islamaumaroc

ابن عطية وتفسيره: المحرر الوجيز.-2-

  عمر الدباغ

العدد 307 رجب 1415/ دجنبر 1994


المنهج العام:
أ‌- مقدمته:

رأى ابن عطية أن المفسر لا يمكنه أن يقدم على عمله التفسيري إلا إذا مهد لذلك بوضع تصور واضح يبين فيه الخطة التي يسير عليها والاتجاه الذي جعله منهجا ليكون ذلك خير رابط بينه وبين من يطلع على تفسيره، ورأى أيضا ضرورة التحدث عن أمور تتعلق بتفسير القرآن كمعنى الأحرف السبعة، وكبيان المراد من الإعجاز القرآني، وغير ذلك من الجزئيات التي سنوضحها في النقط التالية:

1- التمهيد:
في هذا التمهيد يذكر ابن عطية الدافع الذي دفعه إلى تأليف تفسيره، كما يقدم بإيجاز المنهج العام الذي التزمه فقال:
"ثم رأيت أن من الواجب على من احتبى، وتخير من العلوم واجتبى، أن يعتمد على علم من علوم الشرع، يستنفد فيه غاية الوسع، يجوب آفاقه، ويتتبع أعماقه، ويضبط أصوله، ويحكم فصوله... فلما أردت أن أختار لنفسي، وانظر في علم أعد أنواره لظلم رمسي، سبرتها بالتنويع والتقسيم، وعلمت أن شرف العلم على قدر شرف المعلوم، فوجدت أمتنها حبالا، وأرسخها جبالا، وأجملها آثارا، وأسطعها أنوارا، علم كتاب الله جلت قدرته، وتقدست أسماؤه...". (1)
وقال في المنهج:
"وقصدت فيه أن يكون جامعا وجيزا محررا، ولا أذكر من القصص إلا ما لا تنفك الآية إلا به،
وأثبت أقوال العلماء في المعاني منسوبة إليهم على ما تلقى السلف الصالح – رضوان الله عليهم – كتاب الله من مقاصده العربية، السليمة من إلحاد أهل القول بالرموز، وأهل القول بعلم الباطن وغيرهم، فمتى وقع لأحد من العلماء الذين قد حازوا حسن الظن بهم لفظ ينحو إلى شيء من أغراض الملحدين، نبهت عليه، وسردت التفسير في هذا التعليق بحسب رتبة ألفاظ الآية من حكم، أو نحو، أو لغة، أو معنى، أو قراءة، وقصدت تتبع الألفاظ حتى لا يقع طفر كما في كثير من كتب المفسرين. ورأيت أن تصنيف التفسير – كما صنع المهدوي رحمه الله – مفرق للنظر، مشعب للفكر، وقصدت إيراد جميع القراءات مستعملها وشاذها، واعتمدت تبيين المعاني وجميع محتملات الألفاظ، كل ذلك بحسب جهدي وما انتهى إليه علمي، وعلى غاية من الإيجاز وحذف فضول القول". (2)
وقد التزم ابن عطية بهذا المنهج إلا في نسب الأقوال إلى أصحابها، فإنه التزم به إلى حد ما في الآراء النحوية واللغوية والفقهية دون معاني الآيات، إذ كثيرا ما نجده يوردها مسبوقة بـ "قال قوم" أو "قالت طائفة" أو "قيل" إلى غير ذلك من العبارات التي لا تبين عن هوية القائل. (3)

2- باب ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة وعن نبهاء العلماء في فضل القرآن المجيد وصورة الاعتصام به:
أورد في هذا الباب بعض الأحاديث التي تبين فضل القرآن وضرورة التمسك به والاعتناء به، كحديث: "اتلوا هذا القرآن، فإن الله يأجركم بالحرف منه عشر حسنات، أما إني لا أقول: "ألم" حرف، ولكن "الألف" حرف، "واللام" حرف، "والميم" حرف. (4) كما أورد بعض أقوال الصحابة والعلماء في فضل القرآن، من ذلك تفسير أنس بن مالك رضي اله عنه قوله تعالى: (فقد استمسك بالعروة الوثقى) (5) قال: هي القرآن (6) وقول يوسف بن أسباط حين سئل: بأي شيء تدعو إذا ختمت القرآن؟ قال: أستغفر الله من تلاوتي، لأني إذا ختمته وتذكرت ما فيه من الأعمال، خشيت المقت، فاعدل إلى الاستغفار والتسبيح". (7)

3- باب فضل تفسير القرآن والكلام على لغته والنظر في إعرابه ودقائق معانيه:
ذكر ابن عطية بعض أقوال الرسول والصحابة والتابعين والسلف الصالح في الحث على التماس تفسير القرآن، من ذلك حديث "اعربوا القرآن والتمسوا غرائبه، فإن الله يحب أن يعرب"، (8) وقول علي بن أبي طالب: "ما من شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن رأي الرجل يعجز عنه (9) وقول الحسن: "والله ما انزل الله آية إلا أحب أن يعلم فيمن أنزلت وما يعنى بها"، (10) وقول الشعبي: "ورحل مسروق إلى البصرة في تفسير آية، فقيل له: إن الذي يفسرها رحل إلى الشام، فتجهز ورحل إليه حتى علم تفسيرها".

4- باب ما قيل في الكلام في تفسير القرآن، والجرأة عليه، ومراتب المفسرين:
ذكر ابن عطية تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يفسر القرآن بمجرد الرأي، وذلك في حديث: "من تكلم في القرآن برأيه، فأصاب فقد أخطأ". (11) وذكر أنه لا يدخل في هذا الحديث تفسير اللغويين لغته، والنحويين نحوه، والفقهاء معانيه "ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر، فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه". (12)
ثم تكلم عن أئمة التفسير من الصحابة والتابعين وأهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، فذكر عليا وابن عباس وغيرهما من الصحابة، والحسن ومجاهدا وسعيد بن جبير وعلقمة وغيرهم من التابعين، وابن جرير الطبري من المتقدمين، والزجاج وأبا علي الفارسي، والنقاش، والنحاس، ومكي بن أبي طالب، والمهدوي من المتأخرين. وقد ورد ذكر كثير لهؤلاء خلال تفسيره خصوصا في الآراء اللغوية والنحوية.(13)

5- باب معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه": (14)
روى الأقوال التي قيلت في معنى هذا الحديث، معقبا على كل واحد منها، ثم مال إلى الرأي الذي مضمونه أن "معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" أي فيه عبارات سبع قبائل بلغة جملتها نزل القرآن، فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش، ومرة بعبارة هذيل، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز في اللفظة... ولم تقع الإباحة في قوله عليه السلام: "فاقرأوا ما تيسر منه" بأن يكون كل احد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه، ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن... وإنما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنبي عليه السلام ليوسع بها على أمته"، (15) ثم ذكر قصة كتابة المصحف من طرف عثمان رضي الله عنه مخافة الفتنة وسدا للذريعة، وبعد ذلك عرف بالقراءات السبع حتى لا يتوهم بأنها هي المقصودة من الأحرف السبعة.

6- باب ذكر جمع القرآن وشكله ونقطه وتحزيبه وتعشيره:
ذكر ابن عطية قصة جمع القرآن في عهد أبي بكر وكتابته في عهد عثمان، وذكر قول القاضي أبي بكر بن الطيب (16) في ترتيب السور إذ يرى أنه من تلقاء زيد بن ثابت الذي أمر بجمع القرآن، ثم ذكر الأقوال التي قيلت في شكل القرآن ونقطه، فهناك من نسبه إلى  الحجاج، وهناك من نسبه إلى أبي الأسود الدؤلي وغيرهما، وكذلك ما قيل في وضع الأعشار.

7- باب في ذكر الألفاظ التي في كتاب الله وللغات العجم بها تعلق: (17)
خلاصة رأي ابن عطية في هذه المسألة هي أ القرآن نزل بلسان عربي مبين، فليس فيه لفظة تخرج عن كلام العرب، فلا تفهمها إلا من لسان آخر، وأما الألفاظ التي فسرها الصحابة بالاستعانة بلغات أخرى كقول ابن عباس في القسورة إنها الأسد بلغة الحبشة، فهي في الأصل أعجمية، لكن استعملها العرب في أشعارها ومحاوراتها وعربتها، فهي عربية بها الوجه، ثم استبعد قول الطبري بأن اللغتين اتفقتا في هذه الألفاظ.

8- نبذة مما قال العلماء في إعجاز القرآن:
ذكر بعض آراء العلماء في الإعجاز، ثم رجح "القول الذي عليه الجمهور والحذاق، وهو الصحيح في نفسه أن التحدي إنما وقع بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه"، (18) ثم أبطل قول المعتزلة بالصرفة، وبين صورة قيام الحجة بالقرآن على العرب بأنه لما جاء محمد صلى الله عليه وسلم به وقال: (فاتوا بسورة من مثله) (19) عجز كل فصيح منهم عن الإتيان بمثله، فقامت الحجة عليهم وعلى العالم لأن العرب كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة، كما قامت الحجة بالطب في رسالة عيسى، وبالسحر في رسالة موسى عليهم الصلاة والسلام.

9- باب في الألفاظ التي يقتضي الإيجاز استعمالها في تفسير كتاب الله تعالى:
يظهر من خلال هذا الباب حرص ابن عطية على تتبع منهج أهل السنة بعدم التجرؤ على أسماء الله وصفاته أفعاله، فلا يريد أن يصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك اعتذر لنفسه وللمفسرين عامة من استعمال عبارات مثل: حكى الله تعالى عن أم موسى أنها قالت: "قصيه" (20) أو غير ذلك من إسناد أفعال إلى الله لم يأت إسنادها بتوقيف من الشرع. ثم قال: "وأنا أتحفظ منه في هذا التعليق جهدي، لكني قدمت هذا الباب لما عسى أن أقع فيه نادرا، واعتذارا عما وقع فيه المفسرون من ذلك". (21)

10- باب في تفسير أسماء القرآن وذكر السورة والآية: (22)
فسر ألفاظ القرآن والكتاب والفرقان والذكر مستشهدا بأقوال العلماء وبأشعار العرب، ثم فسر بنفس المنهج السورة والآية.
وقد بدأت معالم منهج ابن عطية في التفسير تنجلي منذ هذا الباب الذي بدأ فيه مباشرة العملية التفسيرية، فلمسنا من خلال هذا الباب ابن عطية اللغوي المطلع، والحافظ للأشعار والشواهد وآراء العلماء.

11- باب القول في الاستعاذة:
ذكر إجماع العلماء على استحسان التعوذ والتزامه في كل قراءة في غير صلاة، واختلافهم في التعوذ في الصلاة، وبين ألفاظ الاستعاذة ومعناها، والأقوال التي قيلت في أصل كلمة الشيطان.
ومن الجدير بالذكر في هذا الباب، ملاحظة أن ابن عطية لا يكتفي بإيراد أقوال العلماء بصفة جافة بل تظهر شخصيته من خلال التعاليق التي يعلق عليها كما جاء في لفظ الاستعاذة: "وأما المقرئون فأكثروا في هذا من تبديل الصفة في اسم الله تعالى، وفي الجهة الأخرى قول بعضهم: أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد، ونحو هذا مما لا أقول فيه نعمت البدعة، ولا أقول إنه لا يجوز". (23)

12- تفسير باسم الله الرحمن الرحيم:
يخصص لها بابا مستقلا لأنها تتكرر في بداية كل سورة، ولأنها ليست آية من الفاتحة على قول الجمهور، وقد ضعف الرأي القائل بكونها آية، وأول الحديثين اللذين يقتضيان أنها آية، وعارضهما بأحاديث صحيحة، والإجماع الحاصل في عدد آيات الفاتحة.
ثم تناول البسملة بالتفسير بعد أن ذكر فضلها متبعا بذلك المنهج العام، الذي سنحاول إبانته في النقط التالية:

ب- ما يتعلق بالسور:
تتبعنا منهج ابن عطية في تقديم السور، ووجدناه يذكر لكل سورة النقط التالية بالترتيب، إذا وجد فيها خبرا وإلا اقتصر على النقطة الأولى:


1) الإشارة إلى كون السورة مكية أم مدنية
يقصد بالمكي ما نزل من القرآن قبل الهجرة، وبالمدني ما أنزل بعدها، وهذا ما يفهم من صريح عبارة ابن عطية نفسه، بعد أن ذكر أن سورة المائدة مدنية بإجماع قال: "ومن هذه السورة ما أنزل في حجة الوداع، ومها ما أنزل في عام الفتح وهو قوله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم) الآية، وكل ما نزل من القرآن بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فهو مدني سواء ما نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار أو بمكة، وإنما يوسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة". (24)
وفي منهجه إذا لم يكن هناك خلاف اقتصر على ذكر السورة أمكية هي أم مدنية، كما هو الحال بالنسبة لسورة "آل عمران" مثلا حيث قال: "هذه السورة مدنية بإجماع فيما علمت" (25) وإن كان بعضها مكيا وبعضها مدنيا بين ذلك.
وأورد أقوال السلف فيه، كسورة "لقمان" حيث قال: "هذه السورة مكية غير آيتين. قال قتادة: أولاهما: (ولو أن في الأرض من جرة أقلام والبحر يمده من بعده) (26) الآية.  وقال ابن عباس: ثلاث آيات أولاهن (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام). (26).
ونلاحظ أنه لا يرجح إن لم يكن هناك مرجح، اللهم إن كان ترجيحا ضمنيا كما يفهم من تقديمه لسورة "الفاتحة" حيث قال: "قال ابن عباس، وموسى بن جعفر عن أبيه، وعلي بن الحسين، وقتادة وأبو العالية، ومحمد بن يحيى ابن حيان: إنها مكية، ويؤيد هذا، أن في سورة الحجر (ولقد أتيناك سبعا من المثاني). والحجر مكية بإجماع، وفي حديث أبي بن كعب أنها السبع المثاني، والسبع الطال، نزلت بعد الحجر بمدد، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة، وما حفظ أنها كانت قط في الإسلام صلاة بغير (الحمد لله رب العالمين)، وروي عن عطاء بن يسار، وسوادة بن زياد، والزهري محمد بن مسلم، وعبد الله بن عبيد بن عمير، أن سورة الحمد مدنية" (27) فهو لم يرجح صراحة أنها مكية، ولكنه أتى بقرائن توحي بذلك.

2) اسم السورة:
بعد ذلك يذكر أسماء السورة مع تعليل لها إن أمكن ذلك، مثال ذلك قوله في الفاتحة: "وأما أسماؤها فلا خلاف أنها يقال لها فاتحة الكتاب لأن موضعها يعطي ذلك، وقال البخاري: سميت أم الكتاب لأنها يبدأ بكتابتها في المصحف وبقراءتها في الصلاة، وقال الحسن بن أبي الحسن: (28) إسمها أم القرآن، وأما الثاني فقيل سميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة، (29) وقيل سميت بذلك لأنها استثنيت لهذه الأمة، فلم تنزل على أحد قبلها ذخرا لها". (30) وقوله في البقرة: "ويقال لسورة "البقرة"، "فسطاط القرآن" وذلك لعظمها وبهائها وما تضمنت من الأحكام والمواعظ". (31) وقوله في سورة "آل عمران": "وذكر النقاش أن اسم هذه السورة في التوراة طيبة". (32)

3) فضل السورة:
ثم يذكر الأحاديث التي وردت في فضل السورة، ويحرص على اختيار الصحيح منها، فمن ذلك مثلا ما جاء في فضل الفاتحة حيث قال (33): "وأما فضل هذه السورة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بن كعب أنها لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها". (34) ومن ذلك ما جاء في فضل سورة البقرة فقد قال: "وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يجيء "البقرة" و "آل عمران" يوم القيامة كأنهما آيتان بينهما شرف أو غمامتان سوداوان، أو كأنهما ظلة من طير صواف تجادلان عن صاحبهما"، (35) وفي البخاري أنه عليه الصلاة والسلام قال: "من قرأ بآيتين من آخر سورة "البقرة" في ليلة كفتاه"، (36) وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (37) "البيت الذي تقرأ فيه سورة "البقرة" لا يدخله الشيطان". (38)
وقد يستشهد في فضل السورة بأقوال الصحابة، كما جاء في تفسير سورة "الأنعام": "قال ابن عباس: نزلت سورة "الأنعام" وحولها سبعون ألف ملك لهم زجل يجأرون بالتسبيح"، (39) إلا أن مثل هذه الأحاديث الموقوفة المتعلقة بأمور الغيب تعد في أصول الحديث في عداد الأحاديث المرفوعة.
4) عدد آي السورة:
ذكر عدد آي "الفاتحة" في آخر تفسير إياها، بينما ذكر عدد آي "البقرة" في مطلع التفسير بعد ذكر النقط السالفة الذكر.

5) فوائد أخرى:
دائما قبل تفسير أول آية في السورة قد يذكر ابن عطية بعض الفوائد التي تتعلق بالسورة المفسرة، كاحتواء "البقرة" على آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) (40) وإنها نزلت في مدد شتى (41) وكنزول سورة "المائدة" على رسول الله صلى الله عليم وسلم عند منصرفه من الحديبية (42) وكنزول سورة الأنعام بمكة ليلا جملة واحدة إلا ست آيات. (43)

ج- ما يتعلق بالآيات:
1- تقسيم الآيات والسور:
لا يفسر ابن عطية السورة آية آية، ولكنه تارة يورد آية واحدة، وتارة يورد آيتين أو أكثر، وتارة لا يورد إلا بعض الآية، وذلك حسب كثرة الكلام، الذي يتعلق بالمادة المفسرة، أو قلته.
ففي سورة "البقرة" مثلا يورد تفسير الآية التالية:(الذين يومنون بالعيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) (44) ثم يتبعه بتفسير الآيتين التاليتين معا من قوله: (والذين يومنون) إلى (المفلحون). (45) وعندما يصل إلى آية الكرسي، فإنه يقسمها إلى قسمين: الأول من بداية الآية إلى قوله: (وما خلفهم) (46) والثاني من قوله: (ولا يحيطون) إلى آخر الآية. (47)

2- فضل الآية أو الآيات:
إذا ورد خبر في فضل آية أو آيات من القرآن، ذكر مضمونه أو نصه قبل بداية التفسير أو في آخره، وهكذا يقول في بداية تفسير آية الكرسي: "هذه سيدة القرآن، ورد ذلك في الحديث، وورد أنها تعدل ثلث القرآن، وورد من قرأها أول ليلة لم يقربه شيطان، وكذلك من قرأها أول نهاره، وهذه متضمنة التوحيد والصفات العلى". (48)
وفي نهاية تفسير خواتم "البقرة"، ذكر فضل هاتين الآيتين: "روع أبو مسعود عقبة بن عمر عن النبي صلى عليه وسلم انه قال: من قرأ الآيتين ن آخر سورة "البقرة" في ليلة كفتاه"، يعني من قيام الليل وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ما أظن أحدا عقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما". وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أه قال: "أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة "البقرة" من كنز تحت العرش لم يوتهن أحد قبلي". (49)

3- أسباب النزول:
إذا ورد خبر سبب نزول آية أو آيات ذكره، وكثيرا ما يستعين به تفسير معنى الآية أو الآيات، وإذا وردت أسباب مختلفة ذكرها، ووجه كل واحد منها، دون أن يرجح إن لم يكن هناك مرجح، من ذلك تفسيره لقول الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تمضوا فيه). (50) فذكر اختلاف المتأولين في المراد بهذا الإنفاق: هل هو الزكاة المفروضة أم التطوع؟ فأورد رأي علي وغيره، بأنها الزكاة المرفوضة، وختم ذلك بقوله: "فالأمر على هذا القول للوجوب" (51) ثم ذكر رأي البراء بن عازب وغيره بأن الآية في التطوع، ولتعضيد هذا القول جاء بحديث يبين سبب نزول الآية فقال: "وروى البراء بن عازب وعطاء بن أبي رباح ما معناه: أن الأنصار كانوا أيام الجداد يعلقون أقناء التمر في حبل بين أسطوانتين في المسجد، فياكل من ذلك فقراء المهاجرين، فعلق رجل حشفا فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بيسما علق هذا، فنزلت الآية، وعلق على ذلك بقوله: "والأمر على هذا القول على الندب" (52) ولم يرجح أحد القولين.
ومن ذلك أيضا تفسيره لقوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)(53) حيث أورد عشرة أسباب لنزول رواية عن بعض الصحابة والتابعين وبعض المفسرين دون أن يرجح أيا منها. (54)

4- إيراد القراءات وتوجيهها:
لقد التزم ابن عطية بمنهجه في هذا الباب، فقد أشار في مقدمة تفسيره أنه قصد إيراد جميع القراءات مستعملها وشاذها، (55) وقد بين فعلا بأنه على علم بهذا الفن، وبرهن على سعة إطلاعه فيه، ولم يكتف بذكر القراءات المختلفة التي جاءت في آية ما، بل يوجهها من الناحية النحوية واللغوية والتفسيرية ما أمكن ذلك، ثم إنه يبدأ بالقراءات المشهورة ويتبعها غيرها مسندا كل قراءة أو رواية إلى صاحبها.
وفيما يلي أمثلة لإيراد القراءات:
المثال الأول: في (ملك يوم الدين) قال: "واختلف القراء في (ملك يوم الدين)، فقرأ عاصم والكسائي: "مالك يوم الدين"، قال الفارسي، وكذلك قرأها قتادة والأعمش، قال مكي: "وروى الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها كذلك بالألف، وكذلك قرأها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وطلحة والزبير رضي الله عنهم". وقرأ بقية السبعة: (ملك يوم الدين)، وأبو عمرو منهم يكسن اللام فيقرأ: "ملك يوم الدين" هذه رواية عبد الوارث عنه، وروي عن نافع إشباع الكسرة من الكاف في ملك، فيقرأ "ملكي" وهي لغة للعرب ذكرها المهداوي، وقرأ أبو حيوة "ملك" بفتح الكاف وكسر اللام، وقرأ ابن السميفع، وعمر بن عبد العزيز، والأعمش، وأبو صالح السمان، وأبو عبد الملك الشامي "مالك" بفتح الكاف، ثم يعلق على هاتين القراءتين الأخيرتين، فيقول: "وهذان على النداء ليكون ذلك توطئة لقوله إياك".
ويستمر في إيراد القراءات الشاذة: "وقرأ يحيى بن يعمر والحسن بن أبي الحسن، وعلي بن أبي طالب (ملك يوم الدين) على أنه فعل ماض، وقرأ أبو هريرة "مليك" بالياء وكسر الكاف. (56) بعد ذلك يوجه كل من القراءتين المشهورتين "ملك" و"مالك"، ويميز بين "الملك" بالكسر و"الملك" بالضم، ويورد ما جاء في اختيار أو ترجيح قراءة على أخرى في مناقشة استغرقت قرابة خمس صفحات. (57)
المثال الثاني: في قراءة "يكذبون" في الآية: (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) (58) قال:
"وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر "يكذبون" بضم الياء وتشديد الذال، وقرأ الباقون بفتح الياء وتخفيف الذال، ثم يوجه القراءتين فيقول: "والقراءة بالتثقيل يؤيدها قوله تعالى قبل: (وما هم بمومنين)، فهذا إخبار بأنهم يكذبون، والقراءة بالتخفيف يؤيدها أن سياق الآيات إنما هو إخبار بكذبهم، والتوعد بالعذاب الأليم متوجه على التكذيب وعلى الكذب في مثل هذه النازلة، إذ هو منطو على الكفر، وقراءة التثقيل أرجح". (59)

5- عرض أقوال الفسرين:
يعتمد ابن عطية على تفسير الآيات على التفسير بالمأثور، والتفسير اللغوي، والتفسير الفقهي، والتفسير المستمد من بعض العلوم الأخرى، وسنتعرض إلى كل واحد من هذه الجوانب فيما بعد، وهدفنا في هذه النقطة هو أن نبين طريقته في عرض أقوال المفسرين المتعلقة بكل هذه الجوانب.
لقد أسلفنا قول ابن عطية في مقدمته: "وأثبت أقوال العلماء في المعاني منسوبة إليهم" (60) وقد برهن على أنه على إطلاع كبير وواسع بأقوال وتفاسير من سبقوه، وهذا ما أدى بأبي حيان إلى القول بأن كتاب ابن عطية أنقل، وأجمع، وأخلص من كتاب الزمخشري، إلا أنه لا يلتزم دائما بنسب الأقوال إلى أصحابها، بل كثيرا ما نجده يورد بعض الآراء بصيغة "قال قوم" أو "قالت طائفة" أو "قيل" دون ذكر القائل، وذلك خصوصا فيما يتعلق بمعاني الآيات، وإذا لم يكن هناك مرجع، فإنه يكتفي بإيراد مختلف الأقوال مع إيضاحها في بعض الأحيان، ولكنه كثيرا ما نجده يضعف بعض الأقوال أو يرجح بعضها على بعض، إما على لسان علماء آخرين وإما بنفسه، وحينئذ يقول هذه العبارة قبل إيراد رأيه. قال القاضي أبو محمد: وقد يوفق بين مختلف الآراء رغم تباينها في الظاهر.
وفيما يلي أمثلة لعرض أقوال المفسرين.

أولا: بدون ترجيح صريح:
المثال الأول في التفسير اللغوي، قال: "اختلف النحويون في لفظ "الناس" فقال قوم: هي من نسي، فأصل ناس نسي، قلب فجاء نيس، تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فانقلبت ألفا فقيل ناس، ثم دخلت الألف واللام، وقال آخرون "أصل ناس: أناس دخلت الألف واللام فجاء الأناس، حذفت الهمزة فجاء الناس، أدغمت اللام في النون لقرب المخارج". (61)
المثال الثاني في التفسير بالمأثور لقوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان)، (62) قال: "قال ابن زيد والسدي:  المراد من كان في عهد سليمان، وقال ابن عباس: المراد من كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل الجميع". (63)

ثانيا: بترجيح أحد الأقوال في تفسير كلمة الصلاة:
قال: "والصلاة مأخوذة من صلى إذا دعا.. وقال قوم هي مأخوذة من الصلا، وهو عرق في وسط الظهر، ويفترق عند العجب، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل، لأنه يأتي مع صلوي السابق، فاشتقت الصلاة منه، إما لأنها جاءت ثانية للإيمان، فشبهت بالمصلي من الخيل، وإما لان الراكع والساجد تثنى صلواه.
قال القاضي أبو محمد: "والقول إنها من الدعاء أحسن" وقد يأتي الترجيح ضمنيا غير صريح الإكثار من التعليلات المعتمدة لقول معين (64) أو بعرضه بصيغة "قال الحذاق". (65)

ثالثا: بإضعاف أحد الأقوال:
وذلك في تفسير قوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه) (66) قال: "ولا ريب فيه معناه لا شك فيه ولا ارتياب به، والمعنى انه في ذاته لا ريب فيه وإن وقع ريب للكفار، وقال قوم: "لفظ قوله لا ريب فيه لفظ الخبر ومعناه النهي، وقال قوم: "عموم يراد به الخصوص أي عند المومنين، قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، (67) ورد على الطبري في عدة أماكن، كما لاحظ ذلك الذهبي في كتابه: "التفسير والمفسرون"، (68) ويمكن أن نستدل على ذلك بما جاء في تفسير سورة "الفاتحة" أثناء تحديد معنى الحمد، والتحدث عن الفرق بينه وبين الشكر، فقد قال: "وذهب الطبري إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد، وهذا غير مرض (69) وكذلك قوله: "وهذا غير شاف" ردا عليه في تفسير المغضوب عليهم و الضالين. (70) وله عبارات أخرى تفيد إضعاف الأقوال الموردة مثل: وهذا تخصيص لا دليل عليه، (71) وقول ابن زيد ليس بالقوي (72) إلى غير ذلك.

رابعا: التوفيق بين الأقوال:
ومن ذلك تعليقه على الأقوال التي قيلت في معنى الصراط المستقيم حيث قال: قال علي بن أبي طالب هو القرآن، وقال جابر: هو الإسلام، وقال أبو العالية: هو رسول اله صلى الله عليه وسلم وصاحباه أو بكر وعمر، قال بعد ذلك ابن عطية: "ويجتمع من هذه الأقوال كلها أن الدعوة إنما هي في أن يكون الداعي على سنن المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين في معتقداته، وفي التزامه لأحكام شرعه، وذلك هو مقتضى القرآن والإسلام، وهو حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه"، (73) وكذلك تعليقه على الأقوال التي قيلت في الغيب من قوله تعالى: (الذين يومنون بالغيب) (74) وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها، (75) وكذلك في تفسير الإنفاق من نفس الآية. قال بعد إيراد أقوال المفسرين: "والآية تعم الجميع، وهذه الأقوال تمثيل لا خلاف". (76)
وفي تتمة بحثنا هذا سنتحدث – إن شاء الله – عن منهجه في التفسير بالمأثور، وفي التفسير اللغوي والفقهي، والتفسير المستمد من علوم أخرى وبذلك سنكون قد قدمنا نظرة موجزة حول هذا التفسير القيم الذي يمثل روح الثقافة الإسلامية على أحسن وجه.

*) هذا البحث تابع للمقال السابق الذي عرفنا فيه بابن عطية وتفسيره.
1) ج: 1، ص: 3.
2) ج: 1، ص: 5.
3) انظر أمثلة لذلك في باب (عرض أقوال المفسرين) من هذا البحث.
4) أخرجه الترمذي في صحيحه بتغيير بعض ألفاظه، وقال: حديث حسن صحيح، كما أخرجه الدارمي في سننه.
5) سورة البقرة _ الآية: 256.
6) ج: 1، ص: 6.
7) ج: 1، ص: 13.
8) الجزء الأول صفحة 114 ونقل المحققون عم مجمع الزوائد للهيثمي أن هذا الحديث مروي عن أبي يعلى وعن البيهقي.
9) ج: 1، ص: 16.
10) ج: 1، ص: 15.
11) ج: 1، ص: 17. أشار محققو التفسير إلى أن الترمذي قال عه: إنه حديث غريب، وأن بعض أهل العلم تكلموا في أحد رواته وهو سهيل بن أبي حزم.
12) انظر مثلا صفحات: 66-67-68-79 من الجزء الأول.
13) انظر مثلا صفحات: 66-67-68-79 من الجزء الأول.
14) الجزء الأول ص: 21 متفق عليه.
15) ج: 1، ص: 29-30.
16) الباقلاني.
17) ج:1، ص: 36.
18) ج:1، ص: 38.
19) سورة البقرة _ الآية: 23.
20) سورة القصص _ الآية: 11.
21) ج:1، ص: 42.
22) ج: 1، ص: 45.
23) ج: 1، ص: 49.
24) ج: 5، ص: 5.
25) ج: 3، ص: 5.
26) ج: 13، ص: 7 _ سورة لقمان _ الآية: 27.
27) ج: 1، ص: 61.
28) يعني البصري.
29) صحيح المحققون للكتاب ذلك بقولهم: الصواب لأنها تثنى في الصلاة.
30) ج: 1، ص: 61، 62.
31) ج: 1، ص: 93.
32) ج: 3، ص: 5.
33) ج: 1، ص: 62.
34) الحديث أخرجه الترمذي والنسائي ولفظه: والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها وهي السبع المثاني والقرآن العظيم.
35) أصله في صحيح مسلم.
36) أخرجه أيضا أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي.
37) ج: 1، ص: 94.
38) أخرجه الترمذي عن أبي هريرة وأوله: لا تجعلوا بيوتكم مقابر وقد صدر به أبو القاسم محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الغافقي الغرناطي فصل سورة "البقرة" من كتابه: فضائل القرآن صفحة 220 من المجموع المخطوط المسجل بخزانة القرويين تحت رقم 1793.
39) ج: 1، ص: 1.
40) سورة البقرة _ الآية: 281.
41) ج: 1، ص: 93.
42) ج: 5، ص: 5.
43) ج: 6، ص: 1.
44) ج: 1، ص: 99. سورة البقرة_ الآية:3.
45) ج: 1، ص: 103. سورة البقرة_ الآيتان 4، 5,
46) ج: 2، ص: 274.
47) ج: 2، ص: 277.
48) ج: 2، ص: 274.
49) ج: 2، ص: 294.
50) سورة البقرة _ الآية: 26.
51) ج: 2، ص: 322.
52) ج: 2، ص: 323.
53) سورة البقرة _ الآية: 115.
54) ج: 1، ص من 335 إلى 337.
55) انظر النقطة الأولى من مقدمة هذا البحث.
56) ج: 1، ص: 66-67-68.
57) ج: 1، ص من 68 إلى 72.
58) ج: 1، سورة البقرة _ الآية: 10.
59) ج:1، ص: 117.
60) ج:1، ص: 5.
61) ج:1، ص: 111.
62) سورة البقرة _ الآية: 102.
63) ج:1، ص: 305.
64) ج: 1، ص: 61.
65) ج: 2، ص: 335.
66) سورة البقرة _ الآية: 2.
67) ج: 1، ص: 98.
68) التفسير والمفسرون: ج: 1، ص: 340.
69) ج: 1، ص: 63.
70) ج: 1، ص: 88.
71) ج: 1، ص: 120.
72) ج: 1، ص: 323.
73) ج: 1، ص: 80.
74) سورة البقرة _ الآية: 3.
75) ج: 1، ص: 100.
76) ج: 1، ص: 102.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here