islamaumaroc

إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت…[افتتاحية]

  دعوة الحق

العدد 313 ربيع 1-ربيع2 1416/ غشت-شتنبر 1995

آية قرآنية كريمة، وردت في سورة هود، وجاء ذكرها على لسان نبي الله شعيب عليه السلام، وهو يدعو قومه إلى التوحيد والإيمان، والعبادة وصالح الأعمال.
والدعوة إلى صلاح أحوال الناس، والسعي في إرشادهم وهدايتهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم دينا ودنيا مبدأ متأصل في الإسلام بعث الله به نبيه ورسوله سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم كما بعث الله به كافة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
فما من نبي رسول بعثه الله إلى قومه إلا وجاء بإنقاذهم من أنواع الجهل والضلال، وانتشالهم من أشكال الفساد والانحلال، وعمل بفضل الوحي الإلهي على إصلاح ما فسد من أوضاع الناس وتقويم ما اعوج من أحوالهم الدينية والاجتماعي والاقتصادية، وعلى العودة بهم إلى سلوك طريق الجادة والاستقامة، والتزام السير بهدي وتعقل على النهج السليم الذي يسعد الفرد ويسعد الأمة جمعاء في كل عصر وجيل، وفي كل ميدان من الميادين، وهو ما سنستفيده من عموم قول الله تعالى في حق نبيه المصطفى الكريم :"هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين".
وللإشارة إلى جوانب من هذا الإصلاح الذي جاء به الأنبياء المرسلون، وجاء به إمامهم وخاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وللتذكير به والاهتداء إليه، ينبغي للمسلم ويجدر بالمؤمن أن يتتبع آيات القرآن الكريم، وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ليجد أن الإصلاح الذي بعث الله به من اصطفاهم من خلقه، وجعلهم بواسطة بينه وبين عباده، هو إصلاح عام وشامل لكل مناحي الحياة البشرية، وجوانبها المتعددة.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، يكفي أن يستحضر المسلم آيات الوصايا العشر، ويقرأها بتدبر وإمعان ليجد تلك الحقيقة واضحة ناصعة، بادية للعيان، ظاهرة لأولي الألباب والأبصار، وهذه الآية الجامعة الشاملة لبعض جوانب الإصلاح في حياة الناس عقيدة وعبادة، أخلاقا ومعاملة، هي قول الله تعالى في سورة الأنعام :"قل تعالوا أتل عليكم ما حرم ربكم عليهم ألا تشركوا بالله، وبالوالدين إحسانا، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقهم وإياكم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون، ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا تكلف نفس إلا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى، وبعهد الله أوفوا، ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون، وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون".
ومن المعروف والبديهي لدى المسلم أن الحكمة من بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام هي – كما ذكرت – هداية الناس وإرشادهم للخير، وإصلاح أحوالهم كلها، وإقامة الحجة عليهم يوم الدين، وذلك حتى لا يظل الإنسان في شيء من ذلك، فيزيغ وينحرف عن الصراط السوي ويصلح أسير هواه ونفسه الأمارة بالسوء، فينعكس أثره السلبي على الفرد والمجتمع مصداقا لقوله تعالى :" ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن" وقوله :" إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم  ربي" وقوله :" إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" وقوله سبحانه : "رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيزا حكيما".
وإذا كان الإصلاح الذي بعث الله به الأنبياء والمرسلين، يتواصل ويستمر بعدهم في الصالحين من أتباعهم المؤمنين، فإن الإصلاح الذي بعث الله به نبيه ورسوله سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم، وجاء به الدين الإسلامي الحنيف الذي هو خاتمة الأديان، وصالح لكل زمان ومكان، قد استمر في حفظ الله كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وفي قيام هذه الأمة الإسلامية على أمر الله، وفي ظهورها على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون، مصداقا للحديث النبوي الشريف :" تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك". وقوله :" تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله وسنتي".
كما تواصل هذا الإصلاح الشامل للفرد والمجتمع في شؤون الدين والدنيا، والهادف إلى حفظ الأمة الإسلامية في وجودها واستمرارها، وفي قوتها وتماسكها، وتحقق وتتابع في عهد الصحابة الأبرار، وفي عهد تابعيهم بإحسان، وتواصل في كل جيل من أمة الإسلام، على يد الصالحين المصلحين، من ملوك وولاة أمور المسلمين، وعلى يد أهل الحل والعقد، والتبصر والنظر من العلماء المتفقهين في الدين، والدعاة المخلصين، ورجال الفكر من المثقفين الواعين، والمفكرين المتبصرين الذين لم يكن يخلو منهم زمان ولا مكان في عهد من عهود الإسلام مشرقا ومغربا، فكانوا ينادون دائما بإصلاح أحوال شعوبهم وبلادهم، ويدعون إلى ذلك ويحثون عليه، ويسعون جهد استطاعتهم وإمكانهم لتحقيق ذلك في كل أمر من أمور المسلمين وفي كل مرفق من مرافق حياتهم العامة، وكانوا ينبهون إلى ذلك ويؤكدون عليه، كلما رأوا بثاقب فكرهم وبعد نظرهم ونور بصيرتهم، وسديد رأيهم وعمق معرفتهم بالأمور، ودرايتهم بشؤون الحياة أن شيئا من الانحراف طرأ على سلوك الناس، وأخذ يدب دبيب النمل في جسم المجتمع، ويسري فيه سريان الماء في الشرايين والعروق وأن شيئا من الضعف والتراجع المادي والمعنوي بدأ يظهر بكيفية او بأخرى، وأنه سينال – حالا أو مالا – من وزن الفرد والمجتمع بأكمله، وسيؤثر عليه وعلى مكانته واعتباره في نظر الغير، وبين الشعوب والأمم الأخرى.
ومن ثم يأتي ذلك بالنداء بالإصلاح، والتوجيه إليه والأمر به فيكون لتقبله أثره الحميد ودوره الإيجابي والفعال، في التنبيه والتذكير، واستنهاض العزائم والهمم، للعمل يدا في يد، وبكل حزم وعزم، لتوضع القاطرة على السكة المستقيمة، وتسير في اتجاهها السليم، الذي يضمن للفرد والمجتمع بأكمله السلامة، ويصل به إلى الهدف المنشود في ثقة واطمئنان، وبلوغ أرفع مقام في الرقي والاستقرار، والتقدم والازدهار، تحقيقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم :"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها"، وقوله :" العلماء ورثة الأنبياء" وقوله :" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون".
وهذا التوجه والتوجيه الإصلاحي الشامل لكل جوانب الحياة المغربية، ومرافقها العامة والخاصة، المنبثق من عمق الشعور بالمسؤولية الكبرى والإحساس بالأمانة العظمى، نجده في تلك الرسالة الملكية السامية التي وجهها مولانا أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني إلى الأمة الإسلامية بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري والتي جاءت جامعة لكل مناحي الإصلاح في حياة الأمة.
ونجده دائما وبكيفية متجددة في كل الكلمات والخطابات الملكية السامية التي يوجهها جلالته إلى شعبه الوفي في المناسبات الدينية والوطنية، أسوة بأجداده الميامين ملوك الدولة العلوية الشريفة، وسيرا على نهجهم الحميد، وهي كلمات وخطابات تفيض بالنصح والحماس والتوجيه السليم، وتنبض بالحيوية والغيرة والمحبة، وتحفل بالتوجيهات النيرة الملهمة، والإصلاحات البناءة الهامة، والمقاصد الهادفة النبيلة، والمرامي البعيدة، والدعوة إلى التشبث بالوحدة المتماسكة، والتحلي بالوطنية الصادقة، مثلما نجد ذلك في خطاب العرش لشهر مارس المنصرم 1995 بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين.
ذلكم الخطاب الملكي السامي الذي تحدث فيه جلالته عن جوانب من الحياة المغربية، وما تطلبه من إصلاحات بناءة بنظرة فاحصة شمولية لبعض مرافقها المتعددة، وختمه جلالته بتلك الآية الكريمة المعبرة، الجامعة لكل إصلاح منشود في الحياة الإنسانية العامة، والتي جاءت عنوانا لافتتاحية هذا العدد، وهي قول الله تعال على لسان شعيب عليه السلام :" إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
وهي آية كريمة يجدر بكل مسلم ومسلمة يحب دينه ووطنه، أن يجعلها شعاره، وينبغي لكل مواطن ومواطنة غيور على بلده وأمته، ويسعى في الخير والصلاح لنفسه ومجتمعه، أن يجعلها نصب عينيه، ويعمل لتحقيقها بضميره وإخلاصه في عمله المناط به في الحياة، مثلما يستحضر ويعمل بقول الله تعالى : "وتعاونوا على البر والتقوى" وقوله : "من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها، ثم إلى ربكم ترجعون".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here