islamaumaroc

نداء الشباب في عيد الشباب

  محمد فاروق النبهان

العدد 311 محرم-صفر 1416/ يونيو-يوليوز 1995

شبابنا هم المستقبل، أردنا ذلك أم لم نرد، ولا خيار لنا في ذلك، هم المستقبل، لأن الغد ينتظرهم، لكي يحملوا الأمانة، في الوقت الذي ترهق مسيرة الحياة ملامح الآباء، وتنال من عزمهم، وهذه هي سنة الحياة، وهذا هو قانون التجديد، فالشباب هم الجديد.. وعندما يتقاعد الشباب بسبب شيخوخة العمر فسوف يقف جيل جديد على الأبواب ينتظر أن يحمل أمانة الغد ولواء الحياة.
قد نحسب أن شبابنا غارقون في لهوهم ولعبهم، وقد نتهمهم بالعبث، وقد نثقل عليهم بهمومنا، في وقت يحتاجون فيه إلى البسمة والأمل، وليس الأمر كذلك، فشبابنا يعيشون عمرهم وزمانهم، وغدا سوف تطوقهم حكمة الشيوخ، وسوف تغرقهم بالآلام والهموم والأحزان.
وليس من حقنا أن نحجر على الشباب، ولا أن نسفه ما هم فيه من عبث، وما أخذوا أنفسهم به من سلوك، فهذه هي خياراتهم، وهذه هي حياتهم، ومن حقنا عليهم أن ننصح وأن وجد نصحنا آذانا مغلقة، ومن واجبنا أن ننبه وإن ضاق شبابنا بحكمة الآباء.
والنصح هدية جيل لجيل، وهدية الآباء للأبناء، وهدية السابقين للاحقين، وهو أجمل هدية وأغلاها قيمة، لأنها تحمل في طياتها عصارة تجربة طويلة، لكي لا تتكرر الأخطاء.
وشبابنا يمثل جيل الحيرة والضياع، لأنه يبحث عن هوية وانتماء، ويبحث عن قيم سلوكية، ولن يجد شبابنا ذلك إلا من خلال استكشاف هويته، ومن عرف نفسه اطمأن واستقر، ولن يجد شبابنا نفسه إلا من خلال معرفته بمكانته في الحياة، خلقه الله وسخره لإعمار الأرض، لكي تتجدد الحياة من خلال تعدد الأجيال وتعاقبها، في رحلة إنسانية مستمرة لا تتوقف، يؤدي كل جيل رسالته في الحياة، ويهيئ للجيل اللاحق لكي يتابع المسيرة الإنسانية، وكل جيل مؤتمن على الحياة، يصنع أسبابها بجهده وعمله واجتهاده.
ولن يستطيع شبابنا أن يكتشف شخصيته إلا من خلال معرفته بمصادر قوته، وهذه القوة هي الانتماء، فالعقيدة بالنسبة للإنسان مشروع حياة، وهي مشروع متكامل في فكره وسلوكه وثقافته ورؤيته، وعندما يكتشف الإنسان ذاته تتكامل رؤيته، وتتوازن عواطفه، ولا يضيق بالحياة، ويجد الدفء النفسي في إطار مجتمع ينتمي إليه.. ومن هنا تصبح التربية الإسلامية أداة توازن نفسي، تسهم في تكوين شخصية متوازنة في فكرها وعواطفها وسلوكها.
ولا يجدر بنا أن نخاف من الإسلام وأن نضيق به، فإسلامنا لا يخيفنا لأنه انتماؤنا، وما يخيفنا هو فقدان الإسلام في مشاعرنا، فمن اطمأنت نفسه بالإسلام، فسرعان ما يبرز أثر ذلك في سلوكه، أمنا واستقامة وحبا للخير، واحتراما للآخر.
والتطرف لا يمكن أن يكون وليد الإسلام، وليس من خصوصيات الشخصية الإسلامية، وهو سلوك نفسي يعبر عن حالة احتقان داخلي لأسباب نفسية ولأسباب خارجية، ويمكن أن نجد ظاهرة التطرف في مجتمع إسلامي وفي مجتمعات غير إسلامية، إلا أن ما يميز المجتمع الإسلامي أن الشخصية الإسلامية ترفض الجريمة وتضيق بظاهرة العدوان، فإن من حق المسلم أن يدافع عن عقيدته وكرامته وإنسانيته.
ومن خصائص التربة الإسلامية أنها تنمي القيم الإنسانية في الشخصية، فلا تظلم، ولا تخون الأمانة، ولا تسرق، ولا تزني ولا تغش، ولا تحتكر، ولا تعتدي على حياة الآخرين وأموالهم وكرامتهم، وتتميز التربية الإسلامية بخصوصيات الرقابة الذاتية التي تعتبر من أهم المؤيدات التي تحمي الشخصية من أنواع السلوك الخاطئ، فالضمير الديني هو السلطة الرقابية اليقظة التي تقف بالمرصاد للإنسان، وتخاطبه بهمس، وتدينه، وتؤرق ليله إذا تجاهل ذلك النداء إلى أن يستسلم، ويرفع راية التوبة، معلنا ندمه على كل ما صدر منه من أنواع التجاوزات ولو كانت يسيرة.
والمجتمع الإسلامي محصن ضد الجريمة، بفضل تربية الإسلام، وتظل الأحياء الإسلامية هي الأكثر أمنا والأقوى تعايشا والأوضح تكافلا، ولا يضيق القوي بضعيف، ولا يعتدي الكبير على الصغير، ولا ينتهك جار حرمة جار، ولا يجوع بائس ومسكين ويتيم، وهذا هو الأمن الحقيقي، وهذه هي أسباب الاستقرار النفسي.
إن مجتمعنا اليوم لا يملك حضارة قوية منيعة، ولا يملك القدرة على الدخول في منافسة متكافئة مع حضارة العصر، ولكنه يملك ما هو أكثر من الحضارة، إنه يملك إرادة التماسك وإرادة الحياة، وهو لذلك قادر على أن يدافع عن وجوده إذا وقع اعتداء عليه، ومن واجب حكماء الحضارة الغربية أن يعرفوا مواطن القوة في الشخصية الإسلامية، وهي قوة دفاع عن العقيدة والكرامة، وليست قوة هجوم على مقدسات الغير وحقوقه، وعندما يستفز الشباب في عقيدتهم فمن الطبيعي أن تستثار مشاعرهم وأن يدفعوا إلى التطرف.
وعندما تحترم المقدسات فإن من الطبيعي أن تنمو مشاعر الخير والفضيلة، ولسنا بحاجة إلى اتهام الإسلام بالتطرف واتهام شبابنا بالعدوانية، فالتطرف ليس من أنواع السلوكيات المحمودة في القيم الإسلامية، والعدوانية منافية للطبيعة الإسلامية.
إن علينا أن نوفر لشبابنا الغذاء الروحي لكي تنمو قيم الخير والفضيلة في النفس، وذلك عن طريق الاهتمام بالتربية الإسلامية، في البيت والمدرسة والشارع، لكي يتكون المجتمع الإسلامي الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالنصح الرشيد والكلمة الطيبة...
وإذا كنا لا نستطيع أن نغالب الحضارة الغربية المعاصرة بالقوة المادية والعسكرية والاقتصادية، فإننا نستطيع أن نغالبها بما نملكه من قيم أخلاقية عالية، تدفعنا لأن نقدم النموذج الأفضل في عالم ضعفت فيه قيم الخير وتراجعت سلوكيات الفضيلة.
ونحن قادرون على أن نقدم هذا النموذج السلوكي، لأنه نتاج حضارتنا، وهو وليد عقيدتنا، وبذلك نبشر ولا ننفر، ونوسع دائرة المؤمنين بهذه العقيدة، لكي تكون العقيدة الغلابة، استقامة في السلوك وترفعا عن الرذائل، وتمسكا بسلوكيات الفضيلة.
وهذا هو منهج البداية في دعوتنا الإسلامية، ولذلك استطاعت دعوة الإنسان أن تمتد عبر حضارات قوية، مؤكدة بذلك انتصار الإنسان في معركته للدفاع عن كرامة الإنسان.
وشبابنا مطالبون بأن يؤكدوا انتماؤهم الإسلامي، لا بالتعصب ولا بالتطرف ولا بالعنف، وإنما بالتزام الأخلاقية الإسلامية، من غير تفريط بما هو حق، ومن غير تنازل عن كرامة، والمنهج الذي نريده لشبابنا هو المنهج القرآني الواضح المعالم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن التزم بهذا المنهج، فقد هدي إلى الطريق المستقيم.
ويجب ألا نضيق بشبابنا وإن ضيقوا علينا الخناق، بسلوكيات التمرد، فهم أبناؤنا، وهم منا وإلينا، وبعد حين، سيعودون إلى جادة الصواب، وسوف يكتشفون معالم الطريق، ويلتزمون بالسير فيه، معلنين بذلك انتماؤهم لمجتمعهم وملتزمين بما يفرضه عليه ذلك المجتمع من آداب وأخلاق، لكي تستمر المسيرة الإنسانية في أداء مهمتها في إعمار الأرض، وتجديد أسباب الحياة فيها في مسيرة مستمرة لا تتوقف.
ويجب على شبابنا أن يؤكدوا لأنفسهم ولمجتمعهم أنهم في مستوى الأمل المعقود عليهم، كورثة تراث آبائهم، يحملون الأمانة بأمانة وجدارة، في سلوكهم وفي فكرهم، يدافعون عن قيم مجتمعهم، ويلتزمون بثقافة دينهم، ولا يضيقون بخصوصياتهم التي تميزهم عن غيرهم، وبذلك يقع الاطمئنان إليهم، وتستقر النفوس بسبب ما تراه من شعور بالمسؤولية.
ومن حق شبابنا على جيل الآباء والمربين أن يفسحوا الطريق لمواكب الشباب وهي تعبر عن ذاتها وفرحتها وتمردها وانفعالها وتطلعاتها، فهذه المشاعر طبيعية تنسجم مع عقلية الشباب وسلوكياتهم الفطرية، ويجب أن نصحح العلاقة بين جيل الآباء وجيل الأبناء، ونقيم جسورا من الثقة والتفاهم بين الأجيال المتعاقبة، لكي نعلم شبابنا سلوكيات التعايش، ونغذي في نفوسهم قدسية الحوار، وعظمة ما يولده ذلك الحوار من دلالات على احترام الكرامة الإنسانية التي اعتبرها الإسلام من أبرز الحقوق الإنسانية، وفي ظل الإيمان بكرامة الإنسان يصبح الحوار أسلوبا وحيدا للتقارب والتساكن، بين فئات المجتمع الواحد وبين الشعوب المتساكنة والمتجاورة، وأن التعددية الحضارية والثقافية والقومية لا تقلل من أهمية التعايش ولا تتنافى مع قيمنا الإسلامية.
وبهذا المنهج الإسلامي يمكن لمجتمعنا أن يحقق أمنه النفسي، ويمكن لشبابنا أن ينطلقوا بحرية التعبير عن ذاتهم وفكرهم، وفي ظل صيغة أخلاقية تؤكد حق الجميع في الكرامة.
والمجتمع القادر على ضبط انفعالاته وسلوكياته يحقق الكثير من أهدافهم لأنه يعرف ما يريد، ويبحث عن الطريق الأقرب والأسير الذي يقوده إلى الهدف الذي يريد..
وإذا كنا لا نستطيع أن نغالب الحضارة الغربية بقوة سلاحنا وبقوة اقتصادنا وبقوة تقدمنا، فإننا نستطيع أن نغالبها بقوة إرادتنا وبوضوح التزامنا بقيمنا الحضارية والأخلاقية، لا لأجل أن يحقق نصرا عسكريا، وإنما لكي نحقق لأنفسنا تفوقا في قدراتنا النفسية، وفي تماسكنا في معرفة التحدي، وفي صلابة حصوننا الدفاعية، فلا نتراجع ولا نضيق ولا نستسلم، محافظين بذلك على ما ورثناه من الأجداد من تراث فكري، وموروث حضاري سيظل باستمرار يجسد خصوصيات هذه الأمة التي لا يمكن أن يقع التفريط بها لأنها تمثل خصوصيات الانتماء ذات الجذور الضاربة في أعماق الشخصية الإنسانية ذات الهوية الحضارية المتميزة.
هذه هي وصيتنا للشباب في عيد الشباب، وعيد الشباب هو عيد الغد وعيد الأمل، لأن الشباب غد وأمل فإذا صلح شبابنا صلح غدنا، وأصبح مبشرا وواعدا، ولا شيء يسعد الآباء كسعادتهم بأبنائهم الشباب، عزما وإرادة واستقامة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here