islamaumaroc

حاجة الأمة الإسلامية إلى الوحدة والتضامن

  محمد رشيد إبراهيم

العددان 305 و306

إن الإسلام يدعو إلى وحدة الأمة الإسلامية على أساس من وحدة الجنس البشري التي يقررها الإسلام في صورة قاطعة لا تحتمل تأويلا (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير)، (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء...)، (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة، فمستقر ومستودع، قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون).
ولما كان الإسلام هدي الله للإنسان جمعاء، وهو الدين الذي جاءت به الرسل جميعا من عند الله، فإن دعوة الإسلام إلى وحدة الأمة الإسلامية لا تعني دعوة إلى عصبية حمقاء، ولا تعني دعوة إلى تمزيق الروابط الإنسانية، وإنما هي – في نفس الوقت – دعوة إلى الوحدة الإنسانية يصنع الإسلام نموذجها الأصيل، وركيزتها الفذة في وحدة الأمة الإسلامية:(آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنين كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله)، (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيئين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه).
والوحدة التي يدعو إليها الإسلام ليست – فحسب- زينة لحياة المسلمين أو حاجة يميلون إليها حين يدعوهم حافز من حوافز المصلحة الدنيوية، ولكنها ضرورة من ضرورات إيمانهم، يدعون إليها حين يدعون إلى عبادة الله الواحد، وتقواه.
وهذه المعاني الشاملة تتضمنها الآيتان الكريمتان (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)، (وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون).
والوحدة التي يدعو إليها الإسلام المسلمين ضرورة من ضرورات فطرتهم التي جمعتهم على الإسلام، (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
وهي ضرورة من ضرورات واقع الإيمان الماثل في قلوبهم، يقول الحق تبارك وتعالى: (إنما المؤمنون إخوة...) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته" ويقول في حديث آخر: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم". ويقول في حديث آخر: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
والإسلام إذ يقرر الوحدة الإسلامية كضرورة من ضرورات الإيمان يربطها بجذوره الأساسية، ويوثقها بأصولها، في العقيدة، والشريعة والأخلاق.
ففي مجال العقيدة ترتبط هذه الوحدة بعقيدة المسلمين الأساسية، وهي عقيدة لتوحيد، وفي رحاب هذه العقيدة التي تنفى عنها أية صورة من صور الشرك الخفي منها أو الظاهر، يتربى المسلمون على الوحدة تربية تتغلغل في نظرتهم إلى وجودهم في هذه الحياة.
وفي مجال الشريعة ترتبط هذه الوحدة بخضوع المسلمين لنظام تشريعي واحد، واحد في كيانه، واحد في مصدره، واحد في أهدافه.
وفي هذه الأخلاق تتوثق هذه الوحدة بقيام المجتمع الإسلامي على أساس من القيم الإسلامية التي وضحها الكتاب وبينتها السنة، وصارت أصلا لأخلاق المسلم: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا".
وإذ يقرر الإسلام الوحدة أصلا إنسانيا، وضرورة من ضرورات الإيمان، وعنصرا متغلغلا في أصول الدين، يبين في نفس الوقت الطريق إلى تحقيق هذه الوحدة والمنهج العلمي المؤدي إليها، هو حبل الله، وحبل الله هو القرآن، كما ورد في الحديث الصحيح، يقول صاحب تفسير المنار في تفسير قوله تعالى:(واعتصموا بحبل الله جميعا تفرقوا...) إن المختار هو ما ورد في الحديث المرفوع من تفسير حبل الله بكتابه، ومن اعتصم به كان آخذا بالإسلام، أما حبل الله فهو خيط الضوء وسط المتاهة الظلماء يقصد إليه من يقصد النجاة، ولا يضل عنه ذو بصر أو بصيرة، يتحرك إليه الأفراد، وتهاجر إليه الجماعات الممزقة، فإذا هم هناك جميع يربطهم حبل متين، وجاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: "إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه".
من هنا كان الاعتصام بحبل الله منهج وحدة، فضلا عن كونه هدف حياة. وإذا كان الاعتصام بحبل الله منهج الوحدة المطلوبة بين المسلمين، فإنه بعد ذلك أو قبل ذلك منهج الاتصال بالله سبحانه وتعالى. ثم إنه أيضا منهج الاتصال بالله سبحانه وتعالى. ثم إنه أيضا منهج التوقي من الضياع والهلاك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "أليس تشهدون ألا إله إلا الله وأنا رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: إن هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدا".
وإن مما لا شك فيه أن الأمة الإسلامية من بين سائر أمم الأرض تختص بطبيعتها الحية الأصيلة التي نشأت بها، وسارت على هداها، وصنعت بها أمجادها، وبنت حضارتها مرتكزة على العقيدة الحقة النيرة التي تقوم على التوحيد الخالص الذي حررها من الخضوع لغير الله، وطهرها من أدران الجاهلية، ونقلها من حضيض التمزق والتفرق والتخلف والفساد إلى ذرى الوحدة والتقدم والاستقامة، وهي أمة ذات نظام فريد كامل شرعه الله للناس، رصيد إيمان لا ينفد، ومصدر قوة لا تعرف الهوان، ومنهاج حق وعدل لا يرضى بظلم، (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا).
إن في أمتنا هذه تلك الحصانة الطبيعية الفريدة التي تجعلها قادرة بحول الله على التغلب دائما على أشد الأزمات التي تعصف بها، صامدة في وجه أقسى التحديات التي تواجهها، ولم تعرف في تاريخها المجيد أبدا أن أي محنة يمكن أن تزعزع ثقتها بوجودها، أو تنشر ضباب اليأس في نفوس أبنائها، أو تزرع في كيانها بذور الشك في قدرتها على الحياة، واستئناف السير من جديد دون سقوط أو تعثر، إنها تأبى في أشد الظروف قسوة أن ترضى بالدنية والذل والاستسلام، وقد مرت بها في تاريخها الطويل أيام عصيبة ونكبات شتى لو أصابت غيرها لقضت عليها وأبادتها وجعلتها أثرا بعد عين، ولكنها كانت بالنسبة لها صقلا لعزيمتها وشحذا لقوتها، وإيقاظا لروح الحياة فيها، وبرهنت حقا أنها تستعصى على الذوبان (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم).
إن هذه الحقيقة ينبغي أن يتحرك في ضوئها كل فرد في هذا العالم الإسلامي، مهما عصفت من حوله الفتن والأزمات، ومهما عصفت من حوله الفتن والأزمات، ومهما اشتدت عليه المحن والنكبات، فأعداء هذه الأمة أعداء عقيدتها ووحدتها ووجودها الذين يعملون على أن يعوقوا مسيرتها، ويشلوا حركتها، إنما يحاولون في الحقيقة أن يخمدوا ضياء هذه الروح في كيانها، وأن يزهقوا دفقها في وجدانها.
إن هذه الروح الحية الوثابة في الأمة الإسلامية يجب أن نربيها بالوعي الدائم واليقظة التي لا يعتريها خمود أو ركود، هي لنا اليوم كما كانت بالأمس فجر الأمل المشرق الزاهر، ودفق الحياة الحرة الكريمة، وهي الراية التي نمضي في ظلالها نحو النصر والوحدة والعزة، والقوة والتمكين بحول الله وقوته (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم).
وإن لكل أمة من الأمم مرت أو تمر بمرحلة تحولا كبيرا في حياتها، وبواعث عميقة في خصائص وجودها، وفي نفوس أبنائها، وفي مصادر ثقافتها، وفي طبيعة مجتمعها، بحيث يمكن الجزم بأن أي أمة لا يمكن أن ينالها التغيير أو بشملها التحول من غير أن تخضع للسنن الكونية التي تسير وفق نظام رباني محكم دقيق، فتكون هذه السنن المقدمات الطبيعية التي تتوالى في تسلسل منظم حتى تؤول إلى النتائج المنشودة.
تلك حقيقة لا يمكن المكابرة بها ولا يخفى آثارها، ولا يعتبر الحكم على أمة أو تقويم أوضاعها، حكما صحيحا أو تقويما مقبولا إذا لم يرتكز على هذه الحقيقة أو يضعها في الاعتبار المناسب.
وإن الأمة الإسلامية التي أراد الله لها أن تكون قوامة على الناس، وحملها مسؤولية الهداية والقيادة، وجعلها خير أمة أخرجت للناس بما تحمل من أمانة العقيدة والدعوة إلى الحق وتحرير البشرية من الطغيان، وإنقاذهم من الجهل والفساد والضلال. إن هذه الأمة قد مرت بمرحلة قوة لا حد لها بحيث خفقت راية التوحيد في أصقاع متنائية في أنحاء المعمورة، وأحدثت في الدنيا في حقبة قصيرة من الزمن أوضاعا جديدة، كريمة طيبة بما نشرت من مبادئ الإيمان والحق والسماحة وقيم الخير والحرية والعدالة والمساواة.
وإذا تحدثنا عن الوحدة الإسلامية وحاجتها فلابد لنا من بيان بعض ما يعرقل مسيرتها وتقدمها.
هناك أسباب كثيرة تعيق حركة الوحدة، فيها الاختلاف السياسي، والتعصب للمذاهب والآراء، الذي جعل كثيرا من الغلاة يستبيحون لأنفسهم تأكيد آرائهم بتفسير بعض الآيات القرآنية تفسيرا ضيقا يطابق أهواءهم، وبوضع أحاديث كاذبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أدى إلى افتراق المسلمين فرقا شتى بسبب هذا التعصب، وكان أشده خطرا ما اتصل بالعقائد، فقد وصل في بعض الأقطار الإسلامية إلى تكفير بعضهم بعضا.
واختلاف الآراء في الأحكام الفقهية الاجتهادية لا ينبغي أن يكون داعيا إلى التعصب لرأي منها والحكم عليه بأنه هو وحده هو الصواب، وبأن غيره هو الخطأ، فقد يكون الأمر على العكس من ذلك، وفهم الأئمة المجتهدين للدين فهما صحيحا نصا وروحا، هو الذي أملى عليهم هذا القول المأثور عن أكثر من واحد منهم: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، ولم يرض الإمام مالك – رضي الله عنه – أن يحمل الخليفة العباسي الناس على كتابه "الموطأ"، لأن غيره ممن لهم رأيهم واجتهادهم وعلمهم كانوا موجودين في بلاد كثيرة، وقد يكون الصواب معهم. ويتصل بهذا، الفتوى بغير علم، ونسبة حكم لله لم يقل به، ونهى سبحانه عن ذلك بقوله: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) النحل: 116.
ومنها الانحراف في السلوك بالمغالاة والتطرف، وترك القصد والاعتدال، وقد أمرنا أن نتمسك بهما، والنصوص في ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقوله: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) وقوله:
(يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا)، وقوله: (فاتقوا الله ما استطعتم)، وقول النبي صلى الله عليه لمن عزموا على الصيام أبدا، وعلى قيام الليل أبدا، وعلى عدم التزوج أبدا: "أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"، وقوله: "هلك المتنطعون" ثلاث مرات. وقوله: "إن الدين يسر ولن يشاد أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا..." وهناك أسباب أخرى غيرها يضيق المقام بنا أن نبين جميعها هنا.
وإذا كان واقع الأمة الإسلامية كما ذكرنا آنفا، فكيف السبيل إلى الوحدة والتضامن الإسلامي بين الشعوب الإسلامية في حياتنا المعاصرة بدءا من القاعدة إلى القمة. وذلك لأن التربية الإسلامية هي الطريقة المثلى لإعداد المسلمين، وتوجيههم، رعاية جوانب نموهم العقلية الإدراكية، والوجدانية الانفعالية، والسلوكية العملية في ضوء تعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية اللذين تضمنا مبادئ وأسس التضامن الإسلامي.
أجل، لقد استطاعت التربية الإسلامية أن تسهم في تحقيق التضامن الإسلامي والوحدة بين المسلمين، وهي لا تزال تستطيع أن تحقق ذلك في حياتنا المعاصرة، لأن المسلمين جميعا إخوة في العقيدة والإيمان وتحقيق الأهداف المشتركة، والتراحم والتعاون والتواصل ما بينهم (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
ومن هنا يثار سؤال، وهو أن الأمة الإسلامية عندما كانت متحدة الأفكار والأوضاع والأهداف وصلت إلى ذرى المجد من الحضارة، فهل أدركت هذه الأمة ما بلغته من ذرى المجد، وهل نالت ما حققته من روائع النصر، وما وصلت إليه من عجائب الفتح؟ وهل استطاعت أن تبني ما شادته من حصون العزة وأن تقيم ما أقامته من دعائم الحضارة، وأن تكون مع النصر في كل ميدان، دون أن تسلك لكل ذلك دربه، وتأخذ له أهبته، وتعد له عدته، وتعطيه من عصارة فكرها، ودم أبنائها، واستبسال الصفوة المختارة من رجالها؟
لا شك أن ذلك كان فضلا من الله كبيرا، ونعمة سابغة أنعم الله بها على عباده الأخيار، ولكن ذلك كله كان مرتكزا أيضا على سنن الله التي لا تتخلف، وذلك حتى تكون حياة المسلمين في سيرهم نحو أهدافهم وفق خطى مرسومة ومناهج منتظمة وقواعد متناسقة. فلابد لهذه الأمة أن تستلهم روح الحياة وأمل النهوض من جوهر عقيدتها وخصائص رسالتها، ومن سفر بطولتها في ألق ازدهارها وفجر انتصاراتها، ففي ذلك كله معالم طريقها ووحدة صفوفها وأهدافها، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها (سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا)، (سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here