islamaumaroc

شباب الحمى.

  عبد الله العمراني

العدد 311 محرم-صفر 1416/ يونيو-يوليوز 1995

هو عيد الشباب، عاد فأحيى                           ذكريات شتى، وحلو سماته
ذكريات لذيذة هي أشهى                               من حديث الهوى ومن بسماته
 عاد عيد الشباب غضا نضيرا                        وبهيجا كالزهر في عرصاته
تعصف الريح بالهشيم من الزهر                      وتبقى البهيج مع نفحاته
يا شباب الحمى، ويا قلبه النابض،                    إن الحمى جهود بناته
فاعتنوا، وابتنوا الطريف من المجد،                  وصونوا التليد ضد عداته
وادفعوا الجهل عنكمو  فيلاقي                         وارشفوا العلم من منابع عليا    
 زاحموا في (خوان) عيشكم أبطالا،                  ولا تكتفوا بلم فتاته
العلى، والشموخ، والخلد، والمجد                    رهين بسابقي حلباته  
لعل من الثابت أن الشباب ربيع الحياة، والربيع شباب الزمن، وأن كلا من الحياة والشباب مرتبط بتربه متطلع إليه، وأن كلا من الزمن والربيع مهتم بمواكبه، مطمئن إليه. على أن الربيع والشباب كلاهما عابر سبيل، ووسيلة لغاية، وطور من أطوار الحياة : إذ يأتي الربيع في أعقاب الشتاء ليسوقنا إلى فصلي الصيف والخريف، بينما الشباب يقودنا من الطفولة (0 -7 سنوات) إلى الغلومة والبلوغ (12 – 16) ثم إلى الكهولة (40 – 60) فالشيخوخة والهرم وأرذل العمر.
هذه الأطوار الحيوية تقريبية المدى، متداخلة، فليس بينها حدود فاصلة، ولكنها تقديرات يقصد بها مجرد التقريب، ذك أنها متأثرة من حيث الزيادة والنقصان، والطول والقصر بعدة عوامل أهمها :
1 – الوراثة : فكل من الوراثة الأسرية (العائلية)، والوراثة النوعية (الإنسانية ) ذات تأثير لا يستهان به، فلكل منهما نظامه وأسلوبه الخاص في التكوين الجسمي والعقلي، وفي النمو السريع والبطيء، وهذه الظاهرة بارزة العيان، وتمكن ملاحظتها في عناصر الأجناس والأمم، وفي أفراد كل أمة على حدة.
2 – المناخ : وهو عامل آخر ومهم، فدرجة النمو تختلف تبعا للظواهر الجوية البارزة كالحرارة والبرودة، وهذا واضح، فدرجة النمو في المناطق الحارة تسبق درجة النمو في المناطق الباردة بنحو سنتين أو ثلاث.
3 – الجنس : ونعني به الذكورة والأنوثة، فالنمو عند البنات أسرع من النمو عند البنين، بفرق يناهز السنتين.
4 – الغذاء : وللغذاء – من ناحيتي الكم والكيف – تأثير في درجات النمو الصحي أو غير الصحي، السريع أو البطيء، فكلما توافرت للغذاء شروطه الصحية، وسلامته من حيث الكم والكيف، كان ذلك أسلم وأنسب وأحسن لنمو الإنسان نموا طبيعيا متدرجا.
هذا النمو الطبيعي المتدرج المستطيل، هو الذي يليق بتاج الخليقة، سيد الكائنات : الإنسان بما أوتيه من منطق، وفكر، وعقل، وعلم، وعمل، وبما تحلى به من خصال ومواهب أهلته ليكون خليفة الله في أرضه، وهو الذي يمكن تلمس أمثله مبسطة له في الكائنات الحية، بل حتى في بعض مظاهر الطبيعة. فالنهر – مثلا – يملك منهجا شبيها بما يعله الإنسان في حياته، فهو في مجراه الأعلى عند المنبع الشديد الانحدار يكن كثير الحركة، سريع الجريان، يجرف كل ما يصادفه من حجر أو شجر أو مدر، فهو أشبه بالطفل في حياته المبكرة التي يقوم فيها بحركات هوجاء قلما يسلم منها هو نفسه أو أحد أترابه أو أقربائه، ولولا مراقبة أهله له ومربيه في هذه السن، لارتكب أخطاء فظيعة، لأنه في الحقيقة لا يعرف في هذه السن ما يأتي وما يدع، ولا يدري الصالح من الطالح.
وإذا بعدت بالنهر المسافة، ووصل إلى مجراه الأوسط، لاحظنا أن عنفوانه وهديره يقلان، وأن سرعته تهدأ نوعا ما، نظرا لقلة الانحدار. وهذا يضاهي عند الإنسان مرحلة التمدرس بالمدارس، وبداية التشبع بالعلوم والمعارف، والتخلق بأنماط السلوك الحضاري، وهكذا كلما تقدمت السن بالولد، وبعدت المسافة بالنهر، نقص العنف والفجاجة، وزاد الهدوء والطمأنينة، وساد التعقل، والتبصر، والحكمة.
فإذا وصل النهر إلى مجراه الأدنى العديم الانحدار – وهو ما يوازي عند الإنسان طور الكهولة وبلوغ الرشد – اطمأن جريانه، وهدأ هديره، وانبسط مجراه واتسع، فإذا شارف المصب وداناه، فقد كل هدير، واستوت صفحته المائية، حتى لتظنها ساكنة ولا تتحرك، أو راكدة لا تريم... وفي النهاية تصافح مياه النهر مياه البحر وتعانقهما بعد الرحلة، فيتلاشى النهر، ويصبح في خبر كان، كما يقال، بل يصير من روافد البحر آخر المطاف.
رحلة شبابية طويلة وشاقة، ولكنها في الواقع تمثيل للرحلة (الإنسانية) الطويلة الشاقة أيضا، بل هي وراثة لها، وتلخيص، كما يقول العلامة (ستانلي هول) في نظريته المشهورة (نظرية التلخيص) Récapitulation Theery، بمعنى أن الإنسان يلخص بسيرته حياة أسلافه من بدء الخلقة وظهور الإنسان في الزمن الجيولوجي الرابع إلى عصر الحضارة والمدنية الحاضرة، فالطفل قبل الثانية عشرة من عمره يفعل كم كان الإنسان يفعل قبل التاريخ : ينتقل من مكان إلى مكان، ويتجول في الآفاق، ويتسلق الحيطان والأشجار والجبال، ويصيد ويقنص، ويطارد الحيوانات، والوحوش، ويغالبها فيغلبها أو تغلبه، ويحارب الأقران والخصوم، دفاعا عن النفس والأهل والخلان والمال والممتلكات.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تقل حركات الإنسان نسبيا، ويميل إلى الهدوء والاستقرار، ويتخذ مقرا للرعي والزرع واستئناس الحيوان وتربيته، ويزاول المقايضة والمتاجرة، ويمارس الصناعات التحويلية التقليدية اللازمة والمتطورة، والحاجة – كما لا يخفى – أم الاختراع. ويزاول الحضارة على اختلاف أنواعها عقدية وفكرية وعلمية وعملية – مادية، فإذا انغمس في الماديات، ونكص على عقبيه أو كاد، احتاج إلى هزة دينية وإلى من يجدد للأمة دينها.
اقتضت الحكمة الربانية أن يبعث الرسل لهداية الخلق، مبشرين ومنذرين كلما بلغوا سن النضج البدني والعقلي، فسيدنا يوسف عليه السلام، بعد المحن والشدائد، أتته النبوة تجرر أذيالها "ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما" (يوسف :12)، وكذلك حدث لسيدنا محمد بن عبد الله، أرسل للناس كافة بعد الأربعين وتنكر له أهله ومواطنوه سكان مكة القرشيون، ولكن الله  حقق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ونشر دين الإسلام دين العالمين.
يوجد لهذه القاعدة استثناء يتمثل في سيدنا عيسى (4 ق م – 33 م) فقد بعثه الله في سن مبكرة، ومات وهو في ريعان الشباب، وكأن الله أراد تخليصه من خصومه الألداء الذين ادعوا  - مع ذلك – أنهم صلبوه "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما" (النساء : 156- 167)
ومن استثناءات عيسى عليه السلام أو معجزاته قبل البعثة ولادته من غير أب، يقول الله تعالى وهو أصدق القائلين عن والدته مريم العذراء :" والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية لعالمين" (الأنبياء "90)
وكلامه في المهد وهو ما زال صبيا حيث قال  :"إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيئا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا" (مريم : 29-30)
إن الحيوانات البسيطة الدنيئة – على عكس الإنسان تاج المخلوقات – تخرج إلى حيز الوجود وهي تامة التكوين، كاملة التجهيز، تستطيع أن تقي نفسها من الصدمات الأولى، وأن تحمي نفسها بنفسها، وأن تقوم بكل ما يلزم لحفظ كيانها، فتعمل بذلك على حفظ نوعها. وهكذا تولد الدودة مكتملة النمو مثلها مثل أمها، وتفقس الدجاجة بيضتها فيخرج الفلوس، ويشرع حالا في القيام بما تقوم به والدته حذوك النعل بالنعل.
وهذا يعني أن الكائن الحي كلما اكتمل نموه، وعلت منزلته في سلم الرقي الاجتماعي ازدادت أجهزته الجسمية – العقلية تعقيدا، وتعددت حاجاته، وكثرت مطالبه، وطالت مرحلتا الطفولة والشبيبة لديه، فطال زمن تربيته وتعليمه، وعني والدوه ومعلموه ومربوه بتلبية رغباته والاستجابة لحاجياته، وبتوجيهه وإعداده إعدادا طيبا كاملا لطور الرجولة المكتملة، وهكذا يصبح مواطنا صالحا يسهم بكيفية سليمة رشيدة وبكفاءة نادرة فعالة في سبيل خدمة نفسه وأهله، وخدمة بلده وشعبه، وخدمة العالم أجمع إن تيسر له ذلك.
من تلافيف الزمن، وعبر أرجاء الكون، يمكن التعرف على وسائط التربية والتعليم، الطبيعية والاصطناعية، وعلى رأسها، وفي مقدمتها الواسطة الربانية التي تخرج بها أنبياء الله ورسله – عليهم السلام – مثل موسى الذي اختاره الله كليما، وأوحى إليه التوراة، ومثل عيسى الذي جعله الله – قبل الوحي – يتكلم وهو ما زال في المهد صبيا، ومثل النبي للأمي محمد بن عبد الله الذي جعله  خاتم الأنبياء وسيد المرسلين.
على ذكر وسائط التربية الطبيعية والاصطناعية من ابتدائية وإعدادية وثانوية، ومن معاهد عالية وفنية، ومن كليات جامعية، أستسمح القارئ بالسؤال عن قائل هذه الأبيات الجميلة :
ولما وقفنا غداة النوى
وقد أسقط البين ما في يدي
رأيت الهوادج فيها البدور،
عليها البراقع من عسجد
وتحت البراقع مقلوبها (1)
تدب على ورد خد ندي
تسالم من وطئت خده
وتلدغ قلب الشجي المكمد
أبيات رائعة حقا، فمن هو قائلها ؟
من هو صاحب هذا الخيال البديع، وهذا الأسلوب الشعري الممتاز؟
ما بال هذه الكلمات الفنية التي قد لا تصدر إلا من تعمق في دراسات اللغة العربية، متمرس بعلومها وآدابها وفنونها؟
تكمن الإجابة عن هذه التساؤلات في شخص طبيعي بسيط أمي يجهل القراءة والكتابة، إنه الشاعر (ابن جاخ الصباغ)، لم يتخرج من جامعة، ولم يدخل مدرسة البتة، إنه تلميذ الشيخ الجليل الشاعر الأندلسي، فيه وعنه تخرج، وكفاه بذلك فخرا.
أليس من سخرية القدر أن يرتفع مستوى التعلم – لا التعليم – في الشارع الأندلسي في القرون الوسطى، فيبرز الشاعر (ابن خاج الصباغ) مثلا، بينما ينخفض مستوى التعليم – لا التعلم – بنسب مختلفة في بقية أنحاء العالم، وفي أواخر القرن العشرين بالذات؟
هذا هو الواقع والواقع لا يرتفع كما يقال، ذلك أن الجميع يجأر بالشكوى من أن مستوى التعلم قد انخفض، وأن لذلك أسبابا وعللا ليس هذا محل الإفاضة في الحديث عنها.
إن ما أخشى ما يخشاه المهتمون بالتربية والتعليم بالدول النامية، أن يتفاقم الوضع، ويزداد الانخفاض أمام المغريات الكثيرة، والملهيات المتزايدة باستمرار. هذه الخشية من التفاقم، هي التي أوحت لكاتب هذه السطور، أن يصدرها بالمقطوعة الشعرية التي تطالب (شباب الحمى) وتلح في الطلب أن يبذلوا المزيد من الجهد، وأن يتسلحوا بالعلم، وأن يتحلوا بالخلق الحسن، فالعلم هو : تراث الماضي، وعزة الحاضر، وأمل المستقبل، وحسن الخلق هو  المثل الأعلى، وسلوك خير المرسلين عليه الصلاة والسلام، وكل من العلم والخلق هو في الوقت ذاته عنوان التقدم الحضاري، والرقي المدني في كل جيل ودين.


1 – براقع : مقلوبها، عقارب، وقصد بها الشاعر واوات شعرية كانت الحسناوات يرسمنها على أصداغهن.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here