islamaumaroc

مجمل مواقف علماء الأمة الإسلامية من تأويل متشابهات النصوص الشرعية.-1-

  محمد يعقوبي خبيزة

العددان 305 و306


* تمهيد:
يقول الله تعالى في محكم التنزيل:
(وهو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب). آل عمران: 7.
انطلاقا من هذه الآية الكريمة أريد في هذه الدراسة أن أتحدث عن المحكم والمتشابه في النصوص الشرعية، وعن مواقف علماء الأمة الإسلامية من تأويل متشابهات النصوص الشرعية سواء كانوا من سلف أهل السنة أم من خلفهم، أم كانوا من العلماء العقلانيين؛ وذلك من النواحي التاريخية والموضوعية والتقييمية... مما يجعل هذا الموضوع محتويا على مباحث ومطالب وفق الخطة التالية:
الحلقة الأولى:
- المبحث الأول: المحكم والمتشابه في النصوص الشرعية.
- المبحث الثاني: تاريخ مواقف العلماء في تأويل متشابهات النصوص الشرعية.
الحلقة الثانية:
- المبحث الثالث: مضمن مواقف العلماء من تأويل متشابهات النصوص الشرعية.
- المبحث الرابع: خلاصة وتقييم مواقف العلماء من تأويل متشابهات النصوص الشرعية. وبالله التوفيق ومنه نستمد العون والهداية.
الحلقة الأولى

المبحث الأول: المحكم والمتشابه في النصوص الشرعية:
1) درجة كل من المحكم والمتشابه في مدى قوة الدلالة:
 يشعر المفسر بأن الألفاظ الواردة في النصوص الشرعية تارة تدله على المعنى أو الحكم المراد منها – بنفسها أو بما يقترن بها أو بما يرد منفصلا عنها – دلالة واضحة قطعية لا تحتمل التأويل(1) ولا النسخ؛ (2) وتارة تدله عليه دلالة غير واضحة، أو لا تدله عليه بالمرة.
 ومن ثم فإننا نجد الأصوليين قد قسموا الألفاظ من حيث مدى اتضاح دلالتها على المعنى أو الحكم المراد – إلى قسمين رئيسيين هما:

القسم الأول: الألفاظ الواضحة الدلالة:
وهي الألفاظ التي يظهر للمفسر المراد منها ظهورا حاليا. ومثالها: ظهور قوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) في معنى إحلال البيع وتحريم الربا، لظهور كل من "أحل" و"حرم" و"البيع" و"الربا" في معناها المعروف. وتعلق "أحل" ب "البيع" وتعلق: "حرم" ب "الربا".
 
القسم الثاني: الألفاظ غير الواضحة الدلالة:
 وهي الألفاظ التي يحتف بدلالتها على المراد نوع غموض. ومثالها: غموض دلالة كلمة: "السارق" في قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) المائدة:41. على النباش الذي يأخذ مالا غير مرغوب فيه عادة من قبور الموتى كأكفانهم وثيابهم، إذ أنه يغاير السارق من حيث أنه لا يأخذ مالا مملوكا من حرز، ولذا سمي باسم خاص به.
ولئن كانت الألفاظ الواضحة الدلالة تشترك في ظهور المراد منها للمفسر ظهورا جليا – فإنها تختلف في قوة ظهورها بحسب دلالتها على ذلك المراد بنفس اللفظ أو بما يقترن به أو يرد منفصلا عنه، وحسب عدم احتمالها لا للتأويل
ولا للنسخ أو احتمالها لأحدهما... ولذلك قد تنوعت إلى أنواع أربعة رئيسية متدرجة في مدى قوة دلالتها على المراد منها وهي:
1 المحكم – ويليه: 2- المفسر (3) – ويليه: 3- النص(4) – ويليه: 4 – الظاهر.(5)
وبالمثل، فإن الألفاظ غير الواضحة الدلالة تختلف في درجاتها حسب نوع الغموض فيها من حيث إن منشأه من اللفظ أو من أمر عارض.
وحسب إمكان إزالته بالمرة بأحدهما... ولذلك نجد الأصوليين ينوعون هذه الألفاظ غير الواضحة الدلالة إلى أربعة أنواع متدرجة في مدى قوة غموضها تدرجا تصاعديا... وهي:
1- الخفي – ويليه: 2- المشكل – ويليه: 3 – المجمل – ويليه: 4- المتشابه.

جاء في "التلويح على التوضيح":
إذا خفي المراد من اللفظ، فخفاؤه إما من نفس اللفظ أو لعارض، الثاني يسمى خفيا، (6) والأول إما أن يدرك المراد منه بالعقل أو لا يدرك به، الأول يسمى مشكلا (7) والثاني إما أن يدرك المراد بالنقل أو لا يدرك أصلا، الأول يسمى مجملا(8) والثاني متشابها..."
وهكذا يتبين لنا أن المحكم يمثل قمة الألفاظ الواضحة الدلالة، وبالمقابل فإن المتشابه يمثل أدنى درجات الألفاظ غير الواضحة الدلالة... فما معنى كل من المحكم والمتشابه؟

2) معنى المحكم ونوعاه في النصوص الشرعية:

 المحكم في النصوص الشرعية – عند جمهور الأصوليين – هو اللفظ الذي يدل على المراد منه من غير أن يحتمل تحويلا ولا نسخا.(9)
 ومن أمثلته قوله تعالى في شأن المحدودين حد القذف: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا)النور: 4.
 وقوله تعالى: (وما كان لكم أن توذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ) الأحزاب:53.
وقوله تعالى: (إن الله بكل شيء عليم).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الجهاد ماض إلى يوم القيامة".
(10) ل كل منها بنفسه على المراد منه من غير أن يحتمل التأويل في غيره، ومن غير أن يحتمل الحكم الذي دلت عليه النسخ بحكم جديد".(10)  
ويبدو الإحكام – بمعنى عدم قبول النسخ – في الأحوال الآتية:
1- أن يكون مضمن النص الشرعي خبرا عن المغيبات الماضية أو الآتية، فهذا لا يحتمل النسخ، لما يلزم على ذلك – لو وجد – من معنى الكذب، ومحال قطعا أن يوجد كذب في نص شرعي ثابت، لأن مصدر النصوص الشرعية – كتابا وسنة – هو الله تعالى، ومبلغها هو النبي صلى الله عليه وسلم، والكذب محال قطعا في حقها معا...
2- أن يكون الحكم الذي دلت عليه ألفاظ النص حكما أساسيا من قواعد الدين وأصوله، كالإيمان بالله تعالى ووحدانيته... والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وقضاء الله وقدره...
3- أن يكون الحكم الذي دلت عليه ألفاظ النص من أمهات الفضائل وقواعد الأخلاق التي يقرها العقل السليم، والتي لا تختلف باختلاف الأحوال والأجيال كالعدل وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهد.
4- أن يكون الحكم الذي دلت عليه ألفاظ النص حكما جزئيا ولكن وقع التصريح بتأييده ودوامه كما في الأمثلة كما في الأمثلة السابقة.(11)
ولذلك كان المحكم نوعان:
أ‌-   محكم لذاته: وهو ما لا يقبل النسخ لمعناه: (الحالات: 1و 2 و3).
ب‌- محكم لغيره: وهو ما يقبل النسخ لذاته، ولكنه اقترن بلفظ يدل على تأبيده(12) (الحالة: 4).
هذا، وقد يطلق المحكم على ما استقر عدم نسخه بعد عهد الرسالة، وإن كان في حد ذاته محتاجا إلى البيان، أو محتملا له، أو قابلا للنسخ، ولم يقترن به ما يدل على التأبيد... ومثال ذلك قوله تعالى: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) البقرة: 110. إذ أن كلا من الصلاة والزكاة فيه مجملان، لا يدلان على المراد منهما بنفسيهما، وإنما يحتاجون إلى البيان بدليل آخر، وقد بينتها السنة القولية والعملية للنبي صلى الله عليه وسلم بيانا أصبحا معه متضحي الدلالة في المراد منهما، كما أنه قد انقضى عهد الرسالة، ولم ينسخ وجوبهما، فأصبح النص بذلك محكما في وجوب كل من الصلاة والزكاة بالمعنى الذي حددته لهما (13)   السنة، وعلى هذا الاصطلاح يحمل ما أخرجه عبد بن عمير عن الضحاك قال: "المحكمات ما لم ينسخ والمتشابهات ما قد نسخ".(14) 
 وهناك اصطلاحات أخرى في معنى المحكم (15) كلها غير مقصودة في هذا المقام... فلا داعي لذكرها...

 3) معنى المتشابه ومجال وجوده في النصوص الشرعية:
   للمتشابه معنى في اللغة مأخوذ من التشابه بمعنى المشاركة في المماثلة والمشاكلة المؤدية إلى الالتباس غالبا، فيقال متشابها واشتبها، أي شبه كل منهما الآخر حتى التبسا، ويقال أمور مشتبهة ومشبهة – على وزن معظمة – أي مشكلة، والشبهة – بالضم – الالتباس والمثل، ويقال: شبه عليه الأمر تشبيها أي لبس عليه، ومنه وصف الله تعالى لرزق الجنة: (وآتوا به متشابها) البقرة: 25. ومنه قوله حكاية عن بني إسرائيل: (إن البقر تشابه علينا) البقرة: 70. (16) فتشابه الكلام – على هذا – هو تماثله وتناسبه بحيث يصدق بعضه بعضا، ولذلك فقد وصف الله تعالى القرآن كله بأنه متشابه فقال: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني)الزمر: 23، حتى إنك لا تستطيع أن تفاضل بين كلماته وآياته في هذا الحسن والإحكام والإعجاز... لأنه يماثل بعضه بعضا، مماثلة مفضية إلى التباس التمييز بين آياته وكلماته في ذلك.(17)
أما في الاصطلاح فيطل المتشابه عند الأصوليين على الحكم الذي ثبت نسخه، فهو بهذا المعنى يقابل المحكم بمعنى الحكم الذي لم يثبت تطرق النسخ إليه.
وعلى هذا يحمل ما أخرجه عبد بن عمير عن الضحاك قال: "المحكمات ما لم ينسخ والمتشابهات ما قد نسخ".(18)
وواضح أن المتشابه بهذا المعنى غير مقصود في هذا المقام، أما المتشابه – عند جمهور الأصوليين – فهو: "اللفظ الذي دل دليل على أن ظاهره غير مراد قطعا، ولم توجد قرائن ولا نصوص شرعية تساعد على معرفة عين المراد منه".
فالمتشابه يدل على معنى ظاهر، ولكن هذا المعنى الظاهر قد دل دليل من العقل، ومن الشرع على أنه غير مراد قطعا، فلما أريد معرفة عين المراد منه بالنظر والتأمل في قرائن مصاحبة أو خارجية، أو بالرجوع إلى النصوص الشرعية، لم توجد تلك القرائن ولا تلك النصوص المساعدة، على معرفة عين المراد منه... وستأتي بعد أمثلته.
والمتشابه – بهذا المعنى – لا وجود له في النصوص الشرعية – كتابا وسنة – التي اشتملت على التكليف وبيان الأحكام الشرعية التي هي قوام الشريعة، بل إن هذه النصوص كلها بينة الدلالة على المراد منها بذاتها أو بقرائن تحتف بها، أو بتفسير من الشارع نفسه، وذلك لأن المقصود من مثل هذه النصوص هو العمل بمقتضاها وهو لا يتأتى إلا بعد العلم بالمراد منها.
وإنما يوجد المتشابه – بالمعنى السابق – في النصوص الشرعية التي لم تشتمل على التكليف والأحكام الشرعية – بدليل قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) آل عمران: 7.
وبالاستقراء وجد أن المتشابه – بالمعنى المتقدم – يقع في المواضع التالية:
1- الحروف المقطعة في أوائل بعض السور مثل: (الم) و(ق) و(ص) و(حم) و(كهيعص)... وغيرها، فهي تدل على معنى ظاهر، وهو الحروف الهجائية المعروفة، ولكن هذا المعنى الظاهر غير مراد قطعا، لأن سوق حروف هجائية مقطعة في نص من النصوص بدون أن يكون المقصود منها إلا معانيها الهجائية – كحروف ذات نبرات صوتية – غير معقول، فلما بحث عن عين المراد منها لم توجد قرائن ولا نصوص شرعية مساعدة على ذلك.
2- أقسام الله تعالى في القرآن كقوله تعالى: (والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها...) الشمس: 1/ 10. وقوله تعالى: (والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر هل في ذلك قسم لذي حجر) الفجر: 1/5. وقوله تعالى: (والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى) الضحى: 1/3. وقوله تعالى:(والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين، لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين...) التين 1/5. إلى غير ذلك من الآيات التي يدل ظاهرها على أن الله تعالى يقسم بمخلوقاته، ولكن هذا الظهر غير مراد قطعا لأن القسم به يجب أن يكون ذا قيمة عالية بالنسبة للمقسم، فلما بحث عن عين المراد في هذه الأقسام لم توجد قرائن ولا نصوص شرعية تبين عين المراد منها بيقين.
3- الآيات والأحاديث التي يدل ظاهرها على أن الله تعالى يشبه أحد مخلوقاته في شيء.
مثل قوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم) وقوله: (كل شيء هالك إلا وجهه)القصص: 88. وقوله: (الرحمان على العرش استوى? طه: 5. وقوله: (وجاء ربك) الفجر: 22. وقوله: (وغضب الله عليهم) الفتح: 6. وقوله: (رضي الله عنهم)البينة: 8. وقوله: (فاتبعوني يحببكم الله) آل عمران: 31.
وكقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: "لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد. حتى يضع رب العزة فيها قدمه"، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول قط قط بعزتك وكرمك". وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: "إذا كان الثلث الأخير من الليل نزل ربنا إلى السماء الدنيا" الحديث.
إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي يدل ظاهرها على أن الله تعالى يشبه خلقه في شيء من الأشياء المذكورة فيها، ولكن هذا الظاهر غير مراد قطعا، بدليل العقل الذي يدل على أن الكامل كمالا مطلقا يجب في حقه عدم مشابهته في شيء لأحد من خلقه، وبدليل النقل كقوله تعالى: (ليس كمثله شيء) الشورى: 11. وقوله تعالى: (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد) الإخلاص ومع ذلك، فإنه لم توجد قرائن ولا نصوص شرعية مساعدة على بيان عين المراد منها.
النصوص المتعلقة بوصف حقائق اليوم الآخر – والعوالم الغيبية بصفة عامة – مثل قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) الأنبياء: 47. وقوله تعالى فيما أعده لأصحاب الجنة: (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين، يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين، لا يصدعون عنها ولا ينزفون، وفاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء بما كانوا يعملون، لا يسمعون فيها لغوا ولا تاثيما إلا قيلا سلاما سلاما، وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضوض وطلح منضود وظل ممدود وما مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة، إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين، ثلة من الأولين وثلة من الآخرين...) الواقعة: 13/40. وكقوله تعالى فيما أعده لأصحاب النار: (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم، إنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا يصرون على الحنث العظيم وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما إنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون، قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم هذا نزلهم يوم الدين) الواقعة: 41/56.
ومن ذلك أيضا م رواه الحافظ الطبراني عن عاصم أن لقيط بن عامر خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت يا رسول، فعلى م نطلع في الجنة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "على أنهار من عسل مصفى، وأنهار من خمر لا بها صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون، وخير من مثله، وأزواج مطهرة..." وكقوله صلى الله عليه وسلم وصفا للنار فيما رواه ابن كثير: "استأذنت النار ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف". وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن ابن مسعود (ض) قال: سمعنا وجبة فقلنا: ما هذه؟ فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "هذا حجر ألقي به في شفير جهنم منذ سبعين سنة، الآن وصل إلى قعرها".(19)
... إلى غير ذلك من النصوص الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، والمتعلقة بوصف يوم القيامة – ونحوها من أمور الغيبة – فنحن نعلم معانيها اللغوية، وما تنطبق عليه في الدنيا، ولكننا لا نعلم قطعا ما تنطبق عليه في الدنيا، ولكننا لا نعلم قطعا ما تنطبق عليه في الآخرة، أو في الغيب بصفة عامة... إذ لا سبيل إلى أن يكن فينا مثله ولا جنسه...(20) خاصة وقد جاء التصريح في بعض النصوص الشرعية بأن ما وصفت به الجنة إنما هو مجرد مثل... كما في قوله تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات...) محمد: 15. 
 بل روى ابن كثير عن ابن عباس (ض) أنه قال: "لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء" وفي رواية: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء"(21) (وهو حديث له حكم المرفوع لأن مضمونه مما لا مجال للعقل فيه).
4) حكمة وجود المتشابه في النصوص الشرعية:
 أما الحكمة من وجود المتشابه في النصوص الشرعية التي لم تشتمل على التكليف والأحكام الشرعية فقد أجملها الشيخ الزرقاني في نقط خمس يتحقق بعضها – لا كلها – في كل موضع من مواضع وقوع المتشابه السابقة، وهي بتعبيره:
أولها: رحمة الله بهذا الإنسان الضعيف الذي لا يطيق معرفة كل شيء، وإذا كان الجيل حين تجلى له ربه جعله دكا وخر موسى صعقا، فكيف لو تجلى سبحانه بذاته وحقائق صفاته للإنسان؟
ومن هذا القبيل أخفى الله على الناس معرفة الساعة رحمة بهم كي لا يتكاسلوا ويقعدوا عن الاستعداد لها، وكي لا يفتك بهم الخوف والهلع لو أدركوا بالتحديد شدة قربها منهم، ولهذا حجب الله على العباد معرفة آجالهم ليعيشوا في بحبوحة من أعمارهم، فسبحانه من إله حكيم رحمان رحيم.
ثانيها: الابتلاء والاختبار.
أيومن البشر بالغيب ثقة بخبر الصادق أم لا؟ فالذين اهتدوا يقولون: آمنا، وإن لم يعرفوا على التعيين؛ والذين في قلوبهم زيغ يكفرون به وهو الحق من ربهم، ويتبعون ما تشابه منه، ابتغاء الفتنة والخروج من الدين جملة.
ثالثها: ما ذكره الفخر الرازي بقوله: "إن القرآن الكريم يشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمور عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه... ظن أن هذا "عدم" و"نفي" محض، فيقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما تخيلوه وما توهموه، ويكون ذلك مخلوطا بما يدل على الحق الصريح: 
فالقسم الأول: وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر من باب المتشابه.
والقسم الثاني: وهو الذي يكشف عن الحق الصريح هو المحكم اهـ.
وهذه الحكمة ظاهرة في متشابه الصفات.
رابعها: إقامة الدليل على عجز الإنسان وجهالته مهما عظم استعداده وغزر علمه، وإقامة شاهد على قدرة الله الخارقة، وأنه هو وحده الذي أحاط بكل شيء علما، وأن الخلق جميعا لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وهناك يخضع العبد ويخشع، ويطامن من كبريائه ويخنع، ويقول ما قالت الملائكة بالأمس: (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم) البقرة: 32.
قال بعض العارفين: "العقل مبتلى باعتقاد أحقية المتشابه، كابتلاء البدن بأداء العبادة، كالحكيم إذا صنف كتابا أجمل فيه أحيانا، ليكون موضع خضوع المتعلم لأستاذه، وكالملك يتخذ علامة يمتاز بها من يطلعه على سره. وقيل: لو لم  يبتل العقل الذي هو أشرف البدن لاستمر العالم في أبهة العلم على التمرد، فبذلك يستأنس إلى التذلل بذل العبودية، والمتشابه هو موضع خضوع العقول لبارئها استسلاما واعترافا بقصورها، ولهذا ختم الآية: (هو الذي نزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) آل عمران: 7. بقوله: (وما يذكر إلا أولوا الألباب) تعريضا للزائغين، ومدحا للراسخين، يعني: من لم يتذكر ويتعظ ويخالف هواه فليس من أولي العقول، ومن ثم قال الراسخون في العلم: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) آل عمران: 8.
 فخضعوا لباريهم لاستنزال العلم اللدني بعد أن استعاذوا به من الزيغ النفساني. اهـ.
خامستها: ما ذكره الفخر الرازي بقوله:
"لو كان – أي القرآن – كله محكما بالكلية لما كان مطابقا إلا لمذهب واحد، وكان بصريحه مبطلا لجميع المذاهب المخالفة له، وذلك منفر لأرباب المذاهب الأخرى من النظر فيه. وأما وجود المحكم والمتشابه فيه، فيطمع كل ذي مذهب أن يجد فيه كل ما يؤيد مذهبه، فيضطر إلى النظر فيه، وقد يتخلص المبطل عن باطله إذا أمعن فيه النظر فيصل إلى الحق". (22)   
وجاء في التلويح: "وفائدة إنزاله – أي المتشابه – ابتلاء الراسخين في العلم بمنعهم عن التفكير فيه، إلى ما هو غاية متمنياتهم من العلم بأسراره، فكما أن الجهال مبتلون بتحصيل ما هو غير مطلوب عندهم من العلم والإمعان في الطلب، كذلك العلماء الراسخون مبتلون بالوقف، وترك ما هو محبوب عندهم، إذ ابتلاء كل واحد إنما يكون بما هو خلاف هواه وعكس متمناه..."(23)

  
المبحث الثاني: تاريخ مواقف العلماء من تفسير متشابهات النصوص الشرعية:
لقد اتفق علماء الأمة قاطبة على أن المعنى الظاهر من المتشابه غير مراد للشارع قطعا، وذلك لقيام الأدلة القطعية على بطلانه واستحالته بالعقل، وبما هو معروف عن الشارع نفسه في محكماته.(*)
فمثلا قوله تعالى: (الرحمان على العرش استوى) طه: 5. يتفق الجميع من العلماء سلف أهل السنة وخلفهم – وكذا العقلانيين من المتكلمين – على أن ظاهر الاستواء على العرش بمعنى الجلوس على كرسي والتمكن عليه والتحيز فيه... مستحيل، لأن الأدلة القطعية تنزه الله تعالى عن أن يشبه خلقه أو أن يحتاج إلى شيء مخلوق، سواء أكان مكانا يحل فيه المماثلة لخلقه في أي شيء، فأثبت لذاته الغنى المطلق فقال تعالى: (ليس كمثله شيء) الشورى: 11. وقال:
(وهو الغني الحميد) فاطر: 15. فلو أراد ذلك الظاهر لكان متناقضا.
وبعد ذلك اختلف موقف علماء سلف أهل السنة عن موقف خلفهم، واختلف هذان الموقفان عن الموقف العقلاني أو الفلسفي في تفسير متشابهات النصوص الشرعية، والحديث عن هذه المواقف من الناحية هو موضوع هذا المبحث.
  
1) نشأة موقف علماء السلف... وتمثله في أئمة المذاهب السنية:
 كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره المراء في الدين، والجدل بين المسلمين، ويقول عن القرآن الكريم – فيما رواه ابن مردويه – "ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به"... مما جعل الصحابة رضي الله عنهم أجمعين يكتفون في الاستدلال على الإيمان بالله ومعرفة صفاته، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به... بما ورد في القرآن الكريم وما بلغه النبي المصطفى الأمين... حتى في محاجة اليهود والنصارى والوثنيين... من غير أن يركبوا متن اللجاج بوضع المقاييس العقلية، وترتيب المقدمات المنطقية وتحرير طرق المجادلة.
ولذلك فإنهم – رضي الله عنهم – قد وقفوا من المتشابهات الواردة في النصوص الشرعية موقف المومنين بها من غير أن يخوضوا في تفسيرها أو تأويلها، مفوضين العلم بحقيقتها إلى الله تعالى. الأمر الذي مكنهم من أن يظلوا محتفظين بعقيدتهم الدينية في كتلة متراصة، ووحدة اجتماعية متناسقة... جعلت ابن القيم الجوزية يقول عنهم: "إنهم لم يتنازعوا قط في مسألة تتعلق بالأسماء والصفات والأفعال الإلهية، بل كلهم على ما نطق به الكتاب العزيز والسنة المحمدية، كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم لم يسوموها تأويلا، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلا، بل تلقوها بالقبول والتسليم".(*) 
وبقي الأمر كذلك إلى أن انتشر الإسلام في أنحاء بعيدة عن الجزيرة العربية، فشمل بنفوذه الشعوب التي كانت خاضعة للدول الفارسية والرومانية والهندية، وهي شعوب ذات أجناس مختلفة ولغات متعددة وثقافات متباينة... امتزجت كلها بالعرب في بوثقة واحدة تحت نفوذ الدولة الإسلامية... فكان من نتيجة ذلك أن دخل في الإسلام – اعتناقا، أو حكما فقط – الكثير ممن شبوا على اليهودية أو النصرانية أو الزرادشتية أو الصائبة أو الدهرية... وهم علماء لهم عناية بالجدل في العقائد حيث كانوا قد تعرفوا على بعض مضامين الفلسفة اليونانية، وأخضعوا لها ديانتهم... فأخذوا – وهم يفكرون في مجدهم الآفل وتعاليم دياناتهم القديمة – يثيرون إشكاليات عقدية عديدة قصد الموازنة بينها وبين تعاليم الدين الجديد، أو بقصد النيل منه لا شعوريا... ويلبسونها لباس الإسلام. 
وهكذا أصبحت البلاد الإسلامية ساحة تعرض فيها مختلف الآراء والنظريات، وتعج بفرق كلامية مختلفة من قدرية وجهمية ومعتزلة... حادت كلها عن موقف ومنهج السلف في أمور الدين، حيث تورطت في البحث العقلي قصد التعرف على حقيقة الحقائق الغيبية، وخاصة منها ما يتعلق بذات الله تعالى واستكناه 
(*) أي فيما يتعلق بأمور العقيدة، أما في الأمور الفقهية العملية ثبت عنهم الخلاف في أمور كثيرة.
حقيقة صفاته، ومدى ارتباطها بذاته، وأسراره في القدر... وغير ذلك من المسائل المشتبهة التي سكتت النصوص الشرعية عنها، ولا مجال للعقل الإنساني فيها... مما فرق المسلمين طرائق قددا، وجعل العلماء الصالحين كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل... ينادون بضرورة العودة إلى موقف السلف – من الصحابة والتابعين في أمور الدين.(24) 
وبما بذله هؤلاء العلماء الأفذاذ في هذا المضمار من جهد جهيد لتوضيح منهج السلف، وبيانه بكل دقة وتحديد، فقد اعتبروا سلفا وروادا وممثلين لمن أطلق عليهم – فيما بعد – أهل السنة.

2) نشأة موقف علماء الخلف... وتمثله في مذهب الأشاعرة:
ومع ما بذله أولئك الأئمة من جهود في توضيح موقف ومنهج السلف في أمور العقيدة الشريعة، وما يتعلق بالدين بصفة عامة، فقد استمر الجدل في الأمور الغيبية على يد تلك الفرق المختلفة يذكي زناده ما ورد من متشابهات في النصوص الشرعية، وما ترجم من فلسفة يونانية، وثقافة أجنبية إلى اللغة العربية، وذلك في اتجاهين رئيسيين:
أولهما: الاتجاه السني الذي يعطي أصحابه مكان الصدارة والأولوية للنصوص الشرعية – كتابا وسنة – فيواجهونها بدون أفكار مسبقة، تاركين لها الكشف عن مضمونها من واقع الفهم اللغوي للألفاظ وأساليب العرب في التعبير مع الاستعانة بمختلف الأصول النقلية لعلم التفسير من كتاب وسنة وأقوال للصحابة والتابعين، وما يروى عنهم من أسباب الورود أو التنزيل... مع الحرص الشديد على تأويل المتشابهات في إطار المحكمات من غير إسراف في التأويل.
وحيث إن هذه العناصر تتفق ومنهجية الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، في مواجهة النصوص الشرعية وتفسيرها فقد اعتبر علماء أصحاب هذا الاتجاه خلفا لعلماء أهل السنة.نعم، إن أصحاب هذا الاتجاه قد عاشوا وسط مغرضين من زنادقة وجهمية... استعانوا على تركيز ضلالاتهم وإشاعتها باستخدام معطيات الثقافة الدخيلة المعتمدة على الفلسفة عن العقيدة يقتضي إباحة تأويل متشابهات النصوص الشرعية واستخدام بعض الأساليب الذهنية الفلسفية في عرض مضامينها، وتأكيد أبعادها وتركيز معانيها... بما يظهرها أكثر جلاء وإقناعا للموالين والخصوم على السواء... من غير أن يخرجوا من حيث المضمون عما كان عليه سلفهم من أهل السنة.
وقد تجسم هذا الاتجاه في علماء المذهب الأشعري الذي أسسه أبو الحسن الأشعري(25) (324هـ) بعد أن كان من علماء المعتزلة المبرزين ومنظريها الأفذاذ... ولكنه بعد أن اعتكف في بيته يفكر في أصول الاعتزال لمدة طويلة – خرج إلى الجامع وصعد المنبر وقال: "معاشر الناس، إنما تغيبت عليكم هذه المدة لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي شيء على شيء فاستهديت الله فهداني إلى اتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت عن جميع ما كنت أعتقده، كما انخلعت من ثوبي هذا". وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به... (26)
ولما كان الرأي العام قد امتلأ حسرة على انشقاق المسلمين وتشتت وحدتهم بين الفرق الكلامية المتصارعة حول العقيدة، وكثرة المحاكمات التي جرت بسبب ما سمي بمحنة خلق القرآن على يد المعتزلة بتأييد من السلطة العباسية الحاكمة فقد وجد المسلمون في إعلان أبي الحسن ذي الشخصية القوية الجامعة بين الصلاح والتقوى وسعة الإطلاع وقوة الحجة... تعبيرا عن آلامهم المكتوبة ضد الفرق الكلامية... فأيدوه في انتقاداته للمعتزلة... وبمرور الزمن رزق المذهب بأتباع أقوياء ساروا على منهجه ووضحوا آراءه ونظرياته... وعملوا على نشره... ونخص بالذكر منهم: الإمام الباقلاني: (403) وإمام الحرمين الجويني (478) وأبا حامد الغزالي (505) وفخر الدين الرازي (606)... وغيرهم، إلى أن غدا المذهب منذ القرن السادس للهجرة شبه عقيدة رسمية في أغلب الديار الإسلامية، حتى إن المتأخرين تعبدوا به، ووقفوا عند حدود تعاليمه يرددون أقوال صاحبه أو أحد أتباعه(27) على اعتبار أنهم يمثلون خلف علماء أهل السنة خير تمثيل، وينسجون على منوالهم الأصيل.(28)
  
3) نشأة موقف علماء العقلانيين وتمثله في مذهب المعتزلة:
وثانيهما: الاتجاه العقلاني أو الفلسفي الذي آمن أصحابه بالعقل وقدرته على أن يصل إلى التعرف على سائر الحقائق بما فيها الحقائق الغيبية... فكانوا أسرع الفرق إلى النهل من الفلسفة اليونانية وصبغها صبغة إسلامية... حيث إنهم من خلال عقولهم أولا وتأثرهم بالفلسفة اليونانية ثانيا كونوا لأنفسهم منظومة من الأفكار والعقائد اعتبروها أصولا محكمة... ثم رجعوا إلى النصوص الشرعية يلتمسون فيها الدليل والحجة، وتأويلها تأويلات تعسفية حتى ولو كانت من النصوص المتشابهة...
وقد تجسم هذا الاتجاه في علماء المذهب المعتزلي، هذا المذهب الذي تأسس على يد واصل ابن عطاء (131هـ) بالبصرة منذ زمن الدولة الأموية.
ففي البصرة – التي كانت مركز المعارضة للدولة الأموية والتي كانت تعج بمختلف الآراء حول العقيدة ظهر واصل بن عطاء تلميذا نابغا من تلاميذ الحسن البصري... ولكنه سرعان ما اعتزل حلقة أستاذه، وكون لنفسه حلقة مستقلة بمسجد البصرة، يقرر فيها آراءه في المسائل العقدية الرائجة في عصره... وكان ذلك بسبب ما يذكره الإيجي في "المواقف" بقوله: "دخل على الحسن البصري رجل فقال: يا إمام الدين ظهر في زماننا جماعة يكفرون صاحب الكبيرة – يريد وعيدية الخوارج – وجماعة أخرى يرجئون الكبائر ويقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، فكيف تحكم لنا أن نعتقد في ذلك؟. فتفكر الحسن، وقبل أن يجيب قال واصل: "أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مومن مطلق، ولا كافر مطلق". ثم قام إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد، وأخذ يقرر على جماعة من أصحاب الحسن ما أجاب به من أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، ويثبت له المنزلة بين المنزلتين قائلا: "إن المومن اسم مدح، والفاسق لا يستحق المدح فلا يكون مومنا، وليس بكافر أيضا، لإقراره بالشهادتين، ولوجود سائر أعمال الخير فيه، فإذا مات بلا توبة خلد في النار، إذ ليس في الآخرة إلا فريقان: فريق في الجنة وفريق في السعير، ولكن يخفف عنه، وتكون دركته فوق دركات الكفار...". فقال الحسن: "اعتزل عنا واصل" فلذلك سمي هو وأصحابه معتزلة.(29)
وهكذا يكون الاعتزال قد نشأ بالبصرة على يد واصل بن عطاء، ولكنه لم يصبح فرقة قوية منيعة في نفوذها إلا في العصر العباسي، حيث قوي خطر الشعوبيين الذين سلبهم الحكم العربي نفوذهم ودولتهم وحضارتهم... فأرادوا تقويض هذا الحكم والإطاحة به عن طريق هدم الإسلام بإثارة ما يختلقونه من شبهات، مدعمين لها بما لهم من تراث فلسفي وثقافات...
وعندئذ شعر العباسيون – وعلى رأسهم المامون – بالخطر، ففتحوا المجال أمام المعتزلة للدفاع عن الدين بسلاح الخصوم... الأمر الذي حدا بهم إلى التشجيع القوي لحركة ترجمة الثقافات الأجنبية، وخاصة الفلسفة اليونانية إلى اللغة العربية، فازدهر التفكير العقلاني في البيئة الإسلامية وخاصة لدى المعتزلة حيث أعطوا للمسائل الكلامية أبعادا فلسفية عميقة، وبحثوا في مسائل الطبيعة وما بعد الطبيعة بحثا مبالغا في العقلانية، إلى أن بلوروا تعاليمهم في أصول مشتركة بينهم. يقول عنها أبو الحسن الخياط: "وليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كملت فيه هذه الخصال فهو معتزلي".(30) 
وبعد أن حلل المعتزلة هذه الأصول تحليلا عقلانيا فلسفيا يونانيا رجعوا إلى النصوص الشرعية – حتى ولو كانت من المتشابهات – يكرهونها على موافقة معتقداتهم بتأويلاتهم التعسفية... فكانوا بذلك ممثلين لما نطلق عليه الموقف العقلاني في تفسير متشابهات النصوص الشرعية.


1) التأويل – بصفة مجملة – هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر فيه وحمله على معنى آخر غير ظاهر فيه لدليل. ومنه تقييد اللفظ المطلق، وتخصيص اللفظ العام. لدليل.
2) النسخ – بصفة مجملة – هو رفع حكم شرعي سابق بدليل شرعي لاحق. ومنه نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس لصحة الصلاة بوجوب التوجه إلى المسجد الحرام.
3) المفسر: هو اللفظ الذي يقترن به أو يرد بعده ما يبين المراد منه بيانا لا يبقى معه احتمال للتأويل في غيره، مع احتماله – نظريا – للنسخ في عهد الرسالة. ومثاله كلمة "المشتركين" في قوله تعالى: ?وقاتلوا المشركين كافة ? التوبة: 36. حيث إن كلمة "كافة" نفت احتمال تخصيص العموم فيها... وإن كان القتال محتملا – نظريا- للنسخ زمن الرسالة.
4) النص- عند الجمهور – هو الذي يدل بنفسه على المراد منه دلالة واضحة لا تقبل احتمال التأويل في غيره مع احتماله – نظريا – للنسخ ومثاله قوله تعالى: ?وأحل الله البيع وحرم الربا? في الدلالة على نفي المماثلة بين البيع والربا.
5) الظاهر – عند الجمهور – هو الذي يدل بنفسه على المراد منه دلالة راجحة رجحانا لا يمنع من احتمال تأويله في المعنى الآخر المرجوح الذي يدل عليه احتمال نسخه. ومثاله: ?وأحل الله البيع? في الدلالة على أن كل بيع حلال أي في دلالته على العموم قبل أن يطلع على ما يخصصه.
6) ومثاله: لفظ "السارق" في انطباقه على النباش – كما سبق البيان.
7) ومثاله: لفظ "القرء" باعتبار أن خفاءه من ذاته، ويمكن إزالته بالنظر والتأمل، فيصبح واضحا إما في الطهر أو الحيض.
8) ومثاله ألفاظ الصلاة والزكاة والحج والصيام... ونحوها من الألفاظ التي نقلها الشارع من معانيها اللغو الأصلية إلى معان شرعية خاصة... فأصبحت لا تدرك معانيها المرادة في الشرع إلا بالنقل عنه.
9) انظر: "أصول الفقه" – الخضري – ص: 161 و"سلم الوصول" – عمر عبد الله ص: 222 – و"أصول التشريع الإسلامي" – علي حسب الله ص: 270 و"أصول الفقه" – محمد أبوزهرة ص: 117 – و"علم أصول الفقه" عبد الوهاب خلاف ص: 168.
10) انظر: "سلم الوصول" ص: 222.
11) انظر: "تفسير النصوص" محمد أديب صالح: ج 1 ص: 173.
12) "أصول التشريع الإسلامي" علي حسب الله ص: 270.
13) نفسه.
14) "مناهل العرفان" الزرقاني ج 2 ص: 168.
15) انظرها في "إرشاد الفحول" الشوكاني ص: 31.
16) انظر: القاموس في هذه المادة.
17) "مناهل العرفان" ج 2 ص: 167.
18) نفسه ج 2 ص: 168.
19) مختصر تفسير بن كثير: ج 3 ص: 670.
20) "مناهل العرفان" ج 2 ص: 175.
21) مختصر تفسير ابن كثير ج 1 ص: 44
22) "مناهل العرفان" ج 2 ص: 178/180.
23) نقلا عن: "دستور العلماء" أحمد النكري – ج 3 ص: 203/204.
(*) أما ما يذهب إليه المعطلة والمجسمة من التمسك بظاهر المتشابه من النصوص مصورين الذات الإلهية، وكأنها جسم متحيز في مكان له من الأعضاء والجوارح ما للإنسان... فإن مذهبهم هذا فيه تجاهل لطبيعة اللغة العربية وللنصوص المحكمة ومخالفة لأمر الله برد المتشابه من النصوص إلى المحكم منها... ومصادمة لما دلت عليه الأدلة العقلية من تنزيه الله تعالى عن متشابهة أحد من خلقه تنزيها مطلقا، ولذلك فإنه لا يقام لمذهبهم هذا وزن ويسقط عن درجة الاعتبار.
24) انظر: "ضحى الإسلام" أحمد أمين، ج 3 ص: 1 وما بعدها و"التفكير الفلسفي في الإسلام" د. عبد الحليم محمود ص: 114 وما بعدها، و127 وما بعدها.
25) انظر ترجمته في "تبيين كذب المفتري فيما نسب لأبي الحسن  الأشعري" – ابن عساكر -.
26) "ظهر الإسلام" ص: 65 ج 4، و"مذاهب الإسلاميين" د. بدوي – ج 2 ص: 493.
27) "ظهر الإسلام" ج 4 ص: 70 وما بعدها.
28) انظر تحقيق د. فوقيه حسين لكتاب أبي الحسن الأشعري "الإبانة عن أصول الديانة".
29) "التفسير والمفسرون" ج 1 ص: 368/369.
30) "ظهر الإسلام" ج 4 ص: 14.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here