islamaumaroc

مغاربة بالشام:"إتحاف ذوي العناية" ثبت الشيخ العلامة محمد العربي العزوزي…-1-

  عبد السلام الهراس

العدد 313 ربيع 1-ربيع2 1416/ غشت-شتنبر 1995


ارتباط المغرب بالمشرق ارتباط دائم مستمر لوجود رابطة الدين والثقافة والحضارة، وكان المشرق أول الأمر هو المصدر الوحيد لتوثيق دين الإسلام، قرآنا وسنة، وفقها ونحوا، وغير ذلك مما له علاقة بعلوم الغاية، وعلوم الوسيلة والآلة.
وبانتشار العلوم الإسلامية والعربية، ورسوخها في المغرب أصبح المغرب يصدر العلماء والمربين إلى المشرق، ويسهم في استمرار وازدهار الحياة العلمية، والثقافية والروحية في تلك الربوع، دون أن يستغني عن الأخذ والإفادة من كل هام وجديد.
وآخر المغاربة الذين كان لهم أثر كبير في المشرق بعض المغاربة الشناقطة، والحافظ محمد ابن جعفر الكتاني, والحافظ ابن شعيب الدكالي، والحافظ أحمد بن الصديق، والدكتور محمد تقي الدين الهلالي، الذي امتد أثره إلى الهند، حيث تتلمذ عليه المصلح الهندي الكبير أبو الحسن الندوي الحسني.
والحديث عن علاقة المغرب بالمشرق يحتاج إلى أبحاث كثيرة وواسعة، ولكني سأقتصر فقط في هذا التمهيد المختصر على ما شاهدته، وعلق بالذهن عن هذه العلاقة أثناء حياتي.
لقد كانت الرحلة العلمية إلى المشرق أمل كل مغربي، ولا سيما إلى الأزهر الشريف، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، وكانت بعض الأحداث والنكبات وراء هجرة بعض المغاربة، ومنهم علماء أجلاء، إلى المدينة المنورة إبان واقعة احتلال فرنسا وإسبانيا للمغرب.
وممن هاجروا إلى المشرق لطلب العلم من بلدي شفشاون الشيخ الحافظ محمد بن عياد، من قبيلة الأخماس، وشيخ المعهد الديني إلى وفاته، وكانت له شهرة واسعة في الأزهر الشريف، وقد بقيت بعض آثاره إلى الآن مطبوعة، ومذيلا بها في آخر الكتب، ككتاب :" الأدب المفرد" للبخاري الذي قرأ طبعته وصححها.
ومنهم الشيخ ابن خجو الذي عاد إلى المغرب، وإلى بلده، قبل الاحتلال الاسباني، وكثيرا ما حدثنا عن المدرسة الإصلاحية للأفغاني، ولمحمد عبده، وعنه سمعنا بكتب ابن تيمية "كالتوسل والوسيلة". وابن القيم "كزاد المعاد"، وابن الجوزي الواعظ، "كتلبيس إبليس"، لكنا لم نأخذ عنه علما لكونه لم يتعاط التدريس، ولا الكتابة.
وفي تطوان عرفنا الشيخ محمد العربي الخطيب – والد أخينا إسماعيل الخطيب – الذي ارتبط بالشيخ رشيد رضا وعاد إلى المغرب، ودرس في المعهد الإصلاحي للقيادة العلمية الإسلامية الذي كان ثمرة فكره محمد عبده.
وكذلك الفقيه محمد الطنجي، ثم عبد الخالق الطرس، ثم الشيخ المكي الناصري من الرباط، ثم الأستاذ محمد عزيمان الذي تخرج بدار العلوم، وقد عاصر سيد قطب – رحمه الله -.
ثم تتابعت الرحلة أفواجا وفرادى، ومن هذه الأفواج البعثة العلمية التي أرسلها المصلح الاجتماعي الكبير الحاج عبد السلام بنونة إلى نابلس، وقد أشار عليه بذلك الأستاذ محمد بن الحسن الوزاني، كما أخبرني هو بذلك يوم كانت الوطنية في منطلقها الوحدوي، بصفائها الروحي، وتناصحها الأخوي.
والبعثة التي أرسلها الشيخ محمد المكي الناصري، وكان يغلب عليها العنصر القروي، من الريف والجبل، والمدن الصغيرة، وبعض القبائل من "المنطقة السلطانية " آنذاك.
ثم كانت البعثة التي اتجهت لأول مرة إلى دمشق من الرباط وسلا.
وبين البعثة الأخيرة – أي بعثة 1938 – وبعثة مدارس محمد الخامس اتجه كثير من الشباب المغربي إلى المشرق أرسالا إلى ما بعد الاستقلال، ولا سيما إلى مصر وسوريا والعراق. وكنت ضمن هؤلاء الشباب الذين كانوا يتوقون إلى إتمام الدراسة في المشرق. وكان طلابنا الكبار كثيرا ما يثيرون فينا الشوق إلى المشرق، كما كان حديث الطلاب القرويين يدور أحيانا حول الهجرية العلمية إلى تلك الديار.
وما زلت أذكر أن الأخ الأستاذ الطيب برادة من الجديدة- وهو في الأطر العليا بوزارة العدل الآن – أراني جوازه بفاس، وأخبرني سرا أنه سيهاجر إلى مصر للدراسة.
وذهب بالفعل مع الأخ مولاي العلوي، من صفرو، مندوب وزارة الإعلام بمكناس.
كانت سنة 1952 شديدة، وحبلى بالمفاجئات، كلنا كنا نتوقع الشر من الاستعمار الفرنسي، إذ انتشرت شائعة تقول: إن ملك البلاد محمد الخامس – رحمه الله – محاصر في قصره، وقد أحاط الاستعمار به للضغط عليه ليوقع على مراسيم وظهائر لغير صالح المغرب.
وبالفعل عندما سافرت من بلدي شفشاون إلى الرباط وسلا، واتصلت بالأستاذ الحاج أحمد معنينو وضع صورا قاتمة أمام عيني، وقال لي: " يا ولدي، إن المغرب مقبل على أهوال يجب أن نستعد لخوض غمارها". وكنت آنذاك قد أزمعت السفر إلى مصر، فشاء الله أن تكون الرحلة إلى سوريا فلبنان، حيث كانت الدراسة الثانوية، فمصر، حيث كانت الدراسة الجامعية.
وعندما ذهبت إلى سوريا مكثت بها حوالي شهرين في ظروفها المضطربة، إبان انقلاب أديب الشيشكلي، وقد أتيح لي أن أتصل بالبعثة الطلابية المغربية، وكانت كلها من الرباط وسلا ومن مدارس محمد الخامس.
ومن هؤلاء الإخوان الأجلة الكرام :
عبد اللطيف ملين، سفير المملكة المغربية بالقاهرة.
وصالح الزعيمي، السفير ومدير الشؤون العربية والإسلامية بوزارة الخارجية.
ومحمد بناني، سفير المغرب بالأردن، وهو أول مغربي يتخرج بليسانس العلوم باللغة العربية
والمؤرخ محمد العربي سفير بالخارجية.
والكاتب أحمد السطاتي، أحد رؤساء تحرير مجلة "دعوة الحق" السابقين.
وعباس برادة سفير المملكة المغربية بقطر.
والدكتور عبد الكريم كريم، أستاذ بكلية الآداب بالرباط.
وغير هؤلاء ممن سجلت أسماء جلهم بمناسبة أخرى.
لكن المهم هنا أني وجدت في دمشق الأثر العلمي المغربي وضاحا، حيث التقيت ببعض العلماء المغاربة، وتونس المقيمين هناك، ومن هؤلاء: الشيخ محمد المكي بن الحافظ محمد بن جعفر الكتاني الذي كان عمدة رابطة العلماء، ورئيسها الفعلي، وإن كانت الرئاسة قد أسندت للعلامة شيبة أحمد أبي الخير الميداني، الذي كان شيخ الجماعة.
لكن الشيخ السيد محمد المكي الكتاني كان يجمع العلماء ويوحدهم، ويرأب صدعهم، بحكم ما له عليهم من حقوق أستاذية والده لأكثرهم، ولاسيما الشيوخ الكبار منهم، ولدماثة خلقه، وكرمه الحاتمي النادر، ولحكمته، وصبره وتسامحه، إضافة إلى مكانته العلمية مفتيا للمالكية، إذ كان هناك كثير من الجزائريين والتونسيين وبعض المغاربة، وقد عرفت منهم الحاج جنيح خال الحاج أحمد بلافريج، كما قال لي ، وكان ما يزال يحتفظ بعمامته "الشرقاوية".
هؤلاء المغاربة كونوا في الشام مجتمعا متماسكا، وكان جلهم يحافظ على تقاليد بلاده في الملبس والمطعم، وكانوا يحافظون في عبادتهم على المذهب المالكي، لذلك كان لهم المفتي الخاص بهم.
وقد تخلف في سوريا ولبنان بعض العساكر المغاربة الذين كانوا في الجيش الفرنسي، وتزوجوا من سوريات ولبنانيات، مما ضاعف الجالية المغربية هناك.
ومن علماء تونس الذين استوطنوا دمشق الشيخ زين العابدين التونسي شقيق الشيخ الأكبر محمد الخضر حسين شيخ الأزهر إبان حكم محمد نجيب. ويبدو أن الشيخ زين العابدين جاء إلى المشرق عندما هاجر أخوه، ولكنه اختار الاستقرار في سوريا، في حين اختار أخوه الكبير الاستقرار في مصر حيث به أثر علمي، وثقافي كبير.
مكثت في دمشق شهرين تعرفت فيها بشخصيات علمية كثيرة مازلت أذكر جلها، ومن هؤلاء الشخصيات التي زارت دمشق وشيخها السيد محمد المكي الكتاني الشيخ توفيق الهبري من علماء بيروت ووجهائها، وهو من طلاب الشيخ الحافظ محمد بن جعفر الكتاني، وكان رجلا ميسورا وله علاقة وثيقة بعلماء المغرب وصلحائه، وكان يقول لي: إن أصله من المغرب.
وممن عرفتهم هناك الشيخ محمد بن الحاج إدريس بناني الفاسي أصلا الطرابلسي دارا، وقد استقر بطرابلس الشام مع والده الحاج إدريس الذي هاجر من المغرب إلى المدينة، فرارا من الدخول تحت حكم النصارى الفرنسيين الذين احتلوا المغرب.
وعند قيام الحرب العالمية الأولى، وانحياز الشريف حسين أمير مكة إلى الحلفاء لمحاربة العثمانيين قامت السلطات العسكرية بنقل الشيخ محمد بن جعفر الكتاني وأسرته، ومن كان معه إلى دمشق خوفا عليه خوفا منه.
ومن هؤلاء الحاج إدريس بناني الذي اختار طرابلس مستقرا له، وهناك توفي – رحمه الله – ولما زرتها أوائل 1953 عرفت ولده الشيخ محمد بناني الذي عاد مع أسرته إلى المغرب، واستوطن طنجة، وهناك توفي – رحمه الله -.
ومن هؤلاء الزوار الشيخ محمد العربي العزوزي الذي نحن بصدد الحديث عنه.
كان – رحمه الله – رجلا طوالا، ناصع البياض، بل إلى الشقرة أميل، مكتنز الجسم، يلبس جبة ولفة على عادة أهل الشام – ولبنان شامية – يتحدث بعربية فصيحة، وقد يمزجها بلهجة أهل البلد، ولكن اللهجة المغربية واضحة، عليه وقار العلماء وسمتهم، يبسم أثناء الحديث، حاضر الذهن، قوي الذاكرة، وكان إذاك قد جاوز الستين من عمره، وإن كان قد بدا لي أنه أكبر من ذلك... ولعل بدانته، وهيئته الوئيدة تركتا عندي هذا الانطباع.
سألني عن فاس وعن القرويين وعلمائها، كما حدثني عن حياته فيها أيام الطلب... وكان هو والشيخ توفيق الهبري، والحاج عبد السلام ابن عدة الجزائري (وهو غير عبد السلام الجزائري صديق الأستاذ علال الفاسي – رحمه الله -) قد رغبوني في متابعة دراستي في بيروت في الكلية الشرعية قبل التوجه إلى مصر، ففيها درس كبار العلماء والأدباء والكتاب، ورجال الفكر المسلمين بلبنان، كما درس فيها شخصيات من سوريا كالشيخ محمد الفاتح الكتاني، مفتي المالكية بالجمهورية السورية الآن، والدكتور سهيل إدريس رئيس اتحاد الكتاب بلبنان، وغير هؤلاء كثير.
وشاء الله أن ألتحق بالكلية، لكني انتظرت يومين أو ثلاثا قبل إتمام الإجراءات الرسمية، استضافني فيها الشيخ محمد العربي العزوزي الذي شاهدت عن كثب كثيرا من فضله، وعلمه، ومكانته، ففي الليلة الأولى التجأ إليه المجلس الإداري لجمعية المحافظة على القرآن لخلاف وقع بين بعض العلماء، فكان الحكم المناسب بينهم، واستطاع أن يطفئ الفتنة بحكمته، ولباقته وكرمه.
وهكذا توثقت الصلة بالرجل، فكنت أتردد عليه وأزوره، ولاسيما في المناسبات، ولما التحقت بجامعة القاهرة بكلية دار العلوم كنت أزوره أثناء عطلة الصيف التي كنت أقضيها دائما في لبنان. وفي إحدى تلك الزيارات قدم لي كتابين من مؤلفاته مع نسختين منهما لبعض الشخصيات المغربية الكبيرة الموجودة في القاهرة.
أول الكتابين :" دليل مباحث علوم القرآن المجيد، أو الحجج الواضحات في الدلالة على مواضع علوم الآيات" طبع في بيروت سنة 1375 هـ/1956م، وقد أعود لهذا الكتاب إن شاء الله.
أما الكتاب الثاني فهو: " إتحاف ذوي العناية" وهو ثبته أو فهرسته العلمية، ومعجمه الدراسي، خلال حياته، وفي جوانب متعددة من سيرته الذاتية بقلمه، بفاس والقاهرة، ومكة والمدينة، ولبنان، وسوريا.
غير أن هذا الكتاب ضاع مني، ولقد حرصت على استرداده، لكن الفتنة المتواصلة لبنان حالت دون تحقيق بغيتي.
والعجيب أن مكتبة دار الإفتاء العامرة خلت من هذا الكتاب، كما أخبرني بذلك من كلفته بالبحث عنه، غير أن أحد علماء لبنان تكرم فصور لي نسخة من النسخة الفريدة التي يملكها.
فشكر الله له هذا الصنيع، وجزى الله عني الديبلوماسي المغربي بسفارتنا الذي بذل جهدا مضنيا للحصول على هذه المصورة لهذا الكتاب الذي صور لنا حياة عالم جليل في المغرب وخارجه.
وفي المقال المقبل – إن شاء الله – سنحلل الكتاب.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here