islamaumaroc

انبعاث أمة معلمة وثائقية وموسوعة تاريخية-3-

  مبارك الريسوني

العدد 311 محرم-صفر 1416/ يونيو-يوليوز 1995

صدر عن مديرية الوثائق الملكية الجزء التاسع والثلاثون من معلمة "انبعاث أمة" في 615 صفحة من الحجم المتوسط، وورق صقيل ناصع البياض، بالإضافة إلى فهرس علمي لضبط أهم الموضوعات الواردة في هذه المعلمة الحسنية، ونخب من الصور الملكية التوثيقية الرائقة.
والمعلمة الرائدة الفريدة في جوهرها وعمقها وتصورها لباب وخلاصة للأحداث والقضايا المهمة، وثروة وثائقية، وكنز معرفي يشخص روح التطلع، والتحديث لتجاوز الواقع إلى مستقبل أرحب وأخصب وأغنى وأنفع.
إنها تجسد عمق النبل والشهامة والشرف والكرامة والوفاء، وتترجم الرباط المقدس الذي ما انفك يطبع الصلات الروحية بين الراعي والرعية.
وللحقيقة والتاريخ فالمعلمة الملكية ناطقة بالصدق، نابضة بالحياة، تضمنت مباحث رصينة تسبر الأغوار، كلها تصب في الارتقاء بالأمة إلى ذروة المجد، وتخليص الإنسانية من معاناتها لصرف الجهود وكنوز الطاقات في ما هو نافع وصالح.
قبل تقديم ما حوته هذه المعلمة الفكرية الحسنية، المتضمنة الدرر الملكية، والكنوز المعرفية، والغرر التاريخية أود بادئ ذي بدء الإفصاح عما يكنه الفؤاد من تقدير، والإعراب بعبارات رقيقة مشفوعة بدفء الاحترام والإكبار للأستاذ الأكاديمي الألمعي الدراكة الغني عن كل تقديم وتنويه وتعريف السيد عبد الوهاب ابن منصور مؤرخ المملكة، الذي ما انفك يبذل قصارى الجهود، ويسهر على إخراج هذه الموسوعة العلمية الذائعة الصيت في حلة قشيبة وجذابة، شكلا ومضمونا، ويوظف كل كنوز قدراته المعرفية وخبراته العلمية وتجاربه الخصبة لضبط الموضوعات وترتيبها وفهرستها، واختيار ما يناسب من الصور، واصطفاء ما يلائم لتوثيق الحدث، لتصبح المعلمة وثيقة ناطقة بالصدق خدمة للأمانة العلمية.
أجل، كلما هممت بتقديم معلمة من موسوعات "انبعاث أمة" التي هي تاج المعارف في عصرنا هذا، ونبع ثر، وكنز لا ينفد معينه وبحر لجي لا ساحل له، اضطربت وارتابني شعور بالعجز والقصور، وأحسست في الأعماق بالهيبة، وغشيتني الرهبة، ذلك نابع من عظمة المعلمة التي أنا بصدد تقديم أهم محاورها.
هذه المعلمة حوت كل أصناف المعارف لاشك، وهي في حد ذاتها عصارة فكر عبقري له حضور متميز في صنع الأحداث العالمية، وله قصب السبق في الخلق والإبداع والتجديد والحديث، وهذا الفكر الحسني الفريد الأريج مضمخ بعبير الإيمان وروح التقوى ومعطر  بالإلهام، يستظل بنور الوحي الإلهي والسنة النبوية، ويمتح من درر الحكمة الإنسانية وبحرها الطامي.
إن هذه المعلمة الحسنية الشامخة شموخ الطود الأشم التي نحن بصدد تقديمها، تشفي الغليل لكل من اعتمدها، وهي تشكل في عمقها وبعدها وأغوارها محور السلام، وجسرا للتواصل والانفتاح والتعاون من أجل غد أفضل، وقاعدة صلبة لبناء صروح الإنسانية، وتصحيح الأوضاع بها، ورتق كل تصدع وشروخ ألم بها.
والمعلمة جامعة : اشتملت على جميع التخصصات، واستوعبت كل أنواع المعارف، بما فيها النقلية والعقلية. وصاغت ذلك كله صياغة بليغة جاءت آية في الإبداع يعز نظيرها، تجمع بين الأصالة والمعاصرة والحداثة، في توافق كامل وانسجام تام.
تلك بغية بعيدة المنال، لا يرقى إليها جهبذ نحرير، ولا يظفر بها ضليع في البيان، ولا من له باع طويل في البلاغة، ولا يتحكم في تلك الصياغة حتى من انقادت له أعنة المعاني، وأزمة الفصاحة. نعم إنها فقط لمن أراد الله به خيرا وأعانه ورضي عنه، وشاء أن يعم نفعه "يهدي الله لنوره من يشاء"، "ما تشاؤون إلا أن يشاء الله".
لذا نلاحظ أن هذه الدرة الثمينة من المعالم الفكرية، تستقطب اهتمام المفكرين على اختلاف تخصصاتهم، وأضحت مصدرا لا غنى عنه لكل من يرغب في تدعيم بحثه بالحجة والدليل والسند.
وغني عن البيان، أن هذه المعلمة أضحت بشهرتها ومنافعها كشمس على عالم تحتل الصدارة في المنتديات الفكرية والمحافل العلمية، يرتوي منها كل متعطش ظمآن.
ولعل ما لممت به وألمحت لا يحتاج إلى إقامة الدليل عليه والبرهان، ذلك أن حضور ملامح الفكر الحسني في ما يكتب ويقال يغني عن كل بيان.
معلمة "انبعاث أمة" هذه السنة 1994 تمحورت حول  محاور رئيسية، ومسارات مصيرية، أوجزها في ما يلي :
- أنشطة وطنية وعربية وإسلامية ومغاربية.
- اهتمامات إفريقية، وانشغالات خاصة بفتح حوار جاد بين الشمال والجنوب بغية إقامة جسور التفاهم والألفة والتعاون بين أقطار متباينة.
إلى غير ما هنالك من محاور ذات صبغة دولية تندرج في إطار الانفتاح الاقتصادي، ودعم بنياته ومساره، سعيا في الاستقرار واستتباب الأمن الدولي، وإيجاد ظروف أحسن لتجاوز كل العقبات والرواسب والإحباطات، ذلك بكشف عن بعد الرؤية الملكية، وعن النزاهة وعمق التحليل واستخلاص النتائج.
ولا شك أن هذه التحليلات آية في الجدة والإبداع، مستقاة من الواقع، ترتوي من الحياة المعيشة، وتتطعم من التجارب الميدانية، وتتلقح من خبرات السلف الصالح، ولذلك تراها صامدة أمام كل التيارات والتغيرات والظرفيات والتقلبات.
وبعد هذه الإطلالة الموجزة الكاشفة عن مضمون المعلمة لا بأس إذا أشرنا إلى أهم الخطب الملكية، والندوات التي تؤكد الطرح الذي ألمننا به آنفا، والرؤية التي نفحنا عنها.
ففي المجال الوطني، نجد خطاب العرش في يوم ثالث مارس جامعا شاملا لأهم القضايا والأحداث والوقائع، والانفتاح والتواصل والتوجهات والمسارات، يستمد بنيته وأسسه وقواعده وروحه وروافده من جوامع الكلم، يقدم خلاله جلالة املك الحسن الثاني نصره الله خططا عريضة، ويرسم أهدافا بعيدة المقاصد والمرامي، وبعبارة، فخطاب العرش محور النهضة والرقي والإنسانية والفضيلة ينشد الكمال.
وفي هذه المعلمة خطاب جلالته أثناء افتتاح الدورة التشريعية الثانية، إنه خطاب تاريخي بروح إسلامية صادقة، وتعلق بالوطن وبالديمقراطية وحب الأمة ويعرف جلالته خلاله عن أمله ونواياه الحسنة وطموحه، ليرقى بالأمة إلى الذروة في مجالات مختلفة لتصبح مضرب الأمثال بين الأمم في النهضة والرقي، ونشير إلى حتمية الجهوية اعتبارها أساس في الازدهار والرخاء والرفاهية والغنى التام والكامل وجدول فلاح ومصدر عطاء.
ويهمنا أن نذكر مذكرة تلقاها جلالة الملك من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، هذه المذكرة تندرج في إطار دعم أسس الديمقراطية وحماية الحرية من كل عبث يلاحقها، وصيانة الحقوق رعيا للمصالح العامة والخاصة.
ونجد في هذه المعلمة كلمة ملكية معبرة أثناء ترأس جلالته جلسة عمل مع وفد أهل طنجة في 2 مايو 1994. إن هذه الكلمة الرقيقة مليئة بالعبر والرموز، وبدفء الأبوة الحانية والمحبة والرعاية المولوية السامية لرعاياه في كل جهات المملكة، إن ما فاه به جلالته في حق رعاياه لإصلاح الأوضاع برمتها، وسعيه المستديم والمستميت في بناء الأسس والقواعد لمستقبل باسم وضاء للأمة يعبر عن العلاقة الروحية بين العرش والشعب، والتحامهما الأبدي، وتجاوبهما العميق.
ومن بين ما اشتملت عليه هذه المعلمة، وركزت من موضوعات قيمة، استقطبت اهتمام رجالات الفكر الوطني والدولي والعربي، إحراز صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير سيدي محمد على "دكتوراه الدولة في القانون" بأعلى ميزة جامعية، استحق بذلك عن جدارة كل إشادة وتنويه وتقدير وتكريم وإكبار، ورقاه جلالة الملك إلى رتبة عليا في الجيش بوصف سموه منسق مكاتب ومصالح الأركان العامة للقوات المسلحة الملكية.
هذه الإشادة، وتلك الترقية، إذ دلتا على شيء، فإنما تدل على أن سموه بوصفه الساعد الأيمن لجلالة الملك يمضي حثيثا وبإيمان وبحكمة وأناة وبعد نظر إلى الأمام، مساهما في بناء القدرات الذاتية لمستقبل الأمة، وإثراء معاجم أمجادها، وإخصاب معالم الحضارة بها والفكر، وبناء القلاع لتحصينها، لتواصل زحفها المقدس نحو الغد المنشود.
وفي هذه المعلمة خطب أخرى مهمة، محورية، ذات صبغت اقتصادية ودولية، نذكر منها ترأس جلالته للجلسة الختامية لمؤتمر الوزاري (الكات) بمراكش، وخطاب جلالته الافتتاحي، وآخر ختامي لـ:"مؤتمر القمة الاقتصادي" بالدار البيضاء، سعيا لتوفير الأمن الغذائي.
هذه كلمات ملكية تفصح عن مدى مواكبة المغرب للأحداث والقضايا الدولية وتفتحه، لذا رشح من بين عشرات الدول لتعقد في رحابه مثل هذه المؤتمرات المصيرية.
وهناك خطاب ملكي من الأهمية، هو ترأس جلالته افتتاح "مؤتمر القمة الإسلامي السابع" وآخر ختم به جلالته أشغال هذه القمة التي اعتبرها المحللون والمتتبعون من أهم قمة للانبعاث والتضامن، انعقدت لكونها جاءت في ظروف خاصة، ومنعطفات حاسمة عرفتها الساحة العربية والإسلامية والدولية.
وفي الختام، لا يمكن لي أن أجرؤ على القول بأني ألممت بمحتوى المعلمة، لأني لست ممن ينشد المستحيل، تلك أمنية عسيرة المنال، صعبة التحقيق، يكفي أن أقول : إنها إطلالة كاشفة عن المحتوى والمضمون بإيجاز لا أقل ولا أكثر.
وإن نسيت، فلا أنسى أن أشير إلى إفادات وبيانات واعترافات تضمنتها هذه المعلمة تتمحور حول المساعي الحميدة لجلالة الملك لإحلال السلام في ربوع العالم، وبديار المشرق العربي على الخصوص.
وكذلك نجد بالمعلمة ندوات صحيفة أسهمت وما فتئت تسهم في تأصيل روح التفاهم والحوار والانفتاح، وتدعم بنية التعاون في إطار النزعة الإنسانية ليسود التفاهم والصفاء.
إن قيمة هذه المعلمة الحسنية في وفرة من يستحلبها، ويستدر منها الخير، ومع مرور الأيام يتزايد الاهتمام بها، ويشتد الطلب للحصول عليها من قبل عشاق المعرفة وطلاب العلم من أكاديميين وباحثين. وكيف لا والمعلمة وقد حوت أمهات الفوائد وأثمن الدرر من وثائق ومستندات توفر الجهود لكل من أمها ولاذ بها لصرف هذه الجهود في ما يهم وينفع.
أطال الله عمر جلالة الملك الحسن الثاني، وخلد في الصالحات ذكره، وأدام نصره، وحفظه بالأمة المتشبثة بأهداب العرش، رمز عز ومجد، وفخار ورفعة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here