islamaumaroc

المغرب شجرة

  محمد بونبات

العدد 311 محرم-صفر 1416/ يونيو-يوليوز 1995

إنشاء معلمة مسجد الحسن الثاني جاء في وقت يلائم لا فحسب الطفرة الاقتصادية التي بلغها المغرب في العصور الحالية، بل تتجدد أصوله في النخوة العطرة على الدين، وقيم الإسلام والشهامة، والإيثار، لأجل تخليد جماليات الفن الإسلامي، وهي خصال المغاربة الثابتين على الولاء والعهد، الثبات على الدين، والولاء للإسلام، ومقوماته كافة.
قال صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني مبرزا خصائص المملكة السعيدة :
"المغرب شجرة لا يزعزعها من أراد، لأن شجرة المغرب لها عروق طويلة جدا في التاريخ والأمجاد". (1)
وهذا صحيح، فالمتابعة للمحطات التي تميز تأريخ المغرب تفصح عن عراقة دور المغرب في
حماية راية الإسلام وإعلائها، ودوره الحضاري بالتشييد والبناء لبيوت الله في أصقاع نائية امتدت من الأندلس غربا إلى طرابلس شرقا، وإلى تخوم إفريقيا، حيث أقام المغاربة المساجد والمدارس والزوايا والحصون، وحيث تصدى الجيش المغربي "للصليبية" ودعاة الارتداد عبر عصور التاريخ الغابرة.
ولما ضاعت "الأندلس" فتح المغرب أذرعه لاستقبال المهجرين بكفر الصليبية ومحاكم التفتيش، وكان من ضمن من فر إخوة في الإسلام، وكان من ضمن نوح من الأندلس أفراد من ملل أخرى. فالمغرب أولا دار الأمان... ولنا في المدن العتيقة في فاس ومراكش وسلا وغيرها أحياء شملت المهجرين الذين نقلوا معهم فنون وخبرات في البناء والنقش، فبرز بفضلهم وبفضل الخبرات المحلية فن معماري سمي بالفن العربي الأندلسي، وقد ازدهر الفن المذكور في منابت جديدة هي مساجد المملكة، وزواياها وأضرحتها ومدارسها، فزادت شجرة أمجاد المغرب نضرة، وتفرع غصونها إبداعا مثل شجرة ألفت منبتا خصيبا فأثمرت بسخاء.
حارب المغاربة من أجل الإسلام في فتح الأندلس وفي "الزلاقة" و"الأرك" وفي "وادي المخازن" ضد الصليبية في أقصى المشرق العربي، غير أن ذلك لا يعني أن المغربي إنسان محارب كما يتوهم البعض، بل إن المغربي إنسان متحضر، وإذا حارب فلأجل قيمه الدينية، لا لبسط إرادته أو استجابة لجبروت ما.
ثم إن مناصرة المغرب لغير تحكمها عناصر تموقعه.

يقول صاحب الجلالة :
"المغرب بحكم موقعه الجغرافي، ومختلف التيارات والحضارات التي مر بها تاريخه الطويل، هو قبل كل شيء بلد متفتح على الخارج، لم ينكمش قط على نفسه، وليس في نيته أن يزج بنفسه في لانكماش والتقوقع". (2)
ومن هذه الخصائص نتبين أن المغرب من الأمم العظيمة، وهذه الأمم كما يقول الكاتب البريطاني " جون روسكين": "تكتب سيرتها في كتب ثلاثة : كتاب أعمالها، وكتاب أقوالها، وكتاب فنونه، وهو الأجدر بالثقة".

 إنشاء مسجد الحسن الثاني :
أورد الدكتور عثمان عثمان إسماعيل، في كتابه حو  لضريح محمد الخامس (3) أن صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني قال ذات يوم :
"من بين الأمور الكثيرة التي أنجزتها في عهدي أمران أضعهما في أعلى القائمة وبعدها لا أبالي : جمع مؤتمر القمة الإسلامي، وبناء ضريح والدي".
والأمران في حقيقة الأمر في حد ذاتهما يعدان من المنجزات التي يحق الفخر بهما، لكن لائحة المنجزات زادت عددا بفضل إنجازات جليلة عبر السنين بوحدة أطراف المملكة لما رجعت الصحراء إلى الوطن، ولما تثبت أسس وهياكل الديمقراطية،
ولما بلغ الإشعاع الجامعي شتى المدن وغيرها من الإنجازات، وأما تنفيذ مشروع مسجد الحسن الثاني فليس وليد لحظة الإعلان عنه، بل فكرة إقامة المسجد ترجع إلى سنوات خلت.
ذكر الكاتب "روم لاندو" وهو يتنبأ بإنجاز مستقبلي في العهد الحسني بلغ ما بلغه ضريح الملك الراحل محمد الخامس :
"ليس من المستبعد ألا يصل بناء آخر في المغرب غلى ما وصله بناء الضريح من الإتقان الفني في أشغال البرونز والزليج والرخام والخشب المنحوت، وإذا كانت قرطبة وإشبيلية وغرناطة تعتبر أكبر مراكز الفن الإسلامي، فإن المغرب بعد تشييده الضريح بالرباط أصبح ينافسها ويعلن امتلاكه لأكبر الآثار القائمة في يومنا لتقنيات الفن المغربي، إنه من وجهة النظر الخاصة بالفلسفة الجمالية يفوق مجرد مثوى لجثمان الراحل، إنه إحياء لذكرى الملك المجاهد، ومجمعا لإنتاج الفنانين المغاربة، وتذكارا لعبقرية الحسن الثاني المؤسس الضريح". (4)

مسجد الحسن الثاني أعجوبة جمالية :
إنشاء مسجد الحسن الثاني بدأ فكرة، ثم ينعت الفكرة على مدى ثلاثين سنة في ذهن مؤسس المسجد، ومنفذ مشروعه، ولما وقع التنفيذ تم تحديد الموقع حدودا وأبعادا، فبرز التصور الأول تحفة نادرة جمعت بين مضامين ووقار الشيء الأصيل عجيب البناء المتطور دون تناقض أو تعارض بين العناصر التي تكون منها، فألف بين القديم والحديث، وتلك من مميزات الطراز الحسني في المعمار، بدليل :
أن مسجد الحسن الثاني صرح تفاعلت فيه لغات الهندسة المعمارية المغربية والفنون الزخرفية في مزج مدروس جمع بين القديم والمستجد، في نمط ليس له نظير في أرجاء المعمور، وصفه متعذر بسبب أنه صدر تحفة ناضجة المعالم تبهر الناظر، وتنطق بالتعبير عن التطور الحاصل في الوجدان والفكر لدى الإنسان المغربي، هذا الإنسان الذي يحارب عند الحاجة ذودا عن قيمه الدينية، ويعرف كيف يخلد قيمه ومعتقداته في أعمال البناء عندما يستريح من متاعب الجهاد.
وتنطق التحفة بالتعبير عن مدى تفتح الإنسان المغربي على أحضان الإنسانية مع تربص شديد وقديم بالمحافظة على هويته وأصله.
وقد اختار هذا الإنسان في مجال الفنون التخطيط المعماري والنقش على الحجر والخشب والجبص والزليج والصباغة، ووظف خبراته وفنونه في إنشاء وتنفيذ مسجد الحسن الثاني حتى ارتفع المسجد بعد إتمامه عبارة عن خميلة من الأساطير يسيطر من خلاله صحنه الفسيح وأروقته وقببه السبعين جلال الإبداع، وتجانس الألوان وانعكاسها على خشب الأرز الناعم، وعلى الرخام في سواده الداكن وحمرته الشفافة وصفرته البديعة.
وإذا سألت عن اللغة التي نطقت فهي لغة الأناقة، والريادة، والعفة، في تهليل هادر بقوة الخالق جلت قدرته.
ويزيد المسجد توهجا روحيا أنه مستوحى من قوله عز وجل :"وكان عرشه على الماء"، فانضافت إلى الصرح مسحة الهدى قبل أن  تنسحب عليه آيات الزينة من الصنف المادي، والمسألة في حد ذاتها وهي المسجد على الماء أعجوبة إلى حدود الإعجاز.
يقول الشاعر :
إن البناء إذا تعاظم قدره
أضحى يدل على عظيم البان
ويقول الشاعر في تخليد المسجد :
أقمت بعون الله أعظم مسجـد
بالفـن الرفيـع تفــردا
مصلى جميع الناس من كل موطن
فأنعم به ذخرا عظيما ومعبدا (5)


1 – خطاب صاحب الجلالة بمناسبة الذكرى 33 لثورة الملك والشعب.
2 – خطاب صاحب الجلالة بمناسبة عيد العرش – 3 مارس 1991.
3 – عثمان عثمان إسماعيل "ضريح محمد الخامس المعلمة الحضارية لدولة الأشراف العلويين" مجلة دعوة الحق عدد 298 غشت 1986 ص 53-54.
4 – نفس المرجع.
 5 - حسن الهزميري : قصيدته في المسجد منشورة بمجلة دعوة الحق عدد 295 سنة 1993.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here