islamaumaroc

ابن عطية وتفسيره: المحرر الوجيز.-1-

  عمر الدباغ

العددان 305 و306

ولد عبد الحق بن عطية سنة 481هـ بغرناطة بعد احتدام المواجهة بين يوسف ابن تاشفين وملوك الطوائف بالأندلس، إلا أنه حين اكتمل شبابه وجد نفسه بين تيارات مختلفة، منها ما يرجع إلى الخلافات السياسية التي كانت بين المرابطين وبين طلائع الموحدين، ومنها ما يرجع إلى الحروب التي كانت تدور بين النصارى والمسلمين؛ ومع ذلك فإن تلك الاضطرابات لم تحل بينه وبين الاتجاه العلمي الذي كان سائدا آنذاك، خصوصا منه ما كان يسير على نسق المنهاج السني الذي كان يمثل سياسة المرابطين في عقيدتهم وأحكامهم، وقد صادفت وفاته سقوط هذه الدولة عام 541هـ.(1)
وهو منذ نشأته توجه إلى طلب العلم متأثرا بالروح العلمية التي كانت متجلية في أسرته، فقد كان أبوه وجده وجد أبيه من كبار علماء المترجم لهم.(2) فهو أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن(3) بن غالب بن تمام، (4) وكان والده حريصا على طلب الإجازة له من العلماء، حيث استجاز له الفقيه أبا جعفر أحمد بن خلف الغساني المعروف بان القليعي، فأجازه، وقد أشار إلى ذلك ابن عطية في فهرسته(5) وكان نفسه حريصا على طلب الإجازة من العلماء، فكان يراسلهم لاستجازتهم، وقد ذكر في فهرسته أنه استجاز أبا علي الحسين الصدفي السرقسطي فأجازه.(6) 
وقد أشار إلى ذلك ابن الأبار في معجمه فقال في ترجمة ابن عطية: "وسمع هو من أبيه ومن أبوي علي الغساني والصدفي، لقيه بمرسية، وقرأ
? إنه كان فقيها عالما بالتفسير والأحكام والحديث والفقه والنحو واللغة والأدب.
(الديباج. ابن فرحون)
? كان فقيها جليلا عارفا بالأحكام والحديث والتفسير. نحويا لغويا أدبيا شاعرا مجيدا ضابطا سنيا فاضلا، من بيت علم وجلالة، غاية في توقد الذهن، وحسن الفهم، وجلالة التصرف، وأن تفسيره يعتبر أصدق شاهد له بإمامته في العربية وغيرها.
(ابن الزبير)
? إنه كان واسع المعرفة. قوي الأدب. متفننا في العلوم.   (ابن بشكوال)
ليه جامع الترمذي، وكان قد أجاز له قبل ذلك".(7)
ولم تكن هذه الإجازة شكلية فقط بل كان صدقها واضحا في عمق المعرفة التي كان يتصف بها ابن عطية. ذكر ذلك جل الذين ترجموا له.
فقد ذكره ابن فرحون في "الديباج" ضمن أعيان مذهب الإمام مال، وقال عنه: إنه كان فقيها عالما بالتفسير والأحكام والحديث والفقه والنحو واللغة والأدب. (8)
وعده السيوطي في "بغية الوعاة" من أئمة النحو، ونقل في وصفه ما ذكره ابن الزبير انه كان فقيها جليلا عارفا بالأحكام والحديث والتفسير، نحويا لغويا أديبا بارعا شاعرا مجيدا ضابطا سنيا فاضلا من بيت علم وجلالة غاية في توقد الذهن، وحسن الفهم وجلالة التصرف، وأن تفسيره يعتبر أصدق شاهدا له بإمامته في العربية وغيرها.(9)
وقال عنه الفتح بن خاقان: "نبعة دوح العلاء، ومحرز ملابس الشتاء، فذ الجلالة، وواحد العصر والأصالة... آثاره في كل معرفة علم في رأسه نار، وطوالعه في آفاقها صبح أو نهار.(10)
وقال ابن بشكوال عنه: إنه كان واسع المعرفة قوي الأدب متفننا في العلوم.(11)
ولم يعترف له بهذا الفضل مؤلفو التراجم والطبقات فقط، بل نجد ذلك في ديباجات بعض كتبه أو عند الانتهاء منها من لدن النساخ على اختلاف أماكنهم وعصورهم، ومن أمثلة ذلك العبارة التالية الموجودة اثر الانتهاء من نسخ الجزء الأول من تفسيره المحفوظ بخزانة القرويين تحت رقم 1732. يقول كتابه: "هنا انتهى الجزء الأول من المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تأليف الإمام الشيخ العلامة رئيس المفسرين والمجمع على فضله وتقدمه عند أئمة الدين القاضي أبي محمد عبد الحق بن الشيخ القدوة أبي بكر غالب ابن عطية الغرناطي رحمه الله وحزاه فضلا وإحسانا عن الإسلام والمسلمين، وهو المسؤول، جلت قدرته وعم فضله، أن يحشرنا في زمرته مع خدمة كتابه المتقين.(12)
ولعل من يقرأ فهرست ابن عطية سيتيقن من حقيقة هذا الإطراء العلمي الذي يتجلى في شمولية المعرفة الدينية واللغوية التي تلقاها من شيوخه، وعلى سبيل المثال يمكننا أن نفصل الحديث عما تلقى من والده، ومن أبي علي الغساني اللذين أكثر من الأخذ عليهما.
فقد قرأ على والده غير ما مرة كتاب "الموطأ" للإمام مالك، و"صحيحي" البخاري ومسلم، و"مصنف" أبي داود، و"سنن" النسائي والترمذي، وكتاب "سيرة ابن إسحاق" و"بعض شرح غريب الحديث" لأبي عبيد، و"كتاب التفريع" لابن الجلاب، و"المدونة"، وكتاب "الجمل" للزجاجي، وكتاب "المقتضب" للمبرد، وكتاب "قوت القلوب" لبي طالب محمد بن علي المكي في التصوف، وكتاب "مشكل الحديث" لمحمد بن الحسن بن فورك الأشعري، وحدثه بكتاب "التحصيل" وكتاب "الهداية" لأبي العباس أحمد بن عمار المهدوي، وكتاب "الألفاظ" و"إصلاح المنطق" وكلاهما من تأليف ابن السكيت، وكتاب "التلخيص" لأبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني، وغيرها من الكتب. (13)
وسمع من أبي علي الغساني ألفاظ من اللغة وأبياتا من الشعر، وقرأ عليه كتاب "الموطأ". و"مصنف" أبي داود، كتاب "الملخص" في مسند حديث موطأ مالك بن أنس، تأليف القابسي، وكتابه "الملخص" ألفه على "الصحيحين"، وناوله "صحيحي" البخاري ومسلم، و"سنن" النسائي، و"سيرة ابن إسحاق" وغيرها من الكتب المتضمنة لمختلف العلوم والفنون الدينية والأدبية. (14)
ولم يكن اهتمامه بالعلم والدرس ليحول بينه وبين تحمل بعض المسؤوليات الإدارية أو ليجعله عزوفا عن المشاركة العلمية بإبداء آرائه بكل نزاهة وصراحة، الشيء الذي أدى إلى انصراف المرابطين عنه في أيام شبابه، إلا أنهم لما تيقنوا فيما بعد من حسن طويته وسداد رأيه ولوه قضاء المرية، فكان ملتزما بالحق لا يداري فيه أحدا، فأدى ذلك إلى وجود معارضين لسيرته، فنسبوه أحيانا إلى الشدة ووصموه أحيانا بالزندقة، فعانى منهم آلاما نفسية عبر عنها في الأبيات التالية:
داء الزمان وأهله
               داء يعز له العلاج
اطلعت في ظلمائه
               ودا كما سطع السراج
لصحابة أعيا ثقا
               في من قناتهم اعوجاج
أخلاقهم ماء صفا
               مرأى ومطعمه أجاج
كالدر ما لم تختبر
               فإذا اختبرت فهم زجاج(15) 
ومع اهتمامه العلمي والإداري فإنه كان كغالبية العلماء في عصره لا يفتأ عن مقاومة أعداء الإسلام ومواجهتهم، فيتوجه مع المسلمين إلى الجهاد رجاء تحرير بعض المدن الإسلامية التي سقطت في أيدي النصارى، وكان يكثر من التغلب عن أهله وأسرته الشيء الذي جعل والده المريض يتمنى أن لو بقي ولده بجانبه ليساعده على عناء الحياة، خصوصا بعد اعتلال سمعه وبصره، فهو كان يرى أن مساعدة الوالدين والبر بهما باب من أبواب الجهاد، وفي ذلك يقول تشوقا له: (16)
يا نازح الدار لم يجعل من نزحت
                      دموعه طارقات الهم والفكر
غيبت شخصك عن عيني فما ألفت
                      من بعد مرآك غير الدمع والسهر
قد كان أولى جهاد في مواصلتي
                      لاسيما عند ضعف الجسم والكبر
اعتل سمعي وجال الضر في بصري
                      بالله كن أنت لي سمعي وكن بصري
وكان ابن مهتما بالتلقين حريصا على الإفادة، ويذكر المؤرخون عددا وافرا من العلماء الذين كانوا من نابهي تلامذته سجلهم محققا فهرسته أثناء الترجمة له نذكر منهم على سبيل المثال ابنه حمزة، وأبا القاسم ابن حبيش، وعبد المنعم بن الفرس ومحمد بن أحمد المرسي الإمام، ومحمد بن طفيل الفيلسوف الطبيب الشاعر، وأبا بكر بن خير الإشبيلي الذي روى عنه فهرسته فقال عنها: "روايتي لها عنه إذنا ومشافهة بألمرية حرسها الله". (17)
 عن عالما في هذا المستوى، جمع بين مختلف العلوم الإسلامية، وربط بين مفاهيمها، ودرس أصول الدين، واطلع على ما كتبه السابقون، وأجازه العلماء المعاصرون له، وعمل على التلقين والإفادة، لا ريب أنه ستكون قد توفرت لديه النظرة الشمولية للثقافة الإسلامية التي استمد منها نهجا سار عليه في تفسيره لكتاب الله العزيز، ذلك النهج الذي سنتحدث عنه في بحث لاحق بعد التعريف بهذا التفسير المسمى بالمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز.
وسنتولى التعريف حسب النقط التالية:

أولا: التفسير قبل المحرر الوجيز:
 لكي نتمكن من دراسة تفسير ابن عطية دراسة موضوعية لابد أن نضعه في إطاره التاريخي، فنعرف كيف تطور التفسير منذ نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عصر ابن عطية أوائل القرن السادس.
لقد نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآنا عربيا بلسان عربي مبين لينذر قوما اشتهروا بالفصاحة وبالتمكين من اللغة العربية عن طريق سليقتهم، فما كان منهم من تعذر عليه فهمه، ولا من خفيت عليه مقاصده، ولذلك قامت عليهم الحجة بكلام من جنس كلامهم، وبما اشتمل عليه من علوم وشرائع من جهة أخرى، خصوصا وأن ما أبهم عليهم منه، من حيث المعنى الإجمالي لا من حيث معاني الألفاظ، قد سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجاب عنه، من ذلك ما روي عن عبد الله بن مسعود قال: (18) "لما نزلت ?الذين آمنوا ولم
يلبسوا إيمانهم بظلم?(19) شق ذلك على المسلمين، فقالوا يا رسول الله: وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: ليس ذاك هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه ?يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم?.(20)
وملا لأظهره الله بينهم، واتسعت رقعة الإسلام، ودخل فيه مختلف الشعوب، وتوفي رسول لله صلى الله عليه، تولى الصحابة رضوان الله عليهم تفسير القرآن الكريم لمن لم يشهد نزوله منجما حسب الوقائع والظروف، فلم يقف على أسباب النزول ولم يعرف دلالات القرآن الأصلية، وفي مقدمة الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير الخلفاء الراشدون وابن مسعود وأبي بن كعب وزيد ابن ثابت وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير، وأكثر ما وصل إلينا من تفاسيرهم كان عن طريق عبد الله بن عباس نظرا لكونه كان من صغار الصحابة، فروى عنه كثير.
إلا أن التفسير على غرار الحديث قد وقع فيه الوضع، فتصدى له علماء يتحرون صحيحه، وينبهون على سقيمه، وفي مقدمتهم الإمام البخاري، فوثقوا الروايات التي جاءت عن طريق بعض التابعين كسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب والحسن البصري ومسروق الربيع بن أنس وقتادة وغيرهم، وأضعفوا روايات أخرى كرواية الكلبي عن السدي عن ابن عباس التي تسمى سلسلة الخزف لضعفها بمقابل سلسلة الذهب التي يعني بها بعضهم رواية مالك عن نافع عن عبد الله بن عم.
وفي عصر التدوين جمع عبد الملك بن جريج المتوفى سنة 149هـ الأخبار الواردة في التفسير بأسانيدها في كتاب هو أول ما ألف في التفسير، ولكنه أورد الصحيح منها والسقيم، فاحتاج هذا التفسير وأمثاله إلى نقد يعتمد على علم الحديث من جهة، وعلى العلوم اللغوية، لما لها من أثر في نقد المتون وعلى علوم أخرى مثل القراءات من جهة أخرى، بل أصبحت علوم اللغة عند المفسرين عنصرا ثانيا أدخلوه على ما انتهى إليهم من أخبار التفسير بالمأثور، لأن السائق أضخت قاصرة، وعوضتها الملكة الصناعية التي تستفاد بالتعليم، وتستند إلى القوانين والقواعد التي وضعت وازدهرت بالبصرة على يد أعلام مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي.
وهكذا بلغ التفسير أشده في القرن الثالث على يد الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري الذي ألف تفسيره المشهور "جامع البيان في تفسير القرآن" فكان مرجعا لكل من ألف في التفسير لإمامته في مختلف فنون العلم من فقه وحديث وتاريخ ولغة وأدب، وقد نقل عنه ابن عطية كثيرا.فابن جرير لم يكن مجرد ناقل للأخبار بأسانيدها، بل كان يتناولها بالنقد والترجيح، وقد يضيف آراء جديدة تساهم في إثراء المادة التفسيرية معتمدا في ذلك على ما أوتي من علم في مختلف الفنون.
وفي هذه الفترة، ظهر تدافع بين طائفتين من المفسرين: طائفة قريبة من أهل الحديث لا تجيز من التفسير إلا ما صح نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه رضي الله عنهم، فضيقت مجال البحث والنظر، وطائفة تنتقد منهج التفسير بالمأثور نظرا لما تسرب إليه من أحاديث ضعيفة أو موضوعة وإسرائليات وغيرها.
وقد استطاع الإمام البخاري رحمه الله أن يقرب بين الطائفتين حين بين الأحاديث الصحيحة المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في التفسير، فتبين أنها قليلة بالنسبة لما صح من التفسير المعلق على الصحابة، وبذلك اتسع مجال النظر والتأويل على نسبة ما ضاق من مجال الأثر والنقل. وكذلك تميزت في كتب التفسير بالمأثور الأخبار الصحيحة من الأخبار السقيمة.
 وقد ظهرت في هذه الفترة دراسات لغوية للقرآن الكريم اعتمد عليها المفسرون فيما بعد، ومنهم ابن عطية، وهذه الدراسات تسمى "مجاز القرآن" أو "إعراب القرآن" أو "معاني القرآن" ومن الأعلام الذين ألفوا فيها أبو عبيدة وقطرب والكسائي والمبرد والأخشف والفراء وثعلب والأصمعي وغيرهم، وساهم ذلك في ازدهار التفسير اللغوي.
ومما ساهم أيضا في ازدهار التفسير اللغوي والعلمي انتشار الفرق الكلامية في القرنين الرابع والخامس، وفي مقدمتهم المعتزلة الذين لا يتحرجون من تأويل متشابه القرآن لأن ذلك موافق لأصولهم، بخلاف مذهب أهل السنة الذين يمسكون عن تأويله. أضف إلى ذلك رسوخ قدمهم في علم العربية لكون أكثرهم بصريين، ولطول باعهم في العلوم الحكيمة بكونهم متكلمين، ومن هؤلاء المعتزلة أبو علي الجبائي في القرن الرابع، والشريف المرتضى في القرن الخامس، إلا أن غلوهم في مذهبهم جعلهم يتأولون الآيات التي ظاهرها مخالف لأصولهم. فيحملونها معاني منبثقة من التخريج اللغوي الذي يوافق مذهبهم. من ذلك تأويلهم "ناظرة " بمعنى "منتظرة" أي منتظرة للثواب لتوافق الآية الكريمة: ?إلى ربها ناظرة?(21) مذهبهم في امتناع رؤية الله تعالى في الآخرة، كما أدت بهم براعتهم في العلوم العربية والحكيمة إلى الدعاء بان آلة التأويل وقف عليهم لا ينازعهم فيها أحد. فحمل ذلك أهل السنة إلى تعاطي مناهج التأويل والبحث والنظر، فنازعوا المعتزلة في الميدان حتى فاقوهم، خصوصا بعد أن ظهر أعلام أفذاذ في اللغة العربية من أهل السنة، وفي مقدمتهم عبد القاهر الجرجاني الشافعي الأشعري الذي ألف في إعجاز القرآن، وألف كتابه المشهور: "دلائل المشهور: "دلائل الإعجاز". وهكذا وصل التفسير في القرن السادس متأثرا بعلوم البلاغة، زيادة على العلوم اللغوية الأخرى، فألف فيه علمان من أبرز المقتدرين في هذا الميدان، ألا وهما الزمخشي صاحب "الكشاف" في المشرق، والقاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية في المغرب الذي ألف "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" الذي نحن بصدد تعريفه.(22)

 ثانيا: تسميته:
تسمية "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" مستمدة مما قاله ابن عطية في مقدمته "وقصدت فيه أن يكون جامعا وجيزا محررا"(23). 
وقد علل الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور هذه التسمية بقوله: "فلا بدع أن يوصف تفسير ابن عطية بأنه محرر لاسيما وقد دفع الشبه، وخلص الحقائق، وحرر ما هو محتاج إلى التحرير، وقد نوه بذلك في مقدمته، وشاعت عند الناس تسميته "المحرر الوجيز" وعلى ذلك بنى صاحب "كشف الظنون" تعريفه به، وإن كان مؤلفه لم يشر إلى تسميته وهو وجيز بالنسبة إلى التفاسير التي سبقته. أما بالنسبة إلى تفسير الزمخشري فابن عطية أطرد نفسا، وأكثر جمعا وتفننا، فهو وجيز باعتبار طريقة عرضه المباحث، لا باعتبار مقدار جملته، فالزمخرشي أقل جمعا وإن كان أعمق غوصا في تحليل الكلام.(24)
  
ثالثا: عدد أجزائه:
شرعت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في نشره بتحقيق المجلس العلمي بفاس، ثم بمكناس وتارودانت ابتداء من سنة 1975 وأصدرته في ستة عشر مجلدا، واعتمدت في نشره على نسخ وجهت إلى المجلس العلمية بأمر شريف، منها نسخة وجهت إلى المجالس العلمية بأمر شريف، منها نسخة من خزانة القرويين والخزانة الناصرية بتمكروت ومن سوس ومراكش وغيرها حسب ما جاء في تقديم عميد كلية الشريعة ورئيس المجلس العلمي بفاس آنذاك الشريف المرحوم مولاي عبد الواحد العلوي.
والظاهر أن تجزئته تختلف باختلاف النساخ بحيث نجد مثلا في خزانة القرويين الجزء الثامن عشر وهو الجزء الأخير من نسخة مجزأة على هذا العدد فرغ من نسخه سنة 617هـ أي بضعا وستين سنة بعد وفاة ابن عطية، (25) كما نجد جزءا من نسخة أخرى مخالفة لهاته في التجزئة يشتمل على عشرين حزبا مما يدل على أن التفسير قد يكون قسم إلى خمسة أجزاء أو ستة، وقد فرغ منه نفس الناسخ الذي نسخ الجزء السابق سنة 1034. (27)
  
رابعا: قيمه: 
يدل عدد النسخ الموجودة بخزانة القرويين وحدها مع تنوعها على اعتناء الناس بتفسير ابن عطية في عصره، وبعد وفاته، ويشير ابن خلدون في مقدمته إلى تداول "المحرر الوجيز" بين أهل المغرب فيقول:
"وجاء أبو محمد ابن عطية من المتأخرين بالمغرب، فلخص تلك التفاسير كلها، وتحرى ما هو أقرب إلى الصحة منها، ووضع ذلك في كتاب متداول بين أهل المغرب والأندلس حسن المنحى". (28)
ومما يدل على اعتناء الناس به أيضا ما ذكره ابن الأبار في "المعجم" في أصحاب القاضي الإمام أبي علي الصدفي، فقد قال عن ابن عطية ما يأتي: 
"وتأليفه في التفسير جليل الفائدة، كتبه الناس كثيرا، وسمعوا منه، وأخذوا عنه. (29)
 وفي تذليل ابن سعد على رسالة ابن حزم في مفاخر أهل الأندلس جاء قوله:
 "ولأبي محمد ابن عطية الغرناطي في تفسير القرآن الكتاب الكبير الذي اشتهر وطار في الغرب والشرق وصاحبه من فضلاء المائة السادسة.(30)
وقد كان "المحرر الوجيز" مرجعا لكثير من التفاسير التي ألفت بعده وفي مقدمتها "الجامع لأحكام القرآن" للإمام أبي عبد الله محمد القرطبي، وقد أشار إلى ذلك ابن خلدون بعد أن ذكر تفسير ابن عطية قال:
"وتبعه القرطبي في تلك الطريقة على منهاج واحد في كتاب آخر مشهور بالمشرق"(31) وأخذ عنه أيضا أبو حيان محمد بن يوسف الغرناطي وفي تفسيره "البحر المحيط" وقد قال في مقدمته: "وما كان في هذا الكتاب من تفسير ابن عطية فأخبرني به القاضي الإمام أبو علي الحسين بن عبد العزيز بن أبي الأحوص القرشي قراءة مني عليه لبعضه ومناولة عن الحافظ أبي الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي، وأخبرني به عاليا القاضي الأصولي المتكلم أبو الحسن محمد بن أبي عامر الأشعري نسبا ومذهبا.(32)
وأغلب الذين تحدثوا عن قيمة "المحرر الوجيز" قارنوه "بالكشاف" الذي وضعه أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي معاصر ابن عطية، فقد ألف تفسيره سنة 825هـ وهو بالمشرق، وأغلب الظن أن ابن عطية قد ألف تفسيره في نفس الفترة قبل وفاته حتى تسنى للناس كتابته وسمعه، وأخذه عنه كما نص على ذلك ابن الأبار، فهما إذن متزامنان، ولم يأخذ أي أحد منهما على الآخر، بل اعتمدا معا على مراجع مشتركة، وإن كان انفرد الزمخشري ببعضها كتآليف المعتزلة، وانفرد ابن عطية ببعضها كتفسير المهدري، ومن تم كان يفضل تفسير ابن عطية عند الكلام عن العقيدة لخلوه تقريبا من البدع بالمقارنة مع تفسير الزمخشري.
وهكذا يقول عنه ابن تيمية: "وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة والجماعة وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري". (33)
ويقول أيضا: "وتفسير ابن عطية خير من تفسير الزمخشري واضح نقلا وبحثا، وأبعد عن البدع وإن اشتمل على بعضها، بل هو خير منه بكثير، بل لعله أرجح هذه التفاسير" (34) يعني تفاسير الزمخشري والقرطبي والبغوي.
 وعند الكلام عن اللغة، فإن "المحرر الوجيز" يمتاز بكثرة النقل والجمع، بينما يمتاز "الكشاف" بالإيجاز والغوص في المعاني، وهذا ما عبر عنه أبو حيان في مقدمة تفسيره بالعبارة المشهورة:
 "كتاب ابن عطية أنقل وأجمع وأخلص، وكتاب الزمخشري ألخص وأغوص".(35)
وقد فصل ذلك الأستاذ الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في المقدمة الأولى من تفسيره "التحرير والتنوير" فقال: "كلاهما يغوص على معاني الآيات، ويأتي بشواهدها من كلام العرب، ويذكر كلام المفسرين، إلا أن منحى البلاغة والعربية بالزمخشري أخص، ومنحى الشريعة على ابن عطية أغلب، وكلاهما عضادتا الباب، ومرجع من بعدهما من أولي الألباب".(36)
ونظرا لاهتمام أهل العلم بالمقابلة بين ما جاء عند الزمشخري، فقد وضع عبد العزيز ابن بزيرة التميمي التونسي رحمه الله (37) تفسيرا كبيرا جمع فيه بين ما جاء في تفسيريهما سماه "البيان والتحصيل المطلع على علوم التنزيل الجامع بين مقاصد الزمخشري وابن عطية في تفسيريهما المكمل بالزيادات من غيرهما مم لم يذكراه ولم يتعرضا له".
ويوجد من هذا التفسير بخزانة القرويين الجزء السادس مسجلا تحت رقم 28، (38) هذا زيادة على ما هو معروف من كون المفسر عبد الرحمن الثعالبي المتوفى سنة 875هـ قد لخص تفسير ابن عطية تلخيصا مفيدا.
ومن كثرة العناية بهذا التفسير حرص كثير من الناس على اقتنائه وإيداعه بالخزانات العامة، بل والعمل على أن تكون مجلداته في حالة جيدة تقوى على التناول والتداول. ومن الدلائل على ذلك ما نجده مسجلا على السفر الثاني من مخطوطة مسجلة بالقرويين تحت رقم 1838 محبسة سنة 1082 من المولى الرشيد على طلبة جامعة الشريف بالمدينة البيضاء أي فاس الجديد. فقد جاء فيها أن القائد السيد علال الغمغامي السوسي الجراري صبر على هذا السفر المبارك أجرة تسفيره، وذلك في خامس رمضان من سنة 1248هـ.
إن حرص هذا القائد على تسفير هذا الجزء لدليل على الحرص على حفظه من التلاشي أثناء التداول، وشاهد حضاري يسجل بكل افتخار الشعور الوطني المغربي إزاء الثقافة الإسلامية، وإزاء الاحتفاظ بأصولها القيمة التي مازلنا إلى الآن نعمل من أجل استمراريتها، لتكون لنا نبراسا يضيء مستقبلنا الثقافي والعلمي والأخلاقي.
وفي مقال آخر إن شاء الله سنتولى الحديث عن النهج الذي سار عليه ابن عطية في تفسيره، وسنستعين في ذلك ببعض ما أنجزناه في بحثنا لذي قدمناه للإجازة في كلية اللغة بمراكش – جامعة القرويين سنة 1990 تحت إشراف الأستاذ الفاضل علي آيت علي جازاه الله خيرا.

1) هذا على القول الراجع عند ابن الأبار في كتابه المعجم في أصحاب القاضي الإمام أبي علي الصدفي ص: 259 طبعة مدريد عام 1885. وقيل انه توفي سنة 542هـ. وقال ابن فرحون في الديباج، إنه توفي سنة 546هـ.
2) انظر ترجمة والده غالب بالمجلد الثاني من كتاب "الصلة" طبعة مدريد ص: 449 وترجمة جد والده غالب بن تمام بنفس المجلد ص: 448 وترجمة جده عبد الرحمن بالمجلد الأول ص: 331.
3) في بغية الوعاة للسيوطي: هو غالب بن عبد الرحيم وقيل عبد الرحمن ص: 295 من الطبعة الأولى مطبعة السعادة عام 1326هـ.
4) من أراد الإطلاع على سلسلة نسبه كاملة فلينظرها عند ابن الأبار في المعجم في أصحاب القاضي أبي علي الصدفي ص: 251.
5) صفحة 96 بتحقيق محمد أبي الأجفان ومحمد الزاهي/ الطبعة الأولى 1980. بدار الغرب الإسلامي بيروت.
6) الصفحة 75 من نفس النسخة المذكورة سابقا.
7)  المعجم ص: 259.
8) الديباج: مطبعة المعاهد بمصر عام 1351هـ ص: 174.
9) بغية الوعاة ص: 295.
10) قلائد العقيان: بتقديم محمد العناني، نشر: المكتبة العتيقة بتونس ضمن سلسلة من تراثنا الإسلامي ص: 239.
11) الصلة: المجلد الأول ص: 380.
12) نسخ هذا الجزء بتاريخ 1034هـ على يد محمد بن محمد بن عبد الرحمن مخشان الزرولي الأصل، الشفشاوني الدر والمنشأ.
13) انظر طرق تلقي هذه الكتب بالفهرسة أثناء الترجمة لوالده من ص: 56.
14) انظر أيضا طرق تلقيها بالفهرسة أثناء الترجمة لأبي علي الغساني من ص: 56 إلى ص: 67.
15) توجد نفس الأبيات مع إسقاط البيت الرابع بمعجم الصدفي لابن الأبار ص: 360، وفيها تحرير بسيط: (رأيا عوض ودا – ولمعاشر عوض لصحابة).
16) المعجم ص: 360 وأظن أن البيت الأول فيه تحريف أدى إلى اضطراب الوزن في صدره.
17) فهرس ابن خير.
18) انظر تخريجه في مسند الإمام أحمد ابن حنبل الجزء الأول ص: 424 المطبعة الميمنية بمصر سنة 1306هـ.
19) الآية: 82 من سورة الأنعام وتمامها قوله تعالى: ?أولئك لهم الأمن وهم مهتدون?.
20) من الآية: 18 من سورة لقان.
  21)  الآية: 23 من سورة القيامة.
22) يمكن التوسع في هذا الموضوع بقراءة الكتاب المسمى (التفسير والمفسرون) لمحمد حسن الذهبي.
23) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: الجزء الأول صفحة 4 نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عام 1975.
24) التفسير ورجاله: لمحمد الفاضل ابن عاشور ص: 93 طبعة دار الكتب الشرقية / تونس 1972.
25) سجل بخزانة القرويين تحت عدد 1755.
26) الإشارة موجهة إلى الجزء الثاني من هذا التفسير المسجل تحت رقم 1838 الذي فرغ من نسخه سنة 1013هـ.
27) المخطوط المسجل تحت رقم 1792.
28) مقدمة ابن جلون: بتحقيق علي عبد الواحد وافي – الطبعة الثالثة الجزء الثالث ص: 1032.
29) المعجم: ص: 261.
30) نفح الطيب: لأحمد المقرى: تحقيق د. إحسان عباس / بيروت 1968 الجزء 3 ص: 179.
31) المقدمة ص: 1032 نفس النسخة المشار إليها في الهامش 28.
32) البحر المحيط: الجزء الأول ص: 10 الطبعة الأولى 1328 – مطبعة السعادة، وقد أتم السند فيه إلى مؤلفه فلينظر.
33) الفتاوى: الجزء الثالث عشر – ص: 361.
34) نفس المرجع السابق ص: 388.
35) البحر المحيط: لأبي حيان النحوي الأندلسي – الجزء الأول ص: 10 الطبعة الأولى 1328 مطبعة السعادة بمصر.
36) التحرير والتنوير: الجزء الأول ص: 16 الدار التونسية للنشر والدار الجماهيرية للنشر والتوزيع الإعلامي.
37) وردت ترجمته في "نيل الابتهاج" لأحمد بابا السوداني ص: 178 المطبوعة على هامش الديباج لابن فرحون سنة 1351 بمصر، وحقق أنه توفي سنة 673. والظاهر أن في هذا التحقيق خطأ مطبعيا نظرا لوجود نقل عن "النيل" أيضا بآخر الجزء السادس من مخطوطة تفسيره الموجودة بالقرويين يحقق فيه أن الوفاة كانت سنة 663 وهي المناسبة لسياق الكلام.
38) هو جزء ضخم مبتور من أوله، أول الموجود منه يتعلق بتفسير آخر الآية: 79 من سورة القصص، ينتهي بشرح قوله تعالى من سورة: (ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة) إلى آخر السورة. وقد كان الفراغ من نسخه من أصل مؤلفه في يوم الأحد الرابع والعشرين من شهر المحرم عام ستة عشر وسبعمائة، إلا أن اسم الناسخ غير مذكور...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here