islamaumaroc

حول كتاب "رياض الورد" تأليف محمد الطالب بن الحاج.

  أحمد العراقي

العدد 307 رجب 1415/ دجنبر 1994

كانت الاهتمامات التاريخية المنصبة على العناية بالأنساب والتراجم تشكل حيزا كبيرا من اهتمامات محمد الطالب بن الحاج السلمي الفكرية المختلفة، (1) وقد تعددت مؤلفاته في هذا المجال، ومنها: "الإشراف على من حل بفاس من مشاهير الأشراف" و"نظم الدر واللئال في شرفاء عقبة ابن صوال"، ويأتي في طليعتها كتابه "رياض الورد".
لقد هدف محمد الطالب إلى الترجمة لوالده حمدون بن عبد الرحمن (تـ1232هـ/ 1817م) ترجمة موسعة، (2) فأخذ في تأليف كتاب في الموضوع، هو كتابه المشهور بـ"رياض الورد إلى ما انتمى إليه هذا الجوهر الفرد".
ولهذا الكتاب شهرة، وذكر بين مؤلفات صاحبه، وقد اعتمده عدد من مؤلفي كتب التراجم والطبقات المغربية أمثال الكتاني في "السلوة" والمراكشي في "الإعلام". فقد ذكره الكتاني في آخر كتابه ضمن لائحة الكتب التي نقل عنها غير ما مرة؛ (3) وأشار في موضع آخر منه إلى موضوعه، فأوضح أن صاحبه "تكلم فيه على نسب أبيه أبي الفيض حمدون بن الحاج وما يتعلق به من الولادة إلى الوفاة، وتعرض فيه لذكر شيوخه وتلامذته وما يتبع ذلك". (4) وأما المراكشي فقد قام بتلخيص ما كان موجودا منه في مكتبته، (5) وأورد نقولا منه في مواضع من كتابه. (6)
كما تناوله عدد من الباحثين بالوصف، ولفتوا النظر إلى قيمته المصدرية. فالمستشرق الفرنسي (ليفي بروفنصال) يرى "أن هذا الكتاب، رغم ضيق الموضوع المطروق فيه، يبدو أفيد من أكثر الكتب المخصصة للتعريف بالبيوتات المغربية الكبيرة، ويمكن أن يعد، في هذا الصدد، مماثلا لمرآة المحاسن".
ويتحدث عن مضامينه بقوله: "رتبه على خمسة أبواب مختلفة في الطول:
• الأول: في نسب أسرة ابن الحاج، وأتى فيه بمعلومات عن أسلافه الأولين المنتمين، حسبما يزعمون، إلى قبيلة بني سليم الكبيرة التي كانت معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
• والثاني: في هجرة تلك الأسرة من الحجاز إلى الأندلس.
• والثالث: يحتوي على قائمة الوظائف التي أسندت إلى أبناء الحاج في تلك البلاد.
• والرابع: تعرض فيه، عندما ذكر ظروف استقرار تلك الأسرة بالمغرب الأقصى، إلى الكلام عن طرد المسلمين من الأندلس، وضمنه عدة قصائد نظمت إذ ذاك لوصف ما نزل بهم من مصائب ولبكاء المعاهد والديار.
• تخلص بعد ذلك في الباب الخامس لموضوع الرياض الحقيقي، فذكر من اشتهر بالمغرب من آل حمدود، مسهبا، بوجه خاص، في التعريف بأبي الفضل أحمد بن العربي الحارثي المرداسي السلمي، وبابنه أبي عبد الله محمد، ثم أود في نهاية المطاف معلومات عن حياة أبيه حمدون".
ثم يعقب برأيه في قيمة الكتاب فيلاحظ أن "رياض الورد لا يزيد على كونه مجموعة مقتطفات، ولكنها مقتطفات مفيدة لأنها مستخلصة من وثائق أسروية، وتضم نصوصا نثرية ومقطوعات شعرية جعلت من المؤلف المذكور مرجعا مهما في المجال الأدبي، وتضم بالإضافة إلى ذلك بعض الرسائل الإسماعيلية والسليمانية التي أكسبته قيمة وثائقية لا يستهان بها فيما يخص التاريخ المغربي الحديث". (7)
وأما عبد السلام بن سودة، فإنا نجده يذكر إلى جانب تسمية الكتاب المتداولة تسمية ثانية هي "نيل السرور والابتهاج بترجمة الشيخ حمدون بن الحاج"، ويشير إلى أنه "يقع في مجلد وسط"، وأن مؤلفه قد "رتبه على خمسة أبواب". (8)
واكتفى محمد المنوني بإيراد عنوانه واسم مؤلفه، ونبه إلى أن "المعني بالجوهر الفرد هو الشيخ حمدون بن الحاج والد المؤلف، حيث كان التعريف به الموضوع الرئيسي لرياض الورد، مع إضافة تراجم موسعة لأعلام قبيل المترجم بالأندلس ثم بالمغرب". (9)
وعلى الرغم من ضيق موضوع الكتاب وخصوصيته، فإنه تداولته الأيدي تداولا ملحوظا، يدل عليه تعدد مخطوطاته في بعض المكتبات الخاصة والعامة، توجد منها فيما بلغ إلى علمنا سبع، هذا وصفها.
الأولى: وهي التي كانت في ملك المرحوم محمد بن الفاطمي بن الحاج بفاس، وتقع في 111 ورقة. وقد كتبت بخط مؤلفها، ولعلها مسودته، ذلك أن بها إلحاقات وتشطيبات وبياضات. غير أنها مبتورة الأول، سقط منها مقدار ورقتين، وتبدأ في أثناء الباب الأول من الروضة الأولى عند البيت الشاهد:
فإن تك في سعد العشيرة تلقني                       إلى الغر من قيس بن عيلان مولدي
كما أنها مبتورة الأخير أيضا، تقف في أثناء الباب الثاني من الروضة الثانية عند قوله: "... قال له بطلاقة وجه وبشاشة: عندك على أي وجه نسامحك؟ أعني قرابته بمولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعته".
- الثانية: وهي المحفوظة بالخزانة العامة بالرباط تحت عدد 111د، وتقع في 259 ص. ولعلها أكثر النسخ تداولا بين الباحثين، ذكرها (ليفي بروفنصال) في فهرسه لمخطوطات الخزانة العامة بالرباط، (10)     واعتمدها في وصف الكتاب في "مؤرخو الشرفاء"، (11) وأحال عليها كل من ابن سودة والمنوني. (12) يبدأ متنها بقوله: "إن خير ما سطرته الأقلام حمد الله، والصلاة على سيدنا محمد خير الأنام...". وهو أول مقدمة الكتاب؛ وينتهي بانتهاء الباب الثاني من الروضة الثانية، وذلك بعد إيراد نص لامية الطغرائي، وبعدها "تمت، انتهى بعون الله وتوفيقه الجميل وحسن عونه".
- الثالثة: وهي المحفوظة بالخزانة العامة بالرباط أيضا، وأصلها من المكتبة الكتانية بفاس. وهي بها تحت عدد 2313ك، وتقع في 216 ص: يبدأ متنها بما ابتدأ به متن المخطوطة الثانية، وينتهي أيضا بانتهاء الباب الثاني من الروضة الثانية بعض نص لامية الطغرائي، وبعدها "انتهت".
- الرابعة: وهي المحفوظة بالمكتبة الحسنية بالرباط تحت عدد 12451/1، وأصلها من المكتبة الزيدانية بمكناس، وتقع في 200ص، ويبتدئ متنها بنفس بداية متن الثانية والثالثة، لكنه ينتهي بنفس نهاية متن الأولى مع زيادة كلمتين بعد قوله: "وسمعته" وهما: "في صغرى".
- الخامسة: وهي في ملك الأستاذ محمد المنوني، تقع في 58 ص، ضمن مجموع (378-435). وبداية متنها هي نفس بداية متن المخطوطات الأولى بقليل في أثناء الباب الثاني من الروضة الثانية عند قوله: "... أعطيت له بدرب جنيارة من فاس دار مناصفة بينه وبين العلامة المحقق البليغ أبي عبد الله..."، وهي على العموم ناقصة، يتخللها بتر كثير.
- السادسة: وهي طرف من الكتاب ذكر ابن سودة أنه كان يوجد بخزانته الأحمدية. ولم يبين مقداره، ولا بدايته، ولا نهايته.(13)
- السابعة: وهي التي كانت في ملك العباس ابن إبراهيم المراكشي. ويتبين من وصفه لها الذي أتى به ضمن ترجمته لحمدون بن الحاج أنها ليست سوى طرف من الكتاب، يقتصر على البابين الأول والثاني من روضته الثانية.(14)
ويبدو أن أهمية الكتاب، وتعدد نسخه الخطية، قد لفت الأنظار إليه، فكان موضوع تحقيق من قبل الباحث السعودي الأستاذ محمد صالح سيد أحمد الذي تقدم به سنة 1400هـ/1890م أطروحة لنيل الدكتوراه من قسم دراسات الشرق الأدنى، بجامعة مانشستر، بأنجلترا. وقد اعتمد في تحقيقه على النسخ الخطية الخمس الأولى التي أتينا على وصفها، وجعل أولاها أصلا معتمدا بينها. وقد قدم لعمله بمقدمة في 153 ص، جعلها في ثمانية فصول، تناول فيها التعريف بالطالب بن الحاج وبوالده وبالكتاب ومحتوياته ومصادره، ومقارنته بغيره من الكتب في نفس الاتجاه مثل "مرآة المحاسن من أخبار الشيخ أبي المحاسن" لمحمد العربي الفاسي (تـ1052هـ) و"الروضة المقصودة في مآثر بني سودة" لسليمان الحوات (تـ 1231هـ) و"عناية أولي المجد بذكر آل الفاسي ابن الجد" للسلطان العلوي المولى سليمان (تـ 1238هـ)، وعرف فيها بنسخه الخطية، ثم أورد ضمنها تعليقاته على النص المحقق.(15)
وقد كان لكثرة رجوعنا إلى هذا الكتاب منذ بداية اهتمامنا بالبحث في حياة الشيخ حمدون ابن الحاج وعصره، وأخذنا في تحقيق ديوانه "النوافح الغالية" ثم "ديوانه" لعام، (16) ما جعلنا نلاحظ أنه في الصورة التي هو متداول بها الآن من خلال مخطوطاته المختلفة التي اهتديا إليها غير تام، وأنه ليس سوى جزء ضئيل مما دونه صاحبه منه، وضاع أكثره بعد ذلك، أو على الأقل مما عزم على تدوينه منه، ولم ينجزه ومات دون ذلك على الرغم من أخذه في تأليفه منذ مرحلة مبكرة من حياته، ذلك أنا نعلم من خلال إشارة وردت في أثناء حديثه عن بعض أفراد أسرته المعاصرين له أنه كان منهمكا في تأليفه خلال سنة 1246هـ. (17)، وقد كان آنذاك في ربيعه الخامس والعشرين يزيد عليه قليلا أو ينقص، لأن ولادته فيما كنا رجحناه في بحث سابق واقعة في نهاية العقد الثاني من القرن الثالث عشر الهجري أو بداية عقده الثالث.(18)
إن كتاب فيما هو متداول بين الباحثين في سفر متوسط(19) أو مجلد وسط، (20) غير أنه فيما نرى أضخم من ذلك في أصله بما يفوق ثلاثة أضعاف على الأقل، وليس المعروف سنه الآن إلا بعضه، ويكفي أن نلقي نظرة على محتوياته من خلال استعراض أقسامه المختلفة لنتأكد من ذلك.
وهكذا، فإن الكتاب في أوفر نسخه الخطية مادة، المعروفة لدينا الآن، يحتوي على مقدمة قصيرة جدا جعلها صاحبه في ذكر اهتمامه الباكر بموضوع مؤلفه، وهو نسب والده، ومحاسنه ومآثره، حتى اجتمع له منذ قدر معتبر، وأشار في نهايتها إلى التسمية التي اختارها له، وهي "رياض الورد إلى ما انتمى إليه هذا الجوهر الفرد"، وإلى أنه في خمسة أبواب. ثم تطرق توا إلى الباب الأول، وجعله في "اسمه وكنيته ولقبه ونسبه العريق (21) ومن اتصل نسبه بنسبه واشتهر من الأعلام بشهرته".
وتطرق بعده إلى الباب الثاني، وجعله في "ذكر انتقال سلفه من الحجاز إلى الأندلس، وأول قادم منها إليها كالتاج على الرؤوس، وما أفاد الله به من الخير على طارق بن زياد وموسى بن نصير".
وبعده إلى الباب الثالث، (22) وجعله في "ذكر جملة من هذا القبيل المذكور، وما كانوا عليه في جزيرة الأندلس من السعي المشكور".
وبعده إلى الباب الرابع، وجعله في "انتقالهم من جزيرة الأندلس إلى بر هذه العدوة طلبا للأمن على الأنفس".
وبعده إلى الباب الخامس، وجعله في "ذكر من كان فيهم بعدوة المغرب متصفا بالعلم والصلاح والعرفان والنجاح، من أعقاب الجد القادم عليها، ذي الخلق الأحمد محمد".
وأتى بعد الانتهاء من هذا الباب بقسم جديد من الكتاب سماه "روضة الأقحوان (23) في ذكر حال الشيخ أبي الفيض حمدون في المنشأ والعنفوان"، وأشار إلى أن فيها خمسة أبواب، وتطرق توا إلى الباب الأول منها، وجعله في "نشأته في البداية، ومل من الله عليه من أسرار العلوم في النهاية".
وبعده إلى الباب الثاني، وجعله في "أحواله السنية، وجمل من أخلاقه السنية".
ويتوقف المعروف المتداول من الكتاب بانتهاء هذا الباب، وهو توقف مفاجئ لا يؤذن بنهاية بروضة الأقحوان، إذ لم يؤت بعد ببقية أبوابها الخمسة التي أشير إليها بين يديها. ومن ثم فهو إذن لا يؤذن بنهاية الكتاب الطبيعية. ويؤيد هذا أننا نعثر في أثناء مباحثه على عدد من الإشارات والإحالات إلى مباحث آتية، وإرجاء الحديث عن أشياء معينة إلى مكانها فيها، ومن بينها مثلا قوله في ختام الباب الخامس قبل روضة الأقحوان "وسيأتي إن شاء الله بعض الكلام فيه، زيادة على هذا، في باب التلاميذ". (24)
وقوله في غضون الباب الأول من روضة الأقحوان: "ولعلنا نلم ببعض من ذلك في روضة النسرين، فإن بالوقوف عليه يتعرف بوجوب الرجوع إليه...". (25)
ومن الغريب حقا أننا لم نجد محقق الكتاب، ولا أحدا من بين الذين رجعوا إليه أو اهتموا به وتناولوا وصفه من خلال مخطوطاته المعروفة، يتنبه إلى شيء من هذا القبيل ولا إلى عدم تمامه.
وقد يكون من بين ما جعلهم لا يتفطنون إلى ذلك أن صاحبه لم يأت في مقدمته بذكر خطته فيه، خلافا لما جرت به عادة المؤلفين في مقدمات كتبهم من ذكر أقسام وأبواب ما يرمونه تناوله فيها، أو لعله أن يكون فعل ووق سقط بها ذهب بذلك. غير أن النظر فيها سار عليه بعد المقدمة يفيد أنه قد جعل كتابه في أقسام، سمى كل واحد منها روضة، وقسم كل روضة إلى أبواب.
ومن التقسيم إلى روضات، ومن التسميات التي اختارها له، يتضح جليا أنه قد اتخذ نفس المنوال الذي كان اتخذه من قبل أحمد المقري في تأليف كتابه "أزهار الرياض في أخبار عياض".
وهكذا فقد سمى الأولى: "روضة الورد، في أولية هذا العالم الفرد".
وسمى الثانية: "روضة الأقحوان، في ذكر حاله في المنشأ والعنفوان".
والثالثة: "روضة البهار، في ذكر جملة من شيوخه الذين فضلهم أظهر من شمس النهار".
والرابعة: "روضة المنثور، في بعض ما له من منظوم ومنثور".
والخامسة: "روضة النسرين، في تصانيفه العديمة النظير والقرين"
والسادسة: "روضة الآس، في وفاته وما قابله به الدهر الذي ليس لجرحه من آس".
والسابعة: "روضة الشقيق، في جمل من فوائده ولمع من فرائده المنظومة نظم الدر والعقيق".
والثامنة: " روضة النيلوفر، في ثناء الناس عليه وذكر بعض مناقبه التي هي أعطر من الأذفر".
فعلى مثل هذا المنوال حاول محمد الطالب جعل كتابه أو على الأقل عزم على جعله كذلك، إلا أنه لا يعرف منه بين أيدي الباحثين سوى قسمه الأول أو روضته الأولى وبعض من الثانية.
إن قسمه الأول هو ما ينبغي أن يكون روضته الأولى، ويسمى بـ: "روضة الورد" وفاقا لما هو عليه الأمر في "أزهار الرياض". ونفترض افتراضا أنها كانت تتسمى بذلك، وأن تسميها انتقلت منها إلى عموم الكتاب، مع مراعاة ما يقتضيه مثل هذا الأمر من نقلها من الإفراد إلى الجمع، وذلك إما من باب تسمية الكل بتسمية الجزء؛ وإما لسقط محتل أصاب مقدمته فذهب بموضع تسميته الأصلية، فاستدركها بهذه بعض من وقف على أصله مبتورا.
والذي يجعلنا نميل إلى مثل هذا الافتراض أن نسخة الكتاب التي كتبها المؤلف بيده مبتورة الأول، ذهب البتر لمقدمتها وبطرف من الباب الأول من روضتها الأولى، ففاتتنا بذلك فرصة التأكد من أن التسمية المعروفة الآن لعموم الكتاب هي من وضع صاحبه، وليست من وضع غيره، تجاوز بها السقط الذي قد يكون اعترضه عند النظر فيه، فأخذ تسمية روضته الأولى وهي أغلب ما هو متداول معروف منه وأطلقها عليها. ويؤيد هذا أن دلالة هذه التسمية تطابق محتوى قسمه الأول، أو بالأحرى روضته الأولى. ومعلوم أن محتواها يدور حول أصل المترجم وأوليته ومولده، مثلها في ذلك مثل الروضة الأولى من "أزهار الرياض".
وقد يعزز هذا الذي نذهب إلى افتراضه أن للكتاب تسمية أخرى غير "رياض الورد"، كانت معروفة لدى بعض الباحثين، وهي "نيل السرور والابتهاج بترجمة الشيخ حمدون بن الحاج"، (27) إلا أن أيا من مخطوطاته المتداولة بيننا لا تحمل هذه التسمية.
وأما روضته الثانية فهي "روضة الأقحوان في ذكر حال الشيخ أبي الفيض حمدون في المنشأ والعنفوان"، وهي تحمل نفس تسمية الروضة الثانية في "الأزهار" وتدور مثلها حول نفس الموضوع، ولكنها في "الرياض" غير تامة، توقفت بنهاية بابها الثاني من أبوابها الخمسة المقررة، وبها يتوقف – كما أشرنا إلى ذلك آنفا – المتداول المعروف من الكتاب.
وأما باقي الروضات الست، فمنها ما لا نملك عنه أية إشارة، وهو الحال بالنسبة لثلاث منها، وهي الرابعة والسادسة والسابعة، أي "روضات المنثور والآس والشقيق".
ومنها ما نملك مجرد الإشارة إليه، وهو الحال بالنسبة لواحدة منها، وهي الخامسة، أي "روضة النسرين". وقد تقدم لنا أنه وردت الإشارة إليها في غضون "روضة الأقحوان".
فهذه الروضات الأربع إما أن يكون المؤلف قد أنجزها أو أنجز بعضها، وتعرضت للضياع بعد ذلك؛ وإما أن يكون لم ينجز شيئا منها، في انتظار أن يجمع موادها، فاخترمته المنية قبل كتابتها.
أما الروضة الثالثة، وهي التي ينبغي أن تتسمى بـ "روضة البهار في ذكر جملة من شيوخه الذين فضلهم أظهر من شمس النهار"، فإن هناك ما يحمل على الظن أن المؤلف قد أنجزها وأنها موجودة. ذلك أن الذين ترجموا له يذكرون من بين مؤلفاته فهرسته التي سماها "روض البهار في ذكر شيوخنا الذين فضلهم أجلى من شمس النهار"، غير أنه لم يطلع عليها أحد منهم حتى يعرف بمحتواها، (28) وكان ذكر بعضهم أنه قد سمع بوجودها في مكتبة خاصة بفاس. (29) وفي غياب أي معلومات دقيقة عنها يبقى اتفاقها في التسمية مع تسمية الروضة الثالثة التي كان يقضي بها المنوال الذي سار عليه المؤلف في كتابه يحمل على الظن أنها قد تكون هي الروضة الثالثة نفسها.
وأما الروضة الثامنة، وهي آخر روضات الكتاب، فإنها لحسن الحظ موجودة، (30) معروفة لدى بعض الباحثين. (31) ولكننا – فيما نعلم – لم نجد من نسبها لصاحبها، ولا تفطن إلى أنها روضة من رياض الورد، ذلك أن مخطوطتها الفريدة المعروفة لدينا الآن غفل من اسم صاحبها. وهذه المخطوطة هي المحفوظة بالخزانة العامة بالرباط، ضمن المجموع رقم 383د الذي يضم الديوان العام لحمدون بن الحاج. وتقع في 69 صفحة، بكل صفحة منها سبعة عشر سطرا، ومقياسها 175×220مم، وقد كتبت بخط مغربي مسند، لا بأس به، ولم يذكر فيها اسم ناسخها، ولكنه هو نفس ناسخ الديوان قبلها. ولعله نسخها مباشرة بعده، أي بعد سابع جمادى الأولى من عام 1273هـ، وهو تاريخ الانتهاء من نسخه، وقد يكون تم ذلك قبل وفاة مؤلفها التي كانت في التاسع من ذي الحجة متم نفس العام.
وقد اجتمعت لدينا جملة من القرائن الدالة قطعا على أنها روضة من رياض الورد، وعلى أنها تبعا لذلك للطالب بن الحاج (32)، وتتآزر هذه القرائن من داخل متنها ومن خارجه لتأكيد ارتباطها بالكتاب وبصاحبه.
وأول ما يطالعنا من ذلك تسميتها بـ "روضة النيلوفر في ثناء الناس عليه وبعض مناقبه التي هي أعطر من المسك الأذفر"، وهذه التسمية – كما لا يخفى – تتناسق مع تسمية بعض الروضات السابقة، إن بالفعل كما هو الحال بالنسبة "لروضة الأقحوان"، أو بالإشارة كما هو الحال بالنسبة "لروضة النسرين"؛ كما أنها تحيل على المنوال الذي اقتدى به مؤلفها في عموم كتابه، وهو ما سار عليه المقري في "أزهاره".
ثم إن الموضوع الذي تدور حوله هذه الروضة يصب في الموضوع العام للكتاب، وهو كما تدل عليه تسميتها في ثناء الناس على المترجم حيا وميتا. وتتميز هذه الروضة بغلبة الشعر فيها على ما سواه حتى اعتبرها بعضهم مجرد ديوان أمداح قالها في المترجم بعض علماء فاس من معاصريه. (33) وإذا كان صاحبها لم يلتزم في بنائها العام بما كان التزمه في الروضتين الأولى والثانية من تقسيمهما إلى أبواب، فإن هذا لا يقلل من قرائن ارتباطها بعموم كتابه، خاصة إذا كنا لا نعلم هل التزم بهذا التقسيم، أم تخلى عنه أيضا في باقي روضات الكتاب التي لم تصلنا؟ ولعل مرد تخليه إلى أنه لم يجتمع لديه من مواد موضوع هذه الروضة ما يسمح بتقسيمها إلى أبواب.
ومن بين ما يعزز ما نذهب إليه من ارتباط هذه الروضة بباقي الكتاب ما جاء في مستهلها على لسان صاحبها في شأنها، قال: "أوردتها آخر الكتاب لتكون مسكة ختامه، ويكمل فيها ما يستملح من الكلام نثره ونظمه، ويظفر المحب بمرامه، ويشفي غليل لوعته وغرامه". (34) فهذه الروضة إذن، وإن وردت مستقلة، فإنها كتبت لتكون خاتمة لما تقدمها من الكتاب، فهي ثامن روضاته وآخرها حسب المنوال الذي كتب عليه.
ثم إنا نجد في أثنائها إحالة تؤيد هذا الارتباط، ذلك أن المؤلف أورد عددا من أبيات مولدية والده التي أولها.
طابت بطيب حياتك الأعمار
                      وتضاءلت لضيائك الأقمار
وعقب بعدها بقوله: "وتقدم تمامها عند التعرض للمولديات". (35) فواضح هنا أنه يحيل على موضع تعرضه لمولديات والده من كتابه، ومن المفروض أن يكون ذلك في الروضة التي جعلها في بعض ما له من شعر ونثر. ويقضي المنوال الذي اختاره لكتابه أن تكون هي: "روضة المنثور في بعض ماله من منظوم ومنثور".
كما أنا نجد في أثناء ما تقدمها مما هو بين أيدينا من الكتاب بعض الإحالة عليها؛ وذلك مثل ما جاء في الروضة الأولى ضمن حديثه عن إشارة بعض الشعراء إلى نسبة أسرته السلمية عند إيراد موضع الشاهد من قصيدة لمحمد المفضل جسوس في مدح والده، قال: "ومن ذلك قول العلامة أبي عبد الله محمد المفضل جسوس من قصيدة تأتي...". (36) ونجده فعلا يأتي بها تامة في هذه الروضة ضمن ما قيل في والده من أمداح، وهي القصيدة التي أولها:
يا من تنفس بالمغارب صحبه                     وأضاء منه الشرق حيث أنارا(37)
ومثله أيضا ما جاء ضمن نفس الحديث عند إيراد موضع الشاهد من قصيدة للوزير الشاعر محمد بن إدريس العمراوي يهنئ فيها والده بعيد فطر سنة 1231هـ ويمدحه، قال "ومن ذلك قول صاحبنا الأديب الوزير السيد محمد بن إدريس من قصيدة تأتي. (38) ونجده يأتي بها أيضا تامة في هذه الروض، وهي القصيدة التي أولها:
بوجودكم تتزين الأعياد                  وبمجدكم يتطرز الإنشاد(39)
وبعد، فإن حال كتاب "رياض الورد" شبيهة إلى حد ما بحال كتاب "الأزهار" للمقرئ الذي ضاعت منه، هو أيضا، بعض روضاته، (40) أو إنها لم تكتب بالمرة.
فعسى أن تكشف لنا الأيام عما ضاع منهما، وعسى أن يكون فيما قدمنا بعض الغناء للباحثين في أمر رياض محمد الطالب بن الحاج.



1) تعرضنا لها وللترجمة لصاحبها ولذكر بعض من ترجموا له في بحثنا: "قاضي مراكش محمد الطالب بن الحاج، جانب من اهتماماته الفكرية"، مجلة كلية الآداب بمراكش، ع6، س: 1990، ص: 133-149.
2) ترجمنا له وأوردنا لائحة مفصلة بمصادر ترجمته في الدراسة التمهيدية التي قدمنا بها لتحقيقنا لديوانه النوافح الغالية (رسالة د. د. ع.، كلية الآداب بفاس، 1981)، 44- 72.
3) السلوة، لمحمد الكتاني (ط. حجرية، فاس): 3/ 363.
4) المصدر السابق: 1/ 158، وراجع أيضا: 3/ 5.
5) الإعلام، للعباس بن إبراهيم المراكشي (تح. عبد الوهاب بنمنصور، المطبعة الملكية، الرباط، 74- 1983) = 3/ 118- 120.
6) المصدر السابق: 6/304، 307.
7) مؤرخو الشرفاء، لليفي بروفنصال (تعريب عبد القادر الخلادي، الرباط، 1977) = 248.
8) دليل مؤرخ المغرب الأقصى، لعبد السلام بن سودة (ط 2، الدار البيضاء، 60-1985)= 1/214/215.
9) المصادر العربية لتاريخ المغرب، لمحمد المنوني (ط 1، الرباط، 83-1989) = 2/25-26.
Les manuscrits arabes de Rabat, (Paris, 1930 ; 139).     10)           
11)مؤرخو الشرفاء: 248.
12) الدليل: 1/214-215، والمصادر العربية: 2/26.
13) الدليل: 1/214-215.
14) الأعلام: 3/118-120.
15) وبلغني أنه موضوع تقديم وتحقيق جديدين في إطار رسالة لنيل د. د. ع سجلت بكلية الآداب بالرباط، بتاريخ 18/6/91. (راجع: مجلة كلية الآداب بالرباط. ع 17، س: ص: 183).
 كما أخبرني الأستاذ جعفر بن الحاج السلمي، الأستاذ بكلية الآداب بتطوان، أنه قد انتهى من تحقيقه، وقدمه للطبع.
16) انتهينا من تحقيق الأول سنة 1981، ومن تحقيق الثاني سنة 1992.
17) المخطوطة الأولى: 14 والثانية: 32، والثالثة: 28.
18) قاضي مراكش: 133.
19) مؤرخو الشرفاء: 248.
20) الدليل: 1/215.
21) هكذا في المخطوطة الخامسة، وفي غيرها "الشريف".
22) لم يفرد في المخطوطة الرابعة، وجاء مدموجا ضمن الباب السابق هكذا: "هذا ولنذكر جملة من هذا القبيل..." انظر ص: 43.
23) بياض في المخطوطات الثانية والثالثة والخامسة.
24) المخطوطة الأولى: و88، ظ والثانية: 159، والرابعة: 163، والخامسة: 423.
25) المخطوطة الأولى: و92، ظ والثانية: 197، والثالثة: 166، والخامسة: 428.
26) أزهار الرياض، لأحمد المقري (ج 1، تحقيق: السقاو الأبياري وشلبي، القاهرة، 1939، وج 5، تحقيق عبد السلام الهراس وسعيد أعراب، فضالة، 1980) = 1/17.
27) الدليل = 1/214.
28) فهرس الفهارس، لعبد الحي الكتاني (تحقيق: إحسان عباس، بيروت، 82-1986) = 1/465-466. والإعلام: 6/305: 6/305، والدليل: 2/268.
29) الدليل: 2/298.
30) وقد انتهينا من تحقيقها منذ مدة، وهذا البحث بعض مما نعتزم التقديم لها به.
31) Les manuscrits arabes de Rabat : 114.
والموسوعة المغربية لعبد العزيز بنعبد الله (ط 1 – مطبعة فضالة 766-1980): 1/66.
27) تقدم لنا في أحد هوامش دراستنا التمهيدية لديوان (النوافح الغالية) أن نبهنا إلى أنها من كتاب (رياض الورد)، لا تخرج عن موضوعه ولا عن شكله، مع أنها لم تضم إليه. راجع ص: 44، 1.
28) المصدران الأسبقان.
29) ص: 320.
30) ص: 432.
31) المخطوطة الأولى: و11 ظ.
32) ص: 359.
33) المخطوطة الثانية: 29، والمخطوطة الثالثة: 25.
34) ص: 338.
35) هما روضتا (الآس والشقيق). راجع (الأزهار): 5/79، ها: 170.

36) المخطوطة الأولى: و11 ظ.
37) ص: 359.
38) المخطوطة الثانية: 29، والمخطوطة الثالثة: 25.
39) ص: 338.
40) هما روضتا (الآس والشقيق). راجع (الأزهار): 5/79، ها: 170.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here