islamaumaroc

منهج واحد لإصلاح التعليم وإصلاح المجتمع، عرض السيد وزير الأوقاف والشؤو الإسلامية د. ع. ك. العلوي المدغري

  عبد الكبير العلوي المدغري

العددان 305 و306

عرض السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري أمام اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم ضمن المحور المتعلق بالنظام التربوي في جلسة يوم الثلاثاء 27 ربيع الثاني 1415هـ موافق 4 أكتوبر 1994 بمجلس النواب.
الحمد لله
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
- السيد الرئيس
- السادة الوزراء
- حضرات السيدات والسادة
يشرفني ويسعدني أن أسهم في أعمال هذه الندوة الوطنية المخصصة لإصلاح التعليم، والتي دعا إليها أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده، ورسم لها المنهج وأوضح لها السبيل في رسالته السامية الموجهة إلى مجلس النواب الموقر.
   والحق أن الجميع يشعر بحاجة إلى إصلاح التعليم، وهذا أمر طبيعي بالنظر إلى التطورات التي شهدتها بلادنا في هذا العقد الأخير سواء من الناحية الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية، والتي كان بعضها ثمرة لتفاعلات داخلية إيجابية، وبعضها من تأثير التحولات التي يشهدها العالم.
   وسأحاول في هذا العرض الموجز أن أتطرق إلى الإصلاح الذي يحتاج إليه التعليم ببلادنا من زاوية مكانة التربية الدينية فيه، وهو ما يندرج تحت المحور الخاص بالنظام التربوي.
   ودون أن أنفق وقتا طويلا في بيان أهمية التربية أقتصر على القول بأن أي نظام تعليمي لابد أن يتجه إلى الحفاظ على مقومات الشخصية الوطنية واستمرارها، لأن هذه المقومات الشخصية الوطنية واستمرارها، لأن هذه المقومات لا تشكل المعالم والملامح التي تتميز بها الأمة عن غيرها فحسب، ولكنها في ميدان البناء الحضاري تعتبر هي المفجرة للطاقات، والقوة الأساسية في التعبئة والتوجيه، والوسيلة العظيمة الأثر في الالتحام والتماسك.
   وإننا في الوضع الحالي الذي تعيشه الشعوب والأمم والدول لا يمكن للتعليم أن يقتصر على تكوين الفرد من أجل الشغل فقط، أو من أجل أن يكون ملائما لمتطلبات السوق، لان هذا الاتجاه إذا لم تسبقه مقدمات أساسية سوف ينتهي إلى خلق ذلك النوع من البش الذي لا يهتم إلا بمصالحه الفردية على حساب مصالح الأمة، زيادة على أن الإنسان سيصبح في خدمة السوق مع أن المفروض هو أن تصبح السوق في خدمة الإنسان.
   وإن ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار وعدم إغفاله هو أن السوق الآن يتجه إلى التوحيد في العالم كله. وقد بدأت بعض الأسواق الجهوية التي ظهرت في وقت ما تتجه بالدول والشعوب المشاركة فيها إلى نوع من ذوبان بعضها في البعض الآخر لخلق تكتلات جهوية تتوحد فيها العملة ويسقط الجمرك ويتوحد النظام الضريبي، وهذا من شأنه أن يؤدي مع الزمن إلى تغيير عميق في البنيات الاجتماعية وفي التقاليد والعادات وفي التشريع الجاري به العمل، والمتعلق بنظام الأسرة وغيرها، مما يفرض القيام بتنازلات متبادلة تهم المميزات والخصائص التي نسجها التاريخ، وميز بها بعض هذه الشعوب عن بعضها.
   وقد ظهرت اتفاقية (الكات)، وهو مشروع مستقبلي عظيم الأثر يسير في هذا الاتجاه. ولاشك أن المؤتمر العالمي للسكان والتنمية المنعقد مؤخرا في القاهرة ما هو في هذا السبيل إلا وجه من وجوه التفكير في إعادة صياغة المجتمع البشري صياغة جديدة تتلاءم مع الاستراتيجية الاقتصادية العامة المرسومة لشعوب العالم.
   إن هذه التحولات التي يشهدها العالم أصبحت اليوم تفرض نفسها، وتتطلب منا ونحن ننظر في إصلاح التعليم أن نحتاط لأنفسنا بحماية شخصيتنا من الذوبان، وحماية هويتنا وكياننا من الاندثار، وتمتيع شعبنا بالمناعة الذاتية والحصانة التي لابد منها للخوض مع شعوب العالم في هذه الشراكة، والدخول في هذا الوضع الجديد المتجه نحو الأممية.
   وإنه لا ينبغي أن يفهم من كلامنا أننا ندعو إلى تعليم نظري يهتم بالأخلاقيات والأدبيات، ويرتكز على المعنويات بدل التركيز على خلق الإنسان الفاعل المنتج الرائج في ميدان العمل.
   أو أننا ندعو إلى إسقاط حاجيات السوق من الاعتبار، أو نقلل من أهمية الربط المحكم بين التعليم والتشغيل.
  إننا فقط نريد التنبيه على ضرورة الاهتمام بالبناء الداخلي للإنسان في نفس الوقت الذي نهتم فيه بتزويده بالتكوين والمهارات والمؤهلات التي يتطلبها سوق الشغل.
   وبمعنى آخر نريد أن يهتم تعليمنا بخلق الإنسان الواعي بذاته وشخصيته وانتمائه إلى هذا الشعب وهذا البلد وهذه الحضارة مع اهتمام هذا التعليم بخلق الإنسان الاقتصادي أو الإنسان العملة إذا صح التعبير.
   وإن تحقيق هذه الغاية رهين بطبيعة النظام التربوي الذي يعتمده تعليمنا ويقوم عليه.
لقد اهتمت الحكومات المتتالية بالتعليم، وبذلت مجهودا عظيما فيه، واعتنت بتخصيص نسبة مهمة من الميزانية في القوانين المالية المتعاقبة لهذا الغرض، وتحقق بفضل ذلك الشيء الكثير. وكان للتوجيهات الملكية السامية في هذا الميدان الفضل الكبير، وأسهم الجميع في هذا البناء بكل إخلاص.
 ولذلك يمكننا أن نعتز جميعا بما تحقق لحد الآن في ميدان التعليم.
لكن هذا لا يمنعنا من القول بوجود سلبيات وأخطاء في مسيرتنا التعليمية، إلا أننا لا نريد أن نقف هنا لتفصيل القول في بيان هذه السلبيات والأخطاء حتى لا ندخل في البكائيات التي استمعنا إلى نماذج منها في بعض ما سبق من مداخلات. فنحن لم نحضر لإقامة مآتم ولا لمحاسبة هذا أو ذاك، وإنما جئنا للتفكير مجتمعين في الإصلاح وتقديم الاقتراحات البناءة لخير أبنائنا وبناء مستقبلهم على أسس سليمة.
  إن النظام التربوي الذي ندعو إليه قائم على نظرة شمولية تربط التعليم ربطا محكما بالمجتمع.
 فالتفكير في إصلاح التعليم يجب أن يرافقه التفكير في إصلاح المجتمع.
 ولابد من منهج واحد لإصلاح التعليم وإصلاح المجتمع ليكون البناء متكاملا ومتناسقا وطبيعيا.
      والمنهج الذي نراه محققا لهذه الغايات وموصلا إلى هذه الأهداف والنهايات منهج بسيط يسري في الجسدين معا في وقت واحد سريان النور في المصابيح ذات الزر الواحد، وهو المنهج التربوي الإسلامي المستمد من أصالتنا وحضارتنا، والمؤسس على قواعد ديننا الحنيف.
   ولا أريد هنا أن ألقي درسا في الوعظ والإرشاد، وأنتم تعلمون حضرات السيدات والسادة، أن الحديث عن الإسلام اليوم لم يعد وعظا وإرشادا، وإنما أصبح فكرا وحركة ونضالا.
   والإسلام اليوم له مناضلوه في شتى البلاد، بعضهم يسير وفق المنهج النبوي بالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن أي بالحوار البناء الهادف السمح الكريم الموضوعي النزيه.
   وبعضهم ضل سواء السبيل، وركب الغوغائية، وسلك مسالك الفتن والإرهاب وترويع الآمنين وقتل الأبرياء وهتك الحرمات، وهؤلاء قد وقى الله بلادنا منهم بفضل التوجيهات الإسلامية لنظامنا الملكي الدستوري الذي عرف كيف يبوئ الإسلام المقام المحمود اللائق به.
   ورغم أن المجتمع المدني أصبح اليوم في جل الدول يفزع من (الإسلام) بسبب التشويه الذي لحق الإسلام، وبسبب الاستغلال الشنيع الذي تعرض له هذا الدين الحنيف من قبل تجار السياسة ودعاة الفتنة، إلا أننا مع ذلك لا نجد حرجا في القول بأن إصلاح أمور هذه الأمة وإصلاح أمور هذه الأمة وإصلاح تعليمها لا يتم إلا بالإسلام.
   ونحن لا نكتفي بترديد هذا الشعار، وإنما نزيد أن الإسلام له منهج صالح في ميدان التعليم.
   وهذا المنهج ضامن لخلق الإنسان المتمدن العصري المالك لأدوات التكنولوجية الحديثة، والمتمتع بالفكر الخلاق المبدع، والشخصية الناضجة والنفسية السمحة المتفتحة المتوازنة.
   والنظام التربوي الإسلامي متفتح على جميع العلوم، نظرية كانت أو تكنولوجية، وعلى جميع الوسائل والأدوات المساعدة عليها، والموصلة إليها كاللغات الأجنبية وغيرها.
   وهو نظام يهتم بالآداب والفنون وجميع ما يدخل في الثقافة العامة، ويعتبرها وسيلة من وسائل تهذيب النفس والذوق وخلق الإنسان المتوازن والمواطن الواعي.
   وهو يهتم بالرياضة ويحض عليها لخلق جيل قوي نشيط.
   وهو يرتكز على النظام والانتظام والإتقان.
   ويرتكز على استثمار الزمن والاستفادة من الوقت إلى أقصى الحدود.
   وهو مؤسس على الأخلاق، ومبني على البساطة. فالتعليم في الإسلام قليل الكلفة، خفيف الإدارة، متغلغل في الوسط الاجتماعي، لأنه تعليم شعبي مفتوح على جميع طبقات الشعب.
   وهو نظام تربوي قائم على اعتبار مؤهلات الإنسان وقدراته الذاتية ومواهبه وملكاته ورغباته. وتعليم البنات في منهج الإسلام مثل تعليم الذكور.
   والنظام التربوي الإسلامي له منهجه في تقسيم العلوم وفي ترتيبها، وفي بيان مباحث كل علم، وفي طرق تحصيل العلوم، وفي الآداب العالم والمتعلم، وفي نظام التدريس، وحتى في الشروط الصحية للمدرسة والشروط الصحية للمدرسة والشروط الواجب توفرها في المدرس وغيرها من الأمور الدقيقة التفصيلية العملية التي لابد منها لكل نظام تعليمي.
   ونحن عندما ندعو إلى تطبيق النظام التربوي الإسلامي كوسيلة لإصلاح تعليمنا لا ننطلق من فراغ ولا نرفع شعارا دون محتوى.
   ونحن أيضا لا نريد إحياء الأموات أو نبش القبور، لأن منهج الإسلام في التعليم لم يمت ولم يدفن، إذ مازال علماء الإسلام يتناولونه بالمدارسة والتحليل والتطوير والإغناء، ويعرضونه على مستجدات كل عصر وكل مرحلة، ويضيفون إليه من الشروح والملاحظات ما يجعله صالحا لكل زمان ومكان.
   وفي هذا العصر الذي نحن فيه ظهرت دراسات قيمة لمنهج الإسلام في التعليم والتربية تعرض هذا المنهج غضا طريا ينافس أحدث المناهج العصرية، ويعلو عليها ويزري بها إزراء يستحيي معه من يدعو من المسلمين إلى غيره.
   وإننا، ونحن ندعو إلى العودة إلى منهج الإسلام في التعليم، لعلى استعداد لتهييئ مشروع كامل نعرض فيه هذا النظام متكاملا بمراحل التعليم، والمواد المقررة في كل مرحلة، ومنهج كل مادة، والبرنامج وتوزيع المواد على الحصص، والكتب المقررة، واللغات، وكيفية تدريسها، والتكاليف المادية، سواء منها ما يتعلق بالتجهيز أو ما يتعلق بالتسيير.
   وبعد هذا البيان الموجز عن ملامح منهج الإسلام في التعليم يتبادر إلى الذهن تساؤل وجيه حول نظامنا التعليمي الراهن ومدى مطابقته أو مخافته للمنهج الذي ندعو إليه.
   والحق أن تعليمنا إسلامي باعتبار فلسفته العامة ومنطلقاته وأهدافه المعبر عنها في ديباجة الوثائق الرسمية.
   وإن الساهرين على وضع مناهج وبرامج التعليم وإصلاحه كان هاجسهم على الدوام هو الحفاظ على الطابع الإسلامي لهذا التعليم، وذلك بسبب التوجيهات الملكية السامية المتتالية، والحريصة على جعل التعليم في خدمة مقومات شخصيتنا، وتعميق تشبثنا بمقدساتنا الدينية والوطنية من جهة، وبسبب الغيرة التي يتمتع بها كل مغربي على دينه، والتي يتساوى فيها جميع المغاربة من جهة أخرى.
   ثم إن جميع الحكومات المتعاقبة من فجر الاستقلال إلى اليوم ليس منها من يمكن أن يسند إليه أي تفريط في هذا الباب.
   كما أن المجالس النيابية المتتالية كان نواب الشعب فيه يمارسون المراقبة من زاوية الحرص على الحفاظ للتعليم على طابعه الإسلامي، كما كانوا يدعون دائما للتشبث بقيم الإسلام ومبادئه ومنهجه.
   وكذلك الشأن بخصوص المناظرات التي عقدت للنظر في إصلاح التعليم.
   وقد أدت هذه الجهود كلها إلى الحفاظ للتعليم على الإطار الإسلامي ولو في الديباجة والخطوط العريضة والتوجيهات العامة والأهداف. وهذا لا غبار عليه ولا جدال فيه، وهو في حد ذاته أمر مهم للغاية، ولكن بعض التطبيقات العلمية أفرغت هذا الإطار من محتواه.
   وقد تولى بعض المتدخلين، جزاهم الله خيرا، تناول الحالة التي عليها تعليم المواد الدينية، وحالة التعليم الأصيل وغير ذلك من الجوانب العملية في تعليمنا بما أعفيكم من تكراره، لاسيما وأنهم أجادوا في ذلك كل الإجادة.
   إن الحصص المخصصة للتربية الإسلامية غير كافية، والحصيلة التعليمية الإجمالية المرتبطة بعلوم الدين والتي يوفرها تعليمنا لأبنائنا في مراحل التعليم الأساسي والإعدادي والثانوي حصيلة مشوشة وغير متكاملة، وعبارة عن خليط من النتف التي لا تكفي لتكوين صورة واضحة عن الإسلام عقيدة وشريعة في فكر التلميذ.
   كما أن تعليمنا الأصيل امتدت إليه يد التغيير من أجل الوصول إلى إدماج تلاميذه وخريجيه في النظام التربوي ككل، فلم يبق له من التعليم الأصيل إلا غطاء رقيق لا فائدة فيه.
   بل إن التعليم الجامعي الشرعي لمتخصص في علوم الشريعة وأصول الدين وهو ما تضمه الكليات التابعة لجامعة القرويين أقحمنا فيه ركاما من المواد القانونية والأدبية جعلت الطالب مذبذبا لا هو يتقن العلوم الشرعية فيعتبر فقيها يعول عليه، ولا هو يتقن المواد القانونية فيعتبر من رجال القانون، ونحن إذ نشير إلى هذه الأحوال ونقتصر عليها فلأجل أن ننبه على أمر خطير، وهو أن تخريج أنصاف المتعلمين في علوم الدين هو الباب الواسع الذي يدخل منه التطرف على الأمم.
   وإن هذا الموضوع ينبغي النظر إليه من زاوية الاهتمام بأمن واستقرار بلادنا.
   وإذا لم نتمكن في الظروف الراهنة من تغيير مناهجنا التربوية المعمول بها حاليا تغييرا جذريا بالقدر الذي يجعل المنهج الإسلامي الأصيل بديلا لها، فلا أقل من الانكباب على مناهج التربية الدينية والمواد الشرعية بشكل يجعلها ذات تأثير إيجابي على تكوين التلميذ وعلى أخلاقه، ومن شأنها تزويد البلد بأجيال تتوفر على حسن الفهم لمبادئ الدين وتوظيف هذا الفهم في بناء الوطن وازدهاره وخيره ونمائه.
   وللوصول إلى هذه الغاية فإنه لا يكفي أن تقوم هذه اللجنة الوطنية بإصدار التوصيات والتأكيد على المبادئ، بل لابد من الاتفاق على ميثاق وطني يتضمن التزامات محددة تلتزم وزارة التربية الوطنية ووزارة الأشغال العمومية والتكوين المهني وتكوين الأطر بتنفيذها كل في دائرة اختصاصه.
   وإن مشروع الميثاق الوطني الذي تقدم به كل من صاحبي لمعالي وزير التربية الوطنية ووزير الأشغال العمومية والتكوين المهني وتكوين الأطر يشكل أرضية صالحة لهذا العمل.
   ونقترح أن يوكل الأمر إلى لجنة متخصصة تنبثق عن اللجنة الوطنية لدراسة البنود التي لابد أن تضاف إلى هذا المشروع، خدمة للتربية الدينية في مناهج التعليم والتكوين بصفة عامة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here