islamaumaroc

مدخل إلى قصيدة المديح في العصر السعدي وأوائل العصر العلوي

  عبد الجواد السقاط

العددان 305 و306

يجدر القول في البداية بأن نشأة الشعر العربي عموما بالمغرب، قد انطلقت في القرن الثاني للهجرة مع الشعراء الوافدين على المغرب إذ ذاك، بمن فيهم بعض أمراء الدول الإدريسية، لتنمو بعد ذلك مع الطلائع الأولى للشعر المغربي الصميم، بدءا من القرن الثالث الهجري مع شعراء وردت عنهم نصوص قليلة، أمثال سعيد بن هشام المصمودي، وعبد الله الكفيف، وإبراهيم بن محمد الأصيلي، وإبراهيم بن أيوب النكوري، ثم ليتسع مجالها مع توالي العصور انطلاقا من العصر المرابطي إلى اليوم.
 وفي خضم هذه النشأة – مهما كانت بسيطة – يحق لنا أن نتساءل عن حفظ فن المديح من بين الأغراض التي عرفها الشعر آنذاك، ذلكم الحظ الذي كان بسيطا بدوره، ولكنه على كل حال كان موجودا إلى جانب فنون شعرية أخرى.
 ومن خلال النصوص المتوافرة لدينا، نستطيع القول بأن فن المديح في مرحلة النشأة تلك، كان في الغالب الأعم مديحا سياسيا يتجه به صاحبه إلى الجهاز الحاكم، على غرار أبيات نقرأها للشاعر إبراهيم بن أيوب النكوري يمدح فيها أحد أمراء الأدارسة:
أيا أملي الذي أبغي وسؤلي
                    ودنياي التي أرجو وديني
أأحرم من يمينك ري نفسي
                    ورزق الخلق من تلك اليمين
ويحجب عن جبينك طرف لحظي
                    ونور الأرض من ذاك الجبين
وقد جبت المهامة من نكور
                    إليك بكل ناحية أمون(1)
ومن هنا يمكن القول بأن فن المديح بالمغرب قد نشأ سياسيا في بداية الأمر، ثم عرف فيما بعد اتجاهين آخرين هما المديح الإخواني والمديح
 
النبوي، وخاصة في العصر المرابطي، مع بعض شعرائه، نذكر منهم في المجال الأول ابن بياع في قصيدة يمدح بها صديقه الفتح ابن خاقان جاء فيها:
ولولا أبو نصر ولذات أنسه
                  تقضت حياتي كلها وهي علقم
فتى فتح الله المعارف باسمه
                  ومن دونها باب من الجهل مبهم
تأخر في لفظ الزمان وإنه
                   بمعناه في أعيانه متقدم
أتوا بالمعاني وهي در منظم
                   وجاء بها من أفقها وهي أنجم (2)
وفي المجال الثاني نذكر القاضي عياض الذي صدرت عنه نصوص في المديح النبوي مقرونة بالتسول والابتهال، على غرار قوله في واحدة منها:
يا خيرة الرسل يا أعلى الورى شرفا
                   قد أثقلت ظهري آثام وأوزار
و أشغلتني ذنوب عنك مؤلمة
                  أخاف تحرقني من أجلها النار
فكن شفيعي لما قدمت من زلل
                  ومن خطايا فإن الرب غفار (3)
وإذا كانت قصيدة المديح باتجاهاتها الثلاثة – السياسي والإخواني والنبوي- قد استمرت حاضرة معطاء في الساحة الأدبية بالمغرب على توالي العصور، فإنها قد احتضنت خلال مسيرتها اتجاها رابعا بدءا من أواخر العصر المريني وأوائل العصر السعدي، ذلكم هو اتجاه المديح الولوي الذي يتجه به صاحبه إلى مدح الشيوخ، والتنويه بكرامتهم وفضائلهم.
ويبدو – حسبما يتوافر لدينا من نصوص – أن نشأة هذا الاتجاه في قصيدة المديح بالمغرب قد ارتبطت بالزوايا التي ظهرت كما نعلم منذ العصر المريني، ولكنها أينعت وكثرت في العصر السعدي وما بعده، والتي احتضنت عددا من الشيوخ والزعماء الذين كانت لهم مشاركة بارزة إن على المستوى الديني أو العلمي أو السياسي كذلك.
ولعل من أجود هذه الأمداح ما قيل في زعيم الزوايا الدلائية محمد بن أبي بكر، وخاصة من الشاعر الرسمي لهذه الزاوية أبي العباس أحمد الدغوغي الذي نختار له من هذه الأمداح قوله من قصيدة:
محمد القطب ما أغنى شمائله
               عن وصفه فهو مصباح على لهبه
لكنه الشمس نورا بل له شرف
               من فوق ذلك لا يرقى لمكتسبه
العالم العلم الهادي الأنام إلى
               أهدى سبيل وذاك الوصف من قربه
حامي النزيل مزيل البأس منزله
               على وفاق رضى الجبار أو غضبه
أحيا الشرائع بل أفنى البدائع بل
                سد الذرائع منه الجد عن لعبه(4)
وهكذا إذن، يتضح أن فن المديح في الشعر المغربي قد نشأ مبكرا، ثم أخذ في النمو والاتساع إلى أن تعددت اتجاهاته، وتنوعت مذاهبه، ذلكم التعدد أو التنوع الذي لم يكن من قبيل الصدفة أو التقليد، وإنما كان كل اتجاه منها يأتي استجابة لظروف معيشة معينة، ولبيئة تفرضه وتستلزمه، الشيء الذي يدل على أن قصيدة المديح في الشعر المغربي لم تكن فضلا من الكلام، أو زخرفا من القول، وإنما كانت – وما تزال – وثيقة هامة تعكس الواقع المغربي، وتبلور مختلف جوانبه وآفاقه، في تجاوب غير قليل، واندماج يستجيب للدوافع التي تدعو إليه.
وبالوقوف عند قصيدة المديح في العصر السعدي وأوائل العصر العلوي، نجدها تحتضن الاتجاهات الأربعة المشار إليها سابقا، والتي ارتبطت بظروف مواتية دعت إليها وشجعت على الخوض فيها.
فالمديح النبوي نستطيع أن نربطه من خلال هذه الفترة بعوامل عدة نذكر منها:
أ‌- استمرار الدوافع التي كانت وراءه من قبل، والمتعلقة بحب الرسول صلى الله عليه وسلم، والتعلق بسيرته وأفضاله، وقد أفرز هذا العامل مجموعة من النصوص على امتداد مراحل الفترة، نختار منها هنا هذه القصيدة لابن زاكور مخاطبا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ديوان حبك بالتوفيق مبتدأ
                  يا من به الحسن مختوم ومبتدأ
وجملة المدح لم يرفع لها خبر
                 إلا وأنت رسول الله مبتدأ
وبهداك جذي الأفهام موقدة
                 يا من به غضب الجبار منطفئ
رقت سجايا بنات الفكر وانتعشت
                 مذ علها من ثدي مجدكم لبا
ومنذ حلبتها بدر مدحكم
                 لم يبق في القلب لا رين ولا صدأ
صلى عليك إله العرش ما تليت
                 أمداحكم وزها بذكركم نبأ
وما جرى نهر وما ذكا زهر
                 وما تربع من صوب الحيا كلأ
وما بدت حكمة وما جرى مثل
                 وما تكرر مع بندقة حدا
وما تربع من أنواركم قمر
                  وما تفلع من أسراركم ملأ
والآل والصحب ثم التابعين لهم
                   أولئك القوم كل زانه ملأ(5)
ب‌- الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف، ذلكم الاحتفال الذي بدأ بالمغرب، كما نعلم مع العزفيين في العهد المريني، والذي اتخذ في الفترة المقصودة طقوسا مختلفة ترمي إلى تكريس هذا الاحتفال والاهتمام به، وقد أفرز هذا العامل بدوره مجموعة هائلة من المولديات التي تعتبر وجها بارزا من وجوه المديح النبوي بالمغرب ظل ممتدا إلى اليوم.
ج‌- اضطراب الوضع أحيانا في بعض مراحل الفترة المقصودة، إن على المستوى السياسي أو الاجتماعي، الشيء الذي دفع بعض الشعراء نحو المديح النبوي، إما من باب التوجيه والرغبة في الإصلاح، وذلكم بتمثيل السيرة النبوية والتذكير بإيجابياتها، وإما من باب الهروب من واقع سياسي واجتماعي مضطرب، إلى مجال تتحقق فيه المثالية المطلقة، وتتجسد فيه عناصر الطمأنينة والاستقرار، إلى درجة وجدنا فيها بعض الشعراء يختصون في المديح النبوي لا غير (محمد بن محمد المرابط الدلائي مثلا)، كما وجدنا غيرهم أو بعض تلامذتهم أو أقاربهم يجمعون من شعرهم ما يتعلق فقط بالمديح النبوي، ولا يهتمون بما سواه من موضوعات شعرية أخرى (محمد المرابط الدلائي مثلا).
د- وجود الزوايا التي كانت ترمي فيما ترمي إليه، إلى تكريس المفهوم الديني، انطلاقا من القرآن والسنة، فكان من الطبيعي أن تكون هذه الزوايا محتضنا لنصوص كثيرة في المديح النبوي تخدم التوجه العام لهذه الزوايا، وتدور في الفلك الذي أقامت عليه وجودها واستمرارها.
والمديح السياسي يمكن ربطه كذلك بمجموعة من العوامل التي كانت وراء استمراره واسترساله، ومنها نشير إلى:
أ‌- الاحتفال بعيد المولد النبوي، إذ نجد الشعراء وهم يبدعون قصائدهم بهذه المناسبة، يختمونها بمدح السلطان، خاصة وأن السلطان هذا، والمحتفى بعيد ميلاده الشريف، تربطهما علاقة النسب، كما هو الحال بالنسبة لكل من الأشراف السعديين والعلويين. من ذلك مثلا قصيدة في المديح النبوي لعبد الواحد بن أحمد الشريف الفيلالي مطلعها:
أرقت وشاقتني البروق اللوامع
                             وذكرى خليط هيجتها المرابع
   فقد ختمها بمدح الخليفة أحمد المنصور الذهبي قائلا:
فجزاك رب العرش ما أنت أهله
                             جزاء به يشجى المناوي المخادع
وجازى إماما قد نمته إليكم
                         أصول وآباء كرام فوارع
سميك وابن السبط حقا ومن له
                             عوارف في أعناقنا وصنائع(6)
   وأخرى للقاضي أبي القاسم بن علي الشاطبي في الموضوع نفسه هذا أولها:
ما بال طيفك لا يزور لماما
                        وبمنحنى الاحشا ضربت خياما
فقد مزج بين مدحه الرسول صلى الله عليه وسلم ومدحه الخليفة المنصور على شاكلة قوله:
ما لذتي في مدح غيرك مخلصا
                             إلا بمدحي من بنيك إماما
خير الورى وإمامها المنصور من
                               في ظل دولته الأنام أناما(7)
ب‌- القضاء على الثوار، إذ كان مناسبة يتنافس فيها الشعراء في تهنئة السلطان بإخماد نيران الاضطرابات والفتن، والقضاء على المتمردين والثوار. مثال ذلك قصيدة قالها أبو عبد الله محمد بن عمر الشاوي عندما تمكن أحمد المنصور من قتل الثائر الناصر بن السلطان الغالب نجتزئ منها قوله مادحا:
فاهنأ أمير المومنين فقد جرت
                         بسطوتك الأقدار جري السوابق
أضاءت لك الأيام واحلولكت على
                        عدوك وارتجت رؤوس الشواهق
وذاك الذي قد خيب الله سعده
                        تردى فلم تنفعه نصرة مارق(8)
ج- الدعوة إلى استرجاع بعض المدن المغربية المحتلة، أو التهنئة بما تم استرجاعه منها بالفعل، وخاصة في عهد المنصور السعدي والمولى إسماعيل العلوي. ومن نماذج ذلك قصيدة قالها عبد العزيز الفشتالي عندما استرجع المنصور مدينة أصيلة من النصارى عام 897هـ هذه بدايتها:
بكر الفتوح لكم تهلل بشرها
                     وافتر عن شنب المسرة ثغرها
وعقيلة الأمصار وهي أصيلة
                     أنت العزيز لذا أطاعك مصرها
وافى بها الفتح المبين يزفها
                    لكم وليس سوى قبولك مهرها(9)
   ومن نماذج أيضا أخرى قالها عبد الواحد البوعناني عندما استرجع المولى إسماعيل مدينة العرائش عام 1101هـ جاء في أولها:
ألا أبشر فهذا الفتح نور
                 قد انتظمت بعزمكم الأمور
وطير السعد نادى حيث غنى
                 قد انشرحت بفتحكم الصدور
وضوء النصر ساعده التهاني
                 ونور الفجر نحوكم يدور
حميتم بيضة الإسلام لما
                  بعين الحق قد حرس الثغور
وجاهدتم وقاتلتم فأنتم
                 لدين الله أقمار تنير(10)
د- الانتصار في الفتوحات، وأبرزها فتح السودان الذي تم على يد المنصور السعدي، والذي كان مناسبة ألهمت قرائح الشعراء للتغني بنشوة هذا الفتح، والتنويه بصاحبه، وفي مقدمتهم الشاعر عبد العزيز الفشتالي الذي خلد هذا الفتح بقصيدة مطلعها:
جيش الصباح على الدجى متدفق
                    فبياض ذا لسواد ذاك ممحق
وكأنه رايات عسكرك التي
                  طلعت على السودان بيضا تخفق
   وخلالها يكيل المدح للمنصور الذي قاد هذا الفتح على غرار قوله:
كتب الإله على عداتك أنهم
                  قنص لسهمك غربوا أو شرقوا
ضلت ملوك ساجلوك على العلى
                   سفها وشأوك في العلى لا يلحق
أن يشبهوك ولا شبيه يرى لكم
                   في الخلق أين من اللجين الزئبق(11)
ه- العمران والتشييد، إذ نجد الشعراء يتخذون من الحركة العمرانية التي عرفها المغرب في هذه الفترة مناسبة للتنويه بالسلطان المغربي، بل نجد منهم من وضع أشعارا على لسان هذه المنشآت العمرانية، وجعلها تفوه بالثناء على الملك الذي أنشأها وأبدع صنعتها، على غرار ما نجده مثلا من أشعار على لسان قصر البديع بمراكش، منها قصيدة قالها عبد العزيز الفشتالي على لسان القبة الخمسينية لهذا القصر مطلعها:
سموت فخر البدر دوني وانحطا
                         وأصبح قرص الشمس في أذني قرطا
وصغت من الإكليل تاجا لمفرقي
                   ونيطت بي الجوزاء في عنقي سمطا
                وفيها يتعرض لمدح المنصور قائلا:
إمام يسير الدهر تحت لوائه
                 وترسي سفان للعلى حيثما حطا
وفتاح أقطار البلاد بفيلق
            يفلق هامات العدى بالظبي خطبا(12)
و- مناسبات أخرى مختلفة، كإبلال خليفة من مرض، أو حدث خاص داخل البلاط، أو ما إلى هذا وذاك من المناسبات التي تطرحها الحياة اليومية للإنسان. من ذلك مثلا قول الهزالي وقد أبل المنصور من مرض كان ألم به:
تردى أذى من سقمك البر والبحر
                 وضجت لشكوى جسمك الشمس والبدر
وبات الهدى خوفا عليك مسهدا
                 وأصبح مذعور الفؤاد الندى الغمر
فلما أعاد الله صحتك التي
                 أفاق بها من غمه البدو والحضر
تراءت لنا الدنيا بزينة حسنها
                 وعاد إلى أبنائه ذلك البشر(13)
   أما المديح الولوي فيمكن إرجاع حضوره في هذه الفترة إلى الأسباب الآتية:
أ‌- وجود الزوايا التي تحتضن الشيوخ والأولياء، أولئك الذين يعتبرون رمزا للزعامة الصوفية بالمغرب، خاصة وأن هؤلاء الشيوخ والأولياء، أو مجموعة منهم على الأقل، قد أكدوا حضورهم في المجال العلمي الذي يخدم التيار الصوفي بما في ذلك من انكب على تدارس القرآن والتفسير والحديث والفقه، وما إليها من جوانب الثقافة الإسلامية المختلفة.
وقد نكتفي هنا بالإشارة إلى ديوان ابن زاكور الفاسي (الروض الأريض) الذي يطفح بالأشعار التي نظمها في لتنويه بجملة من أولياء المغرب وأقطابه، منها على سبيل المثال قوله من قصيدة، وقد قصد روضة المولى أبي محمد عبد الله الهبطي مادحا ومتوسلا:
سهام الردى تخطي الذي قصد الهبطي
                         إمام همام لا مرد لما يعطي
جواد له بحر من الفضل مزيد
                         ولكنه عذب محيط بلا شط
أتاك ابن زاكور أ مولاي إذ نأى
                         به البين عن أرض القرابة والرهط
وأمك والأوجال تضرم نارها
                         وقد لج سوء الظن في الحل والربط
وقد علقت سود الخواطر بالحشا
                         كما علقت سود الذوائب بالمشط
فسدد إلى الأوجال سهم عناية
            مريشا بعزم لا يطيش ولا يخطي(14)
ب‌- الزعامة السياسية لهؤلاء الشيوخ والأولياء إلى جانب الزعامة الدينية والروحية، وهذا مجال نجده يستقطب مجموعة من الشعراء الذين تغنوا بشيوخ الزوايا ومساهمتهم في صد موجة العدوان الأجنبي على المغرب. 
وهنا نذكر على سبيل المثال من أمداح في أحد أقطاب الزاوية العياشية، محمد العياشي، باعتباره رجلا له مواقف سياسية أثبتها له التاريخ، على غرار القصيدة التي مدحه بها أبو عبد الله محمد المكلاتي قائلا:
حديث العلى عنكم يسير به الركب
                        وينقله في صحفه لشرق والغرب
وحبكم فرض على كل مسلم
                    تنال به الزلفى من الله والقرب
فأنت رفيع من أصول رفيعة
               نجوم الدياجي في الأنام لها سرب
سمي رسول الله ناصر دينه
               تجلى بكم عن أفقه الشك والريب
ولم أر بحرا جاوز البحر قبلكم
               يجود لمستجد أنامله السحب
وما يستوي البحر إن عندي فإن ذا
                أجاج لعمري في المذاق وذا عذب
فلا زلت في هذا الدهر محفوظ رتبة
                 يسر الأقوام والآل والصحب(15)
ج- الاحتفال بعيد المولد النبوي، إذ كان مناسبة ينتهي فيها الشاعر إلى مد زعيم الزاوية باعتباره يحيي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويسير على هديه. وهنا أيضا نكتفي بالإشارة إلى مولديات الشاعر أبي العباس أحمد الدغوغي التي كان يختمها بمدح زعيم الزاوية الدلائية محمد ابن أبي بكر، على شاكلة إحداها مطلعها:
رحلوا وقاطن شوقهم لم يرحل
                  وسروا بلبي بين تلك لأرحل
   فقد جاء في خاتمتها مدحا لزعيم الزاوية قوله:
وأدم لوارث سرك السر الذي
                أورثته أبدا يزيد وخول
محيي شرائعك الزكية حافظ الــ
                    ـــسنن السنية ذو العطاء الأجزل
نعم الإمام سميك العلم الذي
                 يسمو السماء سناؤه بك إذ حلي
وعليك من صلوات ربك دائما
             أهمى سحائبها السوامي الهطل
تنهل ديمتها على ربع به
                كملت سعادة جيلنا لا تأتلي(16)
وأما المديح الإخواني أخيرا فيمكن ربطه بدوره بجملة من الدواعي والأسباب نجملها فيما يلي:
أ‌- إكبار الجانب العلمي لدى الممدوح
ب‌- إكبار الجانب الخلقي لديه.
ج‌- إكبار الجانب الأدبي كذلك.
د‌- تجسيد ألوان من العلاقات الإنسانية عامة، سواء كانت هذه الدواعي مجسدة في قصيدة واحدة، أو موزعة بين قصائد شتى، ومن نماذج ذلك نورد مقطوعة للشاعر محمد بن محمد المرابط الدلائي قالها في مدح والده بمناسبة وضعه لكتاب "نتائج التحصيل في شرح التسهيل":
يا طالعا يرقى المراقي دائما
                يهنيك أنك فزت بالتفضيل
مذ بان نجمكم المبارك بشرت
                هذي الورى بنتائج التحصيل
مازال منتظرا لديهم غدوة
                 وعشية مثل انتظار النيل
حتى تبدوا، سره متروحا
                 لحظوه بالتعظيم والتبجيل
رصعت فيه جواهرا ويواقتا
               أبديت فيه محاسن التسهيل
فاحمد لأن أولاك ربك فضله
              متيسرا إذ من بالتكميل(17)
وهكذا نستطيع أن نخلص في نهاية هذا الاستعراض إلى أن فن المديح في الشعر المغربي لم يكن مدحا تكسبيا في الغالب الأعم، وإن كانت بعض الإشارات أحيانا توحي بهذا التكسب، (18) إلا أنها قليلة، وإنما كان مدحا يعكس ظاهرة الصدق في القول، والاعتراف بالجميل والتنويه الذي لا تحركه نزعة مادية أو رغبة في العطاء والنوال، وإنما تدعو إليه الرغبة في طرح الحقيقة كما هي، وجعلها أنشودة عذبة على كل لسان، وحديثا شيقا تسير به القوافل والركبان.
ومن دون شك أن مدحا هذه خاصته، لابد أن يستدعي من الدارس الباحث مزيدا من الأناة والصبر، وكثيرا من الاتزان والتريث، حتى لا يرميه بتهمة الاستجداء والتكسب منذ الوهلة الأولى، بل يقر له بما هو له أهل من اعتراف بالصدق والواقعية، وصدور عن إحساس بعيد عن أسباب التمويه والتزييف، وكأني بالشاعر محمد المرابط الدلائي، قد عبر عن هذا الإحساس نيابة عن شعراء الفترة حينما قال متجها بالخطاب إلى ممدوحه، وهو هذا الرسول صلى الله عليه وسلم.
فإليك من كلف بكم مدح
                قد زانها في وصفك الصدق(19)


1) الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى، ج1، ص: 20.
2) الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى، ج 1، ص: 49.
3) الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى، ج 1، ص: 56.
4) نزهة الحادي، ص:277.
5) ديوان الروض الأريض، ج2، ص:337.
6) الاستقصاء ج 5، ص: 155.
7) الاستقصاء ج 5، ص:154.
8) الاستقصاء ج 5، ص:146.
9)   شعر عبد العزيز الفشتالي، 325.
10) نزهة الحادي، ص:307.
11) شعر عبد العزيز الفشتالي، ص: 355.
12) شعر عبد العزيز الفشتالي، ص:346.
13) الاستقصاء ج 5، ص: 92.
14) ديوان الروض الأريض، ج 2، ص: 477.
15) الاستقصاء ج 6، ص: 89.
16) البدور الضاوية، ص:97.
17) البدور الضاوية (النسخة رقم ك 294) ص:548.
18) من ذلك مثلا قول عبد العزيز الفشتالي لأحمد المنصور (شعر الفشتالي ص:324).
              يا خير من في المعلوات جرى له
                                    مثل على عرض البسيطة سائر
               إني إلى سقيا يمينك عاطش
                                    وسحا بها فوق الخلائق ماطر
19)       ديوان محمد المرابط الدلائي، ص:63.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here