islamaumaroc

العلاقات بين المغرب وإفريقيا في بداية العصر الحديث

  حسن السائح

العددان 305 و306

  لعل من المدهش أن لا يجد الكتاب الأفارقة المعاصرون دراسات وافية تعالج قضايا نهضتنا الحديثة، فالمعلومات الأساسية التي يجب أن نثري بها دراسات عن وسائل النهضة الحديثة في إفريقيا وتوظيف الرصيد التراثي، فالمعلومات المستجدة من القلة والندرة، بحيث لا يمكن أن تعطي لتفكيرنا ما يساعد على استجلاء دراسات جديدة بمختلف القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مما يعتبر أساسا في إنجاز كل مشروع جديد قادر على مواجهة التحديات المختلفة المتزاحمة المواجهة لما نطمح إليه، ومن الغريب أن نعاني هذا النقص رغم وجود مختلف الوسائل المعاصرة المساعدة على استكمال دراساتنا، بينما يجد الباحث في تاريخ إفريقيا فيما وراء الصحراء ما للمفكرين المسلمين من جهود بارزة فيما كتبوا من رحلات وتراجم، وتحقيق أبعاد الأقاليم، رغم عدم توفرهم على الإمكانات المعاصرة في التنقل واستقصاء البحث، ولعل ما كتبوا ودونوا من الدراسات وحبروا من التآليف ما يزال مجهولا غير معروف لدينا، فأغلبيته تعرض للضياع والتلف، أو ما يزال مغمورا في بعض خزائن إفريقيا، وبالأخص المكتبات الشخصية التي يجهل أصحابها قيمة ما لديهم من مؤلفات تراثية.
   أما بالنسبة للعالم الغربي فإن البحث العلمي بالجامعات والكليات يتوالى فيما يتعلق بتاريخ إفريقيا وحضارتها وارتباطاتها الاقتصادية والسياسية، كما أن مراكز الأبحاث تنشر عشرات الكتب ومئات المقالات، وفي كل كلية أو جامعة خلية للبحث في الشؤون الإفريقية، سواء التاريخية أو المعاصرة، وسواء الاقتصادية أو السياسية، حيث أصبح لديها متخصصون في مختلف الدراسات الإفريقية، كما تملك دور النشر مجلات متخصصة في الشؤون الإفريقية، مما جعل من السهل على الباحث أن تتوفر لديه معلومات عن إفريقيا: تاريخيا واقتصاديا وسياسيا.
   ويجب أن نتنبه إلى أن الدراسات الحديثة: الأوربية والأمريكية لإفريقيا، تستغل التاريخ العربي – سياسيا- استغلالا سيئا، إذ هي ترسي قواعد المدارس الأدبية الفنية على (الزنجية)، وتؤكد على رحابة الثقافة الأوربية، سواء الفرنكوفونية، أو الإنجلوفونية على حساب الثقافة الإسلامية، وتوجه القارئ إلى أن تجارة العبد وسوق النخاسة تقع مسؤولياته على البلاد الإسلامية، كما تحاول أن تبرئ أوربا من استغلالها لليد العاملة الإفريقية عندما كانت تصدرها إلى أمريكا الشمالية والجنوبية، وتعتذر عن بعض مواقف الكنيسة في فتواها باستعباد الأفارقة وتقتيلهم باعتبارهم كفارا، وبذلك فأوربا اليوم، وهي تملك وسائل الدعاية، وتسيطر على الاقتصاد الحديث توجه إفريقيا نحو العداء للعالم الإسلامي.
   فما هو موقفنا من التحريف التاريخي، وتقديم الطروحات التاريخية الإفريقية البريئة من تهم أوربا؟
   وما هي أسس العلاقات المعاصرة بين المغرب وإفريقيا ما وراء الصحراء الكبرى، وأهداف هذه العلاقات؟
   إن حاضر إفريقيا استمرار لماضيها التاريخي، كما أن الوحدة الجغرافية تفرض قوة الترابط بين جنوب ما وراء الصحراء وشمالها، فالدين الإسلامي جمع المسلمين الأفارقة على وحدة التفاهم باللغة العربية لغة القرآن الكريم، غير أننا لا ننسى ما تبذله المدرسة الغربية من جهد لمزاحمة العربية، وإقصائها عن المجالات الحية في إفريقيا، فالمدرسة الفرنسية والإنجليزية متعاونة مع الكنيسة، توحدان خطتهما لمضايقة العربية والإسلام عن طريق مضايقة لغة القرآن باستبدال الحرف اللاتيني وحروف اللغات الإفريقية بالحروف العربية.
   وهذا ما جعل تاريخ إفريقيا المعاصر يخضع لتحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية نتيجة التغريب الثقافي، ويخضع للهجمة الغربية التي كان لها تأثير قوي في تحويل مسيرة تاريخ إفريقيا بتغيير العلاقات والروابط التي تجمعها، فتغير أساس وحدتها.
   وقد وجد الأفارقة أنفسهم منذ قرنين تقريبا أمام موقع دفاعي في مواجهة الغزو الأوربي الذي استطاع أن يهدم الحواجز التي كانت تحول بينه وبين السيطرة على إفريقيا، إذ كسر شوكة العثمانيين، وصرف دولة بني مرين عن الدفاع عن الأندلس والساحل الإفريقي، ثم انقض على هذا الساحل الإفريقي قبل التوغل في أعماق البلاد، وقاومت إفريقيا جهد استطاعتها الغزو الاستعماري بالحديد والنار، وهو غزو ظالم لم تعرف إفريقيا مثله من قبل، فخضعت مرغمة، واستعبد الأوربيون أحرارها، وسبوا أطفالها.
   وصحب الغزو الاستعماري جيش من المبشرين بالدين المسيحي، ومن مرتزقة أوربا، وبذلك أصبحت القارة الإفريقية الموزعة بين مختلف الدول الغربية مجالا للنهب والتخريب والاستغلال، ففصلت أجزاؤها، ودمرت حضارتها، وأتلفت معالمها التاريخية.
   والواقع أن إفريقيا قاومت الاستعمار الأوربي متمسكة بلغاتها وشخصيتها، ووجد المسلمون من الأفارقة في الإسلام ملجأهم الأمين، فاعتصموا به وانتصروا على أعدائهم في مواقف متعددة حاول المؤرخون الغربيون أن يقللوا من أهميتها، متجاهلين الحضارة الإفريقية وثقافتها ومدنياتها، مستخفين بقيمها الثقافية والفنية، ولا نجد ذكرا لأمجادها في التقارير التي ندت عن عين الرقيب الاستعماري، ونلاحظ اليوم أنهم أخذوا ينشرون ضمن أبحاثهم دراسات كانت غير متداولة إلى عهد قريب تبرهن عما كان لإفريقيا من مكانة حضارية، وأنظمة تبطل دعوة (هيجل) حين كان يدرس تاريخ إفريقيا فيقول لطلابه: "إن إفريقيا قارة بدون تاريخ"، كما أن الصحافة الغربية المعاصرة والمجلات المتخصصة تثير من حين لآخر دراسات عن الحضارة الإفريقية تكشف عما وجده المستعمرون في إفريقيا من معالم حضارية وأنظمة سياسية ومدنيات واضحة في العمران والعادات، وتقاليد في الفن والرقص والموسيقى، وكذلك فإن الكتاب الغبيين أخذوا يعطون للثقافة والحضارة تعاريف جديدة غير عنصرية ولا متعصبة للثقافة الأوربية، وبذلك أخذوا ينصفون تاريخ هذه القارة العظيمة.
   ومما لا شك فيه أن الحضارة الإفريقية لها خصوصياتها ومميزاتها، فهي ليست حضارة تعتمد الكتابة بقدر ما هي حضارة تتناقل عبر الأجيال بالوراثة والعادة.
   وليس من اللازم في تعريف الحضارة أن تكون مدونة مكتوبة لتكون خليقة بهذا الاسم، فلكل شعب خصوصياته الحضارية، فالموسيقى الإفريقية مثلا ليست مدونة بالنوتة كالموسيقى الغربية، ولكنها موسيقى تتوارث بالسماع والتقليد، ولا ينكر أحد أنها موسيقى تؤدي وظيفتها الفنية، والمعمار الإفريقي له هندسته الملائمة للبيئة الإفريقية، ولذلك لا يفرض عليه مقاييس المعمار الأوربي، ولهذا فلا يجوز إنكار الحضارة الإفريقية لأنها ليست على أساليب على أساليب الحضارة الغربية.
   وبهذا الاعتبار، فالقارة الإفريقية لها حضارتها وقد تلقحت بالحضارة العربية الإسلامية منذ انتشر الإسلام في إفريقيا، ثم تأثرت بالحضارة الغربية بعد اتصالها بأوربا، وهي الآن في مرحلة جديدة من التطور الحضاري، استوعبت عراقتها وتأثرت بالحضارة العربية الإسلامية وبالحضارة التقنية الجديدة.
   وإفريقيا الشمالية وإفريقيا ما وراء الصحراء أخذت طريق العودة إلى التوحد الثقافي والحضاري، وذلك عن طريق الاتصال السياسي والاقتصادي والإعلامي والثقافي، وتحقق بهذا التوحد التعاون المشترك الذي لا يقتصر على توحيد المواقف السياسية، أو اقتصاديات سوق مشتركة، أو تقارب المناهج التربوية والتعليمية، بل يتجاوزه إلى المفهوم الإسلامي في تحقيق معنى التعارف الذي يفيد الاعتراف، فالتعارف غير المعرفة، بل هو جدلية متبادلة مستمدة أصولها من توجيه الآية الكريمة: (شعوبا وقبائل لتعارفوا).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here