islamaumaroc

نظرة حول مخطوط "الدرة السنية في المعالم السنية" لأبي عبد الله ابن المناصف

  قاسم عزيز الوزاني

العددان 305 و306

   كتب الفقه، على ما يبدو، ذات اتجاهات. فمنها كتب أصحاب المذاهب المتبعة "كالمدونة الكبرى" للإمام مالك، و"الأم" للشافعي، وكتب المختصرات التي لا تشتمل على دليل غالبا، أو كتب أصحاب المذاهب التي تتطرق إلى الاختلافات الفقهية "كالمحلى" لابن حزم (الظاهري)، و"التمهيد" لابن عبد البر (المالكي)، و"المغني" لابن قدامة المقدسي (الحنبلي)، أو كتب الخلاف العالي "كبداية المجتهد" لابن رشد (الحفيد)، أو كتب الفقهاء المجتهدين أصحاب مذاهب مستقلة "كالخلاف الفقهي" لابن جرير الطبري، و"الإشراف على مذاهب أهل العلم" "لأبي بكر ابن المنذر"، ويعتبر "الدرة السنية" من هذا النوع الأخير، بالإضافة إلى أنه يتميز بالتحليلات اللغوية والشروح الوافية.

 - مؤلف الكتاب:
هو أبو عبد الله محمد بن عيسى بن محمد أصبغ... الأزدي المهدودي المولد القرطبي الأصل.
عاش في ظل الدولة الموحدية التي كانت تشجع العلماء وتدعو إلى الاجتهاد ونبذ التقليد.
وتقلب في ظل الغرب الإسلامي، إذ هاجر والده من قرطبة في عصر ملوك الطوائف إلى المهدية بتونس (إفريقيا)، وبها ولد ودرس، وأتم دراسته بمدينة تونس، ثم توجه إلى تلمسان بالجزائر، فأقام بها طويلا، ثم تقلد منصب القضاء بشرقي الأندلس، وبعد ذلك توجه إلى قرطبة مدينة أجداده، ثم قضى أيامه الأخيرة في مراكش، حيث توفي بها سنة 620هـ 1225م.(1)
 يعد ابن المناصف في الفقهاء المجتهدين واللغويين المتضلعين، فمن مؤلفاته الفقهية غير هذا الكتاب:
• "تنبيه الحكام على مآخذ الأحكام": في القضاء والشهادات وتنفيذ الأحكام.(2)
• "الإنجاد في أبواب الجهاد" (3)
ومن مؤلفاته اللغوية:
• "المذهبة في الحلى والشيات" وهو نظم رجز في خلق الإنسان، وخلق الخيل.(4)
• "أبواب نظم المعقبة لكتاب المذهبة". ضمنه وصف الإبل والغنم والظباء وحمر الوحش والنعم والسلاح والجنن.(5)
 
- وصف المخطوط:
والكتاب نظم رجز، قسمه إلى أربعة معالم:
- المعلم الأول: في العقائد.
- والثاني: في متعلق النكت الأصولية.
- والثالث: في مقتضى الألقاب الفقهية والمسائل الفروعية.
- والرابع: في السيرة النبوية. ومجموع عدد أبياته 7002 توجد منه النسخ الآتية:
1) نسخة بهذه المكتبة تحت رقم 404 ومنها ميكروفيلم بالخزانة العامة بالرباط رقم 1254، وهي مكتوبة بخط مغربي جميل، إلا أنه باهت جدا، يختفي أحيانا حتى يكاد يصير في لون الورق فتصعب قراءته، وقد فتكت به الأرضة فتكا ذريعا، وبها نقص، خصوصا في المعلم الثاني، يظهر أنها سقطت منها أوراق من الوسط والأخير، جمعت بخط آخر أكثر وضوحا، ويبدو أن صاحب هذا الخط أراد أن يرحم ما نقص منها من الأوراق، ولكنه خلطها، وهذه النسخة خالية من ذكر الناسخ وتاريخ النسخ.
2) نسخة بالخزانة العامة بالرباط (قسم المخطوطات) تحت رقم 1- 1075ك، تقع في 440 صفحة، عدد السطور نحو 16 سطرا في كل صفحة، وهي بخط مغربي وسط، كتب عناوينها بلون أحمر باهت، خالية أيضا من اسم الناسخ وتاريخ النسخ، نقص الكاتب من المعلم الثالث 43 بيتا.
3) نسخة بمكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة، مجموعة عثمان بن عفان رضي الله عنه برقم عام 682، وخاص 4141، بخط مغربي جيد، تقع في مجلد متوسط الحجم مقاس 23× 17 في أكثر من 300 صفحة.
4) نسخة تحت اسم "النكت الأصولية، ومجاري الأدلة الشرعية". وهي المعلم الثاني منها، ذكر الكتاني أنه وقف عليها في دار الكتب القومية بتونس رقم 998 في 73 ورقة بخط محمد المنوبي الغزالي، كتبت غرة شوال 1326هـ كما وقف على المعلم الرابع منها تحت اسم "كتاب السيرة والأعلام المحمدية" رقم 234 في 58 ورقة.
بخط الكاتب نفسه في رمضان من السنة نفسها.(6)
   والنسخ الثلاثة الأولى تبتدئ بما يلي:
الحمد لله إله الحمد
                 أهل الثناء ربنا والمجد
   وتختتم بما يلي:
وحسبنا الله تعالى حسبنا
                     تبارك الله وجل ربنا

- نسبة الكتاب إليه:
نظم ابن المناصف كتابه هذا بمنزل الحافظ بقي بن مخلد في قرطبة، وختمها مستهل صفر من سنة 614هـ. ونسبها لنفسه بذكره ذلك في آخرها:
أنشأها لا يأتي التقديسا
                     لربه محمد بن عيسى
ابن محمد هو ابن أصبع
                       وحامد الله على ما ينبغي
بالقطر من قرطبة مقاما
                       في أشهر آخرها تماما
لمستهل صفر من سن
                     أربع عشرة وستمائة
وعن عدد أبياتها قال:
مبلغها مثنى على انفراد
                      سبعة آلاف على ازدواج
   وذكرها له ابن الأبار والرعيني، وسماها هذا "بالدرة في الفقه وأصوله"، ونسبه له ابن عبد الملك وقال: "وقفت عليها بخطه المشرقي"، (7) وذكرها له إسماعيل باشا البغدادي، (8) والعياشي في رحلته، وقال: بأنه رأى السيرة النبوية والأعلام المحمدية بمكة المشرفة ضمن سفر في القالب الكبير في أمداح النبي صلى الله عليه وسلم، وبأنه لأبي عبد الله ابن المناصف، وذكر مكان التأليف وزمانه، وتساءل عن المعالم الثلاثة الأخرى أين هي؟(9) وقال ابن سعيد نقلا عن ابن العباس بن عمر بأن له كتابا فيه أربعة علوم، أصول الدين وأصول الفقه وفروعه، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، (10) وذكر له الزركلي كتابا في أصول الدين وآخر في السيرة النبوية، (11) ونسبه له بروكلمان في "ذيل تاريخ الأدب العربي".(12)

- مضمون الكتاب وتحليله:
حصر كتابه هذا في معالم أربعة، يقول عنها:
المعلم الأول في حروف
                       دينية الألفاظ في التعريف
كقولنا: الإيمان والإسلام
                       وكل ماله به ارتسام
المعلم الثاني من الفصول
                       في لمح من نكت الأصول
تنبئ عن أدلة الخطاب
                    من مقتضى السنة والكتاب
المعلم الثالث في ألقاب
                     فقهية دائرة في الباب
كقولنا: الوضوء والصلاة
                    وكقولنا: الصيام والزكاة
المعلم الرابع في اختتام
                    كتابنا يحمل كرام
من سيرة النبي في مولده
                    ونشئه الكريم في محتده(13)
• وأبواب المعلم الأول في الإيمان وحقيقته لغة واصطلاحا، وفي شرح الألقاب الواقعة على أهل البدع، مثل (المرجئة) و(القدرية)... وفي شرح أسماء تتعلق في عرف الديانات بأهل المعاصي، مثل الكافر والمشرك، وفي تأويل جمل من الألفاظ وردت في الشرع تشكل ظواهرها كتأويل الاستواء على العرش.
• وأبواب المعلم الثاني هي: معرفة أدلة الأحكام، ومعرفة وجوه دلالة الأدلة على الأحكام، ودلالة الألفاظ من حيث الفحوى والمفهوم.
وأبواب المعلم الثالث: العبادات ولمعاملات والحدود والقصاص والفرائض.
• وأبواب المعلم الرابع: في نسب النبي ومولده وسيرته وبعثته وهجرته.
    وخطته فيه أنه يستند على الكتاب والسنة بالدرجة الأولى يقول في ذلك:
لم نبنه على يد التقليد
                    لكن بالاستدلال والتجويد
منزها، في جانب الدليل
                   عن نازل الآثار والتعليل
فتارة من محكم التنزيل
                  وتارة من سنة الرسول(14)
   والسنة يختار منها الأحاديث المسندة الصحيحة، ولا يتساهل في سوق الضعيف والمرسل، فيقول:
لا نأتلي صوب الحديث المسند
                من الصحيح الثابت المجود
ولم نسامح فيه أو نستسهل
               سوق الضعيف حجة والمرسل
   ويستند على الإجماع، ويشترط فيه أن يكون له نص شرعي:
ومن طريق البحث والتحليل
                    لابد للإجماع من دليل(15)
    ويورد آراء أصحاب المذاهب الأربعة المتبعة ومذهب الأوزاعي وداود وابن حزم الظاهريين، وأقوال أتباع الإمام مالك كابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ بن خليل، ويعتمد على أبي عبيد لقاسم بن سلام وغيره في اللغة.
   وبالإضافة إلى هؤلاء فهو يورد اجتهادات أئمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم، من بينهم: سعيد بن المسيب، رأس علماء التابعين وفقهائهم، ويعتبر مذهبه أصل مذهب مالك في المدينة؛ والحسن البصري المتوفى سنة 110هـ ويعد من أصحاب المذاهب المقلدة والمدونة؛ وقتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة 117هـ أحد الأئمة الحفاظ؛ وأبو بكر محمد بن عبيد الله بن شهاب الزهري المتوفى سنة 124هـ أحد الأئمة الأعلام؛ وأبو عثمان ربيعة المعروف بربيعة الرأي المتوفى سنة 136هـ مفتي المدينة؛ وان أبي ليلى: محمد بن عبد الرحمن المتوفى سنة 148هـ قاضي الكوفة؛ وزفر بن الهذيل المتوفى سنة 158هـ من الأئمة المجتهدين ومن أصحاب أبي حنيفة، وسفيان الثوري المتوفى سنة 161 من أرباب المذاهب المقلدة وغيرهم.
   وطريقته في التحليل أنه يورد الأقوال، يختار من بينها ما يظهر له أنه هو الأقرب إلى الدليل، معقبا غالبا ببيان حجة كل ووجهة نظره، وقد يلتمس له هو الدليل أو وجهة النظر الممكنة، وقد يخالف مذهبا ويوافق آخر، وقد يختار من الأقوال الخاصة بمذهب واحد ما يراه صالحا.
   فمن مخالفته للشافعي، الذي كثيرا ما يؤيده، ما ذكره بعد الإشارة إلى الخلاف الوارد في الطلاق بدون نية، وان الجمهور قالوا: إنه لا عبرة به، وأن الشافعي قال: إنه لازم، وهو ظاهر المدونة، قال عقب ذلك:
وكله قول ضعيف تفسده
                  أدلة الشرع ولا تؤيده
من ذاك حكم المحكم الآيات
                  في: "إنما الأعمال بالنيات"(16)
   ومن ترجيحاته للمذهب الظاهري ما أتى به بعد ذكره للخلاف الوارد في قصاص الجراحات بين الحر والعبد، فقال مالك وأبو حنيفة: لا قصاص بينهما، وإنما لهما الأرشد، (17) وكلاهما خالف أصل مذهبه:
لان مالكا يقول: العبد
               يقتل بالحر، كذا يعتد
ولا يرى في قطعه، قطع يده
               للحر فيما افتات من تعمده
وهو إذا اقتص له وأجرى
               في النفس، كان في الجراح أحرى
أما أبو حنيفة فالقود(18)
               على السواء بينهم يعتمد
ثم يرى القصاص في الأعضاء
               ممتنعا فيه على القضاء
وذاك ما لا يشكل التعارض
                 فيه ولا يخفى به التناقض(19)
   وقال الشافعي: لا قصاص بين الحر والعبد
في نفس ولا غيرها، وقال الظاهرية قولا ثالثا:
وفيه قول ثالث مجرد
               لا خلل فيه ولا تأود
إن القصاص بينهم سواء
               تدخل فيه النفس والأعضاء
فيستوي الأحرار والعبيد
                  لا نقص في صنف ولا يزيد
يقتل كل منهما بصاحبه
                وهكذا الجروح في القضاء به
فالمؤمنون كلهم أكفاء
            دماؤهم حرمتها سواء
جاء به السنة والقرآن
            وقام في الحكم له البرهان
وأيضا الجروح في الكتاب
            يعمهم في الحكم والخطاب
قال بذاك كله داود
            وابن أبي ليلى، ومن يجيد(20)
   وإذا وافق هنا المذهب الظاهري، فكثيرا ما يخالفه، من ذلك الإجماع الذي وقع على وجوب الزكاة في الزبيب، ثم يذكر شذوذا لهذا المذهب:
حاشا خلافا شذ في الزبيب
           يعرفه ذو البحث والتنقيب
أسقط ذاك بعض أهل العلم
           منهم أبو محمد ابن حزم(21)
   واتفق العلماء على أن الجهاد واجب على الكفاية، وشذ داود فقال بوجوب على الأعيان مرة في العمر:
إلا شذوذا من خلاف موجودا
             لابن أبي عاصم، أعني داود
قال الجهاد فرض عين يلزم
             كهيئة الحج الجميع منهم
ونحوه يروون عن مكحول
             وذاك قول غير ذي تحصيل(22)
   ونادرا ما يوافق أبا حنيفة كما في هذا المثال:
ففي عتق من وقع ملكه من ذوي الأرحام خمسة أقوال. قال أبو حنيفة: كل ذي رحم وقع عليه الملك من ذوي رحمه فهو عتيق:
فقيل كل رحم محرم
          فهو عتيق طوع نص الكلم
فيدخل العم إذن والخال
          فيه، وكل محرم ينال
وهو الذي قال أبو حنيفة
          والظاهري إذ رأى شغوفه(23)
   ثم يورد أقوال الشافعي ومالك وداود والأوزاعي في ذلك، ثم يقول:
والأرجح الذي له برهان
         هو الذي قال به النعمان(24)
   وقلما ينكر أن يكون لرأي قاله أحد الفقهاء مستند يعتمد عليه، وأكثر ما يفعل ذلك مع أبي حنيفة وأصحابه. من ذلك ما أتى به من الخلاف الوارد في مل التثويب، وهو قول المؤذن للصبح "الصلاة خير من النوم":
واختلفوا في عمل التثويب
                 أعني الذي في الصبح من تعقيب
فذهب الجمهور لاستحبابه
              وقال قوم ليس من آدابه
وكرهوه منهم النعمان
            وغيره، ومالهم برهان
لأنه قد سنه الرسول
            فقام للقول به الدليل(25)
  ومن ذلك ما أورد في اليمين:
وقال أهل الرأي قولا يضعف
              عن على المكره حنثا يوصف
وذاك قول ماله برهان
           بل هو مما قد عفا القرآن(26)
   ومن استدلاله بالنظر ما أورده من الاختلاف في توريث ذوي الأرحام، فأنكره زيد بن ثابث والزهري ومالك والشافعي والفقهاء السبعة وأكثر فقهاء الحجاز، وورثهم جمهور الصحابة والتابعين وعمر وعلي وابن مسعود والقاضي شريح ومسروق وطاوس والشعبي والنخعي والثوري، واتفق عليه أهل العراق والنعمان وأصحابه وإسحاق وأحمد وأبو عبيد في جملة من الأئمة المتبوعين، وبه يقول الشيعة:
لظاهر القرآن فيه وردا
             بعضهم أولى ببعض شهدا(27)
ومن طريق عبرة المعاني
             فهو لهم به دليل ثاني
لأنه في النظر المستصوب
             ذو السببين سابق ذا السبب
فسببا الدين وقربى الرحم
             أولى به من بيت مال المسلم(28)
   وثقافته اللغوية المتينة مكنته من الاستشهاد على تفسيره للأدلة بكلام العرب والاجتهاد في وجه الاشتقاق اللغوي لبعض الكلمات الشرعية. من ذلك ما أتى من خلاف في كلمة "القرء" في قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء). (29) فقال قوم: الطهر، وإليه مال أهل الحجاز، وقال أهل العرق: الحيض، وهذا هو الصواب عنده بدليل العرف من اللسان والشرع، حيث ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت جحش: "دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، اغتسلي وصلي".
وظاهر العرف من اللسان
                  لهم دليل واضح البيان
وفي الحديث أن دعي الصلاة
              أيام أقرائك فلاتا(30)        
   ومن اشتقاقاته اللغوية ما قال في باب الجنائز:
والأصل الاشتقاق فيما ذكرا
             من جنز الشيء إذا ما سترا
فالميت المدرج في الأكفان
             يستر محجوبا عن العيان
وجائز عندي أن يكونا
             الأصل فيه كله يعنونا
من جنز الشيء إذا ما جمعا
             فافهم وكن ممن إذا قال وعى
لأن نفس من يموت تجمع
             في موقف فيه النفوس جمع(31)

وفي الربا بعدما ذكر أنه من الزيادة جوز أن يكون من ربا يربو، أخذه الربو:
وجائز عندي في اشتقاقه
              على اعتبار الشرع في إطلاقه
إن يدعى من قولهم جوف ربا
              أصابه الربو لداء رتبا
لأنه فيه فساد الجسم
               فشبهوا به فساد الحكم(32)
   وذكر الخلاف في معنى كون "الطهور شطر الإيمان" أي نصفه ثم قال:
وها أنا أقول قولا أعتمد
              فيه على الله الهادي وأجتهد
فربما وافق وضع العرب
               والشرع، واستحق أعلى الرتب
أقول: شطره بمعنى قصده
               ووجهه، لا نصفه في حده(33)

- قيمة الكتاب:
   تعتبر الدرة السنية ذات علوم متقاربة تتعلق بأصول الدين وأصول الفقه والشريعة الإسلامية والسيرة النبوية، وهي شاملة كافية لمن يريد الإلمام بالدين الإسلامي وأسسه، وذات قيمة كبيرة. وكان يريدها أن تكون في هذا المستوى، ولذلك يقول:
من من لم تك الدرة في حوزه
                فجيد عليا مجده عاطل
روضة آداب حلى سؤدد
                منبع علم ودقة هاطل
فاقت بنات النظم في فنها
             لا يساوي الحق والباطل(34)
   وساق أبياتا في آخر المعلم الثاني منها، حيث أضفى عليها صبغة الحياة، وصورها في أجمل صورة، ولاحظ بأنها سهلة الفهم، بما تشتمل عليه من منتقى الكلام فتشفي القلوب، وتكشف السر عن المطلوب، فيزهي بها المميز النبيه، ويصطفيها العالم الفقيه، قال: (35)
حتى بدت أبياتها الفرائد
             تزينها الكواعب الخرائد
تختال في أرائك الأحسان
             منشأة من صنعة اللسان
تبسم عن ضواحك المعاني
             يمس في بلاغة البيان
تسمو إلى غوامض الأفهام
             في درجات منتقى الكلام
يجلو سناها صدأ القلوب
             وتكشف السر على مطلوب
يزهى بها المميز النبيه
               ويصطفيها العالم الفقيه
  ويقول عنها الرعيني(36) "ومن منظوماته "المذهبة" و"المعقبة" و"الدرة" في الفقه وأصوله، وكل ذلك مما بز فيه وأبان به عن معرفته ورسوخه".
   وقد عرف بها كثيرا، وأخذت عته. ومن بين من أخذ عنها سيدي محمد بن علي السنوسي الخطابي الحسني الإدريسي المتوفى سنة 1276 هـ بالقطر التونسي في كتابه: "المسائل العشر المسمى بغية المقاصد في خلاصة المراصد".(37)
   إلا أنه في رأينا أن الذي يستفيد منها أكثر هو العالم المتفقه، أما غيره فقد يحتاج إلى تعاليق وشروح، نظرا للتركيز على الأفكار المهمة، والإشارة بالاقتضاب إلى الدلائل الشرعية أو التلميح لها، ونظرا لما يلجئه إليه النظم من الاضطرار إلى الاختصار أيضا.
   وقد عبر عن ذلك في آخر المعلم الثالث، فذكر أنه يكتفي بالإيماء إلى المهم، والاقتضاب في النكت الشريدة، والتلميح لها حيث قال:(38)
هذا انتهاء عمد الأبواب
          في المعلم الثالث في الكتاب
مختصرا بحسب الإيمان
          إلى المهم دون الاستقصاء
في مشكل الألفاظ والمعاني
          أو ضبط أصل جامع البيان
مقتضبا في النكت الشريدة
          تكفيك منه اللمحة الفريدة
وفي هذا المعنى قال أيضا في آخرها:
وقد حصرنا جد جهد الجاهد
               فيما نظمنا فيه من فوائد
على التماس النفع والتحقيق
               محررا في كل ما طريق
بما إليه فيه منا الوسع
               والنظم قد يضيق فيه الذرع
   وبالإجمال فكتاب "الدرة السنية" مفيد للعالم المتخصص الذي يريد أن يقف على ثقافة إسلامية أصيلة مضبوطة ومنقحة، وعلى منهج راق في التأليف، يبرز من خلال تحليل الأحكام الشرعية، بفكر المعارف لمتبحر في الخلاف العالي، أو ما يسمى بالفقه المقارن، والمجتهد المتفحص، الراسخة قدمه في أصول الشريعة الإسلامية وفروعها، والعالي الشأن في اللغة لعربية وعلومها، خصوصا وقد ألفه في آخر عمره، بعدما نضج علمه، وتمتنت معرفته، واستوى على سوقه، رحمه الله وأجزل له ثواب عمله.


1) تنظر دراسة شخصيته في بحثنا رسالة دبلوم الدراسات العليا ذات العنوان:
"أبو عبد الله بن المناصف وآراؤه" مرقون في كلية الآداب جامعة مولاي إسماعيل مكناس، وما أحلنا عليه من كتب التراجم "كالتكملة لكتاب الصلة" لابن الأبار، أبي عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي البلنسي رقم 962 نشر كودير و"برنامج شيوخ الرعيني" لأبي الحسن علي، تح. شيوخ ص: 128. (ط، دمشق 1381م)، ولاسيما "الذيل والتكملة" لابن عبد الملك المراكشي تح. محمد بن شريفة 8/ 335 – 350 (ط. أكاديمية المملكة المغربية 1984) وغيرها.
2) مطبوع، أعده للنشر عبد الحفيظ منصور، دار التركي للنشر سنة 1988.
3) توجد منه نسخة واحدة حسب مبلغنا من العلم في مكتبة ابن يوسف بمراكش تحت رقم 216، وميكروفيلم منها بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم 748، وقد أشرفنا على الانتهاء من تحقيقه.
4) توجد نسخة منه بالخزانة العامة بالرباط في مجموع رقم 748 وأخرى رقم 1715 ضمن مجموع ونسخ أخرى في الخزانة الحسنية بالرباط، وفي الأسكوريال بإسبانيا وفي أياصوفيا بتركيا. وقد نشرت في التقويم الجزائري (القسم الأدبي) سنة 1330هـ / 1912م.
5) توجد نسخة منه بالخزانة الحسنية بالرباط مع "المذهبة" وبمكتبة الأسكوريال رقم 518 مع المذهبة أيضا.
6) انظر مقالة الأستاذ محمد بن إبراهيم الكناني بعنوان: أبو عبد الله محمد بن المناصف المجتهد المغربي المنشورة بمجلة "الباحث" س 1 مج 2 ع 2/ 1972.
7) الذيل والتكملة 8/ 49.
8) هدية العارفين 6/ 109.
9) أبو سالم العياشي، وضع فهارسها محمد حجي (الطبعة الحجرية بفاس سنة 1397هـ/ 1977م).
10) المغرب في حلى المغرب 1 / 106.
11) الإعلام 6/ 223.
12) 1/910.
13) النسخة 2 ص: 4.
14) نفسها ص: 338.
15) نفسها ص: 101.
16) نفسها ص: 255.
17) الأرش هو دية الجراح.
18) القود هو استيفاء حق القتل بمثله من متولي الفعل.
19) النسخة 2 ص: 312.
20) نفسها ص: 313.
21) نفسها ص: 215.
22) نفسها ص: 232.
23) نفسها ص: 286.
24) نفسها ص: 287.
25) نفسها (باب في الصلاة).
26) نفسها ص: 238.
27) سورة الأحزاب، وتمامها: ?النبيء أولى بالمومنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم، وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المومنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا?.
28) النسخة 2 ص: 336 – 337.
29) البقرة 228.
30) النسخة 2 ص: 228.
31) نفسها ص: 206.
32) نفسها ص: 262.
33) نفسها ص: 186.
34) أورد له ابن عبد الملك هذه الأبيات في الذيل والتكملة 8/ 348.
35) النسخة 2 ص: 184.
36) برنامج شيوخ الرعيني ص: 129.
37) انظر ص: 25 (مطبعة المعاهد بالقاهرة)
38) النسخة 2 ص: 338.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here