islamaumaroc

القصص القرآني وإشكالية التصنيف بين المحكم والمتشابه.

  محمد إقبال عروي

العدد 307 رجب 1415/ دجنبر 1994

تهدف هذه الدراسة إلى إثارة إشكالية تصنيف القصص القرآنية في خانة المحكم أو المتشابه، وتنطلق تحليلا ونقدا، مما تثيره بعض الدعاوي المعاصرة، (1) لتقوم بحفريات نصية داخل متن الأصوليين من أجل استجلاء اختياراتهم في الموضوع.

1- تحديد المفاهيم:
يتضمن العنوان أعلاه مصطلحين مركزيين يحتاجان إلى فضل بيان، وهما: "القصة" و"المتشابه".
بالنسبة للمصطلح الأول، تنبع ضرورة تحديده من اعتبارين اثنين:
أولهما: إضافته إلى خطاب الوحي.
وثانيهما: تداول تعريف معين لمفهوم القصة في النقد الأدبي الحديث.
فلا شك أن إضافة مصطلح القصة إلى القرآن يجعل الدارس يتساءل عن الاعتبار الذي من أجله تتم تلك الإضافة، أهي إضافة مقصورة على المعنى التداولي لكلمة "القصة" زمن نزول الوحي؟ أم أنها تمتد لتشمل الدلالات الحادثة في العصر الحديث؟ ولعل هذين السؤالين يطرحان إشكالية تحديد دلالة القصة في اتجاهين اثنين: اتجاه قديم يرتد إلى زمن الوحي، واتجاه حديث يستقر في كتابات النقاد المعاصرين.

أ‌- حول مفهوم القصة:
وردت لفظة "القصة" في القرآن ستا وعشرين مرة، سبع مرات بصيغة "القصص"، وتسع عشر مرة أفعالا، منها أربعة في الماضي، واثنان في الأمر، والباقي في صيغة المضارع. وهذا العدد يدل على أن مصطلح "القصة" كان متداولا عند العرب زمن نزول الوحي.
أما عن معناها، فتقول المعاجم: إن القصة هي الخبر، وقص علي خبره يقصه قصا وقصصا: أورده، والقصص جمع القصة التي تكتب، والقصة: الأمر والحديث، واقتصصت الحديث: رويته على وجهه، وقصصت الرؤيا على فلان؛ إذا أخبرته بها.
والقص: البيان، والقاص: الذي يأتي بالقصة على وجهها، كأنه يتبع معانيها وألفاظها. (2)
وقص آثارهم يقصا قصا وقصصا، وتقصصها: تتبعها بالليل، وقيل: هو تتبع الأثر أي وقت كان. ومعنى "فارتدا على آثارهما قصصا"، (3) أي رجعا من الطريق الذي سلكاه، يقصان الأثر: أي يتتبعانه.
وقيل: القاص يقص القصص لإتباعه خبرا بعد خبر، وسوقه الكلام سوقا. وقال أبو زيد: تقصصت الكلام: حفظته. (4)
تقدم لنا التعاريف السالفة مجموعة من المعاني تتقاطع في أمرين اثنين: الإخبار أو الحكي، ثم التتابع والتتالي. وهما الخاصيتان الأساسيتان في القصة بمعناها اللغوي والقرآني، إذ لا تخرج عن الإخبار في صورة متسلسلة تتتابع فيها مشاهد الحكي، وتتوالى في شكل منتظم، وهي، إذ ترد في هذا النمط، إنما تهدف إلى البيان بمعناه الشامل.
أما التحديد المعاصر، فيعرف القصة بأنها "العمل الأدبي يكون نتيجة تخيل القاص لحوادث وقعت من بطل لا وجود له، أو لبطل له وجود، ولكن الأحداث التي دارت حوله في القصة لم تقع، أو وقعت للبطل، ولكنها نظمت في القصة على أساس فني بلاغي، فقدم بعضها وأخر آخر، وذكر بعضها وحذف آخر أو أضيف إلى الواقع بعض لم يقع، أو بولغ في تصويره إلى الحد الذي يخرج بالشخصية التاريخية عن أن تكون من الحقائق العادية أو المألوفة، ويجعلها من الأشخاص الخياليين". (5)
فبأي معنى نطلق مصطلح "القصة" ونضيفه إلى الخطاب القرآني؟
لا شك أن التعريف المعاصر يدخل في حد القصة عناصر جديدة مثل الخيال والتخييل والمبالغة في التصوير، وهي عناصر ترتبط بدلالات حادثة لا يمكن استصحابها أو إقحامها في مجال دلالة القصة كما تداولها العرب في عهد نزول الوحي، وإلا فإننا سنناقض موجب الأدلة السمعية الذي "يتلقى من عرف المتكلم بالخطاب، لا من الوضع المحدث، فليس لأحد أن يقول إن الألفاظ التي جاءت في القرآن موضوعة لمعاني، ثم يريد أن يفسر مراد الله بتلك المعاني"، (6) بمعنى أن تحديد ألفاظ القرآن يراعى فيه، أساسا، السياق اللغوي العام الذي يكتنف المخاطبين بالوحي، وهم العرب، وبالنسبة لمصطلح القصة، فقد بات دلالته في أذهان العرب، وهي بعيدة عن أن تستوعب الدلالة المعاصرة التي من شأنها أن تمس خطاب الوحي بأضرار جسيمة نتيجة وصفه بالنعوت البشرية.
ومع ذلك، لابد من وضع إطار دلالي مضبوط، ليظل الخطاب القرآني عاما وصالحا لكل زمان ومكان، وتتحدد زوايا هذا الإطار في كون "القصة القرآنية ليست عملا فنيا مستقلا في موضوعه وطريقة عرضه وإدارة حوادثه، كما هو الشأن في القصة الفنية الحرة التي ترمي إلى أداء غرض فني طليق، إنما هي وسيلة من وسائل القرآن الكثيرة إلى أغراضه الدينية". (7)

ب- حول مفهوم المتشابه:
كما هو الحال بالنسبة للعديد من القضايا والإشكالات، اختلفت آراء العلماء وأقوالهم حول مفهوم المتشابه في القرآن اختلافا يصل حد التباين على مستوى التحديد والتمثيل. ولإبراز ذلك، نورد – هنا – نصا للطبري، تنبع أهميته في كونه يلخص مختلف الآراء في الموضوع. ولهذا الاعتبار، نسمح لأنفسنا بإيراده رغم طوله النسبي.
يقول الطبري في معرض تفسيره لقوله تعالى: (هو الذي أنزل عليكم الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخرى متشابهات فأما الذي في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب(. (8) "وأما قوله متشابهات، فإن معناه متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعنى، كما قال جل ثناؤه: (وأتوا به متشابها)، (9) يعني في المنظر مختلفا في المطعم، وكما قال مخبرا عمن أخبر عنه من بين إسرائيل أنه قال: (إن البقرة تشابه علينا)، (10) يعنون بذلك، تشابه علينا في الصفة، وإن اختلفت أنواعه، فتأويل الكلام: آيات محكمات بالبيان هن أصل الكتاب الذي عليه عمادك وعماد امتد في الدين، وإليه مفزعك ومفزعهم فيما افترضت عليك وعليهم من رائع الإسلام، وآيات أخرى، هن متشابهات في التلاوة مختلفات في المعاني.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى: (منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخرى متشابهات). وما المحكم من آي الكتاب وما المتشابه منه؟
فقال بعضهم: المحكم من آي القرآن المعمول بهن، وهن الناسخات، أو المثبتات الأحكام، والمتشابهات منه آيه المتروك العمل بهن المنسوخات.
وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه، والمتشابه منها ما أبه بعضه بعضا في المعنى وإن اختلفت ألفاظه.
وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب ما لا يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه منها ما احتمل من التأويل أوجها.
وقال آخرون: المحكم، ما أحكم الله فيه من آي القرآن وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم، ففصله ببيان ذلك لمحمد ولأمته، والمتشابه هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور، فقصة باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني، وقصة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني.
وقال آخرون: المحكم ما عرف العلماء تأويله، وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه". (11)
يجمع الطبري في هذا النص مختلف الأقوال الواردة في مفهوم المتشابه، وهي تؤول إلى اعتبار ملحوظ في الخطاب أو المتلقي أو صاحب الخطاب عز وجل، دون أن نلغي إمكانية التداخل بين تلك التعاريف وبين هذه الخانات الثلاث.

1- ما استأثر الله بعلمه            2- التشابه في التلاوة والاختلاف في المعنى   7- ما يحتمل التأويل
                                   3- الآيات المنسوخة التي ترك العمل بها.
                                   4- الآيات التي يؤمن بها ولا يعمل بها.
                                   5- ما أشبه بعضه بعضا في المعاني،
                                                وإن اختلفت ألفاظه.
                                    6- ما اشتبهت ألفاظه، واختلفت معانيه.

ويكتسب نص الطبري قيمة تاريخية ومعرفية، لأنه يستوعب مختلف الآراء الواردة في مفهوم المتشابه، ولو حاولنا تتبع تفاسير العلماء لوجدناها تندرج ضمن إحدى تلك التعاريف. فقد أورد الرازي تلك الأقوال، وقدم لها بما اختاره في تحديد مفهوم المحكم والمتشابه، وقال عنه إنه الوجه الملخص الذي عليه أكثر المحققين. ومما يلاحظ أن تفسيره المختار تتداخل فيه عناصر من المذاهب السالفة في نص الطبري، حيث فسر المحكم والمتشابه من خلال وقوفه على الألفاظ.
فاللفظ الذي هو موضوع للمعنى تعتوره مقامات عدة:
- فإما أن يكون اللفظ محتملا لذلك المعنى فقط، فهو النص.
- وإما أن يكون محتملا له ولغيره، فإذا كان احتماله لأحدهما راجحا على الآخر، سمي ظاهرا، وإن كان احتماله لأحدهما مرجوحا على الآخر سمي مؤولا.  
- وإن كان محتملا لهما على السواء، كان اللفظ بالنسبة إليهما معا مشتركا، وبالنسبة لكل واحد منهما على التعيين مجملا.
فخرج من التقسيم المذكور أن اللفظ إما أن يكون نصا أو ظاهرا أو مؤولا أو مشتركا أو مجملا، وبهذا يكون المحكم متضمنا للنص والظاهر، أما المتشابه فيدخل فيه المجمل والمؤول. (12)
وبمقارنة ما ذهب إليه الرازي مع ما أورده الطبري، يترجح إمكانية اعتبار مذهب صاحب "مفاتيح الغيب" داخلا ضمن التحديد الخامس والسادس والسابع في الرسم أعلاه.  
ونقل أبو حيان أقوالا عدة في الموضوع، لكن اللافت للنظر عنده أنه صدر تلك الأقوال بإشارة تاريخية إلى "وفد نجران" الذين كان "من شبههم قوله تعالى: (وروح منه)، (13) فبين الله أن القرآن منه محكم العبارة قد صينت من الاحتمال ومنه متشابه، وهو ما احتمال وجوها". (14)
وبذلك يكون صاحب "البحر المحيط" قد انتبه إلى سبب نزول الآية باعتباره سياقا مساعدا على تحديد دلالة المحكم والمتشابه، ولعل الذين ذهبوا إلى أن المتشابه ماله ارتباط بالصفات، قد راعوا هذه المناسبة كما ينقله الشاطبي والغزالي والطاهر ابن عاشور وغيرهم.
ثم أورد أبو حيان مختلف الأقوال الواردة في الموضوع، والتي سبق ذكرها في نص الطبري، وذهب الجويني، بعدما أورد تعاريف متباينة، إلى أن المختار عنده هو "أن المحكم كل ما علم معناه وأدرك فحواه، والمتشابه هو المجمل". (15)
وإذا اخترقنا الزمن في اتجاه القرون المتأخرة، نجد علماء الأصول والمفسرين يعمدون إلى تلخيص نفس الأقوال في تحديد معنى المحكم والمتشابه، كما هو صنيع الشوكاني(16) والطاهر ابن عاشور، (17)
وإذا كانت الأقوال السابقة تستعرض مختلف الآراء والمذاهب في المتشابه، فإن نصوصا أخرى تقدم اختيارات محددة في الموضوع، فقد ذهب الزمخشري إلى أن المتشابه هي المشتبهات والمحتملات التي تحتاج إلى الفحص والتأمل والنظر والاستدلال، (18) ورجح ابن عطية قول من عرف المتشابه بأنه ماله تصريف وتحريف وتأويل. (19) وحسن القرطبي رأي من قال إن المتشابه ما استأثر الله بعلمه. (20) وذهب ابن قدامة إلى أن الصحيح هو ما ورد من صفات الله سبحانه مما يجب الإيمان به، ويحرم لتأويله. (21)
وفرق الشاطبي بين ثلاثة مستويات للمتشابه في الشريعة.
الأول: حقيقي، وهو المراد بالآية، ويتعلق بما لم يجعل لنا سبيل إلى فهم معناه، ولا نصب لنا دليلا على المراد منه، وهذا النوع قليل، وليس له ارتباط بالتكاليف الشرعية بتاتا، ومثل له بصنيع النصارى مع المسيح عليه السلام، إذ جعلوا له أوصاف الخالق.
وأما النوع الثاني: فهو إضافي، وهو التشابه الحاصل من جهة الناظري في الشريعة، فنتيجة قصورهم في الاجتهاد، أو جهلهم في طلب الدليل.
وأما النوع الثالث: من المتشابه، فهو لا يتعلق بالدليل، وإنما بمناط الأدلة، "فالنهي عن أكل الميتة واضح، والإذن في أكل الذكية كذلك، فإذا اختلطت الميتة بالذكية حصل الاشتباه في المأكول، لا في الدليل على تحليله أو تحريمه". ويظل التشابه الثاني والثالث مؤقتا حتى يزول الاشتباه بقوة النظر والاجتهاد، أو بالاتقاء حتى يتبين الأمر. (22)
وبمراعاة العلاقة التقاطعية بين مختلف الآراء والمذاهب حول المتشابه تحديدا وتمثيلا، فإننا ندرك كيف أن هذه الكلمة تحمل في طياتها، وتحف بها معاني لها تعلق بالاحتمال والإجمال والقابلية للتأويل، وهذه المعاني هي التي تقترح استصحابها معنا بين يدي تصنيف القصص القرآني ضمن المحكم أو المتشابه دون أن نغفل تفسير الطبري الذي قدمه بين يدي عرضه لمختلف الأقوال.

2- تصنيف القصص القرآني ضمن المحكم أو المتشابه:
انحصر الغرض من الفقرتين السابقتين في تحديد مفهوم القصة في القرآن، وإبراز دلالات المتشابه، أما الآن، فلنحاول البحث في تصنيف العلماء والمفسرين للقصة القرآنية، لندرك في أي خانة ادخلوها، هل اعتبروها من المحكم، أم أدرجوها في خانة المتشابه؟
في نص الطبري السابق، نجد قولا غير منسوب لعلماء معنيين، يعتبر القصص من المحكم حينا، ومن المتشابه حينا آخر. يقول: "وقال آخرون: المحكم ما احكم الله فيه من آي القرآن وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم، ففصله ببيان ذلك لمحمد ولأمته، والمتشابه هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في الصور، فقصة باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني، وقصة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني".
ويعتبر هذا النص خلاصة الآراء اللاحقة في موضوع تصنيف القصص القرآني. وقد يوحي ظاهره بنوع من التناقض، لكن التأمل فيه يهدي إلى أنه يصنف القصص القرآني وفق معيار تاريخي وتفسيري دقيق، فالقصة التي يتضمنها أول القرآن تنزيلا أو ترتيبا، تعتبر النموذج الأول، أما ما نزل بعد ذلك مما يشبه القصة الأولى على مستوى المضامين والتراكيب، فهو من المتشابه، لكن بالمفهوم الذي لا يتجاوز حدود الشبه في الحسن، (23) أو في الألفاظ والمعاني.
وبهذا المعيار، يستقيم اعتبار القصة القرآنية من المحكم تارة، ومن المتشابه تارة أخرى، ولا مناص من التركيز على هذا المعيار التاريخي التفسيري، لأنه يضمن استقامة التأويل بالنسبة لكلام الطبري سابقا.
ونقل أبو حيان رأيا منسوبا إلى يحيى بن يعمر، يذهب فيه إلى أن المحكم هي الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه: القصص والأمثال"، (24) لكنه يردفه برأي آخر "وقيل: المحكم ما تقرر من القصص بلفظ واحد، والمتشابه ما اختلف لفظه كقوله تعالى: (فإذا هي حية تسعى)، (25) (فإذا هي ثعبان مبين) (26) (وقلنا: احمل). (27)" (فاسلك). (28) (29)
ولا يخفى على الدارس أن نص أبي حيان محكوم بنفس المعيار التاريخي التفسيري الذي أوضحناه في نص الطبري، يزكي ذلك نوع الأمثلة التي يسوقها، إذ العلاقة بين "حية" و "ثعبان" و "احمل" و"اسلك"، إنما هي علاقة شبه يتقاطع فيه اللفظي بالمعنوي. وعلينا أن نطبق نفس المعيار على النص الذي يورده الشوكاني، هو: "وقيل: المحكم: الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه: القصص والأمثال". (30)
أما ابن حزم فيرفض إدراج القصص القرآني ضمن المتشابه، لأنها جاءت لمقصدية الموعظة والاعتبار، فهي، بهذا المعنى، أدخل في باب الوعد والوعيد، يقول: "ومن الأمور التي جاء بها القرآن أخبار سالفة، جاءت على معنى الوعظ لنا، وهي مما أمرنا بالاعتبار به، يقول تعالى: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب)، (31) فأيقنا أن ذلك ليس من المتشابه الذي نهينا عن تتبعه". (32)
وتحدث الشاطبي عن مقاصد القصص القرآني التي تحكمت في طبيعة السرد، ذكرا وحذفا، تقديما وتأخيرا، فقال: "فحيث ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام، كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى وهارون، فإنما ذلك تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم، وتثبيت لفؤاده، لما كان يلقى من عناد الكفار وتكذيبهم له على أنواع مختلفة، وبذلك اختلف مساق القصة الواحدة بحسب اختلاف الأحوال، والجميع حق واقع إشكال في صحته" (33)
ولم يخرج تناول المؤرخين عن هذا الإطار، إطار محكمية القصص القرآني، فقد ذكر ابن الأثير بالفوائد الأخروية للتاريخ، تدوينا واهتماما، ومنها التفكير في مصير الدنيا وأهلها ممل يسوق إلى الزهد فيها والإعراض عنها، ثم التحلي بأخلاق الصبر والتأسي، ثم ختم كلامه بقوله: "ولهذه الحكمة وردت القصص في القرآن المجيد، (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)، (34) فإن ظن هذا القائل – صاحب شبهة – أن الله سبحانه أراد بذكرها الحكايات والأسمار، فقد تمسك من أقوال الزيغ بمحكم سببها حين قالوا: هذه الأساطير الأولين اكتتبها". (35) وليس مستبعدا أن تكون الدعوة المعاصرة المتعلقة بإدخال القصص القرآني ضمن المتشابه قد توهمت عثورها على سند قوي، بعد ركونها، بالإضافة إلى أقوال السلف، إلى نصوص بعض العلماء في العصر الحديث، أمثال الشيخ محمد عبده الذي استعمل مصطلح المتشابه في بعض المناسبات، مثل قوله في عصمة آدم: "وأما مسألة عصمة آدم، فالجري على طريقة السلف يذهب بنا إلى العصيان والتوبة من المتشابه كسائر ما ورد في القصة مما لا يركن العقل إلى ظاهره". (36) ولكن هذا النص يتحدث عن مسألة العصيان والتوبة على النحو التالي: هل يعتبر ذلك العصيان أمرا إراديا أم نسيانا؟ سمي، تفخيما لأمره عصيانا. والنسيان والسهو مما لا ينافي العصمة". (37)
وبما أن محمد عبده يقدم لقصة آدم عليه السلام تفسيرين: أحدهما على طريقة السلف، والثاني على طريقة الخلف الذي يميل إلى اعتبار القصة من قبيل التمثيل، أي "تصور المعاني بالتعبير عنها بصيغة السؤال والجواب، أو بأسلوب الحكاية، لما لذلك من البيان والتأثير"، (38) فلنا أن نعتبر كلامه تفردا لا يجوز الركون إليه، فضلا عن تعميمه على طائفة الأصوليين، ولذلك، فقد تدخل تلميذه محمد رضا ليقول: "إن توبة آدم عليه السلام، بناء على تفسير القصة بحمل الكلام على الحقيقة، قد كانت بالرجوع إلى الله واعترافه مع حواء بظلمهما لأنفسهما، وطلبهما المغفرة والرحمة منه تعالى، لا بمجرد تدبر العقل ووزن الخير والشر بميزان
الفكر، إلى آخر ما قاله شيخنا – أي محمد عبده – تبعا لبعض علماء الاجتماع من المؤرخين". (39)

3- نتائج البحث في تصنيف القصص القرآني:
- من خلال استقراء أقوال بعض الأصوليين والمفسرين، يظهر انه لا مجال لتعميم القول بإدخال العلماء للقصص القرآني في دائرة المتشابه، فالأمر، كما هو واضح، مثار خلاف، وإذا كان النص الطبري – وغيره – يجمع حوالي سبعة مذاهب في المتشابه، وإذا كان علماء أجلاء أمثال الشاطبي والغزالي وابن حزم قد أدخلوا القصص ضمن المحكم، فكيف يجرؤ أحد على القول: إن مجموع المفسرين يعتبرون القصص من المتشابه، ومن ثم، فإننا نقول: إن تعميم الحكم، أي حكم، يقتضي منهجا استقرائيا يفرض على صاحبه اطلاعا واسعا، وتتبعا دقيقا لمظان القضية مجال التعميم، واستقصاء لآراء مختلف العلماء، وما لم يتم ذلك، فإن تعميم الأحكام يظل ترجيحا بلا مرجح، وقد يأتي على بنيان القضايا والاستنتاجات من قواعدها.
ونحن، حين نرصد بعض تلك الآراء، نلاحظ أن الأمر مثار خلاف واحتمال، وبالتالي، فإنه مجال متسع للنظر والدراسة. وفي المقابل، فإن أي معنى حول محكمية القصص القرآني أو متشابهيته، لا يعتبر في حد ذاته إلا بدليل إضافي يقوي مشروعية الأخذ به والذهاب إليه، إذ المعاني، هنا، متحدة في احتماليتها وخلافيتها؛ والواقع أنها ليست كذلك كما يظهر للمتأمل في المعيار التاريخي التفسيري الذي عملنا على توضيحه سابقا؛ وهي محتاجة إلى عنصر إضافي يقوي بعضها، ويضعف بعضها الآخر، وإلا لم يكن لمن يذهب إلى معنى معين أي يفضل على من اختار معنى معارضا.
- إن تصنيف القصص ضمن المتشابه يتحكم فيه مفهوم المتشابه نفسه، ولا ينبغي قراءة هذا بمعزل عن ذلك، وإلا اختلطت الأفهام، وتوهم التناقض بين أقوال العلماء، وهو ما سعت هذه الدراسة إلى رفعه عن طريق التأكيد على المعيار التاريخي التفسيري.
- إن التركيز على إدخال قصص القرآن في دائرة المتشابه يهدف – والله اعلم بالنيات – إلى فتح مجال التأويل أمام الدارسين ليقولوا في ذلك القصص أقوالا، ويفسروها تفسيرات لا تستجيب لمقتضيات اللغة والشروط النصية والسياقية في التفسير، وقد تخرق مقصدية الحق في سرد الأخبار والأحداث.
وهذا ما حدث بالنسبة للذين ادعوا متشابهية القصص القرآني في العصر الحديث، فقد تعاملوا معها تعاملا حاد باستنتاجاتهم عن النهج السليم.
واستجابة لمنطق التأويل المتحرر من مجموع القيود اللغوية والسياقية، ذهبوا إلى أن القرآن يتضمن قصصا أسطوريا مثل قصة الكهف، (40) وقصة الذي مر على القرية مستبعدا إحياء الله لها، (41) وقصة خطيئة آدم كما فسرها محمد إقبال. (42)

4- منهجية استدلالية تفسيرية لحل إشكالية تصنيف القصص القرآني:
وعلى افتراض أن القصص من المتشابه، وهو ما لا يسلم به استقراء أقوال العلماء في الموضوع، فإن الأصوليين والمفسرين شرعوا منهجية استدلالية تفسيرية للتعامل مع المتشابه، تشتمل على مستويين اثنين:
- يتعلق المستوى الأول بمفهوم المتشابه والتمثيل له، وهناك نص للغزالي يجسد هذا المستوى تجسيدا دقيقا محكما، إذ يقدم إجراء منهجيا يتمثل في ضرورة تأويل المفردات والمصطلحات القرآنية ضمن ثلاثة أطر منضبطة:
- التوقيف: أي أن يحدد معنى المتشابه بطريقة التوقيف لا التوفيق.
- العرف اللغوي: بمعنى ما تعارف عليه الناس في معهود العلاقة بين الدوال ومدلولاتها.
- المناسبة التداولية: أي مراعاة السياق الذي تتداول فيه الألفاظ سواء كان تركيبيا أو مقاميا.
يقول: "واختلفوا في معنى المتشابه، وإذا لم يرد توقيف في بيانه، فينبغي أن يفسر بما يعرفه أهل اللغة ويناسب اللفظ من حيث الوضع". (43)
وأثناء تطبيقه لهذا الإجراء، لاحظ أن المتشابه لا يناسبه، دلاليا، قولهم هي الحروف المقطعة في أوائل السور، ولا ما ذهب إليه آخرون من أنه ما ينفرد الله تعالى بعلمه، في مقابل المحكم الذي يعرفه الراسخون في العلم، كما تأكد لديه انه من الخطأ تفسير المتشابه بأنه القصص والأمثال. يقول: ولا يناسب قولهم: المحكم، الوعد والوعيد، والحلال والحرام، والمتشابه، القصص والأمثال، وهذا أبعد"، (44) أي أن من يدخل القصص في دائرة المتشابه، يعتبر صنيعه بعيدا عن الصواب.
وترجح لديه، في مقابل ذلك، واستجابة لمقتضيات هذا المستوى من الإجراء المنهجي، أن المتشابه يجوز أن يعبر به عن الأسماء المشتركة، (45) كالقرء، (46) وكقوله تعالى:
(الذي بيده عقدة النكاح)، (47) لأنه مردود بين الزوج و الولي، و كاللمس (48) بين المس و الوطء. وقد يطلق، أي المتشابه، على ما ورد في صفات الله مما يوهم ظاهره الجهة و التشبيه، و يحتاج تأويله".(49)
- أما المستوى الثاني من هذه المنهجية، فإنه يظهر في تطبيق قاعدة "رد الفرع إلى الأصل"، أي اعتبار المتشابه من الفروع التي يتعين ردها إلى أصولها، وهي المحكمات، وحول هذا الإجراء المنهجي، يقول الزمخشري عن المحكمات: "إنها أصل الكتاب، تحمل المتشابهات عليها وترد إليها". (50)
ويقول القرطبي: "وقيل إن المتشابه ما يحمل وجوها، ثم إذا ردت الوجوه على وجه واحد وأبطل الباقي، صار المتشابه محكما، فالمحكم – أبدا – أصل ترد إليه الفروع... والمتشابه هو الفرع". (52)
وهذا يعني أننا مع افتراض متشابهية القصص القرآني، نتوفر على منهجية استدلالية تفسيرية واضحة، إذ من السهل "أن يتبع الدارس مواضع المحكم والمتشابه، ويعرف ما كان ينبغي أن يسلك فيها بحمل المتشابه على المحكم، والإيمان بهما على أنهما جميعا حق جاء به الوحي، ونزل بهما الكتاب". (52)
وبذلك يزول الإشكال، وتتلاشى طرق التأويل غير المعتبرة، ويستقيم أمر التأويل المعتبر الذي يراعي عرف اللغة، ومألوف التخاطب، ولا يحكم دلالات حادثة في مصطلحات قرآنية لم تكن من معهود مخاطبات العرب زمن نزول الوحي.

1)  نشير هنا، تمثيلا، إلى ما ذهب إليه د. محمد أحمد خلف الله من أن "أئمة الدين والتفسير يعدون القصص القرآني من المتشابه". انظر كتابه: "الفن القصصي في القرآن". مكتبة الأنجلو المصرية. ط: 1973، ص: 6.
2) "لسان العرب" مادة: "قصص" ج: 7. ص: 74.
3) إشارة إلى قوله تعالى: (قال: ذلك ما كنا نبغ، فارتدا على آثارهما قصصا). سورة الكهف، الآية: 63.
4) "لسان العرب" ج: 7. ص: 74. وانظر: "تاج العروس". ج:4. ص: 421-422.
5) د. أحمد خلف الله: "الفن القصصي في القرآن" ص: 119. وانظر ص: 170، حيث كرر نفس التعريف.
6) ابن تيمية "مجموع الرسائل والمسائل". دار الكتب العلمية. بيروت. ط: 1، 1983. ج: 5. ص: 222.
7) سيد قطب: "التصوي الفني في القرآن". دار الشروق – دار الثقافة – البيضاء. ط: 1992، ص: 143.
8) سورة آل عمران، آية: 7.
9) سورة البقرة، الآية: 24.
10) سورة البقرة، الآية: 69.
11) ابن جرير الطبري: "جامع البيان..." ج: 3، ص: 116.
12) الرازي: "مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير" ج: 2. ص: 395.
13) إشارة إلى قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه...). سورة النساء، الآية: 170.
14) أبو حيان: "البحر المحيط". ج: 2، ص: 381.
15) الجويني: "البرهان في أصول الفقه" تحقيق: عبد العظيم الديب – دار الأنصار – القاهرة. ط: 2، 14000هـ ج: 1. ص: 424.
16) الشوكاني: "إرشاد الفحول" ص: 31-32.
17) الطاهر بن عاشور: "التحرير والتنوير". ج: 3, ص: 8.
18) الزمخشري: "الكشاف". ج: 1. ص: 412.
19) القرطبي: "الجامع لأحكام القرآن". ج: 1. ص: 10-11.
20) نفس المرجع والصفحة.
21) ابن قدامة: "روضة الناظر وجنة المناظر" ص: 186.
22) الشاطبي: "الموافقات" ج:3. ص: 91-93.
23) يقول الشيخ عبد الحافظ عبد ربه في معرض رده على خلف الله : "وإذا كان بعض العلماء قال: إن القصص من المتشابه، فإن من الجهل الفاضح أن يفهم المتشابه على أنه من المبهم الذي يعجز العقل عن إدراكه، ولكنه شيء يشبه بعضه بعضا في الحسن".
 انظر كتابه: "بحوث في القصص القرآني" ص: 57.
24) أبو حيان "البحر المحيط" ج: 2. ص: 381.
25) إشارة إلى عصا موسى في سورة طه، الآية: 19.
26) إشارة إلى عصا موسى في سورة الأعراف، الآية: 106.
27) إشارة إلى الآية: 40 من سورة هود.
28) إشارة إلى الآية: 27 من سورة المؤمنون.
29) "البحر المحيط" ج: 2. ص: 381.
30) الشوكاني: "إرشاد الفحول" ص:31-32.
31) سورة يوسف، الآية: 111.
32) ابن حزم: "الإحكام..." م: 1. ج: 4. ص:123.
33) الشاطبي : "الوافقات" ج: 3. ص: 419.
34) سورق ق، الآية: 37.
35) ابن الأثير: "الكامل في التاريخ". ج:1. ص: 908.
36) "تفسير المنار". ج: 1. ص: 280.
37)  نفس المرجع والصفحة.
38) نفس المرجع والصفحة.
39) "تفسير المنار" ج : 1. ص: 284.
40) "الفن القصصي في القرآن" ص: 181.
41) هو "عزير" في بعض الروايات عن ابن عباس وقتادة والضحاك وغيرهم. وانظر الخلاف حول تعيينه في "الجامع لأحكام القرآن". ج: 3. ص: 289.
42) "الفن القصصي في القرآن" ص: 184. وانظر "تجديد الفكر الديني في الإسلام" لمحمد إقبال ص: 96 وما بعدها.
43) الغزالي: "المستصفى" ج: 2. ص: 106.
44) نفس المرجع والصفحة.
45) اللفظ المشترك هو "اللفظ الواحد الذي يطلق على موجودات مختلفة بالحد والحقيقة إطلاقا متساويا، كالعين تطلق على العين الباصرة، وينبوع الماء وقرص الشمس، وهذه مختلفة الحدود والحقائق".
 انظر: الغزالي: "معيار العلم في فن المنطق" ص: 52. و "المحصول في علم الأصول" للرازي. ج: 1. ص: 319. و"المعتمد في أصول الفقه" لأبي الحسن البصري، ج: 1. ص: 17. و"الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي, ج: 1. ص: 21. و"الطراز" للعلوي اليمني ج: 2. ص: 155.
46) يحكي الطبري الخلاف الواقع بين العلماء حول معنى القرء، وخلاصته انه بعضهم يذهب إلى انه الحيض، ويروى هذا عن ابن عباس وابن مسعود وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك. في حين يرى البعض الآخر أنه الطهر من الحيض، ويروى هذا عن عائشة وزيد وابن عمر، وبه كان يفتي الزهري.
انظر "جامع البيان". ج: 1, ص: 264-265.
47) إشارة إلى الآية 235 من سورة البقرة، وفي الخلاف حول من بيده عقدة النكاح، يمكن الرجوع إلى "جامع البيان" ج: 1. ص: 335.
48) إشارة إلى الآية: 43 من سورة النساء، والآية: 7 من سورة المائدة.
49) الغزالي: "المستصفى" ج: 2. ص: 106.
50) الزمخشري: "الكشاف" ج: 1. ص: 412.
51) القرطبي. "الجامع لأحكام القرآن" ج: 4. ص: 10.
52) محمود شلتوت "تفسير القرآن الكريم" ص: 109.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here