islamaumaroc

ثنائية المنقول والمعقول عند الإمام الشاطبي

  إدريس حمادي

العدد 313 ربيع 1-ربيع2 1416/ غشت-شتنبر 1995

يحتوي هذا البحث على تمهيد نتناول فيه المقصود بالثنائيات وأهميتها، ثم نتناول الأدلة النقلية والعقلية وعلاقة بعضها بالبعض، ثم فعالية العقل بالرغم من تبعيته للنقل في سائر المجالات، في الشرعيات أو في اللغويات، أو حتى في العقليات دائما تجد العقل تابعا للنقل عند الإمام الشاطبي، وكل ذلك هو ما يسعى البحث لبلورته، فنقول وبالله التوفيق.
1 – نقصد بالثنائيات المتقابلات التي هي عبارة عن أزواج من المفاهيم، أو عبارة عن معنيين أو شيئين متنافرين "لا يمكن أن يوجدا معا في موضوع واحد من جهة واحدة في وقت واحد" : (1) كالإنسان والإنسان، والأعمى والبصير، والأبوة والبنوة، والسواد والبياض.
وإننا إذ ننظر في الثنائيات أو المتقابلات بصفة عامة في الخطاب الشرعي نجد أن ثنائية النقل والعقل هي الثنائية الأم التي تتولد عنها كل الثنائيات، أو هي الثنائية التي فرضت وجودها على الساحة الفكرية بمختلف تشعباتها وتخصصاتها : لغوية كانت أو نحوية أو بلاغية، عقائدية كانت أو أصولية أو فقهية... دائما تجد أن الفكر العربي الإسلامي عند بداية تشكله "يميل إلى التوزع إلى تيارين رئيسين في كافة المجالات (2) تيار يتمسك بالمنقول، وتيار يتمسك بالرأي. وما ذلك إلا لأصالة هذه الثنائيات بصفة عامة، وثنائية النقل والعقل بصفة خاصة، وأدائها وظائف كبرى في الكون والحياة من جملتها – بالنسبة للنقل والعقل – وظيفة الاعتبار والتذكر التي لا تستقيم حياة بشرية بدونها :"ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون". (3)
إنها كما يقول أبو نصر الفارابي :"وأما استعمال مقابل الشيء، فإنه نافع في الفهم من قبل أن الشيء إذا رتب مع مقابله فهم أروع وأجود، وكذلك قد يذكر الشيء مقابله، فلذلك قد يمكن أن يؤخذ مقابل الأمر علامة الأمر، فيصير معينا على فهم الشيء وعلى حفظه". (4)
وهذا معنى منتزع من الآية قبله على ما يظهر.
ولما كان كل من الزوجين أصيلا في إبداع الكون وحياة الإنسان، كان تجاوز أحدهما ليس هينا ولا يسيرا إن لم نقل مستحيلا، وكان كل من رام إقصاء أحد الطرفين منهما – قديما أو حديثا – مادامت الحياة تحت قدميه ومن حوله :"سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا". (5) ومن ثم نجد الثقافة الإسلامية لما اشتد عودها، ونضج وعيها بأصالة الطرفين انطلاقا من الخطاب الشرعي، لم تعد تبحث أبدا في نفي أحد الأزواج، وإنما الذي تبحث فيه هو تأصيل الطرفين معا عن طريق فتح حوار، ومد جسور بين الأطراف، إما عن طريق البحث في العلاقات التي من شأنها أن توحد بين الأطراف، باعتبار أن قيمة أحدهما لا تستمد إلا من قمة الآخر : كالعام مع الخاص، والمجمل مع المبين... أو عن طريق البحث في المنطقة الوسطى التي تقرب بين بعض المتضادات، باعتبارها منطقة تقاطع بينهما " كالمتشابه بالنسبة للحلال والحرام، والمباح بالنسبة للواجب، والمحرم والمفهوم بالنسبة للمنطوق والمعقول... كل ذلك ليتحقق ذلك التكامل والانسجام بين الأطراف المتنافرة ظاهرا.
بل نجد الأصوليين وبخاصة المتكلمين منهم قد أسسوا منهجهم الأصولي في عملية فهم الخطاب الشرعي من هذه الثنائيات، سواء عل مستوى الاجتهاد البياني، كرصدهم العام مع الخاص، ثم محاولتهم الجمع بينهما عن طريق التخصيص بأعمال الخاص فيما دل عليه، وأعمال العام في وراء ما دل عليه الخاص، وحملهم المطلق على المقيد، وتفسيرهم المجمل بالمبين، وردهم المتشابه إلى الحكم للكشف عن المراد منه، وبحثهم في مقصد التدرج أو التعاقب الذي من أجله وقع تجاوز المنسوخ بالناسخ... أم على مستوى الاجتهاد القياسي : كالأصل مع الفرع، والمسالك النقلية مع العقلية، وتخريج المناط مع تحقيقه... أم على مستوى الاجتهاد الاستصلاحي : كالمصالح مع المفاسد، والمصالح مع الوسائل المبلغة إليها وهكذا...
2 – بعد هذا التقديم العام نفتح ملف ثنائية النقل والعقل عند الإمام الشاطبي، وقد ارتأينا – تبعا لهذا الإمام – لنلم بأطراف هذه القضية أن نقسم النظر فيها إلى قسمين رئيسيين :
- قسم يتعلق بالأحكام وأدلتها.
- وقسم يتعلق بتحقيق مناط الحكام.
حيث يرى أن كل مسألة تفتقر إلى نظرين :
- نظر في دليل الحكم.
- ونظر في مناطه.
فأما النظر في دليل الحكم، فلا يمكن أن يكون إلا من الكتاب والسنة، أو ما يرجع إليهما من إجماع أو قياس أو غيرهما...
وأما النظر في مناط الحكم، فإن المناط لا يلزم منه أن يكون ثابتا بدليل شرعي فقد، بل يثبت بدليل غير شرعي أو بغير دليل، فلا يشترط فيه بلوغ درجة الاجتهاد، بل لا يشترط فيه العلم فضلا عن درجة الاجتهاد". (6)
ومن ثم نقول على مستوى القسم لأول :
إننا إذ ننظر في دليل الحكم نجد أن الإمام الشاطبي في رصده لهذه الثنائية، يذكر أن الأدلة ضربان : نقلية وعقلية :
فأما النقلية فتتمثل في الكتاب والسنة، وما يلحق بهما من إجماع ومذهب الصحابي، وشرع من قبلنا... باعتبار "أن ذلك كله ما في معناه راجع إلى التعبد بأمر منقول صرف لا نظر فيه لأحد". (7)
وأما العقلية فتتمثل في القياس والاستدلال وما يلحق بهما من استحسان ومصالح مرسلة باعتبارها راجعة إلى أمر نظري، "وقد ترجع إلى الضرب الأول إن شهدنا أنها راجعة إلى العمومات المعنوية". (8)
كما يقول في موطن آخر :" إن الأدلة الشرعية ضربان "
أحدهما : أن يكون على طريقة البرهان العقلي، فيستدل به على المطلوب الذي جعل دليلا عليه... ويدخل هنا جميع البراهين العقلية وما جرى مجراها" (9) مثل قوله تعالى :"لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا"، (10) وقوله تعالى :" لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين" (11) وقوله تعالى :" أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم". (12)
وثانيهما : عبارة عن "نصوص لم توضع وضع البراهين، ولا أتى بها في محل استدلال، بل جيء بها قضايا يعمل بمقتضاها مسلمة متلقاة بالقبول " (13) من طرف من آمن بها، مثل ما تدل عليه الأوامر والنواهي، وما تدل عليه الأخبار التي هي في معنى الطلب، كقوله تعالى :"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"، (14) وقوله تعالى :"كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم"، (15) لأن هذا الضرب برهانه " في الحقيقة المعجزة الدالة على صدق الرسول الآتي بها... فهو نتيجة أنتجتها المعجزة فصارت قولا مقبولا فقط". (16)
3 – كما يذكر – ابتداء – في رصده للعلاقة القائمة بين الأدلة النقلية والعقلية لأنه لا تصادم ولا تضاد بين الزوجين، إذ" العقل – كما يقول ابن سينا – آلة أعطيت لدرك العبودية لا للتصرف في أمر الربوبية". (17)
ومن ثم كانت "الأدلة إنما نصبت في الشريعة لتتلقاها عقول المكلفين حتى يعملوا بمقتضاها". (18) وكانت تلك الأدلة جارية "على مقتضى العقول بحيث تصدقها العقول الراجحة وتنقاد لها طائعة أو كارهة"، (19) بل حتى تلك التي لم تستطع العقول إدراك كنهها "لو بينت لنا معانيها لم تكن إلا على مقتضى العقول"، (20) وكان – من جهة أخرى – مورد التكليف هو العقل.. حتى إذا فقد ارتفع التكليف رأسا وعد فاقده كالبهيمة"، (21) إذ العقل هو القوة التي بها يحصل الإدراك، أو هو النور الذي تنتقل به النفس من الضروريات إلى النظريات بحيث يصير حال النفس، بالإضافة إليه، كحال أبصارنا بالنسبة إلى الشمس، فكما أن بإفاضة نور الشمس تدرك المحسوسات، كذلك بإفاضة نوره تدرك المعقولات، أي تصير الأفكار مضيئة بحيث يهتدي القلب بواسطة العقل إليها، ويتمكن من ترتيبها وسلوكها توصيلا إلى المطلوب، (22) ومن ثم قالوا :" إن الاستدلال بالمنقولات لا بد فيه من النظر"، (23) إذ بدونه يصبح غير دال، وبذلك كله تظهر قيمة كل من النقل والعقل.
غير أن العقل لما كان من جهة عبارة عن آلة لمعرفة الحسن والقبح " إذ كثير مما يحكم الله بحسنه أو قبحه لم يطلع العقل على شيء منه، بل معرفته موقوفة على تبليغ الرسل". (24)
وكان من جهة أخرى، لا ينفك عن الهوى الغالب على النفس لكثرة الدواعي حتى أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال :"ألا فمن سره بحبحة الجنة فليزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ وهو من الإثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهم". (25) كان العقل عاجزا عن الاستقلال بدرك كثير من الأحكام، وفي حاجة ماسة إلى تلك الأدلة التي نصبها الشارع دلالة على مراده، ومن ثم قال الإمام الشاطبي بتبعيته لها، أي ان "الرأي لا يعتبر شرعا إلا إذا استند إلى النقل". (26)
و"الأدلة العقلية إذا استعملت في هذا العلم فإنما تستعمل مركبة على الأدلة السمعية، أو معينة على طريقها، أو محققة مناطها، أو ما أشبه ذلك، لا مستقلة بالدلالة، لأن النظر فيها نظر في أمر شرعي، والعقل ليس بشارع، فإذ كان كذلك، فالمعتمد بالقصد الأول الأدلة الشرعية". (27)
إضافة إلى ذلك، فإن الباحث إذ يتأمل يدرك بوضوح " أن الأدلة الشرعية في أصلها محصورة في الضرب الأول، لأننا لم نثبت الضرب الثاني بالعقل، وإنما أثبتناه بالأول، إذ منه قامت أدلة صحة الاعتماد عليه. وإذا كان كذلك، فالأول هو "العمدة"(28) سواء كان ذلك من جهة دلالته، على الأحكام الجزئية الفرعية : من صلاة وزكاة وصيد وبيع، أم كان من جهة دلالته على القواعد التي تستند إليها الأحكام الجزئية الفرعية، كدلالته على أن الإجماع حجة، والقياس حجة، وقول الصحابي حجة...
بل إننا عند التأمل ندرك أن الضرب الأول منحصر في أصل واحد هو كتاب الله تعالى إذ هو أصل الأصول، والغاية التي تنتهي إليها أنظار النظار، ومدارك أهل الاجتهاد، وليس وراءه مرمى لأنه كلام الله القديم" وإن إلى ربك المنتهى"، (29) وقد قال تعالى :" ونزلنا عليك الكتاب تبينا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين"، (30) (31) وما عداه يكون تابعا له، إذ السنة في حقيقتها – قولا أو فعلا أو إقرارا- ليست إلا بيانا وشرحا لمعاني الكتاب، والعمل بها أيضا إنما كان عمدته الكتاب من جهتين :
أولا : أنه المعجزة الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم.
وثانيا : مناداته بطاعة الرسول عليه السلام في غير ما آية ، منها قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم". (32)
وقوله تعالى :" وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا". (33)
بناء على كل ذلك يقر الإمام الشاطبي هذه الحقيقة وهي :" إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعا، ويتأخر العقل فيكون تابعا، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل". (34)
4 – على أننا إن ابتعدنا قليلا عن الإمام الشاطبي، وجدنا من الأصوليين من يذهب إلى أن النقل سابق في الوجود عن العقل، فهذا أبو حنيفة رحمة الله عليه يقول :"لا عذر لأحد في الجهل بالخالق لقيام الآفاق والأنفس"، (35) وما ذلك إلا لأن الآفاق والأنفس كتابان يقرا فيهما العقل بالنسبة للأحكام الإلهية، كما يقرأ في الكتاب المرقوم بالنسبة للأحكام الإلهية والأحكام الشرعية، وهما – أي الآفاق والنفس – سابقان في الوجود عنه.
وهذا الأستاذ أبو إسحاق يرى بالنسبة للغة التي هي أداة التفكير " أن القدر الضروري الذي يقع به الاصطلاح توقيفي، والباقي اصطلاحي". (36)
ويذكر المحقق نجم الدين الطوفي في المسألة بعد سرده للأقوال فيها :" إن حاولنا القطع بأحد الأقوال، فلا سبيل لنا إليه لأمر، وإن حاولنا الظن، فالظاهر القول الأول، وهو التوقيف، ولنا على ذلك قوله تعالى :"وعلم آدم الأسماء كلها". (37) ووجه دلالته أنه سبحانه وتعالى أخبر أنه علم آدم الأسماء، باللام المستغرقة، وأكدها بلفظ كل، وذلك يقتضي أنه وقفه عليها، ثم توارثت ذلك ذريته من بعده بالتلقي عنه فلم يحتاجوا إلى اصطلاح كلي ولا جزئي". (38)
ثم يقول نقلا عن ابن فارس بالمعنى كما يصرح :" إذا ثبت أن اللغة توقيفية، فإنها لم تقع جملة واحدة، بل وقف آدم على ما احتاج إليه منها، ثم كذلك من حدث من بنيه الأنبياء وغيرهم بعده، حتى انتهى الأمر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فأوتي منها لم يوته أحد قبله، ثم قر الأمر قراره وختمت به اللغة، كما ختمت به النبوة". (39)
وفي الشرعيات كذلك يرى صاحب "فواتح الرحموت" أنه لم يمر على الإنسان زمان لم يبعث فيه الله رسولا مع دين لأن شرع آدم عليه السلام، كان باقيا إلى مجيء نوح، وشريعته بقيت إلى إبراهيم، وكان شريعة إبراهيم عامة، فمن نسخت في حقه، فقد قام شرع غيره مقامها كشرع موسى وعيسى في حق بني إسرائيل، وبقيت في حق غيره كما كانت إلى ورود شريعتنا الحقة الباقية إلى يوم القيامة، ويدل على قوله تعالى :"وإن من أمة إلا خلا فيها نذير"، (40) وقوله تعالى :"أيحسب الإنسان أن يترك سدى". (41) (42).
أيضا فإن العقل عندما لا يشهد له نقل بالاعتبار في ما ذهب إليه لا يستطيع الخروج من تردده، كما هو واضح عندهم في المناسبات الغريبة التي "لم يظهر في الشرع اعتبار عينها ولا اعتبار جنسها، وهي مع ذلك تناسب نوعا من المناسبة تتميز به عن الطرد الذي ينبو عن الحكم بنوة لا يتقاضاه ولا يتعلق به"، (43) إذ وجدنا الإمام الغزالي يقول في ترتيب أعضاء الوضوء مثلا :
"إن سبب تقديم اليد يرجع إلى أنها آلة التناول وهي مكشوفة غالبا، ثم الوجه لأنه أهم الأعضاء وأشرفها، ثم الرأس لأنه في الغالب مستور، وأخرت الرجل لأنها أحرى الأعضاء بالبعد من النظافة لمخالطة التراب، " فهذا فن من القول مناسب يتميز عن قول القائل  قدم الوجه لأنه على شكل الاستدارة مثلا، إلى غير ذلك من صفات خلقية تنبو عن الحكم. إلا أن مثل هذه المعاني وإن كانت مناسبة فغير موثوق بها، إذ لم يثبت من جهة الشرع ملاحظة جنسها، ويتسع التقدير في أمثالها، ولا يضيق طريقها على أي وجه كان، فإنه لو ذكر الترتيب على عكس المعهود لأمكن أن يعكس هذا المعنى". (44)
ثم يقول :"وأمثال هذه الخيالات يتسع طريقها ولا يوثق بها".
ويظهر بجلاء وجه تبعية العقل للنقل في الشرعيات والعقليات جميعا فيما يقرره المالكية من صحة القياس على الفروع عندما يثبت فيها الحكم، لأنه بعد الثبوت تصير أصولا، حيث يدلل ابن رشد الجد في "المقدمات" على صحة هذا المنهج بعقد مقارنة بين الأصول الشرعية والأصول العقلية فيقول :"إن الكتاب والسنة والإجماع أصل في الأحكام الشرعيات، كما أن علم الضرورة أصل في العلوم العقليات، فكما بني العلم العقلي على علم الضرورة، أو على ما بني على علم الضرورة، هكذا أبدا من غير حصر بعدد على ترتيب ونظام الأقرب على الأقرب، ولا يصح أن يبني الأقرب على الأبعد، فكذلك العلوم السمعيات تبني على الكتاب والسنة وإجماع الأمة، أو على ما بني عليها، أو ما بني على ما بني علها بصحته، هكذا أبدا إلى غير نهاية على ترتيب ونظام الأقرب على الأقرب، ولا يصح بناء الأقرب على الأبعد". (45)
5 – وإذ يثبت وجه تقديم النقل على النقل، ويثبت أن العقل لا يسرح في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل، يعمد على تبيان أن التبعية ليس معناها تجريد العقل من فعاليته، بل معناها أن العقل في تبعيته يصبح مثله مثل الأدلة الشرعية الكاشفة عن المراد من الخطاب سواء بسواء، إذ كما "أن الأدلة المنفصلة... مبينة أن الظاهر غير مقصود في الخطاب بأدلة شرعية دلت على ذلك، فالعقل مثلها"، (46) أي دليل يبين كذلك أن الظاهر غير مراد من الخطاب أحيانا.
بيان ذلك :
أنه كما بين قول الرسول صلى الله عليه وسلم :"القاتل لا يرث" (47) أن العموم غير مراد في قوله تعالى :" يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين"، (48) يبين كذلك العقل أن العموم غير مراد في قوله تعالى مثلا :"والله على كل شيء قدير " (49) حيث "خصصه العقل بمعنى أنه لم يرد في العموم دخول ذات الباري وصفاته، لأن ذلك محال، بل المراد جميع ما عدا ذلك". (50)
يقول العالم اللغوي ابن خروف :" لا يدخل شيء من صفات الباري تعالى تحت الإخبار في نحو قوله تعالى :" خالق كل شيء"، (51) لأن العرب لا تقصد ذلك ولا تنويه، ومثله :" والله بكل شيء عليم" (52) وإن كان عالما بنفسه وصفاته، ولكن الإخبار إنما وقع عن جميع المحدثات، وعلمه بنفسه وصفاته شيء آخر قال : فكل ما وقع الإخبار به من نحو هذا، فلا تعرض فيه، لدخوله تحت المخبر عنه، فلا تدخل صفاته تعالى تحت الخطاب، وهذا معلوم من وضع اللسان". (53) بمعنى أن الواضع راعى ما يكشف عنه العقل في الاستعمال، فوضعه ضمن الاعتبارات، أو القرائن المرشدة إلى المراد، كالحس والعرف والشرع.
هذا وكما تظهر فعالية العقل في الاجتهاد البياني بالرغم من تبعيته، تظهر فعاليته كذلك في الاجتهاد القياسي والاستصلاحي، وسوف نضطر في تبيان فعالية العقل في الاجتهاد القياسي إلى الابتعاد عن الإمام الشاطبي باعتباره لم يفرد بابا بعينه للقياس، وإنما كان يكتفي بالإحالة على ما يوجد في الكتب الأصولية كعادته في كل القضايا التي قتلها الأصوليون بحثا.
وأول شيء نفتتح به هنا هو هذا السؤال الذي يطرحه أبو الحسين البصري :"ما الذي يقع النظر فيه حتى يعلم حصول الحكم في الأرز؟" ليجيب عن بقوله :
"إن القائس ينظر أي الأوصاف يؤثر في قبح بيع الأرز متفاضلا، فنظره يتعلق بالحكم وبالعلة، ثم ينظر هل العلة موجودة في الأرز أم لا؟ فإن كانت موجودة تبعها الحكم، ولو علم قبح بيع البر متفاضلا ضرورة أمكنه قياس الأرز عليه، وإنما يحتاج الأرز إلى استدلال بالخير على ثبوت الربا في البر، لأنه ليس يعلم ذلك ضرورة ولا بدليل عقل، وهذه الجملة لا بد منها ولا خلاف فيها، فإن خالف فيها أحد فيما ذكرناه يفسد قوله". (54)
وبذلك يتجلى أن نظر القائس يتناول سائر أركان العملية القياسية، بحكم أن النظر يتردد فيها جميعا، (55) فهو ينظر في الحكم، هل هو من النوع الذي يستثمره أو الذي لا يستثمر بطريق القياس؟ ثم ينظر في العلة الدالة على الحكم التي "يجوز أن تكون وصفا لازما أو عارضا أو إسما أو حكما". (56) كما يجوز أن تكون حكمة الحكم أي المعنى المناسب الذي ترتب عنه الحكم، وينظر أيضا في المسالك الموصلة إلى العلة بحكم أن العلة، وإن كانت لا تثبت إلا توقيفا باعتبار أنها بمنزلة الحكم، فإن طرق معرفتها تتسع لما هو أكثر من التنصيص عليها.
يقول الإمام الغزالي :" لا يثبت الحكم إلا توقيفا، لكن ليس طريق معرفة التوقيف في الأحكام  مجرد النص، بل النص والعموم والفحوى ومفهوم القول وقرائن الأحوال وشواهد الأصول وأنواع الأدلة، فكذلك إثبات العلة تتسع طرقه ولا يقتصر فيه على النص"، (57) حيث يلتجئ المجتهد في إثباتها إلى التنبيه والإشارة، أو المناسبة أو السبر والتقسيم أو الدوران، أو الشبه، كما ينظر هل العلة موجودة في الفرع أو غير موجودة؟ وهنا يفتح الباب على مصراعيه للعقل " لأن وجودها في الفرع يجوزان أن يثبت بسائر أنواع الأدلة من الحس ودليل العقل والعرف والشرع". (58)
وكل ذلك يعكس فعالية العقل في هذا النوع من الاجتهاد، بل إن فعاليته تظهر بجلاء عندما تكون شهادة الخطاب للوصف ضعيفة، بأن يكون دالا عليه بالتنبيه والإشارة فقط، أو بإجماع مبهم، أو يكون مناسبا غريبا، أو بأصالة التعليل في الأحكام فقط، فإن المجتهد حينئذ يكون في حاجة إلى مؤازرة كل ذلك بأدلة عقلية يعضد بها هذه المناسبة الغريبة، أو الإجماع المبهم، أو ما أومأ إليه الخطاب... لأنه بهذه الأدلة العقلية أو المناهج الفكرية يصبح لديه باستمرار دليلان على علية الوصف.
أحدها : إيماء الخطاب إلى الوصف والثاني : المناسبة.
أو أن إحداهما : المناسبة الغريبة أو الإجماع المبهم، والثاني : السبر والتقسيم.
أو أن أحدهما : أصالة العليل في الأحكام، والثاني : الدوران، أي أن الوصف إذا فقد المناسبة بأن أفضى السبر والتقسيم إلى وصف لم تظهر معقوليته، فإن المجتهد عندئذ يلتجئ إلى منهج آخر هو الدوران، ودليل شرعي وهو أن التعليل هو الغالب على أحكام الشرع" (59) بمعنى مراعاة الشارع المصالح والمفاسد في أحكامه.
وبذلك كله يظهر أن كل مسلك من مسالك العلة ما عدا ما دل عليه الخطاب بألفاظ صريحة لا يقوى على الدلالة على علية الوصف، لأن كل واحد منها ضعيف بمفرده، قوي بتآزره، فالمناسبة أي معقولية المعنى مع شهادة الخطاب الضعيفة، والسبر والتقسيم مع المناسبة الغريبة، والدوران مع ما ثبت بالاستقراء أن الأصل في الأحكام التعليل، وهكذا. (60)
أما الاجتهاد الاستصلاحي فإن فعالية العقل فيه لا تظهر في استقلاليته في الدلالة على الأحكام كما قد يتوهم، إذا العقل ليس بشارع، وإنما تظهر فقط في تصفحه لهذه الأدلة الجزئية المبثوثة في الخطاب، وتتبع المعنى المشترك فيها وتكوينه لذلك العام المعنوي الذي أطلقوا عليه المصلحة المرسلة أو المناسب المرسل، مثل ما هو الأمر مثلا في قاعدة إقامة السباب مقام المسببات أو المظنة مقام الحكم، حيث نجد العقل يأخذ هذا
الأصل الكلي من جزيئات عديدة، من بينها أنه وجد الشارع يقيم النوم مقام الحدث في وجوب الوضوء، ويقيم الإيلاج في أحكام كثيرة مقام الإنزال، كما يقيم مظنة العقل وهي البلوغ مقام العقل، وإقامة شغل الرحم وهو الوطء مقام شغل الرحم في إيجاب العدة في كل منهما، وحرم الخلو بالأجنبية حذرا من الذريعة إلى الفساد، إلى غير ذلك من الجزئيات المشتركة في معنى عام يجمعها، كون عن طريق استقراء العقل بهذه الجزئيات في الخطاب. ثم في إعطائه بعدا شموليا في الدلالة على الأحكام لا يختلف عن شمولية الأصول التي نص علها الخطاب، إذ لا فرق في الدلالة بين قوله تعالى :" ولا تزر وازرة وزر أخرى"، (61) وقوله تعالى :" وما جعل عليكم في الدين من حرج"، (62) وقوله صلى الله عليه وسلم :"لا ضرر ولا ضرار". (63) وبين الكليات المنتزعة من الخطاب كالمحافظة على الدين، والنفس والعقل" إذ القوانين الكلية – كما يقول الشاطبي – لا فرق بينها وبين الأصول الكلية التي نص عليها الخطاب"، (64) حيث يصبح كل منهما جاريا مجرى العموم المستفاد من الصيغ في الدلالة على الأحكام.
كما تظهر فعاليته أيضا في تتبع مخصصات هذه القوانين الكلية، حيث يرى الإمام الشاطبي أن هذه العمومات المعنوية "إن لم يكن العموم مكررا ولا مؤكدا ولا منتشرا في أبواب الفقه، فالتمسك بمجرده فيه نظر، فلا من البحث عما يعارضه أو يخصصه.. فإنه معرض لاحتمالات، فيجب التوقف في القطع بمقتضاه حتى يعرض على غيره، ويبحث عن وجود معارض فيه"، (65) لأنه كالعام، وحيث كان العام يخصص كانت القواعد تخصص بعضها بعضا.
6 – على هذا المستوى القسم الأول من النظر، أما على مستوى تحقيق المناط الذي هو "النظر في معرفة وجود العلة – أو المصلحة – في آحاد الصور بعد معرفتها في نفسها"، (66) أو هو بتعبير آخر للإمام الشاطبي "أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محله"، (67) أي تطبيقه على الجزئيات الخارجية، فإننا نجد الإمام الشاطبي في رصده لهذا الشق من النظر يركز فيه على جهتين : جهة فعالية العقل فيه، وجهة تبعية العقل للنقل.
أما من جهة فعالية العقل فيه، فإننا نجده بعد تقريره : أن كل دليل شرعي مفتقر إلى مقدمتين : إحداهما نقلية والأخرى نظرية، يحدد ابتداء ما يعنيه بالمقدمة النظرية، هنا حيث يذكر أنها "ما سوى النقلية، سواء علينا أثبت – أي تحقيق المناط – بالضرورة أم بالفكر والتدبر، ولا أعني بالنظرية مقابل الضرورية"، (68) ذلك لأن تحقيق المناط "إنما يفتقر فيه إلى العلم بما لا يعرف ذلك الموضوع إلا به من حيث قصدت المعرفة به، فلا بد أن يكون المجتهد عارفا ومجتهدا من تلك الجهة التي ينظر فيها ليتنزل الحكم الشرعي على وفق ذلك المقتضى... كالصانع في معرفة عيوب الصناعات، والطبيب في العلم بالأدواء والعيوب، وعرفاء الأسواق في معرفة قيم السلع ومداخل العيوب  فيها، والعاد في صحة القسمة، والماسح في تقدير الأرضين ونحوها، كل ذلك وما أشبهه مما يعرف به مناط الحكم الشرعي، غير مضطر إلى العلم بالعربية، ولا العلم بمقاصد الشرعية، وإن كان اجتماع ذلك كمالا في المجتهد". (69)
ومن هنا يمكن أن يقال : إن تحقيق المناط لا يقوم به الفقيه، وإنما يقوم به ذوو الاختصاص فقهاء كانوا أو غير فقهاء، مثلا : أن تحقيق المناط في التدخين لا يقوم به الفقيه، وإنما يقوم به العالم البيولوجي في المختبر، حيث يعمد إلى تحليل مادة التدخين إلى العناصر المكونة لها ليحكم في النهاية بضررها أو عدم ضررها، فيبني الفقيه حكمه على ما توصل إليه العالم كما "يبني القاضي في تغريم قيمة المتلف على اجتهاد المقوم للسلع، وإن لم يعرف هو ذلك، ولا يخرجه ذلك عن درجة الاجتهاد، وكما بنى مالك أحكام الحيض والنفاس على ما يعرفه النساء من عاداتهن، وإن كان هو  غير عارف به، وما أشبه ذلك"، (70) ذلك لأن النظر كما يرى بعض الأصوليين إن كان في دليل الحكم كان ذلك يتولاه هم علماء الشرعية وفقهاؤها من توفرت فيهم شروط معينة لخصوصها في "الاجتهاد والاستقامة في الدين، عملا واعتقادا". (71) وإن كان النظر في تحقيق مناط الحكم، كان الذي يتولى اتخاذ القرار المناسب إنما هم " أهل النظر الذين عرفوا في الأمة بكمال الاختصاص في بحث الشؤون، وإدراك المصالح، والغيرة عليها". (72)
أو بتعبير آخر للشيخ "رشيد رضا" هم "كبار العلماء، ورؤساء الجند، والقضاة، وكبار التجار والزراع، وأصحاب المصالح العامة، ومديرو الجمعيات، والشركات، وزعماء الأحزاب، ونابغو الكتاب، والأطباء، والمحامون، الذين تثق بهم الأمة في مصالحها، وترجع إليهم في مشكلاتها، حيث كانوا" (73) لأن "شؤون الأمة متعددة بتعدد عناصر الحياة، وأن الله قد وزع الاستعداد الإدراكي على الأفراد حسب تنوع الشؤون، وصار لكل شأن بهذا التوزيع رجال هم أهل معرفته، ومعرفة ما يجب أن يكون عليه". (74)
هؤلاء الرجال هم "أولو الأمر من الأمة" وهم الوسيلة الدائمة في نظر الإسلام لمعرفة ما تسوس به الأمة أمورها مما لم يرد من المصادر السماوية الحاسمة، وأخيرا هم : أهل الإجماع الذين يكون اتفاقهم حجة يجب النزول عليها والعمل بمقتضاها مادام الشأن هو الشأن، والمصلحة هي المصلحة، حتى ما إذا تبدل الشأن وتغير وجه المصلحة بتغير الحافة بموضوع النظر، كان عليهم أو على من يخلفهم إعادة النظر على ضوء ما جد من ظروف ومقتضيات، وحل الاتفاق اللاحق محل الاتفاق السابق، وكانت الأمة في الحالين خاضعة لما أمرها الله بطاعته، فقد أقام من رحمته رأي الأمر فيما ترك من التشريع العيني فيه، مقام تشريع كتابه وتشريع رسوله فيما وردا فيه، وسوى بني الثلاثة – كل في دائرته – في عموم وجوب الطاعة.
وذلك لأن " تحقيق المناط لا يلزم منه أن يكون ثابتا بدليل شرعي فقط، بل يثبت بدليل غير شرعي وبغير دليل"، (75) "لأن المقصود من هذا الاجتهاد إنما هو العلم بالموضوع على ما هو عليه". (76) وأما من جهة تبعية هذا النظر إلى ما قبله، أعني تبعية المقدمة  النظرية المتعلقة بتحقيق المناط إلى المقدمة النقلية المتعلقة بأدلة الأحكام، فإن وجه تبعيتها يتبين من أن المقدمة النقلية أو السمعية تكون أبدا هي الحاكمة على المقدمة النظرية، وذلك أن "مقتضى المقدمة النظرية" (77) هو أن "ينظر الحكم بها على ما تحقق أنه مناط ذلك الحكم" الثابت بالنظر في المقدمة النقلية، بمعنى أن المكلف مثلا " إذا أراد أن يتوضأ بماء فلا بد من النظر إليه، هل هو مطلق أم لا؟ وذلك  برؤية اللون، وبذوق الطعم، وشم الرائحة، فإذا تبين على أنه أصل خلقته، فقد تحقق مناطه عنده أنه مطلق، وهي المقدمة النظرية، ثم يضيف إلى هذه المقدمة ثانية نقلية وهي أن كل ماء مطلق فالوضوء به جائز، وكذلك إذا نظر، هل هو مخاطب بالوضوء أم لا ؟ فينظر هل هو محدث أو لا ؟ فإذا تحقق الحدث فقد تحقق مناط الحكم، فيرد عليه أنه مطلوب بالوضوء، وإن تحقق فقده فكذلك، فيرد عليه أنه غير مطلوب بالوضوء، وهي  المقدمة النقلية". (78)
وبذلك كله، يتبين وجه تبعية الجانب العقلي في تحقيق المناط إلى الجانب النظري في أحكام الشريعة، بل إن تبعية العقلي للنقلي ليس قاصرا على الشرعيات، بل هو "جار في كل مطلب عقلي أو نقلي"، (79) أو بتعبير آخر : أنه كما يجري في القضايا النقلية مثل الشرعيات واللغويات يجري في القضايا العقلية.
ففي اللغويات نجد أننا لا نحكم برفع أحد الإسمين من قولنا مثلا : ضرب زيد عمرا إلا بعد معرفة الفاعل من المفعول، " فإذا حققنا الفاعل وميزناه، حكمنا عليه بمقتضى المقدمة النقلية وهي أن كل فاعل مرفوع، ونصبنا المفعول كذلك لأن كل مفعول منصوب ". (80)
ونظير هذا في العقليات المقدمات المسلمة، وهي الضروريات، وما تنزل منزلتها مما يقع مسلما عند الخصم، فهذه خاصية إحدى المقدمتين : وهي أن تكون مسلمة، وخاصية الأخرى أن تكون تحقيق مناط الأمر المحكوم عليه". (81)
وفي المناظرات كذلك باعتبارها ضربا من العليات، إذ هي لا تجري إلا في المقدمة النظرية أعني تحقيق المناط، لأن النزاع لا يقع إلا فيها، ومن ثم كان "محل النظر هو تحقيق المناط" (82) "أما المقدمة الحاكمة فلا بد من فرضها مسلمة". (83)
وبيان ذلك، " أن الخصمين إما أن يتفقا على أصل يرجعان إليه أم لا ، فإن لم يتفقا على شيء لم يقع بمناظرتهما فائدة بحال، وإذا كانت الدعوى لا بد لها من دليل، وكان الدليل عند الخصم متنازعا فيه فليس عنده بدليل، فصار الإتيان به عبثا لا يفيد فائدة ولا يحصل مقصودا، ومقصود المناظرة هو رد الخصم إلى الصواب بطرق يعرفه، لأن رده بغير ما يعرفه من باب تكليف ما لا يطاق، فلا بد من رجوعهما إلى دليل يعرفه الخصم السائل معرفة الخصم المستدل". (84)
ثم يسوق أمثلة لتدليل على هذا من بينها قوله تعالى :" فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول" (85) إذ الكتاب والسنة لا خلاف فيهما عند أهل الإسلام، ومثل الكتاب والسنة وكل أصل يحتكم إليه، إذ ليس فائدة التحاكم إلى الدليل إلا قطع النزاع ورفع الشغب"، (86) مثل ما هو واقع في حوار المومن بغيره في القرآن الكريم، كقوله تعالى :"إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا"، (87) وقوله تعالى :"أتعبدون ما تنحتون"، (88) وقوله تعالى :" إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم"، (89) وقوله تعالى :" يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده"، (90) " وعلى هذا النحو تجد احتجاجات القرآن فلا يوتى فيه إلا بدليل يقر الخصم بصحته شاء أو أبي". (91) ولو فرض نزاع الخصم فيها " صارت مقدمة تحقيق المناط، ولا بد إذ ذاك من مقدمة أخرى تحكم عليها" إذ النزاع لا يقع إلا في مقدمة تحقيق المناط.
وهكذا يظهر بجلاء تبعية العقل للنقل من حيث ما رصدت الثنائية في النقليات، أو في العقليات، إذ "الإبداع وهو إيجاد الشيء دفعة لا عن موجود، ولا بترتيب، ولا عن نقص إلى كمال وليس ذلك إلا للباري سبحانه وتعالى".(92)


1 – المنطق عند الفارابي : تحقيق وتقديم وتعليق، د. رفيق العجم 3/169، وانظر كذلك/ المنطق : للشيخ محمد رضا المظفر 1/47.
2 – تكوين العقل العربي د. محمد عابد الجابري /ص :100.
3 – سورة الذاريات – الآية : 49.
4 – كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق : لأبي نصر الفارابي / تحقيق وتقديم وتعليق د.محسن مهدي – ص : 92.
5 – سورة الفتح – الآية :23.
6 – الاعتصام : 2/161.
7 – الموافقات : 3/41.
8 – نفس المصدر : 3/41.
9 – الموافقات : 3/52.
10 – سورة الأنبياء – الآية : 22.
11 – سورة النحل – الآية : 103.
12 – سورة يس – الآية : 81.
13 – الموافقات : 3/53.
14 – سورة المائدة – الآية:1.
15 – سورة البقرة – الآية : 183.
16 – الموافقات :3/53.
17 – نقلا عن المرآة ص : 569.
18 – الموافقات : 3/27.
19 – الموافقات : 3/28.
20 – الموافقات : 3/30.
21 – الموافقات : 3/27.
22 – انظر التلويح : 2/157.
23 – الموافقات : 3/41.
24 – الموافقات : 3/41.24 – التوضيح بهامش التلويح : 2/191.
26 – الموافقات : 3/41.
27 – الموافقات : 1/35.28 – الموافقات : 3/42.
29 – سورة النجم – الآية : 42.
30 – سورة النحل – الآية:89.
31 – الموافقات :3/43.
32 – سورة النساء – الآية : 59.
33 – سورة الحشر – الآية : 7.
34 – الموافقات :1/87.
35 – نقلا عن المرآة، ص : 573. يقول المحقق التفتازاني :" واعلم أن العلم الذي يحصل الإدراك بإشراقه، وإفاضة نوره، ويكون نسبته إلى النفوس نسبة الشمس إلى الأبصار على ما ذكره الحكماء هو العلم العاشر المسمى بالعقل الفعال لا العقل الذي هو أول المخلوقات" التلويح 2/157، ومن ثم لا يرد علينا قوله عليه الصلاة والسلام: "أول ما خلق الله العقل".
36 – شرح مختصر الروضة : 1/472.
37 – سورة البقرة – الآية : 31.
38 – شرح مختصر الروضة : 1/474.
39 – نفس المصدر :1/475.
40 – سورة فاطر – الآية :24.
41 – سورة القيامة – الآية : 36.
42 – نقلا عن كتاب سلم الوصول لشرح نهاية الرسول : 1/282.
43 – شفاء الغليل : 158.
44 – شفاء الغليل : 157.
45 – المقدمات : 1/39.
46 – الموافقات : 1/89-90.
47 – الحديث انظره في "السنن الكبرى" : 6/220.
48 – سورة الرعد – الآية : 16.
49 – سورة البقرة – الآية : 284.
50 – الموافقات : 1/90.
51 – سورة الرعد – الآية : 16.
52 – سورة البقرة – الآية : 282.
53 – الموافقات : 3/270-271.
54 – المعنى في أصول الفقه : 1/701.
55 – انظر تفاصيل هذا في "الخطاب الشرعي وطرق استثماره" للباحث، ص : 275 إلى 286.
56 – كشف الأسرار : 3/346.
57 – المستصفى : 2/72.
58 – كشف الأسرار : 3/351.
59 – شرح الأسرار : 3/351.
60 – انظر بسط هذا مصحوبا بالأمثلة في كتابنا " الخطاب الشرعي وطرق استثماره": من 317 إلى 317، وكذلك أيضا 327 – 328.
61 – سورة الأنعام – الآية : 164.
62 – سورة الحج – الآية : 78.
63 – الحديث أخرجه ابن ماجة في "الأحكام" 2340-2341، ومالك في "الموطأ" في القضية.
64 – الموافقات : 3/32.
65 – الموافقات : 3/307.
66 – الأحكام للآمدي : 3/435.
67 – الموافقات : 4/190.
68 – الموافقات : 3/43.
69 – الموافقات : 4/165-166.
70 – الموافقات : 4/118 الفقرة التالية نقلناها من كتابنا :الخطاب الشرعي" 156.
71 – انظر بسط هذه الشروط في "كشف الأسرار" 3/237، و"مفاتيح الغيب" 7/205، و"الرسالة "509.
72 – الإسلام عقيدة وشريعة: 463.
73 – تفسير المنار : 5/198.
74 – الإسلام عقيدة وشريعة : 463.
75 – الاعتصام : 2/161.
76- الموافقات : 4/165.
77 – الموافقات : 3/44-45.
78 – الموافقات : 3/44.
79 – الموافقات : 3/43.
80 – الموافقات : 3/45.
81 –الموافقات : 3/45.
82 – نفس المصدر : 4/334
83 – نفس المصدر : 4/334.
84 – الموافقات : 4/335.
85 – سورة النساء – الآية : 59.
86 – الموافقات : 4/336.
87 – سورة مريم – الآية :42.
88 – سورة الحاقات – الآية : 95.
89 – سورة آل عمران – الآية : 59.
90 – سورة آل عمران  - الآية : 65.
91 – الموافقات : 4/336.
92 – الذريعة إلى مكارم الشريعة : لراغب الأصفهاني / تحقيق دراسة : أبو الزيدي العجمي، ص : 416.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here