islamaumaroc

المصالح المرسلة -2-

  محمد المختار ابن اباه

العددان 305 و306


* أدلة اهتمام الشارع بالمصالح:
1) اهتمام الشريعة بالمصالح إجمالا:
ففي الإجمال: (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون).
   ففي هاتين الآيتين الوعظ، والشفاء لما في الصدور، والهدى، والرحمة، وفضل الله، والفرج، والخير. هي مقاصد الشريعة وهي مصالح ظاهرة للعباد.

2) اهتمام الشريعة بالمصالح تفصيلا:
أ- فذكر تعليل الأفعال الإلهية بديل قوله تعالى: (لتعلموا عدد السنين والحساب).
ومن أدلة رعاية المصلحة تفصيلا: ذكر منها الحدود، والنهي عن سوم أحد على سوم أخيه، وبيع الحاضر للباد ونحوه، ومنها ما ورد من تسخير ما في السموات وما في الأرض.
ب) إن رعاية المصلحة تفضل من الله عز وجل عند أهل السنة وواجبة عند المعتزلة.
جـ) والحق عند الطوفي أنها واجبة من الله لا عليه، مثل: (إنما التوبة على الله)، وقوله تعالى: (وكتب ربكم على نفسه الرحمة).
د) يقول إن الشرع راعى مصالح الخلق، متسائلا هل راعى مطلقها في جميع محالها؟، أو أكملها في جميع محالها، أو أوسطها في جميع محالها، أو أوسطها في جميع محالها؟، أو راعى مطلقها في بعض وأكملها في بعض؟ ويرجح أنه راعى منها في كل محل ما يصلحهم وينتظر به صالحهم.

3) مقارنة بين أدلة المصلحة وأدلة الإجماع:
   وحاول الطوفي، أن يجعل أدلة الإجماع أضعف من أدلة المصلحة، وأورد الحجج التالية:
أ‌) أبدى اعتراضات على النصوص التي تبرهن على حجة الإجماع، من حيث دلالة قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا)، وأنكر قطيعة دلالته على الإجماع، كما أنكر تواتر حديث: "أمتي لا تجتمع على ضلالة، والأحاديث التي بمعناها، وبما أنها ضعيفة فلا تصلح لتكون حجة لدليل قطعي.
ب‌) ثم ذكر اعتراضات على الإجماع مثل قول الظاهرية بخصوص الصحابة وافتراق الأمة |إلى ثلاث وسبعين فرقة، وخلاف ابن عباس وعثمان في حجب الأخوين للأم من الثلث إلى السدس، ورأى ابن مسعود في منع تيمم المريض، وكلا الحكمين يعزى إلى الإجماع.
فاستخلص من مقارنة بين أدلة المصلحة وأدلة الإجماع، قوة أدلة المصلحة، وتقديمها على الإجماع لسببين:
أولا: أن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح، فهي إذا محل وفاق.
ثانيا: أن النصوص مختلفة متعارضة، فهي سبب الخلاف المذموم شرعا.
ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه، بعد ما ذكر أمثلة في الخلاف الذي يصل إلى حد التشاجر بين الأئمة وأهل مذاهبهم أراد أن يرد على معارضيه بقوله أنه في تقديم المصلحة يقدم ما كان دليله أقوى.
ثم تعرض لتعارض المصالح ومحاولة بيان ضوابطها، قائلا:
أ‌) إن تمحضت المصلحة، فإن اتحدت حصلت، وإن تعددت، فإن أمكن تحصيل جمعها حصل، وإن لم يمكن حصل الممكن، وإن تعذر ما زاد على المصلحة الواحدة، فإن تفاوتت المصالح في الاهتمام حصل واحدة منها بالاختيار، إلا أن يقع هاهنا تهمة فبالقرعة.
ب‌) وفي تمحض المفسدة تتبع نفس الطريقة في درئها.
ج‌) وإن اجتمع في الأمر مصلحة ومفسدة، فإن أمكن تحصيل المصلحة ودرء المفسدة تعين، وإن تعذر، فعل الأهم، وفي التساوي الاختيار، أو القرعة.
د‌) ويعرض بنفس الأمر عند تعارض المصالح أو المفسدة.
ويؤكد أن اعتبار المصلحة يأتي في المعاملات بخلاف العبادات، لأنها حق للشرع خص به، ولا يمكن معرفة حقه كما وكيفا وزمانا ومكانا إلا من جهته، فيأتي به العبد على ما رسم له... ولهذا لما تعمدت الفلاسفة بعقولهم، ورفضوا الشرائع، أسخطوا الله عز وجل وضلوا وأضلوا.
ويختم كلامه بقوله:
وهذا بخلاف حقوق المكلفين، فإن أحكمها سياسة شرعية وضعت لمصالحهم، فكانت هي المعتبرة، وعلى تحصيلها المعول، ولا يقال إن الشرع أعلم بصالحهم فلتوخذ من أدلته، لأنا قد قررنا أن رعاية المصلحة من أدلة الشرع، وهي أقواها وأخصها، فلنقدمها في تحصيل المصالح.
ثم إن هذا إنما يقال في العبادات التي تخفي مصالحها عن مجالي العقول والعادات، أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم فهي معلومة بحكم العادة والعقل، فإذا رأينا دليل الشرع متقاعدا عن إفادتها علمنا أنه أحلنا في تحصيلها على رعايتها، كما أن النصوص لما كانت لا تفي بالأحكام، علمنا أنا أحلنا قيامها على القياس، وهو إلحاق المسكوت عنه بالنصوص عليه لجامع بينهما.
   والملاحظ أن نظرية الطوفي تنقسم إلى رأيين:
- أحدهما: موافق للجمهور، وهو ما صرح به في شرح مختصر الروضة.
- والثاني: في شرح حديث لا ضرر ولا ضرار، وفيه نوع من التطرف وعبارات غير مقبولة، مثل القول: إن الشرع يتقاعد عن إفادتنا بالمصالح، وهو يناقض نفسه لأن المصلحة عنده من صميم الشرع.
ومن المسائل التي قيل إن الإمام أحمد اعتمد فيها المصالح المرسلة:
1) تضمين الأجير المشترك وإن لم يتعد.
2) جواز تخصيص بعض الأولاد بالهبة إذا كان هناك ما يقتضي تخصيصه بها كحاجة طالب علم، أو زمانة، أو عمى.
3) وجوب بذل صاحب البيت بيته لمن اضطر إلى السكن فيه حيث لا يوجد سواه (الطرق الحكيمة 26) ابن القيم.

4) إجبار أهل الصناعات عليها بأجر المثل، (ابن القيم).
   ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة طائفة، كالفلاحة، والنساجة، والبناء، وغير ذلك، فلولي الأمر أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك، فهذه من أنواع الولاية العامة والخاصة، وهي من فروض الكفاية لحاجة الناس إليها، وقد كانت قائمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (طرق 247).

5) جواز التسعير إذا اضطر الناس إليه.
وهذا لم يستند فيه ابن القيم على المصلحة فقط، بل استأنس في ذلك بنصوص، وقواعد عامة، فقد قاس التسعير على ما ورد في تقويم حصة العبد المعتق.

* الخلاصة:
1) جمهور الحنابلة يقولون: إن المصلحة المرسلة ليست أصلا معتمدا، وإنها ليست حجة وحدها مثل ما قال ابن قدامة، الذي يقول:
2) إن منهم من يقول بحجتيها، وينتصر لها، مثل ابن بدران المتأثر بآراء الطوفي، مع أنا رأينا أن الطوفي يهتم بالمصالح العامة لا بالمصالح المرسلة.
3) إن كتب الفروع الحنبلية فيها اعتماد على المصالح وتعليل بها، لاتفاقهم على أن الشريعة الإسلامية جاءت لمصالح العباد.
المصالح عند الشافعية
لقد امتاز الإمام الشافعي في مجال أصول الفقه بكونه أول كتب فيها رسالة مشهورة، عن أهم وثائق هذا الفن، فاطرد عند العلماء أنه سابق في وضع قواعده، وتنظيم أسسه.
ففي نظم "مراقي السعود" نقرأ قوله:
"أول من ألفه في الكتب، محمد بن شافع المطلبي".
وقد بين فيها: "أن الحكم بالكتاب والسنة، ثم بالإجماع، ثم بالقياس وهو أضعف من هذا، ولكنها منزلة ضرورة ولا يحكم بالقياس والخبر موجود، كما لا يكون التيمم طهارة في السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون طهارة إذا وجد الماء، إنما يكون طهارة في الإعواز".
وفي مكان آخر يقول:
"ولا يقيس إلا من جمع الأدلة التي له القياس بها وهي العلم بأحكام كتاب الله، فرضه، وأدبه، وناسخه ومنسوخه، وعامه، وخاصه، وإرشاده.
ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يجد سنة فبإجماع المسلمين، فإن لم يكن إجماع فبالقياس.
ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف وإجماع الناس، واختلافهم ولسان العرب".
"ومن كان عالما بما وصفنا بالحفظ لا بحقيقة المعرفة، فليس له أيضا أن يقول بقياس لأنه قد يذهب عليه عقل المعاني".
فماذا يعني الشافعي "بالمعاني" هنا؟
قد يكون هذا الجواب فيما قاله في باب العلل في الأحاديث، وهو هنا لا يعني العلة المؤثرة في صحة الحديث، وإنما يعني المعنى الذي يمكن القياس عليه. فهو يقول:
"إن الله تعبد خلقه في كتابه، وعلى لسان نبيه بما سبق في قضائه أن يتعبدهم به، ولما شاء، لا معقب لحكمه فيما تعبدهم، مما دلهم رسول الله على المعنى الذي تعبدهم به، أو وجدوه في الخبر عنه لم ينزل في شيء في مثل المعنى الذي له تعبد خلقه، ووجب على أهل العلم أن يسلكوا سبيل السنة إذا كان في معناها، وهذا الذي يتفرع تفرعا كثيرا".
وبناء على تفرع أحكام من معاني السنة، يعتقد الشافعي أنه "ليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، قال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين).
فالكتاب الذي هو الحجة الأولى، يدل أن المعنى العام، هو الرحمة والبشرى للمسلمين".
وفي قراءة الرسالة لا نجد ذكر المصلحة باسمها كأصل من معاني الشريعة، فالشافعي يكتفي بلفظ "الرحمة" قائلا:
"فكل ما أنزل الله في كتابه جل ثناؤه رحمة وحجة، علمه من علمه وجهله من جهله".
ولقد أورد الجويني في البرهان، ترتيبا منظما لأصول الإمام لشافعي، عزاه للرسالة قال فيه.
"ذكر الشافعي في الرسالة ترتيبا حسنا فقال: "إذا وقعت واقعة، فأحوج المجتهد الحكم فيها، فينظر في نصوص الكتاب، فإن وجد مسلكا دالا على الحكم، فهو المراد، وإن أعوزه انحدر إلى نصوص الأخبار المتواترة، فإن وجده، وإلا انحط إلى نصوص أخبار الأحاد، فإن عثر على مغزاه، وإلا انعطف على ظواهر الكتاب، فإن وجد ظاهرا لم يعمل بموجبه حتى يبحث عن المخصصات، فإن لاح له مخصص ترك العمل بمقتضاه، فإن لم يجد في الكتاب ظاهرا نزل عنه إلى ظواهر الأخبار المتوترة، مع انتفاء المخصص ثم إلى خير الأحاد".
"فإن عدم المطلوب في هذه الدرجات، لم يخض في القياس بعد، ولكنه ينظر في كليات الشرع ومصالحها العامة، وعد الشافعي من هذا الفن إيجاب القصاص في المثقل، فإن نفيه يخرم قاعدة الزجر، ثم إذا لم يجد في الواقعة مصلحة عامة التفت إلى مواضع الإجماع، فإن وجدهم أطبقوا على حكم نصوا عليه، فقد كفوه مؤنة البحث والفحص". 
"فإن عدم ذلك خاض في القياس، ونظر، فإن وجد الواقعة في معنى المنصوص عليه، فلا يثقل عليه سير الطرق، فإن أعوز فيقيس ويطلب الإخالة والمناسبة والإشعار، فإذا هجم عليه، عمل به إذا لم يعارضه مثله، فإن عارضه ما يوازيه في الإخالة يكلف الترجيح، فإن استويا في طرق التلويح لم يفت بواحد منهما، فإن تعسر عليه وجدان المخيل طلب الشبه إن جعلناه حجة".
"لا مزيد على هذا الترتيب إلا أن يعينه الرب، فإنه لو قدم الإجماع ليفتي به جاز فإنه مقدم على كل مسلك في الرتبة العلمية".
ونلاحظ في هذا الترتيب، أن المذهب الشافعي يراعي المصلحة على درجتين:
أولهما: اعتبار المصلحة العامة الموجودة في كليات الشرع، ومثل الجويني لهذا النوع بإيجاب القصاص بالمثقل، ونظرا لقاعدة كون القصاص فرض زجرا عن القتل العدوان، والغريب أن الجويني لا يعتقد أن هذا الحكم ليس من باب القياس مع أن أكثر الأصوليين يوردونه في المناسبة التي يؤثر جنس وصفها في جنس الحكم.
وإمام الحرمين رأى أنها تأتي قبل الإجماع، ولعل في هذا مبالغة في نقضه لآراء أبي حنيفة الذي لا يرى وجوب القصاص بالقتل بالمثقل.
ثانيهما: أنه في الرتبة الأخيرة من هذه الأصول، يطلب الإخالة والمناسبة إن أعوزه معنى المنصوص عليه. وهذا ما يعني الاستدلال أي المصالح المرسلة، وفي هذا المعرض يقول:
"ثم الاستدلال المقبول، هو المعنى المناسب الذي لا يخالف مقتضاه أصلا من أصول الشريعة، كما ذكرناه في المعنى المستنبط من الأصول، ويظهر ذلك بضابط في النفس والإثبات، وهو أن كل معنى لو اطرد جر طرده حكما بديعا لم يعهد مثله في الزمان الأطول، فيدل خروج أثره عن النظير على خروج معناه المقتضى عن كونه معتبرا".
"والدليل على أنه لو كان معتبرا لوجب في حكم العادة القطع بوقوع مثله في الزمن المتمادى، وبهذا المسلك قطعنا بأنه لا تخلو واقعة من حكم الله تعالى، وإذا كان أثر المعنى لا يعدم نظيرا قريبا، ولم يقتض طرد المعنى مخالفة أصل من الأصول فهو استدلال مقبول معمول به".
فالمعيار عنده لقبول الاستدلال، هو اطراده، ووجود نظير قريب له، ويعتقد أن هذا معدوم في بعض المسائل التي رويت عن الإمام مالك، مثل قتل الثلث لاستبقاء الثلثين.
فرق آخر، يعتقده الجويني بين رأي الشافعية والمالكية في تأصيل قواعد الاستدلال. وذلك عند قوله:
"ويتعلق بالكلام في هذا القسم أمر يتعين الاعتناء به، وهو مزلة مالك، ونحن نقول: إذا ثبت ارتباط حكم في أصل بحكمة مرعية، فيجوز الاستمساك بعينها في إلحاق الفرع بالنصوص عليه في عين الحكم المنصوص، ولا يجوز تقدير حكم آخر متعلق بحكمة تناظر الحكمة الثابتة في الأصل المنصوص عليه، فهذا يجر إلى الخروج عن الضبط، ويقضي في مساقة إلى الانحلال، فإن الحكمة الثانية لو قدرت لدعت إلى ثالثة، ثم لا وقوف إلى منتهى مضبوط".
ثم مثل الجويني بمسألة اللصوص، أحدهما يهدم الحرز، والآخر يسرق ما كان في الحرز، فهل تنتقل حكمة صون الأموال إلى حد قطعهما؟
ويعترف الجويني بالصعوبة الحاصلة إذا كان شخص واحد نقب الحرز، ثم سرق بعد ذلك.
ثم يقول: "القول الممكن في السارق والناقب أن صون الأموال، وإن ثبت فهو مخصوص بالسرقة من الحرز، وليس لنا وضع الحكم والمصالح، ولكن وضعها الشارع اتبعناها... وكل مصلحة مختصة بحكمها، وغاية القياس ضم جزئي في المنصوص عليه إلى القاعدة الكلية".
والذي نلاحظه هنا هو حرص إمام الحرمين على استقلال كل مصلحة مرعية بنص نعين، وإن كان للمجتهد اعتبارها في جميع جزئياتها، فليس له الحق أن يقدر وجود مصلحة تشابهها في مواضع أخرى، وإلا أدى ذلك إلى الخروج عن الضبط، وهو مع ذلك يتبين أن الاقتصار على حرفية المصلحة، قد يقضي إلى التخلص من معناها، بنوع من الحيل، مثل ما هو الحال في مسألة من هدم الحرز ثم سرق المال.
ننتقل بعد آراء الجويني إلى عالم أصولي آخر، وعلم من أعلام الفكر والأصول، أعنى أبا حامد الغزالي، الذي تناول الأصول في عدة مؤلفات معروفة من أشهرها كتابة "المستصفى" الذي لخص فيه زبدة آرائه في الأصول، لكن مسألة المناسبة والإخالة استأثرت بكثير من اهتمامه، فأفرد لها كتابا ضخما، نشر في مجلد في أكثر من 700صفحة، عنوان هذا الكتاب هو: "شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل"، والمخيل يعني به المناسب، وفيه يقول: "أما المناسب المرسل، إذا ظهر في نفس المسألة على مذاق المصالح وهو الذي يعبر عنه الفقهاء بالاستدلال المرسل، وهو التعلق بمجرد المصلحة من غير استشهاد بأصل معين، فهذا ما اختلف فيه رأي العلماء، فالمنقول عن مالك رحمه الله القول بالمصالح المرسلة، ونقل عن الشافعي فيه تردد، وفي كلام الأصوليين نوع من اضطراب فيه، ومعظم الغموض في هذه القواعد منشؤه الاكتفاء بالتراجم والمعاقد دون التهذيب بالأمثلة".
ثم ذكر الغزالي أنه سيمهد لقوله بالأمثلة، وذكر أن المناسب في درجة التحسين والتهذيب غير معتبر، ما لم يعتضد بأصل، وإلا صار استحسانا وتشريعا، أما ما كان في رتبة الضرورات والحاجيات فيجوز الاستمساك إذا كان ملائما لتصرفات الشرع، وإلا كان غريبا غير معتبر، ويبين أن المصلحة تتفاوت ظهورا وخفاء، وعموما وخصوصا.
1- ثم ذكر أمثلة من قضايا الصحابة تستند إلى رعاية المصلحة مثل حد شارب الخمر ثمانين، لقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من شرب سكر، ومن سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى عليه حد المفتري".
وهذه هي المصلحة المرسلة التي يجوز إتباعها.
2- وأنكر إلزام العلماء للسلاطين بالصيام في كفارة رمضان دون العتق، نظرا لمصلحة لم يعتبرها الشارع، وقال: إن هذا تخريف.
3- ولم ينكر الاجتهاد في قتل الزنديق المستتر، وقال: إنه ليس قتلا بمصلحة وإنما قتل بسبب الكفر.
4- وتناول مسألة توظيف الخراج على الأراضي، لتنظيم أمور الولاة في رعاية الجنود لتقوية الإسلام، فهل يجوز توظيف الخراج على الأغنياء مع ظهور وجه المصلحة؟ فللإسلام حق التصرف في النوع، إذا كانت المصلحة ضرورية، ولم يجد بدا من ذلك من استقراض، وحث على تقديم الإعانة للجيش.
5- وينكر العقوبة بالمصادرة، ويؤيد رأي الجويني السابق فيها.
6- كما يتحدث عن افتراض مقتضاه أن يطبق الخراج على الأرض، وقال إنه خراج يجوز حينئذ لكل أحد أخذ قدر حاجته من مأكل وملبس ومسكن، ولا يقتصر على سد الرمق.
7- ويمنع إخراج شخص بالقرعة من سفينة مهددة بالغرق إذا لم يلق أحد راكبيها في البحر، وقال: إنه من أمثلة المصلحة الغريبة التي لا تعتبر.
8- وأيد قتل الجماعة بالواحد، وذكر عن مالك قتل واحد بالقرعة. وهذا غير مشهور مذهبه. وذكر أن المسألة اجتهادية، وأن هذا نظر في طريق رعاية المصلحة، مع الاتفاق على مراعاة المصلحة.
9- ودافع عن عدم قطع الناقب والآخذ، إذا أخذ مقدارا لم يبلغ نصابين.
10- ثم ذكر الاختلاف عن الشافعي في الضرر لمن تمادت في الطهر مدة سنين، أثناء عدتها ولزوجة المفقود، وذلك بسبب اختلاف المصالح.
وكانت خلاصة آرائه، اعتبار المصلحة الضرورية، والمصلحة الظاهرة التي لا يعارضها نص صريح، مع أنه وكل تقدير المصلحة في نظام الأمور إلى المجتهدين.
ونختم القول برأي عالم ثالث من أصوليي الشافعية، وهو فخر الدين الرازي، الذي سبق أن بينا طريق تعريفه للمصالح المرسلة.
وإذا كنا نرى في آراء الغزالي، في كتابه "شفاء الغليل" امتدادا وتطبيقا واضحا، فإن الرازي اعتمد على أقوال الغزالي، لا في "شفاء الغليل"، ولكنه ركز على أقواله في "المستصفى"، وهي أكثر تضييقا لمجال المصلحة، حيث حصرها في الضروريات الكلية، القطعية، وهذا النوع من المصالح لا يدخل في إطار المصالح المرسلة، ولكنه يندرج في نطاق الكليات العامة لمقاصد الشريعة، والشاهد كثيرة على اعتباره، لكن الرازي لم يكتف برأي الغزالي، بل تجاوزه ليعرض ما يرى أنه مذهب مالك، وينتهي بالقول بالمصالح المرسلة.
وهكذا لخص الرازي قول الغزالي وما فهمه من مذهب الإمام مالك على النحو الآتي:
 لقسم الثالث: (من المصلحة هو) ما لم يشهد له بالاعتبار، ولا بالإبطال نص معين فنقول:
قد ذكرنا في كتاب القياس أن المناسبة إما أن تكون في محل الضرورة أو الحاجة أو التتمة، فقال الغزالي رحمه الله:
"أما الواقع في محل الحاجة أو التتمة فلا يجوز الحكم فيها بمجرد المصلحة لأنه يجري مجرى وضع الشرع بالرأي، وأما الواقع في رتبة الضرورة فلا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد. ومثاله: أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من المسلمين، فلو كففنا عنهم أصدمونا، واستولوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين".
"ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما لم يذنب، وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين... فحفظ كل المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع".
وإنما اعتبرنا هذه المصلحة لاشتمالها على ثلاثة أوصاف: وهي أنها ضرورية قطعية كلية. وإذا لم نقطع بتسلط الكفار علينا، لا يجوز القصد إلى الترس. وكذلك قطع المضطر قطعة من فخذه لا يجوز لأنا لا نقطع أنه يعتبر سببا لنجاته، وكذلك تترس الكافر بمسلم، ثم ذكر مسألة السفينة.
وبعد ما ذكر محصل مذهب الغزالي ذكر مذهب الإمام مالك بجواز التمسك بالمصلحة المرسلة، وقال إنه احتج بأن قال: "كل حكم يفرض، فإما يستلزم مصلحة خالية من المفسدة، أو العكس، لا وخاليا منها أو مشتملة عليها، وهذه ثلاثة أقسام، ومع الترجيح والتساوي تصل إلى ستة، وهذه الأقسام هي التي ذكرها الطوفي وتحدثنا عنه من قبل.
ثم يقول الرازي غاية ما في الباب:
أنا نجد واقعة داخلة تحت قسم من هذه الأقسام، ولا يوجد لها في الشرع ما يشهد بها بحسب جنسها القريب كأن لابد وأن يشهد الشرع بحسب جنسها البعيد على كونه خالص المصلحة، أو المفسدة، أو غالب المصلحة، أو المفسدة، فظهر أنه لا توجد مناسبة إلا ويوجد في الشرع ما يشهد لها بالاعتبار، إما بحسب جنسه القريب أو جنسه البعيد.
إذا ثبت هذا وجب القطع لكونه حجة للمعقول والمنقول.
1- فالمعقول: فلأنا إذا قطعنا بأن المصلحة الغالبة على المفسدة معتبرة قطعا عند الشرع، ثم غلب على ظننا أن في هذا الحكم مصلحة غالبة على مفسدته تولد من هاتين المقدمتين ظن أن هذه المصلحة معتبرة شرعا، والعمل بالظن واجب لقوله صلى الله عليه وسلم: أقضي بالظاهر، ولما ذكرنا أن ترجح الراجح على المرجوح من مقتضيات العقول وهذا يقتضي القطع بكونه حجة.
2- وأما المعقول، فالنص والإجماع، أما النص: فقوله: واعتبروا أمر بالمجاوزة، فوجب دخوله تحت النص.
وأما الإجماع فهو أن من تتبع أحوال مباحثات الصحابة علم قطعا أن هذه الشرائط التي يعتبرها فقهاء الزمان في تحرير الأقيسة، والشرائط المعتبرة في العلة والأصل والفرع، ما كانوا يلتفتون إليها، بل كانوا يرعون المصالح لعلمهم بأن المقصد من الشارع رعاية المصالح، فدل مجموع ما ذكرنا على جواز التمسك بالمصالح المرسلة.
المصالح المرسلة عند الحنفية
لم يوثر عن الحنفية الاعتماد في استنباط الأحكام على المصالح المرسلة، ولعل توسعهم في القياس وما ورد عنهم في اعتبار الاستحسان جعلهم لا يحتاجون إلى إعلان التمسك بالمصالح المرسلة.
مع أن الأصوليين مثل ما قال القرافي، يستعملونها معنا، لأنهم في القياس يكتفون بالمناسبة المرسلة، كما ورد عن فقهائهم مجموعة من الأحكام، أو صورت وفقا لمراعاة مصلحة لم يشهد الشرع لاعتبارها منها:
1) إعطاء الصدقة لبني هاشم لأنهم منعوا من الخمس، وهو اجتهاد يخالف ظاهر الحديث الذي يقول: إنها لا تحل لهم.
2) تضمين الصناع إلا في سبب قاهر.
3) جواز تلقي الركبان لأهل السلع إذا ما انتفى الضرر.
4) وافقوا الشافعية في جواز إتلاف مال الغنيمة إذا لم يكن في استطاعة المسلمين نقله، وذلك مخالفة أن ينتفع به الكفار.
5) جواز الوصية من السفيه المحجور إذا كانت في سبيل الخير.

*خاتمة:
القول بالمصالح المرسلة، باعتبارها مناسبة ملائمة يهتدي بها المجتهد الذي استكمل شروط الاجتهاد من علم وورع وذكاء، قد ترشدها إلى استنباط أحكام في حوادث جديدة وفقا لأصول الشريعة الثابتة، ولابد أن تراعى فيها شروط تمنع من اتباع الهوى بغير هدى من الله. وتجنب الأمة من كثرة الاختلاف في الأحكام الذي ينافي مصلحة الأمة، ومن أهم هذه الشروط:
1) أن المصلحة حقيقة معترف بها من أهل الحل والعقد من الأمة، سواء كانت كلية، أو ضرورية بالنسبة للكل والفرد.
2) أن تصدر الفتوى في حكمها من العلماء ذوي الاختصاص، أو من ولاة المؤمنين بعد التأكد من أنها لا تتعارض مع دليل أقوى هو ارتباطها بمعنى المقاصد الشرعية، ومعاني هذه المقاصد منصوصة في الكتاب والسنة.
فالخالق جل وعلا لم يخلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق، بعث الرسل، وأعطاهم البينات لإصلاح الناس، وبين أنه لا يحب الفساد، وأنه لا يحب المفسدين. وحرم قتل النفس إلا بالحق، وشدد في عقوبة الذين يسعون في الأرض فسادا. وأحل الطيبات وحرم الخبائث. والرسول الأكرم أرسل ليتمم مكارم الأخلاق، وكانت حكمه وأقواله وأفعاله كلها رحمة، وتسامح، وهدى، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
فالمصلحة من صميم أمر الشرع جملة، وإذا كان بعض الجزئيات لم يأت نص على فروعها، فإن كل ما شملته المصلحة، دخل في عموم المعنى المنصوص على قصده.
فحينما يقر أمام دولة، بمنع مرور السيارات عند ظهور الإشارة الحمراء، فلابد أن يعتبر هذا الأمر شرعا لحاجة الناس إلى النظام، وللفساد الذي يترتب عن فوضى المرور في الشوارع، وتعرض للحوادث.
وهذا الاعتبار يتناول شروط دخول البلاد ومغادرتها، تأكيدا من هوية المسافرين، الذين قد يكون من بينهم، المجرم الفار من العدالة.
ومن هذا النوع أيضا وضع نظم التوثيق في عقد الزواج، والمعاملات؛ ولابد هنا من مراعاة الجانب التعبدي فيما يخص قضايا الزواج والطلاق، والفرائض حتى لا تتعارض هذه النظم مع النصوص الصريحة.

*) انظر القسم الأول من هذا المقال بالعدد 304 من مجلة دعوة الحق المؤرخ بـ: صفر- ربيع الأول 1415 موافق: غشت – شتنبر 1994.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here