islamaumaroc

أبو عبيد القاسم بن سلام-الفقيه اللغوي.

  قاسم عزيز الوزاني

العدد 312 ربيع 1-ربيع 2 1416/ غشت-شتنبر 1995

لم يمض على نزول القرآن زمن طويل حتى بدأت القرائح تتفتق، والعلوم الإسلامية تنمو وتتوسع، فبرز علماء في بكور هذا الشعاع الإلهي في مستوى عال، من بينهم أبو عبيد القاسم، هذا العالم ذو الأصل التركي، الذي عاش في بداية الدولة العباسية، حيث شاهد عهده انفتاحا على عناصر  من مختلف الأمم الدانية والنائية، والذي وعى كتاب الله وسنة رسوله لفظا وغاية، وساهم في بناء الحضارة الإنسانية بتآليفه القيمة في العلوم الإنسانية، أبرزها الجانب اللغوي، والجانب الفقهي، والنظام المالي، فأجاد وأفاد وترك تراثا يستحق التقدير.

فمن هو هذا العالم؟
هو أبو عبيد القاسم بن سلام التركي الهروي الأزدي الخزرجي بالولاء، كان أبوه مملوكا روميا، ولد بهراء من بلاد خراسان سنة 157 هـ 774 2 . (1)
كان أبو عبيد أحد الأئمة في الدين، وعلما من أعلام المسلمين الذين نبتوا في ظل تعاليم الإسلام والهداية القرآنية التي تدعو إلى الكرع من حياض المعارف، وإلى تنوير الأفكار، وترغب في تقصي الحقائق، والسير في دروب العلم.
فلا غرابة أن نجد في بكور انتشار هذا الدين الحنيف عالما في مستوى أبي عبيد، له تآليف قيمة، شكلا ومضمونا، في الفقه الإسلامي، وعلوم اللغة العربية، رغم أصله التركي ولسان آبائه الأعجمي، لأن عروبة الدولة الإسلامية مفتوحة القرآن لسائر المؤمنين، فللأعجمي، إن وعى القرآن ولغته إيمانا وبيانا، أن ينصهر في بوتقة أقرانه من العرب وغيرهم، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم، بل وقد يمد يدا إلى قيادة الدولة التي لا يعلو فيها أحد على أحد إلا بالعلم والخلق والقدرة على خدمة الرسالة كما أرادها الله تعالى.
وصاحبنا وجد في المجتمع الإسلامي أرضا خصبة فإبراز مواهبه العلمية، وإظهار ثروته المعرفية، تعلم القرآن الكريم في صغره رغبة في والده سلام الذي بقي لسانه معوجا، ولغته ركيكة.
يروى أنه عندما وجه والده للكتاب قال للمعلم :" علمي القاسم فإنها كيسة"، وهو يقصد بذلك :"علم لي القاسم فإنه كيس". (2)
عاش أبو عبيد في ظل الدول العباسية التي تولت الخلافة من سنة 132 هـ إلى سنة 656 هـ، وتعاقب على حياته عدد من الخلفاء، كان معظمهم على قدر وافر من الذكاء وسداد الرأي والشجاعة في تحمل المسؤولية، ومواجهة المشاكل في الداخل والخارج.
وقد عرف المجتمع آنذاك تشكلات اجتماعية وعناصر من البشر مختلفة أهمها : عنصر العرب والفرس والأتراك، إلى جانب عنصر الرقيق المؤلف من عدة أجناس، كونوا جميعا مجتمعا يتميز بالحيوية والنشاط، فشهد هذا العهد حركة عقلية ضخمة، أمدتها روافد كثيرة، أولها الثقافة العربية الأصيلة التي تتمثل في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وفقهها، وفي الشعر وعلوم اللغة، وقد نالت هذه الفروع تقدما كبيرا، بل إن بعضها أنشئ إنشاء كالنحو والعروض... وشهد هذا المجتمع جوا زاخرا بالعلماء الأفذاذ في كل نوع من أنواع المعرفة، مثل الإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، والواقدي صاحب "السير والمغازي" وقطرب النحوي، إلى جانب الفلاسفة وأصحاب المذاهب الكلامية وغيرهم.
تتلمذ أبو عبيد على شيوخ كثيرين شكلوا المدرسة التي كونت شخصيته الفذة، أخذ عن أبي الحسن الكسائي، علي بن حمزة، وأبي الوليد هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة السلمي، وأبي معاوية هشيم بن بشير بن أبي حازم، والأصمعي، والفراء، وغيرهم، وتخرج على يده خلق كثير ذاع صيتهم في عالم الفقه ولأدب، وسمع منه الإمام أحمد بن حنبل والإمام البخاري وأبو داود والترمذي والدارمي وأصحاب "السنن" وغيرهم... ونقل كلامه لغويون من بينهم ابن منظور في معجمه "لسان العرب" وفقهاء أذكر منهم أبو الوليد ابن رشد (الحفيد) في كتابه " بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، وأبو عبد الله ابن المناصف في كتبه "الإنجاد في أبواب الجهاد" وغيرهم.
رحل إلى بغداد، فولي القضاء بطرسوس مدة 18 سنة، توقف فيها عن التأليف لانشغاله بمشاكل قضايا الناس، ثم رحل إلى مصر سنة 213 هـ، وكان منقطعا للأمير عبد الله بن طاهر الذي أعجب بحديثه، ونفحه بقدر من المال لينفقه على نفسه. (3)
وفي آخر حياته حج إلى بيت الله الحرام سنة 219 هـ، وبعد أن أدى الفريضة، وعزم على الانصراف، رأى في منامه رؤيا، قال عنها :" رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأردت الدخول عليه فمنعت، فقيل لي : لا تدخل عليه، ولا تسلم، وأنت خارج إلى العراق، فقلت :لا أخرج إذن. فأخذوا عهدي على ذلك وخلوا بيني وبينه، فسلمت عليه وصافحني". (4)
وأقام بمكة إلى أن مات سنة 224 هـ/883 م، تاركا وراءه ذكرا طيبا وأثرا حسنا.
قال عنه إسحاق بن راهويه الحافظ المحدث المشهور :"يحب الله الحق، أبو عبيد أعلم مني، ومن أحمد بن حنبل، ومن محمد بن  إدريس الشافعي، قال : ولم يكن عنده ذلك البيان، إلا أنه إذا وضع وضح". (5)
ولما سئل ابن قدامة عن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد قال :"الشافعية أفهمهم، إلا انه قليل الحديث، وأحمد أورعهم، وإسحاق أحفظهم، وأبو عبيد أعلمهم بلغات العرب". (6)
وعن محمد بن أبي بشر قال :"أتيت أحمد بن حنبل في مسألة فقال لي :"إئت أبا عبيد فإنه بيان لا تسمعه من غيره، فقال : فأتيته فشفاني جوابه". (7)
وقال إبراهيم العربي :" أدركت ثلاثة لن ترى مثلهم أبدا، تعجز النساء أن يلدن مثلهم، رأيت أبا عبيد ما مثله إلا بجبل نفخ فيه الروح، ورأيت بشر بن الحارث، فما شهدته إلا برجل عجن من قرنه إلى قدمه عقلا، ورأيت أحمد بن حنبل فرأيت كأن الله جمع له علم الأولين من كل صنف، يقول ما شاء الله ويمسك ما شاء الله". (8)
وقال عنه الجاحظ :"كان مؤدبا، لم يكتب الناس أصح من كتبه، ولا أكثر فائدة". (9)
ولما بلغ الأمير عبد الله بنطاهر خبر وفاته رثاه بأبيات هذا مطلعها :
يا طالب العلم قد أودى ابن سلام
كان فارس علم، غير محجام (10)
رحم الله هذا العالم الجليل، ونفع بفصله وعلمه الإسلام والمسلمين والبشر أجمعين.

وما هو إنتاجه الفكري؟
ألف ما يربو عن عشرين مصنفا في علوم القرآن والحديث والفقه والاقتصاد واللغة، من هذه المؤلفات ما هو مطبوع، ومنها الذي ما يزال مخطوطا أو مفقودا، أهمها :
"الغريب المصنف" وهو من أجل ما كتبه في اللغة، قضى في تأليفه نحو 40 سنة، وهو كتاب مطبوع في عدة مجلدات.
"غريب الحديث" ويبحث هذا الفن عن بيان ما خفي على كثير من الناس معرفته من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ألف هذا الكتاب أهداه إلى الأمير عبد الله بن طاهر الآنف الذكر، فقال : "إن عقلا بعث صاحبه على هذا الكتاب لحقيق أن يحوج إلى طلب المعاش، وأجرة له في كل شهر ألف درهم.
وقد صنف في هذا النوع غيره، من بينهم الزمخشري في كتابه :"الفائق في غريب الحديث والأثر" كما سبقه إلى التأليف فيه آخرون، إلا أن أبا عبيد جمع عامة ما في كتب السابقين، فرغب فيه أهل الحديث والفقه واللغة لاجتماع ما يحتاجونه إليه فيه.
وأورد فهنا ما يوضح النهج المتبع لديه في شرحه للغريب الموجود في حديث الرسول في ما يلي :
الحديث : "أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا يا رسول الله لم؟ " قال : لا ترا أي ناراهما".
وشرحه :" سببه قولان، أحدهما : أنه لا يحل لمسلم أن يسكن بلاد المشركين ليكون منهم بقدر ما يرى كل واحد منهما صاحبه، قال : فجعل الرؤية للنار، وإنما الرؤية لصاحبها، ومعناه أن تدنو هذه من هذه، والوجه الآخر يقال إن أراد بقوله : لا ترا آي ناراهما يريد نار الحرب، قال الله تعالى :" كلما أوقودا نارا لحرب أطفأها الله" (11) فيقول : فناراهما مختلفان، هذه تدعو إلى الله، وهذه تدعو إلى الشيطان فكيف يتفقان وكيف يساكن المسلم المشركين في بلادهم، وهذه حال هؤلاء وهؤلاء؟ (12)
أما مصنفاته الفقهية : فأهمها "كتاب الأموال"، وهو كتاب جليل جمع فيه ما يتعلق بالنظام المالي مستندا فيه على الكتاب والسنة، سالكا فيه مذهب الإمامين مالك والشافعي، محتجا باللغة والنحو كما هو الشأن في كتبه الفقهية الأخرى.
وقد ضمن كتابه هذا صنوف الأموال التي يليها الأئمة للرعية، وتمثل الموارد العامة لبيت المال التي تتجلى في الخراج والجزية وعشور التجارة والغنيمة والزكاة، كما تمثل أيضا النفقات العامة في مصارف الفيء والخمس، والزكاة وأرزاق الجيش وإحياء الأراضي.
ويتحدث فيه أيضا عن عدالة التوزيع وتداول المال والمحاسبة المالية، وتحديد الملكية الخاصة، ويتطرق فيه كذلك إلى المواثيق والعهود بين المعاهدين والأئمة، وبين هؤلاء وأهل الصلح من الدول المجاورة، ما يعرف اليوم بالقانون الدولي الخاص والعام.
ورغم من  سبقه ممكن كتب في هذا الموضوع، كأبي يوسف في كتابه "الخراج" ويحيى بن آدم في كتابه المسمى أيضا" بالخراج" يبقى كتاب أبي عبيد أوفي الكتب السابقة.

وهذه نماذج لتحليلاته في هذا المصنف :
ففي الخراج : يقرر ما سلكه عمر بن الخطاب حيث يقول بأنه :  بعث ابن حنيف إلى السواد (أرض العراق) فطرز الخراج (يعني نظمه) فوضع على جريب ( نوع من المساحة كالقيراط في مصر) الشعير بدرهمين، وعلى جريب الحنطة أربع دراهم وعلى جريب القصب ست دراهم... ووضع على الرجل الدرهم في الشهر والدرهمين في الشهر (يعني بحسب حال منهما). (13)
وفي الجزية : يشير إلى مراعى عدم تكليف من يؤديها ما لا يستطيع اعتمادا على وصية عمر للخليفة بعده :".. وأوصيه بذمة الله وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل من ورائهم وأن لا يكفوا فوق طاقتهم". (14)
وحدد عشور التجارة (وهي ضرائب على تجار أهل الذمة وأهل الحرب (الأجانب غير المسلمين) إذا مروا بتجارتهم في أرض المسلمين اعتمادا على ما كتب عمر  قال : يؤخذ من المسلمين من كل أربعين درهم درهم، ومن أهل الذمة من كل عشرين درهم درهم، وممن لا ذمة له كل عشرة دراهم درهم، "قلت له : ومن لا ذمة له؟ قال : الروم كانوا يقدرون الشام". (15)
وعن إقرار التداول ونبذ الاكتناز تطرق إلى أحاديث نبوية، منها "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقبل مالا عنده ولا يبيته". قال أبو عبيد يعني إذا جاءه غدوة لم ينتصف النهار حتى يقسمه، وإن جاء عشية لم يبيته حتى يقسمه". (16)
ويحل موعد الزكاة فيقول عن "الشهر الذي كانوا يجعلونه مبدأ الحول في الزكاة". حدثنا إبراهيم بن سعد... إلخ السند. سمعت عثمان بن عفان يقول :هذا شهر زكاتكم، قال إبراهيم : أراه يعني شهر رمضان". قال أبو عبيد ": وقد جاءنا في بعض الأثر – ولا أدري عمن هو – أن هذا الشهر الذي أراده عثمان هو المحرم". (17)
وعدالة التوزيع الذي ينقل إلينا، تستهدف كرامة الإنسان وتوازن بينه وبين المال، فلا تقديس لهذا ولا إذلال للآخر، معتمدا في ذلك على ما روي عن يزيد بن حبيب "أن أبا بكر رضي الله عنه كلم في أن يفضل بين الناس في القسم فقال : فضائلهم عند الله، فأما هذا المعاش فالتسوية فيه خير". (18)
غير أنه لا يفهم من التسوية في التوزيع إذابة الفرد في الجماعة، فقد أفاد أبو عبيد قال : "كان عمر يقول :"ما أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو أمنعه". (19)
نكتفي بهذا القدر ونحيل المتخصص على "كتاب الأموال" الذي يعتبر ما ورد فيه من الأحكام مادة خاما تمكنه من التوسع في الاقتصاد الإسلامي، وتضيء له السبيل لمن يعمل في هذا الميدان.

1 – توجد ترجمته في :
"جمهرة أنساب العرب" لأبي محمد علي بن حزم الأندلسي 3/14- ط1 دار الكتب العلمية – بيروت.
"معجم الأدباء" لياقوت الحموي 16/254 دار إحياء التراث العربي.
"تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي 12/404 دار الكتب العربية – بيروت.
"نزهة الألباب في طبقات الأولياء" للأنباري ص :189.
"الأعلام" للزركلي 5/176 دار العلم للملايين وغيرها...
2 – "تاريخ بغداد" 12/404.
3 – المصدر نفسه، و"معجم الأدباء" 16/254.
4 – "شذرات الذهب في أخبار من ذهب" لأبي الفلاح عبد الحي بن عماد الحنبلي 2/54 -55 المكتب التجاري - بيروت.
5 – "الأموال" لأبي عبيد القاسم بن سلام، ترجمة المحقق خليل الهراس ص :3 دار الكتب العلمية – بيروت.
6 – "تهذيب التهذيب" لابن حجر 8/316.
7 – "غاية النهاية " لابن الجزري 2/17-18.
8 – "صفة الصفوة" لابن الجوزي 4/136 دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت.
9 – "معجم الأدباء" 16/254-261.
9 – "تاريخ بغداد" 12/404.
11- سورة المائدة – الآية :64.
12 – "غريب الحديث" 2/88-89 ط1 – مطبعة دائرة المعارف العثمانية.
13 – "الأموال" ص/ 88
14 – نفسه/ ص : 168
15 - نفسه/ ص : 640
16 - نفسه/ ص : 316.
17 - نفسه/ ص :534 – 535.
18 - نفسه/ ص : 335.
19 - نفسه/ ص : 307.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here