islamaumaroc

عثرات الأقلام والألسنة -5-

  محمد المنتصر الريسوني

العددان 305 و306


13- أيهما أفضل المال أو العلم؟

هذا أسلوب شائع في أساليبنا العربية المعاصرة، ولم ينج منه كبار كتابنا ممن يعدون من رواد الثقافة العربية الحديثة، وأمراء بيانها، من هؤلاء الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله، فقد ورد في كتابه "أنا" ما يلي:
"كانت المفاضلة بين شيئين هي المحور الغالب على موضوعات الإنشاء في أيامي بمدرسة أسوان، أيهما أفضل المال أو العلم؟ الذهب أو الحديد؟ الصيف أو الشتاء؟ الرأي أو الشجاعة؟ السيف أو القلم؟ الحرب أو السلم؟ إلى أشباه هذه المفاضلات".(1)
وقد يكون للأستاذ العقاد عذره، لأنه يحكي عما كان مستعملا في عهد دراسته من أساليب، ولكن هذا لم يكن ليعفيه من التنبيه على الخطأ – وهو يحكي – ومن الدعوة إلى تصحيحه.
وتصحيحنا إياه يكون على هذا النمط (أيما أفضل المال أم العلم؟)؛ ذلك أن ضمير الهاء(2) يجب أن يرجع إلى ما سبق وهو ما قررته قواعد النحو العربي وبسطه العلماء، منهم: ابن مالك في كتابه: "تسهيل الفوائد" حين قال: "الأصل تقديم مفسر ضمير الغائب"، (3) وشرح العبارة ابن عقيل في كتابه: "المساعد على تسهيل الفوائد" فقال: "وذلك ليعلم المغني بالضمير عند ذكره"، (4) وهنا ضمير الهاء يعود على المتأخر لفظا ورتبة وهو "المال والعلم" في الجملة السالفة، وهذا لا يصح إلا في مواضيع معينة نشرح كل موضع على حدة إتماما للفائدة، وإثراء للمبحث:
1) أن يرفع الضمير ب "نعم" أو "بئس" أو ما يلتحق بهما من صيغة "فعل" بضم العين - الذي يقصد به المدح أم الذم، فالضمير المرفوع ب "نعم" مثاله قول الشاعر:
نعم امرأ هرم لم عر نائبة
                   إلا وكان لمرتاع بها وزرا(5)
   وقول الشاعر:
لنعم موئلا المولى إذا حذرت
                  بأساء ذي البغي واستيلاء ذي الإحن (6)
فالشاهد في البيت هو (نعم امرأ هرم): إذ أضمر فاعل "نعم" وفسر بنكرة بعده منصوبة على التمييز، وقل مثل هذا فيما ورد على نمطه.
وأما الضمير المرفوع بفعل "فعل" – بضم العين – فمثاله قوله تعالى: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا).(7)
وقمين بنا في هذه الحالة أن نلم إلماما سريعا بجزء من أجزاء باب "نعم وبئس وما جرى مجراهما". لأجل فهم ما بسطناه الآن، التي تهمنا، أما الإسهاب في هذا المجال فقد تولت المصادر (8) بسطه بما يكفي فيشفي.
هذه الحالة هي أن يكون فاعل "نعم" مضمرا مفسرا بنكرة بعده منصوبة على التمييز. قال ابن مالك رحمه الله في (الخلاصة) ذاكرا هذه الحالة، سائقا مثالا على ذلك، وهو على نسق ما تحدثنا عنه سابقا:
ويرفعان مضمرا يفسره
                     مميز كـ"نعم قوما معشره"
والمثال عند ابن مالك – كما يبدو واضحا – هو "نعم قوما معشره"، ففي "نعم" ضمير مستتر تقديره "هو" يفسره قوله "قوما"، و"قوما" تمييز معشره مبتدأ خبره الجملة التي قبله، ومعشر مضاف والهاء مضاف إليه.(9)
2- أن يرفع الضمير بأول المتنازعين، وشرح ذلك يكون في ضوء ما يسميه النحويون (التنازع)، وهو باب صالوا في مضماره وجالوا، وضربوا في درب مباحثه مولدين فلسفة عقلية معقدة يرفضها الأسلوب العربي القح.(10) 
وقد عقد ابن مالك مبحثا في منظومته (الخلاصة) لموضوع: "التنازع في العمل"
ونقتصر على المقصود منه فيما يلي مما يلخص حقيقة هذا الباب:
إن عاملان اقتضيا في اسم عمل
                  قبل فللواحد منها العمل(11)
والثان أولى عند أهل البصره
                  واختار عكسا غيرهم ذا أسره
وأعمل المهمل في ضمير ما
                  تنازعاه والتزم ما التزما
كيحسنان ويسئ ابناكما
                  وقد بغى واعتديا عبداكما
ويمكن تعريف التنازع بما عرفه به ابن عقيل حين قال: "توجه عاملين إلى معمول واحد"، (12) ومثاله قول الشاعر:
جفوني ولم أجف الأخلاء إنني
                    لغير جميل من خليلي مهمل(13)
فالشاهد في البيت هو "جفوني ولم أجف الأخلاء"؛ ذلك أن "جفوني ولم أجف" تنازعا في العمل في "الأخلاء"، فالأول – وهو جفوني- يطلبه فاعلا والثاني – وهو لم يجف- يطلبه مفعولا، وهكذا أعمل الثاني في المعمول المتأخر وهو "الأخلاء" فنصبه على أنه مفعول به وأعمل الأول وهو "جفوني" في ضميره الذي يظهر جليا في واو الجماعة، وحينذاك لزم رجوع الضمير على المتأخر، ودل الشاهد بهذا أن عود الضمير المرفوع على متأخر جائز في هذه الحالة من غير شك.
من كل ما سبق يتبين بجلاء أنه يجوز لك أن تعمل في الاسم المذكور أي العاملين شئت فإن أعملت الثاني فلقربه وإن أعملت الأول فلسبقه.(14)
وفي هذه الحال إن أعملت الأول في الظاهر أعملت الثاني في ضميره مرفوعا كان أم غير مرفوع، وإن أعملت الثاني في الظاهر أعملت الأول في ضميره كالشاهد السابق الذكر.
3- أن يكون مخبرا عنه كقوله تعالى: (وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين)، (15) ويعني ذلك أن الجملة هكذا: "إن الحياة إلا حياتنا الدنيا"، فالضمير، كما ترى، وضع موضع "الحياة" وهو مبتدأ جاء الخير بعده يفسره، وبذلك يعود الضمير على المتأخر لفظا ورتبة.
4- ضمير الشأن وهو في تعريف العلامة الزمخشري (م عام 538هـ= 1143م) في كتابه: "لمفصل" كالآتي: "ويقدمون قبل الجملة ضميرا يسمى ضمير الشأن والقصة، وهو المجهول عند الكوفيين".(16)
وهذا الضمير يكون بصيغة الغالب منفصلا أو متصلا أو مستترا، ويقصدون الشأن الأمر أو القصة ومثاله قوله تعالى: (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم)، (17) ومثاله قولنا: "هو أحمد مكب على عمله".
فالشاهد في المثال الأول (إنه) لا يرجع إلى اسم قبله بل هو يقوم مقام الشأن وكأن الجملة القرآنية الشريفة هكذا "إن الشأن أنا الله"، وعلى نظير هذا النمط نفسر المثال الثاني.
5- أن يكون مبدلا منه الظاهر المفسر له مثاله – كما ورد في "المغني" لابنه هشام –(18) (ضربته زيدا) فالشاهد فيه أن ضمير الهاء يعود على المتأخر الذي أبدل منه، وهذه المسألة أجزها البعض ورفضها البعض الآخر.(19)
6- أن يكون متصلا بفاعل متقدم يفسره مفعول مؤخر. قال حسان شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم (م عام 54هـ = 674م):
ولو أن مجدا أخلد الدهر واحدا
                     من الناس أبقى مجده الدهر مطعما
ومثاله قولنا زيادة في البيان: "ساعد غلامه مصطفى".
والشاهد في المثال الأول "أبقى مجده مطعما"، فالضمير اتصل بالفاعل وهو مجده فسره مفعول مؤخر "مطعما"، وقل مثل ذلك في المثال الثاني.
7- أن يجر بـ (رب) ويفسر بتمييز وهو في ذلك لا يخرج في حكمه عند حكم ضمير "نعم وبئس" مثاله قول الشاعر:
ربه فتية دعوت إلى ما
                   يورث المجد دائبا فأجابوا
والشاهد في البيت هو (ربه فتية)، فالضمير جر بـ "رب" يفسره "فتية" الوارد تمييزا، ويجدر الإيمان إلى أنه (ربه) يلزم التذكير، ولو كان مفسره مؤنثا نحو قولنا (ربه فتاة) (لا ربها)، بيد أن المدرسة الكوفية ترى المطابقة في التأنيث والجمع.(20)
وقد ضمن السلطان عبد الحفيظ، رحمه الله، مواضع عود الضمير على المتأخر لفظا ورتبة منظومته السالفة الذكر فقال:
رجوع مضمر لذي تأخر
                   لفظا ورتبة بسبعة دري
نعم وبئس والذي قد رفعا
                   بأول الذين قد تنازعا
أو مخبر عنه بما قد فسره
                   ومضمر الشأن الجميع ذكره
أو ماله برب جر حصلا
                   أو الذي الظاهر منه أبدلا
لذا الذي بفاعل مقدم
                   وصل والتفسير مفعول نمي
بعود ذي الشأن لذي تأخر
                   عنه لزوما خلفه النهج حري

1) ص: 48 – ط دار الهلال (بدون تاريخ).
2) في الحق أن هناك من النحويين كأبي علي الفارسي من يرى أن الضمير هو (هما)، وللمزيد من المعلومات في مبحث الضمائر راجع شرح الأشموني (على)، ومعه حاشية الصبان (محمد بن علي) ج 1 ص: 127 – دار الفكر.
3) ص: 27 تحقيق محمد كامل بركات – دار الكتاب العربي – 1388 – 1968.
4) ج 1 ص: 109 تحقيق محمد كامل بركات – دار الفكر دمشق – 1400-1980.
5) من الشواهد التي لا يعلم على وجه اليقين قائلها وينسب البعض هذا الشاهد لزهير بن أبي سلمى، ويذهب الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد إلى أن الذي دعا هؤلاء إلى ذلك هو ورود اسم "هرم" في البيت، وقد عرف زهير بمدحه، انظر (هدابة السالك إلى تحقيق أوضح المسالك) ج 2 ص: 285 – ط 4 – 1375 – 1956، وهو كتاب له يتألف من تعليقات على (أوضح المسالك) لابن هشام.
6) من الشواهد التي لا يعلم قائلها، ولذلك لم يشر إلى قائله الجرجاوي في (شرح شواهد ابن عقيل) ولا العدوي في "فتح الجليل شرح شواهد ابن عقيل) ص: 190 وما بعدها – باب (شرح شواهد نعم وبئس وما جرى مجراهما) ط الحلبي 1329 هـ من أجل ذلك كله أكد الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في (منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل) ج 1 ص: 128. بحاشية ابن عقيل، ط 8 بأن البيت من الشواهد التي لا يعلم قائلها، ولم يشر إلى المصدر المعتمد.
7) سورة الكهف – الآية: 5، يجدر التنبيه على حقيقة هي أن كل فعل ثلاثي صالح للتعجب منه جاز استعماله على فعل – يضم العين – بالأصالة كـ (ظرف) وبالتحويل كـ (ضرب)، انظر ابن هشام (عبد الله)، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك/ ج 2ص: 288 تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ط 4 – عام  1375 – 1956.
8) انظر ابن هشام (عبد الله) أوضح المالك إلى ألفية ابن مالك ج 2 ص: 21 وما بعدها، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، وانظر ابن عقيل (عبد الله)، شرح الألفية ج 1 ص: 461 وما بعدها، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، وسواهما كثير.
9) وفي (معشره) إعراب آخر، انظره في شرح ابن عقيل ج 2 ص: 128.
10) راجع حاشية الصبان (محمد بن علي) على الأشموني – باب التنازع في العمل عند حديثه عن العوامل، وأنها كالمؤثرات ج 2 ص 102 وما بعدها ضبطه مصطفى حسين أحمد.
11) الأسرة بالفتح الجماعة القوية في العلم والمقصود الكوفيون.
12) انظر ابن عقيل (عبد الله) شرح الألفية ج 1 ص: 462، تحقيق محيي الدين عبد الحميد – ط 9.
13) من الشواهد التي لا يعلم قائلها على وجه اليقين، انظر هداية السالك الذكر ج 2 ص: 78، وانظر تعليق محمد كامل بركات على المساعد لابن عقيل ج 1 ص: 114.
14) القصد بذلك أن البصريين اختاروا إعمال الثاني لقربه من المعمول، واختار الكوفيون إعمال الأول لسبقه، راجع ابن هشام (عبد الله) أوضح المسالك ج 2 ص: 27 السالف الذكر.
15) سورة الأنعام – الآية: 29.
16) ص: 133 – ط 2 – دار الجيل – لبنان، وسبب تسميته بالمجهول عند الكوفيين أنه لم يسبقه مرجع يعود إليه.
17) سورة النمل – الآية: 9، نشير هنا إلى أن ضمير الشأن إن كان مؤنثا سمي القصة، وإن كان مذكرا سمي ضمير الشأن، انظر ابن عقيل (عبد الله) المساعد ج 1 ص: 114، تحقيق: محمد كامل بركات.
18) ج 2 ص: 491، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد.
19) أجازه الأخفش ومنعه سيبويه، انظر المغني ج 2 ص: 492.
20) انظر المغني ج 2 ص: 492.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here