islamaumaroc

كلمات وإشارات-7-

  عبد القادر زمامة

العدد 307 رجب 1415/ دجنبر 1994


19- أصحاب القبرين:
قصة الطرق والزوايا والأضرحة، والحرمات التي كانت تتمتع بها، والكرامات التي كانت تسمع لبعض رجالها، والخطوط المتقاطعة والمتوازية التي كانت لها مع السلطة المركزية بالمغرب... قصة طويلة الذيل، متشعبة المسالك، مختلطة الأوراق، توزعت فصولها كتب التصوف، والتاريخ، والمناقب، والطبقات، والفهارس، وأخذت مضامينها تفسيرات اجتماعية، ودينية، وسياسية شتى. تبعا لثقافة الدارسين ومقاصد الباحثين، لاسيما بع أن طوى الزمان بأحداثه المتتابعة صفحات سابقة ولاحقة من هذه القصة... !
ويجد الباحثون والدارسون أنفسهم – وهم يستعرضون تاريخ المغرب في حقبة معينة بعد انهيار سلطة بني مرين، والزحف الأجنبي، وما صاحبه من ظهور الوطاسيين، ثم السعديين – أمام خريطة ملونة والشواطئ والصحاري، وكل لون يرمز إلى نوع من التكتل لمجابهة ما حل بالمغرب من رواجف وروادف، فيها الطبيعي الذي أبرزته سنوات الجفاف والمسغبة والأوبئة، وفيها السياسي الذي أبرزته المطامح والأهواء. كما أن فيه العدواني الذي أبرزته الحملات البرتغالية والإسبانية على شواطئ المغرب... !
وهذه الخريطة التي تبرز واقع المغرب في هذه الحقبة برسومها وخطوطها وألوانها، نجد لها ظلالا وتفسيرات في بعض الكتب التي ألفها رجال لهم مقاصد شتى ممن عاشوا في هذه الحقبة أو عاشوا بعدها بقليل، وفيهم من كان تابعا للسلطة ورجالها، وفيهم من كان تابعا للزوايا والطرق وأوليائها. وفيهم من كانت لها رغبة في جمع السير، والأخبار، والمناقب، الأسانيد، وطبقات أهل العلم والصلاح وأحوال المعالم، والمدن والقبائل والأنساب وما إلى ذلك من اهتمامات فيها الغث والسمين، والرخيص والثمين.
فالحقبة الزمانية التي تبتدئ بالتقريب من بداية النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، وتستمر مع عقود القرن العار الهجري..(1) هي الحقبة التي شدت الأنظار إلى معطيات ظاهرة النشاط الذي قامت به عدة شخصيات تنتمي إلى عدة زوايا، وترتبط بعدة اتجاهات صوفية وسياسية وقبلية وجهوية.
ومن المفيد هنا أن نجد نصوصا مغربية متعددة تؤرخ لعدة شخصيات لها طنين ورنين ومكانة اجتماعية ودينية في عصرها وبعده... جعلت المؤرخين لها بعد موتها يذكرون قبرين لها في جهتين متقاربتين أو متباعدتين من البلاد المغربية.
وتعليل ذلك حسب الاستقراء والتتبع أن جماعات بشرية كانت لها ارتباطات متعددة، فيها التقدير والمحبة والتماس الخير والبركة، كانت تأبى إلا أن يكون المعني بالأمر مدفونا بالقرب منها...
ولهذا نجد ظاهرة: أصحاب القبرين ظاهرة تستحق البحث والدرس من الناحيتين: التاريخية والاجتماعية في عدة جهات.

20- صاحب مختار الصحاح:
كم كان كتاب "مختار الصحاح" مفيدا ومعينا لناشئة العلم والبحث اللغوي والأدبي، وكم كان الأساتذة والمدرسون يرشدون طلبتهم إلى هذا المعجم الذي جعل المادة اللغوية ميسرة منتقاة، وجعل الشرح والبيان والتمثيل موجزا هادفا معينا على تربية الملكة اللغوية والذوق الأدبي.
وبقدر ما كان هذا المعجم مستعملا وشهيرا عند عامة الباحثين والمتعلمين وخاصتهم بقدر ما كان صاحبه لا تتناوله الألسنة والأقلام والدراسات اللغوية صاحبة الاختصاص إلا بشيء من الحذر والحيطة والتقدير والحدس. بل إن هناك أخطاء شهيرة في الموضوع لا مجال لذكرها في هذه الإشارات، ولولا تلك الرسالة المفيدة التي كتبها الأستاذ عبد الله مخلص، وهو من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق (توفي سنة 1367 هـ / 1974 م) وسماها: "صاحب مختار الصحاح". وحقق معالم ترجمته ورحلاته ومؤلفاته لظل عرضة لكل تخمين وتقدير... ! كما كان منذ قرون... !
فهو من رجال القرن السابع الهجري، وأخباره تنقطع سنة 666 هـ / 1268م، ووفاته تكون بعد هذا التاريخ حيث كان في مدينة "قونية" الشهيرة، واسمه الكامل: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي الحنفي، أصله من الري. وزار مصر والشام ثم قونية (وهي من المدن التركية) الأسيوية، وقد ألف كتاب "مختار الصحاح" سنة 666 هـ، كما ألف كتبا أخرى مفيدة في بابها، وقد خرج بعضها من عالم المخطوطات إلى عالم المطبوعات، وبذلك زدنا علما بالرجل ومكانته العلمية والأدبية واللغوية... كما زدنا تقديرا للقلم الذي كتب "مختار الصحاح".
وينبغي هنا أن نشير إلى الترجمة الوافية المفيدة التي كتبها خير الدين الزركلي في معجم: "الأعلام" الطبعة السادسة سنة 1984م لمؤلف كتاب "مختار الصحاح" واعتمد فيها اعتمادا واضحا على كتبه الأستاذ عبد الله مخلص في رسالته الآنفة الذكر، والتي أحيت موات أخباره وترجمته... !
وهناك – زيادة على "مختار الصحاح" – كتابان مطبوعان من كتب الرازي هما:
1- "مسائل الرازي وأجوبتها من غرائب آي التنزيل".
2- "مغاني المعاني".
والكتاب الأول: يتناول موضوعا من موضوعات علوم القرآن الكريم... وقد عرض فيه المؤلف – غريب القرآن – في المعاني والألفاظ... عرضا طريفا، وبأسلوب أدبي رشيق... ! واستعمل الأسلوب التساؤلي حيث يقدم في العرض قوله: فإن قيل كذا... ويقدم في الإجابة قوله: قلنا كذا... وسار على هذا المنهاج في سور القرآن الكريم كلها من سورة "البقرة" إلى سورة "الناس".
ويشتمل ذلك أكثر من ألف ومائتي سؤال وجواب... فيها المنقول من كتب التفسير... وفيها المبتكر... وأجوبة الرازي، وأسئلة متنوعة: لغة وأدبا وفقها وأصولا، وعقائد وبيانا وتاريخا. وهو فقيه حنفي، لا يحيد عن الموضوعية واللباقة، وحسن الاختيار والتأتي... !
وبذلك كان كتابه هذا من أمتع الكتب لمن أراد أن يتناول تفسير آيات الكتاب العزيز، ويتعمق فيما يعرضه المفسرون من قضايا وآراء وإشكالات متنوعة... ! وقد طبع هذا الكتاب طبعته الثانية بالقاهرة سنة 1406 هـ / 1985م.
والكتاب الثاني: في موضوع "معاني الشعر العربي" وعناصر الجمال والبيان فيه، لفظا ومعنى... وهذا الموضوع تناوله قبل الرازي،  وبعده كثيرون في مجالات مختلفة. وكانت المعاني والتراكيب والألفاظ هي مادة الدراسة والنقد التقليد والإبداع والاقتباس والسرقة الأدبية وما إلى ذلك.
ولا شك أن هذا هو ما عمق ثقافة الشعراء، وجعل كثيرا منهم يطمح إلى الابتكار والتجديد من جهة... كما يطمح من جهة ثانية إلى أن يمتلك مقومات الشاعرية والعناصر الأساسية للفن الشعري، ومحاولة الابتكار والتجديد.
والمؤلف الرازي، وهو من رجال القرن السابع الهجري، وجد أمامه هذا التراكم النقدي، بعضه راجع إلى الشكل، وبعضه راجع إلى المضمون، فجمع من ذلك مختارات طريفة ثم صنفها وسماها: "مغاني ومعاني" أي المجالات والطرائق التي حلق فيها الشعراء بالمعاني الشعرية، وقسمها إلى عشرة فصول، وكل فصل جعله منطلقا إلى ما يناسبه في موضوعه.
وبذلك أبان الرازي عن ثروة شعرية يمتلكها، ويمتلك تحليل عناصر الإبداع والتقليد فيها بين شعراء سابقين ولاحقين.
والرازي الهادف في هذا الكتاب إلى تحقيق وتطبيق القولة الشهيرة: "أفضل الشعر ما كان مؤنث اللفظ، فحل المعنى".
لم يأل جهدا في تقديم النماذج الشعرية الجيدة لتربية الذوق الأدبي، والنقد المنهجي للشعر العربي، مع تعليقات موجزة فيها إشارات  وتلميحات تخص شعراء عاصرهم، أو عاش قريبا من عصرهم، ولاسيما منهم أهل الشام ومصر والأندلس، وأحيانا يقدم مختارات من شعره هو... !
ويمكننا أن نصف عمل الرازي في هذا الكتاب الطريف بأنه انتقاء وانتقاد وتصنيف، وعرض رشيق جيد، وإعجاب بالمبتكرات التي حققها شعراء هنا وهناك... !
فالكتاب من هذه الناحية داخل في موضوع كتب المختارات الشعرية، ولكنه يضيف التعليقات الموجزة، والإشارات المفيدة إلى ما فيها من عناصر: التقليد والإبداع والابتكار والاقتباس.
ويعجبك في الرازي بعده عن الحذلقة والتكلف والتعصب، ونبذه لغريب اللغة وحوشي الألفاظ واهتمامه برشاقة الألفاظ، وجمال المعاني عند تعليقه على المختارات.
والكتاب مطبوع بمصر سنة 1987 بتحقيق الدكتور محمد زغلول سلام.

21- سطوان الدار:
تصادفنا هذه الكلمة في بعض المدن المغربية التاريخية حيث إننا نجد بعض الناس يسمون ذلك المدخل الذي يكون عادة في الدور القديمة البناء فارقا بين الخارج والداخل: سطوان الدار.
والكلمة كانت مستعملة قديما في بعض المدن الأندلسية، وتروج على ألسنة الناس، ومنهم أصحاب الأزجال المعروفة هناك، ويكتبونها على صورتين:
- سطوان الدار...
- وأسطوان الدار...
ولهذا الاستعمال أصداء في الكتب المتعددة، ومن جملتها الكتب التي تعنى بما يسمى: "لحن العامة" وكذلك المعاجم التي تعنى بتكميل المعاجم العربية مثل معجم Doz . ولا بأس هنا أن نشير إلى ما كتبه اللغوي ابن هشام اللخمي السبتي المتوفي سنة 577 هـ / 1181 م في كتابه: "المدخل إلى تقويم اللسان وتعليم البيان" عن كلمة: "أسطوان" فقد قال: "واسمه عند العرب "الدهليز" وهو الممر الذي يكون بين باب الدار ووسطها..."
والرحالة ابن بطوطة يستعمل هذه الكلمة في رحلته: "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار". وكذلك نجد مؤلفين مغاربة يستعملوها ولا يشرحون مدلولها لأنها عندهم من الكلمات المشهورة الواضحة الدلالة.
وعلى كل فكلمة: "السطوان" "وأسطوان" ما يزال بها رمق من الحياة في بعض المدن المغربية.. !


1) توافق هذه الحقبة النصف الثاني من القرن الخمس عشر الميلادي وعقود القرن السادس عشر الميلادي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here