islamaumaroc

البيعة والخلافة من خلال كتاب الحسن الثاني "ذاكرة ملك"

  محمد حدو أمزيان

العدد 311 محرم-صفر 1416/ يونيو-يوليوز 1995

يعيش المغرب هذه الأيام أفراح عيد الشباب التي تخلد ذكرى ميلاد أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، وسبط النبي الأمين صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني أيد الله ملكه، وأعز أمره، وخلد في الصالحات ذكره، وأبقاه حصنا حصينا وحرزا أمينا لهذا البلد الأمين.
وإنها بمناسبة سعيدة يستحضر الشعب المغربي فيها المنجزات والأعمال الجليلة التي حققها سيدنا المنصور بالله لهذا البلد، والتي شملت جميع القطاعات الحيوية من تعليم وثقافة وصحة وفلاحة وصناعة، والتي ختمت بإقرار النظام الديمقراطي لهذا البلد، الذي يحب له جلالته كل خير، ويسهر على تبوئه المحل الأسمى والمركز الأعلى بين الأمم، بارا بوعده الذي قطه حفظه الله على نفسه لما اعتلى عرش أسلافه الميامين حيث وجه أول خطاب إلى شعبه في الثالث من شهر مارس 1961، ومما جاء في هذا الخطاب السامي :
"وإني أعاهد الله وأعاهدكم على أن أضطلع بمسؤولياتي، وأؤدي واجبي طبق مبادئ الإسلام وقيمه السامية، وتقاليدنا القومية العريقة، ومقتضيات مصلحة الوطن العليا، كما أعاهد الله وأعاهدكم على أن أدافع عن حوزة الوطن واستقلاله وسيادته، وأحرص على وحدته وإعلاء شانه بين الدول".
وها هو حفظه الله يبر بوعده، فبعد أن استكمل المغرب وحدته الترابية، تفرغ حفظه الله لبناء المغرب الجديد، حيث أرسى القواعد الديمقراطية، على غرار مقتضيات الدستور الجديد.
ولئن كان تخليد الذكرى السعيدة لعاهلنا المفدى يختلف باختلاف شرائح المجتمع، لأن كل واحد يعبر عن فرحته وابتهاجه من الجانب الذي يراه، مؤكدا على عظمة صاحب الذكرى وريادته، فإن المجلس العلمي الجهوي لولاية تطوان أبى إلا أن يحتفي بهذه الذكرى من خلال كتاب جلالته "ذاكرة ملك"، هذا الكتاب الذي هو بمثابة رؤية فلسفية منتقاه، ذات بعد فكري ونهج سياسي، ومنحى اقتصادي واجتماعي، وفضاءات ثقافية يعجز عنها أبدع الذين فاقوا غيرهم في تبسيط النظريات، ولم تواتهم الفرصة للتطبيق.
أما هذا الرجل – يقول مقدم الكتاب بالطبعة العربية – الذي لعب دورا مهما في الدنيا المغربية، فيعرف ألغازها ويحلها على طريقته، وبأسلوبه، حتى صار المغرب جزءا من تجربته، كما هو جزء من تجربة المغرب، ثم يسبر الأفق العربي بامتداداته وتشعباته، ويجول في سماء العالم بمداه الواسع ودهاليزه، وفيجمع بين تحليل المنظر وحصافة المجرب، وإدراك رجل الأقدار، فلا تخونه عبارة، ولا تعجزه مسألة، ولا توقفه شاردة، ثم مع ذلك كله يرسم لك خطا بيانيا من الأفكار والرؤى، ويبسط لك قرونا كاملة، تجمعت في ربعة عقود من الزمن في جرعة صغيرة من الفصول. (1)
أما "إيريك لوران" فيقول : والواقع أن الحسن الثاني ليس بالشخصية التي يمكن تحديد معالمها في بضعة أسطر، فقد أبان دائما على إلمام واسع بالقضايا التي تم التطرق إليها، وبرهن على تماسك سياسي منطقي لا يشك فيه أحد في فرنسا، فالرجل – يقول "إيريك لوران" – له نظرة واضحة وصارمة لدوره ولمستقبل بلاده. إنه تارة يستذكر، وأخرى يحل، وفي الغالب كان بارعا وأحيانا غريبا، لقد كان مرة يقترح ويدقق، وأخرى يفتح أبوابا تؤدي إلى الكشف عن حقائق مذهلة.
لذلك يمكن القول : إن أي رئيس دولة ممارس لم يذهب أبدا إلى المدى الذي ذهب إليه الحسن الثاني. (2)
هاتان شهادتان لا تحتاجان إلى تعليق ولا إلى إضافة.
لهذا لا نستغرب من هذه الظاهرة التي برزت غداة نشر الكتاب والإعلان عنه، والذي يعد بحق ?
حصيلة حياة مليئة بالنضال والتضحية من أجل النهوض بشعب قاسى المحن، وعثر به الزمن، لقد أبى حفظه الله في هذا الكتاب ألا ن يسجل شريط حياته النضالية، منذ أبصرت عيناه الدنيا، وأصبح يدرك ما حوله وهو بجانب والده المعلم الأول والمناضل الحر، والمتفاني في إحقاق الحرية وتحرير البلاد جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه.
لقد توخى – حفظه الله – في هذا الكتاب الصراحة في القول، والأمانة في نقل الأحداث، والموضوعية في الأحكام الصادرة عن جلالته، فلا تستغرب إذا من وفرة الأقلام، وتنوع الشخصيات على اختلاف انتماءاتهم وجنسياتهم من تناول هذا الكتاب، لأنه سجل ناطق لا لتاريخ المغرب فقط، ولكن للمغرب أولا، وللمحيط العربي والإسلامي ثانيا، وللعالم الخارجي والدولي مهما نأى، وتنوعت قضاياه ومشاكله ثالثا.
وهذا ما جعله – حفظه الله – يقتعد المقام الأسمى والمحل الرقى من بين ألمع رؤساء العالم في هذا القرن، وهذا ما أعرب عنه مراسل إذاعة "فرانس انتير" ضمن برنامجها "راصدو القرن".
ويسرني في هذه المناسبة السعيدة مناسبة احتفال الشعب المغربي بعيد الشباب، عيد ميلاد جلالته حفظه الله أن أكون من بين المتناولين لهذا الكتاب والواقفين أمام بعض فصوله.
ذلك أن هذا الكتاب "ذاكرة ملك" بما احتوى عليه من موضوعات تعد من الثوابت لهذا البلد، لم تكن مؤسسة من المؤسسات العلمية والثقافية بأحق من المجالس العلمية من تناولها.
لقد قرأت الكتاب مرارا، ووقفت متأملا بعض فصوله، وبالأخص الفصول، التي تناول فيها حفظه الله قضايا كبرى.
كالفصل الرابع :"المهمة الملكية الصعبة".
والفصل السابع :"الملكية والسلطان والديمقراطية".
والفصل الرابع عشر :" الخلافة".
هذه الفصول الثلاثة تناولت فيما تناولته : حقيقة الملكية في المغرب، تعريف البيعة، وما ترمز إليه من رباط مقدس بين العاهل وشعبه، والخلافة وولاية العهد.
ومن المعلوم أن هذه الفصول الثلاثة تعتبر مكملة لبعضها، وهي من الفصول المهمة في هذا الكتاب، وإن تناولها بالبحث والتحليل داخل في اختصاص العلماء ومسؤولياتهم، وواجباتهم نحو العرش المغربي عبر العصور بوجه عام، والعرش العلوي على الخصوص.
لقد ركزت على الفصل الرابع عشر.. لماذا؟
1) لأنه عنوان الخلافة.
2) تناول الفصل موضوع ولاية العهد.
3) تناول نظام البيعة.
ولنبدأ بموضوع الخلافة.
الخلافة :
جاء في الفص السابع من "ذاكرة ملك".
سؤال : هل تستند عقيدتكم الزمنية والسياسة التي تحدد نظامكم إلى نظام الخلافة؟ فكان جواب جلالته :"أجل". (3)
وقبل إعطاء المدلول الإسلامي الأصيل للخلافة، أريد أن أنبه إلى قضية مهمة تمثل أرضية لهذا الموضوع: "موضوع الخلافة". ذلك أن الإسلام دين دولة، وهو بهذا الامتزاج استطاع أن يعمم رسالته على البسيطة، وينطلق من جزيرة العرب، متخطيا الحدود والأجناس والقوميات، حاملا لواء العدل والأخوة والمساواة ضمن إطار الوسطية والتسامح.
وإن مبادئه والسامية وأصوله الثابتة التي تجمع بين الدين والحياة هي التي جعلته المهيمن على جميع الأديان، بما شرعه من تشريعات، فبينما يقول الإنجيل :" من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر"، يقول القرآن الكريم :"وجزاء سيئة سيئة مثلها".
لهذا كان مفهوم الدين في المسيحية وغيره في الإسلام، ولئن تخلص العرب من هيمنة الكنيسة على شؤون الحياة، ونادى بفصل الدين عن الدولة، لأنه لم يجد في تعاليم الكنيسة ما يساعد على النهوض بالحياة، وبالأخص بعد الثورة الصناعية والاجتماعية، فإن الإسلام دائما يبقى مواكبا لكل حركة ولكل تقدم، وهذا ما جعله دينا ودولة، ورسالة، وحكما.
والذين انساقوا مع الغرب في تفكيرهم وفي فصلهم الدين عن الحياة، ونادوا بذلك، كانوا مبهورين بما تحقق في الغرب من مدنية وحضارية، وإن ذلك كان سببه إقصاء الدين عن الحياة العامة، فاختلط عليهم الأمر، وحسبوا أن الإسلام والمسيحية شيء واحد، وهؤلاء لما تناولوا نظم الحكم بدءا بالإمامة العظمى أرادوا أن يقارنوا بين الملكية التي كانت موجودة في الغرب، والتي تحالفت مع الكنيسة ضد الشعب، والخلافة الإسلامية التي كان أساسها الشورى والرجوع إلى الأمة، وأخذ رأيها في اختيار الخليفة، وذلك عن طريق البيعة.

بعد هذه المقدمة المختصرة ننتقل إلى موضوع الخلافة :
يقول الماوردي في الأحكام السلطانية، الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها واجب بالإجماع، وإن شذ عنهم الأصم.
وقال القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى :" إني جاعل في الأرض خليفة".
هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة، إلا ما ورى عن الأصم حيث كان عن الشرعية أصم، وكذلك كل من قال بقوله، واتبع على رأيه ومذهبه.
قال القرطبي : ودليلنا قوله تعالى :" إني جاعل في الأرض خليفة" وقوله تعالى :"يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض" وقال :" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في لأرض" أي جعل منهم خلفاء إلى غير ذلك من الآي.
وأجمع الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين، حتى قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير. فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك وقالوا لهم : إن العرب لا تدين لهذا الحي من قريش ورووا لهم الخبر في ذلك، فرجعوا وأطاعوا قريش.
أما شروط الخلافة فهي :
العلم، والعدالة وسلامة الحواس والأعضاء مما يؤثر في الرأي والعمل.
وأما النسب القرشي، فلإجماع الصحابة يوم السقيفة على ذلك، واحتجت قريش على الأنصار لما هموا يومئذ ببيعة سعد بن عبادة وقالوا : منا أمير ومنكم أمير، بقوله صلى الله عليه وسلم :" الأئمة في قريش".

ومما يجب على الإمام أن يقوم به :
1 – حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن ظهر مبتدع أو زائغ، أوضح له الحجة وبين له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ليكون الدين محروسا من خلل، والأمة ممنوعة من زلل.
2 – تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين، حتى تعم النصفة، فلا يتعدى ظالم، ولا يضعف مظلوم.
3 – حماية البيضة والذب عن الحريم ليتصرف الناس في المعاش، وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال.
4 – إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى على الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك.
5 – تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة، حتى لا تظهر الأعداء بقوة ينتهكون فيها محرما، أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دما.
6 – جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصا واجتهادا من غير خوف ولا تعسف.
7 – تقدير العطايا، وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير.
8 – استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليهم من الأعمال، ويكله إليهم من الأموال، لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة.
9 – أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال، لينهض بسياسة الأمة، وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلا بلذة أو عبادة، قد يخون الأمين، ويغش الناصح، وقد قال تعالى :" يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله". فلم يقتصر الله سبحانه على التفويض دون المباشرة، ولا عذره في اتباع الهوى حتى وصفه بالضلال، وهذا وإن كان مستحقا عليه بحكم الدين ومنصب الخلافة، فهو من حقوق السياسة لكل مسترع، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
انتهى كلام الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية باختصار.
إذن فالخليفة نائب عن صاحب الشريعة في حفظ الدين والسياسة الدنيا به، يسمى خليفة وإماما. فإنما تسميته إماما فتشبيها بإمام الصلاة في اتباعه والاقتداء به، ولهذا يقال : الإمامة الكبرى.
وأما تسميته خليفة : فلكونه يخلف النبي في أمته، فيقال خليفة بإطلاق، وخليفة رسول الله.
واختلف في تسميته خليفة لله، فأجازه بعضهم اقتباسا من الخلافة العامة التي للآدميين في قوله تعالى :" إني جاعل في الأرض خليفة" وقوله :"جعلكم خلائف الأرض". ومنع الجمهور منه، لأن معنى الآية ليس عليه، وقد نهى أبو بكر عنه لما دعى به وقال :"لست خليفة الله ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن الاستخلاف إنما هو في الغائب والله حاضر لا يغيب". (4)

الاستخلاف وولاية العهد:
لما كانت الخلافة قد تعني النظر في مصالح الأمة لدينهم ودنياهم، فهو ليهم والأمين عليهم ينظر لهم ذلك في حياته، وتبع ذلك أن ينظر لهم بعد مماته، ويقيم لهم من يتولى أمورهم كما كان هو يتولاها، ويثقون بنظره لهم، في ذلك كما وثقوا به فيما قبل، وقد عرف ذلك من الشرع بإجماع الأمة على جوازه وانعقاده.
قول صاحب الجلالة في كتابة :"ذاكرة ملك" جوابا على سؤال في الموضوع في الفصل الرابع عشر: "إن الملك هو صاحب القرار، فلا بد من تعيين ولي عهد لكي يتقلد زمام الأمور في حالة اختفاء مفاجئ للملك، وبالتالي تلافي حدوث فراغ، غير أن هذا القرار يجب أن يزكى ببيعة، كما فعل والدي عندما عيينني وليا للعهد".
هذا كلام جلالة الملك فيما يتعلق بالاستخلاف وولاية العهد، وهو حفظه الله يستند في كلامه هذا إلى معطيات إسلامية أصيلة.
يقول الإمام الماوردي:
وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله، فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما :
أحدهما : أن أبا بكر رضي الله عنه عهد بها إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأثبت المسلمون إمامته بعهده.
وثانيهما : أن عمر رضي الله عنه عهد بها إلى أهل الشورى، فقبلت الجماعة دخولهم فيه، وهم أعيان العصر، اعتقادا لصحة العهد بها.
وقال النووي وغيره : أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان، حيث لا يكون هناك استخلاف غيره، وعلى جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين عدد محصور أو غيره.(5)
على أن ما ذهب إليه الإمام الماوردي والنووي وغيرهما من الأئمة من كون ولاية العهد مما انعقد الإجماع على اعتبارها، واتفق عليها المسلمون، يمكن أن نستشهد لها بأصل من السنة الصحيحة.
ففي صحيح البخاري من كتاب "الأحكام" ترجمت تحت عنوان :"باب الاستخلاف"، قال ابن حجر : أي تعيين الخليفة عند موته خليفة بعده، أو يعين جماعة ليتخيروا منهم واحدا، ذكر فيه خمسة أحاديث، منها حديث عائشة رضي الله عنها الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : "لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فاعهد، أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون".
قال ابن حجر : قوله فاعهد : أي أعين القائم بعدي، هذا هو الذي فهمه البخاري فترجم له – ومعلوم أن فقهه في تراجمه – وإن كان العهد أعم من ذلك.
لكن وقع في رواية عروة عن عائشة بلفظ : "ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا". وقال في آخره :"ويأبى الله والمومنون إلا أبا بكر".
وفي رواية مسلم :"ادعي لي أبا بكر أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويأبى الله والمومنون إلا أبا بكر".
وفي رواية للبزار :"معاذ الله أن تختلف الناس على أبي بكر" فهذا يرشد إلى أن المراد : الخلافة.
وأخرج ابن سعد من طريق عبد الله بن عبيد الله، وأظنه يقول ابن حجر ابن عمر. قال : أناس لعمر : ألا تعهد، قال : أي ذلك آخذ، وقد تبين لي ، أي الفعل والترك وهو مشكل، ويزيله أن دليل الترك من فعله صلى الله عليه وسلم واضح، ودليل الفعل يؤخذ من عزمه الذي حكته عائشة في الحديث الذي قبله، وهو لا يعزم إلا على جائز، فكأن عمر قال : إن استخلف فقد عزم صلى الله عليه وسلم على الاستخلاف، فدل على جوازه، وفهم أبو بكر من عزمه الجواز فاستعمله واتفق الناس على قبوله، (قاله ابن المنير). (6)
قال ابن بطال ما حاصله : إن عمر سلك في هذا الأمر مسلكا متوسطا خشية الفتنة، فرأى الاستخلاف أضبط لأمر المسلمين، فجعل الأمر معقودا موقوفا على الستة ليلا يترك الاقتداء برسول الله صل الله عليه وسلم وأبي بكر، فأخذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم طرفا وهو ترك التعيين، ومن فعل أبي بكر طرفا وهو العقد لأحد الستة، وإن لم ينص عليه، انتهى ملخصا.
قال : وفي هذه القصة دليل على جواز عقد الخلافة من الإمام المتولى لغيره بعده، وإن أمره في ذلك، جائز على عامة المسلمين، لإطباق الصحابة ومن معهم على العمل بما عهده أبو بكر لعمر، وكذا لم يختلفوا في قبول عهد عمر إلى الستة.

نظام البيعة :
إن  من أبرز معالم الرسالة الحضارية للمغرب، هذا الرباط الوثيق الذي امتد قرونا من الزمن بين هذا الشعب وبين من جعله الله الحارس الأمين، والرائد الذي لا يكذب أهله، ممن أولاهم الله أموره، وهو رباط مقدس زكاه الله لما أراد أن يقيم على ظهر هذه البسيطة خلافة تضطلع بشؤون الناس، وتهتدي بهدي الله، وقضى سبحانه أن تكون هذه الخلافة على شكل عقد بين الأمير والمومنين أطلق عليه منذ العهد الأول للنبوة كلمة "بيعة".

أصل مشروعية البيعة :
إن عقد البيعة واكب الدعوة الإسلامية من أول أمرها، وتطور مفهومه بتطور الأيام والأحداث، وكان مدعاة وسببا لأحداث جسام، عملت في بعض الأحيان على إيقاف المد الإسلامي سياسيا وفكريا واجتماعيا، بحيث اشتغل المسلمون ببعضهم، وغفلوا عن عدوهم. لهذا كان من الضروري أن أتناول هذا الموضوع من جانبه التاريخي.
إننا لا يمكن أن نعطي "عقد البيعة" مدلوله الحقيقي والإطار العام الذي وضعه فيه الإسلام، إلا إذا رجعنا إلى عهد البعثة، وبزوغ هذه الرسالة لنرى أن البيعة تعني الوفاء للنظام العام في المجتمع الذي جاء به الدين الإسلامي، ذلك أن الدين في المفهوم الإسلامي هو المرادف لكلمة النظام في الاصطلاحات الحديثة، مع شمول المدلول للعقيد في الضمير، والخلق في السلوك، والشريعة في المجتمع.
ولأجل ان نقيم الحجة على ما سلف، نرجع إلى العهد النبوي لنحدد مفهوم البيعة ومضامينها.
قل ابن اسحاق : فما أراد الله  عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم، وإنجاز وعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، حتى إذا كان العام المقبل، وافى الموسم من الأنصار اثنى عشر رجلا، فلقوه بالعقبة، قال : وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على "بيعة النساء"، وذلك قبل أن تفرض عليهم الحرب.
وأهم بيعة وقعت في عهده صلى الله عيه وسلم وسجلها تبارك وتعالى في القرآن هي "بيعة الرضوان" والتي ذكرها الله تبارك وتعالى في سورة الفتح بقوله: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن وأوفى بما عاهد عليه الله فسنوتيه أجرا عظيم".
وقال تعالى : "لقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما" (7)
إن المغرب من يوم أن تعرف على الإسلام ورضيه دينا وهو على الوفاء والولاء لمن قام برعاية مقدساته والذود عن حماه.
وإن نظام البيعة هو الذي أخذ به منذ أن وطئ المولى إدريس ترابه، وبايعه أهل المغرب خليفة عليه، واستمر نظام البيعة سائرا في جميع الأسر التي توالت على حكم المغرب.
وفي وقت عصيب، عظم فيه الداء، وعز الدواء وانقطع الرجاء، اضطلعت هذه الأسرة العلوية الشريفة بهذا الأمر، والتاريخ خير شاهد، إنها ما استولت على البلاد قسرا، ولا انقضت عليه انقضاضا، ولكنها كانت أسرة فضل ومروءة، وبيت دين ونبوءة، فعرض عليها الأمر عرضا، فلم تجد مفرا من الاضطلاع به عندما تعين، وبعد الإجماع الذي تم، فحققت الآمال، وحررت الثغور من الجنوب إلى الشمال، كما قضت على الانقسامات الداخلية، ودعاة الفتنة، وأدرك المغرب بسببها عزا تليدا ومجدا أثيلا.
ويدور الزمان دورته، ويشاء الله للمغرب أن يقع في قبضة العدو، كآخر بلد إسلامي ومعقل جهادي، ولكن الله هيأ لهذه الأمة – وهي تتخبط في دياجير الظلام، والمستعمر جاثم على البلاد – من يسترد مجدها وأخذ حقه، طرد عدوها.
لقد كان المغرب مقدما على عهد جديد ومرحلة خطيرة من مراحله، مرحلة تصفية الاستعمار، فكانت البلاد محتاجة إلى قيادة وإمامة، وزعامة وريادة، وسنة الله في خلقه ماضية، أن الابتلاء مقدم على التمكين، وبالصدق واليقين تنال الإمامة في الدين، قال تعالى :"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما".
وما أن رأى الشعب موقف ملكه محمد الخامس رحمه الله من العروض الاستعمارية وانحيازه إلى شعبه، حتى أكبر هذه المواقف، وصار يعبر عن ولائه وتجديد بيعته في مناسبات الاحتفال بعيد العرش السعيد.
وما أن امتدت الأيدي الآثمة إلى رمز الأمة وولي عهده وأسرته، حتى أعلنها الشعب ثورة عارمت عمت البلاد، واضطر إثرها المستعمر إلى الإذعان للواقع.
وهكذا رجع جلالة المغفور له محمد الخامس وولي عهده وأسرته معززين منصورين، ثم أعلن رحمه الله في العاشر من ذي الحجة 1376 هـ الموافق للتاسع من يوليوز 1957 في خطابه السامي ولاية العهد لصاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن بصفة رسمية.

ومما جاء في هذا الخطاب الموجه إلى شعبه:
"ولقد سرنا كل السرور ما تقدمت به من متمنيات، وأفصحت عنه من رغبات، بإسناد ولاية عهدنا إلى نجلنا البار الأمير مولاي الحسن أصلحه الله.
وكان السرور أتم، والفتح أعم، لكون هذه الرغبات جاءت تلقائية عاطفية وجدانية، دفع إليها شعور باطني عميق، وإحساس نفسي نبيل، وأن الأمة المغربية أجمعت عليها من غير استثناء، ممثلة في مجلسها الوطني، وأحزابها السياسية، وهيآتها العلمية، ومنظماتها النقابية، ومؤسساتها المهنية، وجماعاتها الشعبية.
فطيلة أسابيع تلقى القصر الملكي آلاف العرائض والرسائل والبرقيات في تأييد الملتمس الذي تقدمت به حكومتنا في هذا الشأن حتى صارت قضية "ولاية العهد" بمثابة استشارة شعبية تلاقت فيها أماني الملك والشعب في نقطة سواء.
فإزاء هذه الرغبات الملحة والملتمسات القوية، قررنا تنصيب إبننا الأمير مولاي الحسن فيما رشحناه له صغيرا تنصيبا رسميا شرعيا، قانونيا، فهو ولي عهدنا، ووارث عرشنا، والقائم بأمر الملك، والمضطلع برئاسة الدولة من بعدنا..." إلى آخر ما ورد في الخطاب السامي لجلالته طيب الله ثراه.
ولما نزل بالوطن قضاء الله، والتحق بالرفيق الأعلى جلالة المغفور له محمد الخامس، اجتمع وزراء الحكومة فجددوا البيعة لجلالة الملك الحسن الثاني، وباركها الولاة وأولوا الحل والعقد وجميع الهيآت العلمية والسياسية والمنظمات.
وفي الثالث من شهر مارس 1961 وجه جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله أول خطاب له إلى شعبه إثر توليته عرش المغرب.
حفظ الله مولانا أمير المؤمنين بما حفظ به الذكر الحكيم، وأبقاه حصنا حصينا لهذا الدين، وحرزا أمينا لوطنه وشعبه، وأقر عينه بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه السعيد صاحب السمو الملكي الأمير المولى رشيد، وباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، وأمطر الله شآبيب الرحمة والرضوان على ضريح المغفور له جلالة محمد الخامس، وجعله في مقام صدق مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.


1 – ذاكرة ملك، مقدمة – ط – العربية.
2 – ذاكرة ملك مقدم الكتاب.
3 – ذاكرة ملك، الفصل السابع ص:57.
4 – الأحكام السلطانية للماوردي ص:15.
5 – ندوة البيعة والخلافة ج2، ص :629.
6 – فتح الباري ج:1 ص :175.
7 – سيرة ابن هشام ج:1 ص :454.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here