبد شمس، و"برمائي" من البر والماء...(12) ولكن هذه الوسيلة لا تستعمل إلا عند الضرورة، لأنه يعسر وضع قواعد عربية له، تضبط ما يسقط منه من حروف، وما يتبقى منها عند التحام الكلمتين. (13)
4 – تعريب الإسم الأعجمي : وهو أن تتفوه به العرب على منهاجها، وتستعمله من الألفاظ الموضوع لمعان في غير لغتها، والمعرب يسمى الدخيل، ومن ذلك أنهم عربوا عن الفارسية : الإبريق والسندس والدولاب، وعن الهندية : الزنجبيل والشطرنج.
وفي هذا العصر، قرر المجمع اللغوي في مصر جواز استعمال الألفاظ العجمية عند الضرورة، وهكذا عربت مصطلحات مثل السينما والترام... وغير ذلك. (14)
هذا بالنسبة لمصطلحات العلوم والحضارة المنقولة إلى العربية.
أما مصطلحات الفقه الإسلامي وأصوله، وكذلك الحديث والتفسير وما إليها... فتتميز بالفصاحة والإحكام والاستنباط من صلب اللغة العربية، لأن أصحابها عارفون بأسرار هذه اللغة، لذلك كان عملهم أسهل من عمل نقلة العلوم الدخيلة التي كان الكثير منها مجهولا، وكان من الصعب إيجاد ألفاظ عربية لموضوعاتها المختلفة.(15)
والمصطلحات الفقهية على أهميتها الكبيرة، لأنها تأخذ حيزا كبيرا في حياتنا اليومية، لا يتوفر على المعجم الخاص ذي الشروط المطلوبة لمواكبة هذا العصر الحافل بشتى أنواع العلوم والفنون المتعددة.
فإذا التمسناها في المعاجم العامة، فإننا نجد أنها إما :
- لا تعبر عن المعنى الخاص لها مثل مصطلح "مندوب".
- أو قد لا يرد فيها بالمرة مثل مصطلح "فرض الكفاية".
- أو قد لا تتوخى الدقة في شرحه كما في مصطلح "سير".
وإذا بحثنا عنها في المصادر  المختصة نسبيا، على قلتها، فإننا نجد هاته المصادر :
- إما عامة تجمع مصطلحات الفقه والتصوف والتوحيد والأدب... وغيرها، كما في "كتاب التعريفات" للجرجاني أو "كشاف اصطلاحات الفنون" للتهانوي.
- أو خاصة بمذهب من المذاهب كحلية الفقهاء" لأبي الحسن أحمد بن فارس الرازي، وهو شافعي، أو "طلبة الطلبة في اصطلاحات الفقهاء" للنسفي، وهو حنفي، وكـ"حدود ابن عرفة" التونسي التي شرحها الرصاع، وهو مالكي.
- أو نجدها خاصة بمصنف من المصنفات الفقهية "كشرح غريب المدونة" (المدونة الكبرى للإمام مالك) للجبي، بالإضافة إلى أنه يشمل الغريب أيضا، وهناك مؤلفات أخرى لا تخرج عن هذا النطاق. (16)
وإذا أردنا أن نتعرف عليها في الكتب التي يشرح فيها أصحابها الكلمات الغريبة، فإننا نجد بعضها مما يدخل تحت هذا الجنب، مختلطا مع مرادفات اللغة العامة، كما في كتاب "مفردات الراغب" لأبي القاسم حسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني و"غريب الحديث" لأبي عبيد القاسم بن سلام.
ومجمل هذه الكتب إما يكتسيها غموض نظرا لفكرة الاختصار الذي كانت سائدة من قبل، أو غير شاملة، وزيادة على ذلك فهي لا تكتسي طابعا ممنهجا يجعل التعامل معها سهلا ميسورا.
أما كتب الفروع، فإن المصطلحات الواردة فيها قلما يتعرض أصحابها لشرحها، وإذا فعلوا فقد يخالفون الشراح أو المحشون أو غيرهم، كما نلاحظ في "حاشية العدوي على شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني". فمن التعاريف التي عارضها المحشي مثلا تعريف مصطلح "الرعايا" لشارح الرسالة :" بأن يمنح الرحل الآخر ثمر نخلة أو نخلات العام أو العامين، يأكلها هو وعياله، ثم يشتريها منه". فكان تعليقه أنه نفس قول المازري، وأنه مخالف للصواب.(17)
لذلك فنحن ندعو إلى إنشاء معجم فقهي خاص بالمصطلحات الفقهية، لها تعاريف موحدة، مرتب على النهج العصري، تراعى فيه المتطلبات التالية :
أولا – مصدره في اللغة (إن تعين ذلك)
ثانيا – التعريف الاصطلاحي (وهو الهدف والمقصود)
ثالثا – وضعه في سياق لتوضيح استعماله (ويمكن أن يكون آية قآنية أو حديثا نبويا أو غيرهما).
وذلك بعد اتباع الخطوات التالية :
1 – عقد ندوات على الصعيد الإسلامي قصد الوقوف على وجهة نظر الآخرين، وتوحيد خطة العمل.
2 – الدعوة إلى إشراك مختصين في وضع المصطلحات باعتبار أن علم المصطلح له منهجه وطرقه الخاصة، حتى يأخذ صيغة تخصيصية.
3 – عرض المشروع على مكتب تنسيق التعريب في العالم العربي بالرباط، للتعاون معه على إنجازه، على غرار ما يسلكه في تنسيق العمل لإخراج معاجم المصطلحات المتعلقة بالفنون الأخرى، وبهدف الموافقة عليه من الجميع واعتماده دوليا.
رابعا : أنموذج لمصطلح فقهي :
وهذا أنموذج لمصطلح فقهي مأخوذ من مخطوط "الإنجاد في أبواب الجهاد" (18) لأبي عبد الله بن محمد بن المناصف المتوفى سنة 620 هـ وغيره حول مصطلح "الجهاد".
الجهاد : مصدر جاهدت العدو إذا قابلته في تحمل الجهد، أو بذل كل منكما جهده أي طاقته في دفع صاحبه، ثم غلب في الإسلام على قتال الكفار، (19) أو هو الدعاء إلى الدين الحق، (20) وعند ابن المناصف : بذل الجهد في إكمال النفس وتذليلها في سبيل الشرع والحمل عليها بمخالفته، ومن الركود إلى الدعة واللذات واتباع الشهوات، ومعناه يقع على ثلاث أنحاء:
 أ – جهاد بالقلب : وذلك راجع إلى مغالبة الهوى ومدافعة الشيطان، وكراهية ما خالف حدود الشرع والعقل على إنكار ذلك، حيث لا يستطيع القيام في تغييره بقول ولا فعل، وهذا الشرب واجب على كل مسلم إجماعا، وهو مما تتناوله الآية : "وجاهدوا في الله حق جهاده". (21) وغيرها.
ب – جهاد باللسان : وذلك كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونجد أهل الباطل والإغلاظ عليهم وما أشبهه ذلك مما يجب إبداء القول فيه، وهذا الضرب واجب على المكلف بشروط لقوله تعالى :"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر". (22)
ج – جهاد باليد، وهو أنواع :
- منه ما يرجع إلى إقامة الحدود نحوها من التعزيرات.
- ومنه ما يدخل في باب تغيير المناكر، وذلك بحيث لا يغني التغيير بالقول.
ومنه قتال الكفار والغزو، ويقتضي أن لفظ الجهاد إنما يحمل على هذا النوع خاصة. (23)
والدفاع عن النفس يدخل في هذا الجانب.
وفروع الجهاد هي الرحب والقتال والغزو والرباط.
أما الحرب : فتفيد معنى القتال، ويمكن أن تكون محقة أو غير محقة، عادلة أو ظالمة، مشروعة أو غير مشروعة.
إن إضافة هذه الصفات إلى الحرب كلها أن بعضها جائزة، أما إضافتها إلى الجهاد فغير جائزة. (24)
وقد جاءت كلمة "الحرب" في القرآن الكريم ضمن عدة آيات، من بينها قوله تعالى :" فإما منا بعد أو منا فداء حتى تضع الحرب أوزارها". (25) وتأتي هاته الكلمة بمعنى المداومة، وهذا يدخل تحت أحكام حد السرقة وقطع الطريق والحرابة... قال تعالى :" إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيدهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض". (26)
والمحارب : هو الذي شهر السلاح، وقطع الطريق، وقصد سلب الناس، ومن حمل السلاح على الناس بغير عداوة ولا ثارة، ومن دخل دارا بالليل وأخذ المال بالكره، ومنع من الاستغاثة، وكل من كان معاونا للمحاربين كالكمين والطليعة. (27)
والقتال : في الاصطلاح فرع من الجهاد، فقالوا : قتال أهل البغي، وقتال المحاربين وقطاع الطرق، ولم يقولوا : جهادا، ذلك بأن هذه الطوائف وأمثالهم – في نظر الفقهاء – مسلمين، ولكنهم بغوا ، فلا بد من قتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، في حين أن الجهاد لا يطلق إلا على الخلاف في المعتقد، وأما الحرب فقد يطلق على أمرين.
هذا في رأي الدكتور ظافر القاسمي. (28)
ولكن جاء في القرآن الكريم أيضا :"يا أيها النبئ جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم". (29) وفي تفسير ابن كثير : جاهد الكفار بالسيف والسلاح، والمنافقين بإقامة الحد عليهم، ولعل الجهاد موجه للمنافقين أيضا لأنهم يظهرون الإسلام ويخفون الكفر، والله أعلم.
وفي القتال، وردت آيات قرآنية منها : "ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نوتيه أجرا عظيما". (30)
والغزو : أصلا في الجاهلية هدف النهب، أما بعد الإسلام فقد انقلب المعنى الزري إلى المعنى الشري، فأصبح وسيلة لا غاية، (31) كما أن لفظ الغزو انحصر بالمعارك الحربية التي شرفها الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بحضوره شخصيا قال عليه السلام :" من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق". (32)
وأما الرباط : فأصله كما قال الطبري : ارتباط الخيل للعدو كما ارتبط لهم عدوهم لهم خيلهم، ثم استعمل ذلك في كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه من أعداءهم بسوء، ويحمي عنهم من بينه ممن بغاهم بشر، كان ذا خيل قد ارتبطها، أو ذا رجلة لا مركب له. (33)
وعند ابن عرفة : المقام حيث يخشى العدو بأرض الإسلام لدفعه، وزاد الباجي ولو بتكثير السواد. (34)
وفي رأي ابن العربي : حمل النفس على النية الحسنة، والجسم على فعل الطاعة في سبيل الله، ومن أعظمه ارتباط الخيل في سبيل الله، وارتباط النفس على الصلوات. (35)
وهو عند ابن المناصف، عمل من أعمال الجهاد مختص بحراسة المسلمين في الثغور وملازمتها لذلك. (36)
وأصله قوله تعالى :" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل". (37)
فالحرب تطابق الجهاد في جانب المشروعية وتخالفه في غير المشروعية والقتال يطابق الجهاد في إعلاء كلمة الله في البغي، والغزو يطابق الجهاد في إعلاء كلمة الله في الاصطلاح الإسلامي، ويطابق الحرب في الاصطلاح العصري.
ويظهر أن المعنى الذي ما زال يستعمل الآن هو الغزو والقتال والحرب بمعنييه، أما الجهاد فما زال يستعمل في الدفاع عن النفس أو عن بيضة الإسلام لأنه الشق الشروع، وقد يستعمل أيضا في جهاد النفس والقلب.
أما الجهاد فإعلاء كلمة الله، فلم يعد يستعمل، لأن طريق الدعوة إلى الله تكون بالحكمة وموعظة الحسنة.
ومن هذه التعاريف نستنتج علاقة الجهاد بمصطلحات ومفاهيم أخرى، حسبما سيظهر واضحا من خلال شجرة المصطلح كما يأتي:

الجهاد :
أهدافه :
أ – إعلاء كلمة الله
ب- الدفاع عن النفس
ج – حماية المستضعفين
د – حماية المقدسات الدينية
أوجهه :
أ – جهاد حسي:
باللسان : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
بطريق الوقاية : الرباط
- الحسية : المرابطة في الثغور
- المعنوية : ارتباط النفس على الصلوات وجهاد النفس.
باليد :
- الغزو
- القتال
- الحرب
- المحارب
o قاطع الطرق
o حامل السلاح
o الهاجم على المنازل
- إقامة الحدود
ب – جهاد معنوي :
 جهاد بالقلب
  جهاد بالنفس


1 – البيان والتبيين 1/139.
2 – محمد بن جرير الطبري "جامع البيان عن تأويل القرآن" 1/257 دار الفكر.
3 – "حاشية العدوي على شرح أبي الحسن" 1/210 – دار الفكر.
4 – كتاب "التعريفات"، ص : 28 مكتبة لبنان – بيورت1978.
5 – Guy Rondeau. INTRODUCTION A LA TERMONOLGIE P.44 contre éducatif culturel, quebec 1981.
6 – "عن العلاقات بين المصطلحات والمعجم" لميشال لوكرين، ترجمة وتعليق : سلوى عزيز الوزاني مجلة "ترجمان" مجلد 2ع1 / أبريل 1993. (بتصرف)
7 – ينظر : Guy Rondeau. INTRODUCTION A LA TERMONOLGIE P.26
8 – عدد المصطلحات الجديدة التي تنضاف إلى ميدان العلوم البحتة فقط تقدر بأربعين ألفا في كل سنة
محاضرة للدكتور المهدي المنجرة في الموسم الثقافي الخاص بدراسة عن المستقبل العربي التابع لوزارة الخارجية بالإمارات العربية المتحدة بتاريخ يناير 1988 شعبان 1408.
9 – ينظر أحمد أمين "ضحى الإسلام" 2/251 ط.8/1974 مكتبة النهضة المصرية.
10 – ينظر الأمير مصطفى الشهابي "المصطلحات العلمية في اللغة العربية في القديم والحديث" ص : 13.ط. 2/1384 -1965، ووجيه السمار "جوانب الدقة والغموض في المصطلح العربي" ص:4-5 مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، فصلة في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ج.1 م.49 دمشق 1394 – 1979.
11 – أحمد أمين "فجر الإسلام" نقلا عن ابن خالوية، وابن الأعرابي ص : 53 – 54 ط 10/1969 دار الكتاب العربي – بيروت.
12 – جوانب الدقة والغموض : ص 9-10 والمصطلحات العلمية ص : 17 – 18.
13 – ينظر الدكتور محمد نشاد الحمزاوي "المنهجية العامة لترجمة المصطلحية وتوحيدها وتنميطها" (الميدان العربي) ص : 44 ط 1/1986 دار الغرب الإسلامي – بيروت، والمصطلحات العلمية.
14 – نفس المصدر الأخير ص : 20.
15 – "المصطلحات العلمية في اللغة العربية" ص :27.
16 – وهي : "المغرب في ترتيب المعرب"، لأبي الفتح ناصر الدين المطرزي، و"الأصول والضوابط" لمحيي الدين يحيى بن شرف النووي، و"تحرير ألفاظ التنبيه" له أيضا، و"أنس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء" للشيخ قاسم القونوي، و"الكليات" لأبي البقاء أيوب بن موسى، و"القاموس الفقهي لغة واصطلاحا" لسعيد أبو جيب.
17 – ج:2 ، ص : 201.
18 – يوجد في جامعة ابن يوسف بمراكش تحت رقم 216، وميكروفيلم منه بالخزانة العامة رقم 748 بالرباط.
19 – أبو الفتح ناصر الدين المطرزي "المغرب في ترتيب المعرب" تح. محمود فاخوري، ومن معه مكتبة أسامة بن زيد – ط1/1399 – 1979 حلب.
20 – علي بن محمد الشريف الجرجاني "كتاب التعريفات".
21 – سورة الحج، الآية : 22.
22 – سورة آل عمران، الآية : 104.
23 – "مخطوط الأمجاد" ص:4 – 7، وهذا موافق لما جاء في تعاريف بعض العلماء مثل الكساني علاء الدين أبو بكر في "بدائع" 7/97 ط. دار الكتاب العربي – بيوت، و"الرصاع في شرح حدود ابن عرفة" ص :139 ط1/1550 – تونس.
24 – د. ظافر القاسمي : "الجهاد والحقوق الدولية في الإسلام"، ص : 91 – ط1 / نيسان – ابريل 1982 – دار العلم للملايين.
25 – سورة محمد، الآية : 4.
26 – سورة المائدة، الآية  33.
27 – عبد القادر بن عبد الكريم الورديغي الخيراني البرشيني الشفشاوني "سعد الشموس والأقمار وزبدة شريعة النبي المختار" ص : 176 بتصرف ط 1/1330 مطبعة التقدم – مصر.
28 – الجهاد: ص : 92 – 93.
29 – سور التحريم، الآية : 9.
30 – سورة النساء، الآية : 74.
31 – لسان العرب : مادة "غزا".
32 – أبو داود "السنن" رقم 2502، ومسلم "الصحيح" إمارة الباب 46.
33 – جامع البيان : 4/233.
34 – شرح الرصاع: ص: 142.
35 – أحكام القرآن، ص : 360.
36 – مخطوط الإنجاد، ص :36.
37 – سورة الأنفال، الآية : 60.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here