islamaumaroc

منهجية علماء المغرب في السيرة النبوية

  المهدي السيني

العددان 305 و306

 رغم السبق الذي لعلماء المشرق في مباحث السيرة النبوية، ومنهم شيخ الشيوخ وعمدتهم في المغازي والسير: أبو بكر بن محمد بن إسحاق، ومنهم ابن سعد في "طبقاته"، ومنهم ابن هشام في تهذيبه "لسيرة ابن إسحاق"؛ فإن علماء المغرب كان لهم إسهامهم المتميز، ومنهجهم المتفرد في الشمائل النبوية والخصائص المصطفوية.
ومن أولئك الأعلام: أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي مؤلف كتاب "الشفا".
وللتدليل على منهجية القاضي عياض، نخص من هذه المقالة مباحثه في "العصمة"، وهي مباحث لها أكثر من دلالة.
 يقول رحمه الله عن عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:
ظواهرهم وأجسادهم وبنيتهم متصفة بأوصاف البشر، وأرواحهم وبواطنهم متعلقة بالملأ الأعلى، متشبهة بصفات الملائكة، سليمة من التغير والآفات؛ إذ لو كانت بواطنهم خالصة للبشرية كظواهرهم لما أطاقوا الأخذ عن الملائكة.(1)
• أدلة العصمة من الكتاب:
- من سورة الإسراء: 65:
(إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا).
- من سورة ص: 46/47:
(إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار).
- من سورة المائدة: 67:
(والله يعصمك من الناس).
-من سورة الأنفال:30:
(وإذا يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ).
- من سورة الحجر: 95:
(إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلاها آخر فسوف يعلمون ).
- من سورة الإسراء: 74:
(ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ).
- من سورة طه: 39:
(وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني).
- من سورة الطور: 48:
(واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا).
- من سورة يوسف: 24:
(كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين).
• أدلة العصمة من السنة:
- روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، ولكن الله أعانني عليه فأسلم.(2)
- وروى البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الشيطان عرض لي، فشد علي، يقطع علي الصلاة، فأمكنني الله منه، فذعته (خنقته)، ولق هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا تنظرون إليه، فذكرت قول أخي سليمان: (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي) فرده الله خاسئا.(3)
- وروى الإمام في المسند عن عائشة رضي الله عنها قالت: لد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه، فقيل له: خشينا أن يكون بك داء الجنب، فقال: إنها من الشيطان، ولم يكن الله ليسلطه علي.(4)
فمنهج القاضي عياض في "الشفاء" في مباحث العصمة منهج شمولي استقرائي، لا يكاد فصل من فصول "الشفا" يخلو مما له صلة بالعصمة، وإن خصص الباب الأول من القسم الثالث لمباحثها في ستة عشر فصلا.
ونمثل لذلك بالفصول الثلاثة من الباب الثاني من نفس القسم، إذ فيها بحث في النبوة والعوارض البشرية، النبوة والسحر، النبوة والابتلاء بالمرض.
 ومن مباحث العصمة في كتاب "الشفا" ما كتبه حول مسألة "الغرانيق" أو التلبيس على الأنبياء أو أتباعهم.
 قال تعالى من سورة الحج: 52:
(وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيء إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم).
ويمحص القاضي تلك الرواية التي اعتمدت في مسألة الغرغنيق، فإذا هي رواية ضعيفة جدا، قال: "ولقد تعلق الملحدون بسوء التأويل مع ذلك الضعف في الرواية وانقطاع الإسناد، وأقاويلهم منها الوعث والسمين والغث؛ وما عليه جمهور المفسرين أن "إلقاء الشيطان" هو إشغاله الخلق بخواطر وأذكار من أمور الدنيا، حتى يدخل عليهم الوهم والنسيان، فيما يتلوه الرسول صلى الله عليه وسلم، فيتسرب إليهم التحريف وسوء التأويل، لكن الله عز وجل ينسخ ذلك ويكشف لبسه". (5)
   وتمحيص القاضي عياض رحمه الله لأحاديث "الغرانيق" رواية ودراية شاف كاف، والملاحظ أن بعض التعابير مشتركة بين عياض، وابن عطية في تفسيره، وهما معاصران؛ وابن عطية.
   وفي الفصل الموالي من كتاب "الشفا" تابع عياض تمحيص روايات أحاديث "الغرانيق"، لكن انطلاقا من سورة النجم عند قوله تعالى: (أفرأيت اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى)، لكن بأسلوب آخر وإضافات جديدة، مما يجعل ظاهرة التكرار في كتاب "الشفا" ذات جدوى ومحمودة.
   ولتوضيح منهج القاضي عياض في أحاديث العصمة نمثل بحديثين اثنين من حديث الرواية والدراية:

• أولا: من أحاديث العصمة قبل المبعث:
   عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما نشأت بغضت إلي الأوثان، وبغض إلي الشعر، ولم أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين، فعصمني الله منهما، ثم لم أعد.(6)
   قال السيوطي في "مناهل الصفا": رواه البزار بسند صحيح من حديث علي بلفظ: ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون به..." الحديث.
   قلت: وأخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة مسندا عن علي بن أبي طالب بلفظ: ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون به.
   وقال الهيثمي من "مجمع الزوائد": رجاله ثقات. (7)
   قلت: ثم أورده عياض مرة أخرى هكذا: وذكر أبو جعفر الطبري عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني الله برسالته..." إلى آخر الحديث، وفيه قصته مع الغلام الراعي، والاتفاق على المناوبة في رعي الغنم وحراستها، تحقيقا للسمر كباقي شباب قريش، ولكن العناية الربانية تداركت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشارك لسمار وأهل العرس.(8)
   فالقاضي عياض، وهو يورد أحاديث "العصمة"، طورا يورد طرفا من الحديث، وطورا يورد الحديث بتمامه، تارة يذكر الصحابي والمصدر، وتارة يستغني عن ذلك.

• المثال الثاني من أحاديث العصمة بعد المبعث:
   عن ابن عباس قال: لما احتضر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي البيت رجال، فقال: هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده، فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه قد غلبه الوجع..." الحديث، وهو في الصحيحين "حديث الوصية" بعدة صيغ وألفاظا متقاربة...(9)
وعندما نضطر إلى فقه الحديث وتفهمه، لأهمية موضوعه، فإن دراسة ابن حجر في "الفتح"، والنووي على مسلم، لا تعدوا دراسة أبي الفضل في "الشفا"، مصداقا للقولة المأثورة: "ما أصح علم من تقدم"، لكن منهج عياض في تمحيص الرواية غير مطرد في كتاب "الشفا"، والكمال لله، إذ أحاديث الشمائل والخصائص في مباحث السيرة لا تخلو من الضعيف والمضطر والمنقطع.
   وبعد؛ فإن مباحث العصمة في كتاب "الشفا" بذلك الاستيعاب والشمول الذي تميز به أبو الفضل، فصار منبعا غزيرا يستقي منه علماء السيرة مشرقا ومغربا؛ قد سلط عليه "دولة الموحدين" الذين أسسوا نظامهم على "العصمة": عصمة "الإمام".
   فكانت مباحث القاضي عياض في التأصيل والكشف عن العالم في مجال "العصمة" بمثابة معول يهدم بناءهم أو متفجرات تنسف صرحهم.
ولا من الأسبق في عالم الناس هل كتاب "الشفا" أو مخطط "مهدي" الموحدين؟ فإن كان التأليف قبيل قيام دعوتهم، فهو قدر مقدر، وإن كان بعد أو أثناء تسلطهم على "المرابطين"، فالكتاب كشف لحقيقتهم؛ إذ تروي المصادر مقولات "مهدي" الموحدين في "العصمة" منها:
  "لا يكون الإمام إلا معصوما من الباطل، ومعصوما من الضلال، ومعصوما من الفتن، ومعصوما من العمل بالجهل...". (10)
   وقد أورد المراكشي في "المعجب"، وهو شاهد إثبات عاصرهم، أقوالا لمهدي الموحدين منها استثماره لحديث: "لا تزال طائفة من أهل الغرب ظاهرين".
   قال يخاطب أتباعه وبطانته: "ما على وجه الأرض من يومن إيمانكم، وأنتم العصابة المعنيون بقول النبي عليه الصلاة والسلام: "لا تزال طائفة بالمغرب ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وأنتم الذين يفتح الله بكم فارس والروم، ويقتل الدجال، ومنكم الأمير الذي يصلي بعيسى بن مريم، ولا يزال الأمر فيكم إلى قيام الساعة.(11)
   ولتبيان "مشرب" مهدي الموحدين، نذكر في عجالة:
   أولا: يقول الكليني في "الكافي": كتاب الحجة: عن عبد الله بن جندب أنه كتب إليه علي بن موسى: الإمام الثامن عنده:
   أما بعد، فنحن أمناء الله في أرضه، عندنا علم البلايا والمنايا، وأنساب العرب، ومولد الإسلام،
وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان، وحقيقة النفاق، وإن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، أخذ الله علينا وعليهم الميثاق.(12)
   ثانيا: ويقول الأشعري في المقالات: اختلف "الروافض" في الرسول، هل يجوز عليه أن يعصي الله أم لا؟ وهم فرقتان:
o الفرقة الأولى: منهم يزعمون أن الرسول جائز عليه أن يعصي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد عصى في أخذ الفداء يوم بدر، فأما الأئمة، فلا يجوز ذلك عليهم، فإن الرسول إذا عصى، فإن الوحي يأتيه من قبل الله، والأئمة لا يوحي إليهم، ولا تهبط الملائكة عليهم، وهم معصومون فلا يجوز عليهم السهو ولا أن يغلطوا,
o والفرقة الثانية: منهم يزعمون أنه لا يجوز على الرسول أن يعصي، ولا يجوز ذلك على الأئمة، لأنهم جميعا حجج الله، وهم معصومون من الزلل.(13)
هذه إطلالة على مشارب مهدي الموحدين، وغيض من فيض.
ويعقد القاضي عياض في كتاب "الشفا" فصلا من أخطر فصول "الشفا" على "الموحدين" وكل الذين يتشبهون بالأنبياء، ويتطاولون على خصوصياتهم، في القسم الرابع: الباب الأول – الفصل السابع، ترجم له هكذا:
حكم من وصف نفسه بصفة من صفات الأنبياء، رفعا لشأنه أو استصغارا لشأنهم.
   قال: ينزع بعض الناس إلى التشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم، ليس عن طريق التأسي وطريق التحقيق، بل على مقصد الترفيع أو على سبيل التمثل...".
   إن ما ضمنه القاضي عياض هذا الفصل من كتابه: "الشفا"، هو محاكمة لمهدي الموحدين الذي ادعى "العصمة" كما هو واضح في كتابه "الإمامة"، وكما تشهد بذلك الآثار الكثير، ومنها ما دونه السهيلي في مقدمة "الروض الأنف" وهو يمدح دولتهم.
   فإذا كان كتاب "الشفا" ألف ودعوة الموحدين في مراحلها الأولى فإن فصوله في "العصمة" محاكمة لهم، وإن كان ألف ودعوتهم لما تظهر فهو من أكبر العوائق التي وجدوها في طريقهم، وأرغمت المتأخرين من دولة الموحدين على التبرؤ من ادعاء العصمة، ومن تاب يتوب الله عليه.
   وقد نجا كتاب: "الشفا" من الإحراق، إذ اشتهر عنهم إحراق كتب الفروع، لكن مؤلف "الشفا" لم ينج من أذاهم، وحسبه شرفا ورفعة أن يكون من العلماء الصابرين المحتسبين المجاهدين، قال تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين).
   رحم الله القاضي عياض الذي كان العالم الذي لا يخشى في الله لومة لائم.
مراكش- المهدي السيني
 

1)  كتاب الشفا: مقدمة اقسم الثالث.
ج 2 ص: 125. ط. الفيحاء: 1407هـ 1986.
2) ص. م: كتاب صفات المنافقين: باب تحريش الشيطان، كتاب الشفا: ق: 3. الباب الأول: الفصل الرابع. ص: 275.
3) ص. خ: كتاب الصلاة: العمل في الصلاة، وكتاب التفسير ص. م: كتاب المساجد.
الشفا: ق: 3. ت 1. ف 4/ج 2 ص: 277.
4) المسند لأحمد: ج 6 ص: 118 الشفا: ق: 3 ت1، ف 4/ج 2 ص: 279.
5) الشفا: ق: 3، ت 1، ب، ف 4/ج 2 ص: 250.
6) الشفا: ق: 1، ب 1،  ف 10/ج 1 ص: 213.
7) مجمع الزوائد: 9: 226.
8) الشفا: ق: 1. ب2 ، ف 20/ج 1 ص: 273.
9) م. خ: كتاب العلم، وكتاب الجنائز، وكتاب المرضى، وكتاب المغازي والاعتصام. ص. م: كتاب الوصية، وكتاب الجنائز.
الشفا: ق: 3. ب 2. ف 6/ ج2 ص: 431.
10) كتاب الإمامة للمهدي بن تومرت: 245.
       عن كتاب: المهدي بن تومرت تأليف عبد المجيد التجار، ص: 249. ط. دار الغرب 1989.
11) حديث: لا تزال طائفة.../ رواه مسلم بلفظ "الغرب" وليس "المغرب" / المعجب ص: 188. ط. الاستقامة بالقاهرة 1948.
12) الكافي للكليني: كتاب الحجة. ص: 223. ط. إيران.
عن: الشيعة والسنة تأليف إحسان ظاهر – ص: 67/ط.لاهور. 1984.
13) انظر منهاج السنة لابن تيمية، ومقالات الأشعري.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here