islamaumaroc

بعض أسرار التكرار في القرآن الكريم

  التهامي الراجي الهاشمي

العدد 307 رجب 1415/ دجنبر 1994

تعودنا أن نقول عن الآية أو الآيات التي ذكرت هنا ثم وجدت مرة أخرى هناك: إنها مكررة، وغاب عنا أنها لم تتكرر المقاطع في القرآن الكريم لتعاد ألفاظها فحسب دون فائدة جديدة تذكر؛ وإنما جيء بها، بتحوير خفيف أو عميق طبعا، ليؤسس عليها أمر آخر لم ينص عليه بدءا.
من صفة القرآن الكريم الإيجاز كما لا يخفى إلى درجة أن اختار كبار المترجمين للقرآن الكريم أمام أسلوبه الموجز الدقيق، الذي يحمل في ألفاظ قليلة معاني كثيرة. لقد تساءلوا كيف يترجمون مثلا هذه الآية: ?وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين?.
لاحظوا أنهم إن ترجموها كما يقرأونها انطلاقا من معنى كل لفظ فيها لما أدوا المراد الذي تنص عليه أجزاؤها، وهي مجتمعة بالشكل الذي هي عليه، بل لابد لهم إن أرادوا الاقتراب من المعنى المراد منها أن يؤدوها بجمل كثيرة لا بجملة واحدة.
فالتكرار في نظري هي الآلة التي يحسن أن يعتمد عليها المفسر للقرآن الكريم.
لكن، إن كان هذا التكرار الذي يحمل في طياته زيادة حرف في مكان، وحذفه من مكان آخر، أو يغير كلمة بكلمة، أو يقدم مقطعا هنا ويؤخره هناك؛ إن كان هذا التكرار يعسر علينا الحفظ بهذا الكل، فإنه ييسر علينا الفهم، إن كان يتعبنا في امتلاك زمام نص القرآن الكريم، فإنه يريحنا في فهمه بإنارة الطريق أمامنا.
لقد قلنا إن الصفة الغالبة في القرآن الإيجاز؛ فإن نحن نظرنا إلى التكرار المؤسس للمعاني الجديدة رأيناه موجزا كذلك، لكن هذا الإيجاز لم يقصد منه الاختصار في الكلام، ولا الاقتصاد في اللفظ، وإنما أوتي به لإبراز معان رفيعة ما كانت لتبرز بالإطناب والإسهاب، هي فعلا معان رفيعة نبقى أمامها مبهورين.
أعطيك مثالا: نجد الحق سبحانه وتعالى يقول: ?ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير?. (البقرة، الآية: 120).
ونجده يقول في نفس السورة الآية: 145: ?ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين?.
ثم نجده يقول في سورة الرعد، الآية: 37: ?وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا واق?.
إن المقطع المعاد في الأماكن الثلاثة هو: ?ولئن اتبعت أهواءهم...?، ?جاءك من العلم?، ثم ربط بين جزئي هذا المقطع برابط تنوع، فهو في الموضع الأول من البقرة ?بعد الذي? وهو في الموضع الثاني من نفس السورة: ?من بعد ما? وهو في الرعد: ?بعد ما?.
إذن الرابط هو الذي يختلف من مكان إلى آخر، أما جزء المقطع فلا يختلفان في شيء البتة.
فما سر هذا التنوع في الرابط؟ أو بعبارة أدق لماذا لم يربط جزءي المقطع بنفس الرابط؟ فيقول في كل منهما ?بعد الذي? أو يقول في الأماكن الثلاثة ?من بعد ما? أو يذكر في الجميع ?بعدما? ليسهل علينا حفظ الكتاب العزيز.
إننا إن تدبرنا الآيات قبل، والآيات بعد، اتضح لنا أنه لا يمكن أن نقول في الموضع الأول إلا ?بعد الذي?، ولا يمكن أن نقول في الموضع الثاني إلا ?من بعد ما? بزيادة (من) وتعويض (الذي) بـ (ما)، وفي الثلاثة (بعدما) بحذف (ما).
الفرق الأول الذي نلاحظه هو أن (ما) عوضت (الذي) فما السبب؟
- إن (ما) تأتي عادة بمعنى (الذي)، وعليه جاز استعمال (ما) مكان (الذي). لكن (الذي) تخالف (ما) في أمور هي التي لونت هذه المقاطع الثلاثة، وأصبغت عليها صبغة الإعجاز.
- (الذي) تتضمن من البيان ما لا تتضمنه (ما).
- تدخل على (الذي) أسماء الإشارة فتكن (الذي) صفة لها، كما جاء في قوله تعالى: ?أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمان إن الكافرون إلا في غرور? (الملك، الآية: 20) فيكتنف (الذي) بيانان:
1- الإشارة قبلها.
2- الصلة بعدها.
- (الذي) تثنى وتجمع وتؤنث فتلحقها هذه العلامات بيانا لهذه المعاني.
- (الذي) تلزمها أمارة التعريف، وليس ذلك إلى (ما).
-  (ما) شديدة الإبهام، ولشدة إبهامها خص التعجب بها؛ والتعجب إذا استبهم كان أبلغ في معناه.
فإن جاز لنا أن نلخص هذا قلنا: (الذي) و (ما) التي في معناها إسمان مبهمان ناقصان لكن (الذي) تزيد على (ما) في وجوه البيان.
فإذا رجعنا إلى الآيات تبين لنا أن (الذي) استعملت حيث يجب أن تستعمل، وأن (ما) استعملت حيث وجب أن تستعمل فيه.
وهذا بيان ذلك.
أما الموضع الأول الذي استعملت فيه (الذي) فالحق سبحانه وتعالى يتحدث فيه عن شرط إرضاء اليهود والنصارى عن محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم لن يرضوا عنه إلا إذا اتبع ملتهم، وإتباع ملة أهل الكتاب في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كفر، ولذلك قال: ?قل إن الهدى هدى الله? أي: الهدى هو الإيمان الذي بعثتك به، فمنعه من إتباع الفريقين بالعلم الذي حصل له بصحة الإيمان وبطلان الكفر. فـ (الذي) في هذا المعنى واقعة على العلم العظيم الكامل الشامل الذي به ثبت الإسلام وصح الإيمان، ولا شك أن العلم المانع من الكفر الذي هو أكبر الذنوب لهو أفضل العلوم على الإطلاق، فإذا عبر عنه بأحد الإسمين المبهمين وجب أن يخصه بالأشهر...؛ والأشهر هنا كما لا يخفى هو (الذي).
أما في الآية الثانية فلم يمنعه من إتباعهم إلا في أمر القبلة، وهو بعض الشرع بل جزء صغير منه بما حصل له من العلم بأن القبلة هي التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوجه إليها.
فإذا كان بعض الشرع فقط، وجزء منه بسيط كان العلم بصحته بعض علم الشرع، ولم يكن بحال من الأحوال، كالعلم في الآية الأولى الذي هو محيط بسائر الشرع وكل الإيمان. لذا عبر عنه باللفظ الأقصر وهو (ما) في حين خص الأول باللفظ الأشهر وهو (الذي).
ونفس الشيء نلاحظه في آية الرعد. إنه هنا ينهاه عن اتباع أهوائهم في بعض ما أنكره الأحزاب مما أنزل الله عز وجل عليه يمنعه من اتباع أهوائهم في هذا، بما ثبت له من العلم بصحة هذا البعض الذي ينكرونه، كما ثبت له بباقيه. فكان العلم المانع من إتباع أهوائهم فيه مثل العلم المانع من إتباع أهوائهم في أمر القبلة.
بقيت مسألة (من) الموجودة في الموضع الأول من سورة "البقرة"، أي في آية القبلة، والتي لا وجود لها لا في الآية الأولى من سورة "البقرة" ولا في آية "الرعد".
أقول هنا فائدة رفيعة اقتدت استعمال (من) في موضع القبلة وتغييرها في الموضعين في الآخرين.
ذلك أن أمر القبلة مخصوص بفرائض محددة للغاية ضيق مجالها، وبأوقات معينة مضبوطة في الزمن، فكان لزاما استعمال (من) التي هي لابتداء الغاية، والقبلة شرع كان يجوز نسخه كما نسخ ما هو مثله، فكأن قال: "ولئن اتبعت أهواءهم من الوقت الذي جاءك العلم فيه بالقبلة التي وليتها، وأمرت بالتوجه نحوها لكنت من الظالمين".
وإذا أردتم بقينا مع (ما) و (الذي) وأعطينا مثالا آخر، نرجو أن يتضح من خلاله السر الموجود في استعمال هذين الاسمين المبهمين.
لنأخذ الآية: 96 من سورة "النحل" التي يقول فيها الحق سبحانه وتعالى: ?ما عندكم ينفذ وما عند الله باق وليجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون? ولنقارنها بالآية: 35 من سورة "الزمر" التي يقول فيها رب العزة ?ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون?.
نلاحظ أن الحق سبحانه افتتح آية "النحل" بـ: ?ما عندكم ينفذ? و(ما) المراد بها الإطلاق والعموم؛ وهما مقصودان بـ "ما عندنا" و"ما عندنا" ينفذ على الإطلاق؛ و "ما عند الله" باق على الإطلاق، فكأنه قال: "كل ما عندكم ينفذ وكل ما عند الله باق".
فمعنى التوسعة إذن لا يفارق (ما) ما لا يخفى؛ لا تفارقها هذه التوسعة أبدا.
كما أنه لابد أن نلاحظ أنه أعقب هذه الآية التي تهمنا بقوله: ?من عمل صالحا من ذكر أو أنثى فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون? لتكون جارية مجرى الآية التي قبلها؛ لأن (من) أقرب لها؛ أي لـ (ما) من (الذي) لما بينهما من الاشتراك في المعنى، معنى لا تشاركها فيه (الذي).
وفعلا (الذي) لا تكون استفهاما أبدا، ولا تستعمل نكرة البتة، ولا تأتي موصوفة ولا مبهمة إذ لا تفارق التعريف.
أما آية "الزمر" فقد استعمل فيها الحق سبحانه وتعالى (الذي) في قوله: ?... بأحسن الذي كانوا يعملون?؛ لأنها واردة في معنى الخصوص المقصود به طائفة بعينها، طائفة أشار إليها الحق سبحانه وتعالى بـ ?والذي جاء بالصدق? المراد به متقدمو أصحابه رضوان الله عليهم ممن سبق إلى الإسلام، وحسن تصديقه بالرسول الكريم: كأبي بكر وعمر ومن قارب حالهما، وجرى في نحو مضمارهما؛ وسيصعب جدا أن يشارك في وصفهم غيرهم؛ وفيهم ولا شك ورد القول الطيب الذي نتلوه قبل هذه الآية وهو قوله: ?ذلك جزاء المحسنين?؛ وإليهم مرجع الضمائر في: ?هم المتقون?، ?ولهم ما يشاءون عند ربهم?. لهذا كله لم يكن ليصلح لآية "الزمر" غير الأداة العهدية، فجاء بـ (الذي)، ولم يكن يصلح لآية "النحل" التي ترمز إلى الإطلاق والعموم إلى الأداة التي تؤدي التوسعة وهي (ما).
لقد حاولت أن أبين بالمثالين السابقين أن (ما) التي هي بمعنى (الذي) تستعملان في القرآن الكريم بحكم رائعة بحيث لا يمكن بحال من الأحوال أن نضع هذه مكان تلك دون أن نلحق خللا بالأسلوب الفريد الناصع، ونزيل عند ذلك الوصف الذي وصفه به الوليد بن المغيرة – في أصح الأقوال – حيث صرح بعد أن تلا عليه عثمان بن مظغون: ?إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظهم لعلكم تذكرون? قائلا: "إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لمورق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو بقول بشر".
وأحب الآن أن أتعرض لصنف آخر من إعجاز القرآن يقدمه التكرار المؤسس.
كان الاختلاف في المثالين السابقين بين (ما) و(الذي) وفي هذا المثال الثالث سيكون الفرق بحرف واحد فقط؛ أي أن حرفا واحدا يتغير في مقاطع من الآيات يوحى وجوده أو عدمه بمعنى رفيع، رائع يستحيل على بشر، كيف ما كانت فصاحته، تحقيقه ولو بواسطة جمل كاملة.
لنأخذ مثلا قوله تعالى في سورة "آل عمران"، الآية: 186 حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: ?لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أدى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا، فإن ذلك من عزم الأمور?. وقوله تعالى في سورة "لقمان"، الآية: 17: ?يا بني أقم الصلاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور?، وتقارنهما بالمقطع الذي جاء في سورة "الشورى" الآية: 43 حيث نقرأ فيه: ?ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور?.
يحق لنا بعد قراءتنا الآيات الثلاث أن نسأل لماذا قال سبحانه في "آل عمران" وفي "لقمان": ?ذلك من عزم الأمور? وقال في "الشورى": ?ذلك لمن عزم الأمور? لماذا زيدت اللام في "الشورى" وحذفت في السورتين المذكورتين.
نلاحظ فعلا من قراءتنا المتأنية للآيات الثلاث أن هذه اللام زيدت لتأكيد الكلام؛ فالعزم في "الشورى" آكد منه في "آل عمران" وفي "لقمان".
لقد أمر الله عز وجل عباده في "آل عمران" بالصبر على شيئين اثنين:
1- على الابتلاء في الأموال والأنفس وإليه الإشارة بـ ?لتبلون في أموالكم وأنفسكم ?.
2- وعلى سماع الأذى من أهل الكتاب، وإليه الإشارة بقوله: ?ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب...? وهذا قليل بالمقارنة مع ما ورد في "الشورى" كما سنرى. الابتلاء وسماع الأذى هين على المؤمنين الذين يستطيعون تحمله بسهولة؛ هم مطالبون بالصبر عليها طبعا، وهم إن فعلوا فإنما يستفيدون وحدهم من صبرهم الذي صبروه راضين لا يستفيد منه غيرهم.
أما في "لقمان"، فإن فيها أربع خصال أمر بها لقمان ابنه؛ وهو أمر لعباد الله جميعا؛ أمره:
1) بإقامة الصلاة.
2) بالأمر بالمعروف.
3) بالنهي عن المنكر.
4) بالصبر على المصيبة.
وهذا، وإن كان بالنسبة لما في سورة "آل عمران" كثير فهو قليل جدا بالمقارنة بما جاء في سورة "الشورى"، يهون على المؤمنين تحمله، لذا لم يؤكد العزم باللام كما سيفصل في "الورى".
ثم إن هذا الصابر على هذه الأمور الأربعة لا يستفيد احد من صبره، بل إن نفعه يعود كله عليه دون سواه. أما ما في الشورى فشيء آخر؛ إن العبد مطالب هناك أن يصبر على أحد عشر مطلوبا.
1- التنزه عن متاعب الدنيا، وإليه الإشارة بقوله: ?فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا...? الآية: 36.
2- التزام التوكل والإيمان، وإليه الإشارة في نفس الآية السابقة بقوله: ?وعلى ربهم يتوكلون?.
3- اجتناب الكبائر.
4- اجتناب الإثم.
5- التجاوز والحلم عمن ظلمهم. وإلى هذه الالتزامات الثلاث أشار بقوله: ?والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون?.
6- الاستجابة إلى الإيمان بالله وبرسوله.
7- أداء الصلاة لمواقيتها بشروطها وهيئاتها.
8- التشاور في الأمور.
9- التصدق بما وهبهم الله إلى هذه الالتزامات الأربع أشار الحق سبحانه بقوله: ?والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون ? الآية: 38.
10-  الانتصار في البغي للباغي المعلن للفجور المؤدي للصغير والكبير، سواء كان مسلما أو كافرا، وإليه الإشارة بقوله: ?والذين إذ أصابهم البغي هم ينتصرون? (الآية: 39) إلا أن للانتصار حد على المومن أن لا يتعداه، وإليه الإشارة بقوله: ?وجزاء سيئة سيئة مثلها...? (الآية؛ 40).
11- الإصلاح من الظالم بالعفو، وإليه الإشارة بقوله في نفس هذه الآية المذكورة أخيرا: ?.... فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين?.
إن آية "الشورى"، زيادة على هذه المطالب التي يشق على الناس تحملها مسبوقة بالخصلة الشاهدة على كمال الإيمان للمتصف بها؛ تلك الخصلة الجليلة المذكور في قوله تعالى: ?فمن عفا وأصلح فأجره على الله?، وهي خصلة تشمل كل المطالب المنصوص عليها في سورة "آل عمران" و "لقمان"، وتزيد عليها بما ذكرناه آنفا.
ثم إن الصابر على كل هذه المطالب التي تحتاج إلى الصبر الجميل ملزم، زيادة على كل هذا أن يغفر من ظلمه.
فهذا العبد ينفع إذن نفسه بصبره واحتسابه، ويفيد غيره من الناس حين يغفر لهم زلاتهم؛ لذا جاء هذا المقطع من الآية مؤكدا باللام؛ فقال عز من قائل: ?... إن ذلك لمن عزم الأمور?.
قد تزاد اللام في المكرر المؤسس لمعنى آخر، لكنه قريب جدا من هذا الذي لاحظناه في الآيات الثلاث السابقة.
قد تزاد اللام لتأكيد الخبر لاسيما حين يكون المخبر به شاك في الخبر المنقول إليه.
الكفار نعلم يجادلون في آيات الله بغير سلطان، وهم تبعا لذلك يشكون في أشياء كثيرة نؤمن بها نحن لأنها حق، إنهم يشكون مثلا في إتيان الساعة، ويقولون: ?إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين? (المومنون- الآية: 37).
ذا نرى الحق سبحانه وتعالى كلما خاطب المكذبين بالساعة إلا وأكد باللام. قال في سورة "غافر"، الآية: 59: ?إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يومنون? فأكد الخبر باللام لأن المخاطبين هنا جاحدون للساعة. قال قبل هذا: ?إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم الأكبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير? "غافر"، الآية: 56. كان لابد أن يؤكد لهؤلاء الخبر الذي يشكون فيه، فعل الحق سبحانه وتعالى نفس الأمر في سورة "الحجر" لما كان يخاطب أصحاب الحجر المكذبين الرسل، المعرضين عن آيات الله، قال: ?ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين فأخذتهم الصيحة مصبحين فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون. وما خلقت السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل? (الحجر _الآيات: 80-85).
لكن الأمر يختلف حين يوجه الخطاب للمؤمنين المصدقين بالبعث والحساب إن قرأنا مطلع سورة "طه" رأينا الحق سبحانه وتعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم يؤنسه ويسليه عما يلقاه من مكابرة قري وكفار العرب، ثم يسأل له قائلا: ?وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا غني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة بذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بمن تسعى?.
لا يحتاج هنا إلى تأكيد الخبر مادام المخاطب هنا هو موسى عليه الصلاة والسلام وهو مصدق بيوم الحساب.
نخلص من هذا فنقول: عندما يكون الكلام في معرض اليقين لا نحتاج إلى تأكيد الإتيان باللام. قال سبحانه في سورة "الحج": ?ذلك بأن الله هو الحق وانه يحيي الموتى وانه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور? (الآيتان 6 و 7).
كان الخلاف بين المقاطع المكررة في الأمثلة التي أوردتها حتى الآن يدور مما حول لفظ تزاد هنا أو تلغى من هناك، وإما حول حرف أتبث في مقطع من سورة أو أسقط من آخر في سورة أخرى.
والآن، أحب أن أعطي مثالا لمقاطع تتكرر في القرآن الكريم لا تؤسس في تكرارها معان جديدة إلا اعتمادا على كل كتابة الكلمات فقط، وهذا أمر أعجز الناس جميعا، وقامت بها الحجة على أن هذا الكتاب هو وحي من الله في المعنى واللفظ والكتابة أيضا. ونحن نؤكد على الأسرار الجليلة لهذا الرسم، ونقول: إنه توقيفي لا يمكن بحال من الأحوال أن يتصرف فيه متصرف ولو بنية تطويره وتحسينه دون أن يلحق ضررا بقرآنية هذا الكتاب وقدسيته. وهذا هو المثال: قال تبارك وتعالى "النساء" الآية: 31: ?إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما?.
وقال في سورة "الشورى": ?والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواح وإذا ما غضبوا هم يغفرون? الآية: 37.
وقال في سورة "النجم" الآية: 32: ?الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى?.
المقطع المكرر في الآيات الثلاث هو اجتناب الكبائر، والفرق الموجود بينهما هو في كيفية كتابة (كبائر).
أما (الكبائر) سورة "النساء" فقد كتبت بألف قاطعة بين الباء والهمزة، وأما (كبائر) "الشورى" و "النجم" فرسمت بدون ألف فاصلة بين الباء والهمزة، كتبت هكذا (كبائر) وذلك لسببين اثنين:
o أولهما: لأن هذا الرسم يطابق كل القراءات، إنه يطابق قراءة من يقرأها (كبائر) بفتح الباء وهمزة بعد الألف، وهم نافع وابن كثير المكي، وأبو عمرو البصري، وابن عامر الشامي، وعاصم الكوفي. ويطابق كذلك قراءة من يقرأها (كبيرة) بباء مكسورة وبدون همزة، وهما: حمزة، والكسائي، ومعلوم أن مطابقة القراءة للرسم العثماني ضرورة مؤكدة و إلا كانت القراءة شاذة يحرم التعبد بها وقراءتها في المسجد.
o وثانيهما: أن (كبائر) في "النساء" ثابتة الجزاء، مقرونة بالكرم الإلهي العظيم الذي يغدقه الحق على عباده. لقد وعد من يجتنب الكبائر بتكفير ذنوبه وبإدخاله المدخل الكريم. ولقد ورد (المدخل) في هذه الآية الكريمة بفتح الميم، ويقرأ به الإمام نافع المدني، وبضمها ويقرأ به الستة الباقون من الشيعة. أنزل (المدخل) بضم الميم وفتحها ليكون الكرم شاملا كاملا، أي أنه يدخل يجتنب الكبائر الجنة في الوقت الكريم ومن المكان الكريم.
وبسبب هذه النعمة الجليلة التي اشتملت عليها هذه الآية الكريمة قال الصحاب رضي الله عنهم: إنهم يحبون آيات الآية التي تهمنا الآن.
أما بن مسعود فقال: "خمس آيات من سورة "النساء" هي أحب إلي من الدنيا جميعا" قوله تعالى: ?إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ?، وقوله: ?أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دور ذلك لمن يشاء?، الآية،48. وقوله تعالى: ?ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما? (الآية:110)، وقوله: ?....وإن تك حسنة يضاعفها ويوت من لدنه أجرا عظيما? (الآية:40)، وقوله: ?...والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف نؤتيهم أجرا عظيما? (الآية:152).
وقال ابن عباس: ثمان آيات في سورة "النساء" هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت: ?يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم? (الآية: 26) و?والله يريد أن يتوب عليكم...? (الآية:27). و?يريد الله أن يخفف عنكم...? (الآية:28)، و?إن تجنبوا كبائر ما تنهون عنكم نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما? (الآية: 31) و?إن الله لا يغفر أن يشرك به?، (الآية: 48) و?إن الله يظلم مثقال ذرة?(الآية: 40)، و?من يعمل سوءا أو يظلم نفسه? (الآية: 110) و?ما يفعل الله بعذابكم...? (الآية: 147).
وقد يتكرر المقطع القرآني وليس بينه وبين المقطع الأول إلا كلمة واحدة هي جمعناها تقريبا، ولكن الآيات المحيطة بالمقطع اقتضت استعمال هذه هنا، وتلك هناك، بحيث لا يمكن أن تبدل هذه بتلك دون أن تضر بالنسج العام للقرآن، وهو الانسجام الصوتي الذي يعطى لكتاب الله الكريم جمالا ما عليه من مزيد.
نقرأ في "الزمر" (الآية: 48) ?وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون?.
ونقرأ في "الجاثية": ?وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون?.
لا فرق بين آية "الزمر" لأن وآية "الجاثية" إلا بكلمة واحدة. لقد استعمل في "الزمر" ?كسبوا? وخص "الجاثية" بـ ?عملوا?.
استعمل ?كسبوا? في "الزمر" لأن هذه اللفظة وقعت في هذه السورة بين أخواتها.?
قال قبلها: ?أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون? (الآية: 24) لم يقل: "ما كنتم تعملون".
وقال بعدها: ?قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين?. لم يقل: "فما أغنى ما كانوا يعملون" ولا قال: "سيئات ما عملوا".
نلاحظ إذن هنا أن التأكيد وقع على الكسب لذا قال الحق سبحانه: ?وبدا لهم سيئات ما كسبوا? في "الزمر" ولم يقل " ما عملوا".
أما في "الجاثية" فقال: ?وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون ? لم يقل: "اليوم تجزون ما كنتم تكسبون " وقال: ?هذا كتابنا ينطق عليك بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون? فكان منتظرا أن يستعمل "عملوا" لينسجم الكلام.
اعتقد أنه لنأخذ فكرة شاملة عن التكرار المؤسس للمعاني الجليلة من إعطاء مثال آخر لنوع آخر منه؛ نوع يدور فيه هذه المرة الخلاف حول تقديم عنصر في الجملة هنا وتأخيره هناك لحكمة عظيمة أرادها سبحانه.
لنأخذ الآية: 126 من سورة "آل عمران" التي يقول فيها الحق سبحانه وتعالى: ?وما جعله الله إلا    بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم? ولنقارنها بمثيلتها في سورة الأنفال الآية: 10 التي جاء فيها: ?وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله عزيز الحكيم ?
نلاحظ من قراءتنا للآيتين الكريمتين أن الحق سبحانه وتعالى قدم ?قلوبكم? على ?به? في "آل عمران" وعكس ذلك في "الأنفال" كما نلاحظ أنه استغنى بالمرة عن ?لكم? في "الأنفال"، وأخبر أن الله عزيز حكيم، في حين جعله في "آل عمران" بين المخاطبين فقال: ?بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به?.
لقد استغنى عن قوله ?لكم? في "الأنفال" اكتفاء بقوله: ?إذا تستغيثون ربكم فاستجاب لكم...? أما في "آل عمران" فجاءت القصة مسهبة، في حين أن قصة "الأنفال" موجزة فناسبها الحذف.
أما عن تأخير ?به? على ?قلوبكم? أو العكس، فأقول: لما أخر الجار والمجرور في الكلام الأول وهو قوله: ?وما جعله الله إلا بشرى لكم?. عطف الكلام الثاني عليه، وبما أنه وقع فيه أيضا جار ومجرور وجب تأخيره في اختيار الكلام ليكون الثاني كالأول في تقديم ما الكلام أحوج إليه، وهو:
  (جعله) بشرى (في الموضوع الأول)
  (اطمئنان) القلوب (ف الموضوع الثاني)
  وتأخير ما قد يستغفر عنه:
  ?لكم? في "آل عمران" وهي متأخرة عما يجب تقديمه وهي البشارة. 
   ?به? في "الأنفال" وهي متأخرة عما يجب تقديمه وهو الاطمئنان.
في أسلوب هاتين سر آخر عظيم نبقى أمامه مبهورين، ذلك أن الأصل في الكلام العربي الفصيح تصدير الجملة بالفعل هذا هو الغالب، تم يأتي الفاعل بعده مباشرا، فالمفعول به، ثم الجار والمجرور.
نقول مثلا: فهم الطالب الدرس بكل جيد.
وقد يقدم المفعول على الفاعل في حالة ضمان إزالة اللبس عن الكلام بشكل من الأشكال مثل ما جاء في سورة "فاطر"، الآية 28: ?ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء?.
إن المعتمد الذي يسعى القرآن الكريم إلى تحقيقه من هذا التقديم والتأخير هو إبراز ما هو أهم من البداية؛ هكذا يقول لنا؛ إن الاهتمام به كبير لعلو مكانته، أو لسمو قدره، أو لشدة توقف العباد عليه.
والأهم هنا في "الأنفال"، الأهم الذي يجب إبرازه هو ما يعود على هاء الكناية في ?به?. وما يمكن أن يعود عليه هو واحد من أربعة أمور أذكرها أسفله، بل إنه لا يستبعد أن تعود الأمور الأربعة الآتية كلها مجتمعة على هذا الضمير؛ وهذه خاصية جليلة من خصائص الأسلوب القرآني الناصع.
يمكن إذن أن يعود الضمير في ?به? على:
1- الإمداد بالملائكة وإليه الإشارة بقوله:  ?إني ممددكم?.
2- الإرداف، وإليه الإشارة بقوله: ?مردفين?.
3- الاستجابة، وإليه الإشارة بقوله: ?فاستجاب لكم?.
4- العدد المردف، وإليه الإشارة بقوله: ?بألف من الملائكة?.
من أجل هذا قدمت ?به? على ?قلوبكم? لأنه هو الأهم الذي يحرص المسلمون المجاهدون على تحقيقه من جهادهم، لاسيما وأنه قد ألغيت هنا في "الأنفال" تلك الازدواجية في المقطعين بسبب استغناء الكلام عن ?لكم?.
يحكي الحق سبحانه وتعالى في "الأنفال" عن غزوة بدر وهي كما لا يخفى قبل أحد، لذا أعلم المخاطبين عن النصر بقوله: ?وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم? أي أن هذا النصر ليس:
- من قبل الملائكة.
- ولا من جهة العدد.
- ولا بفضل القوة.
ولكنه من عند العزيز القادر الذي لا يغلب ولا يمنع عما يريد فعله الحكيم الذي يضع النصر في موضعه.
وأما في "آل عمران" فقال سبحانه: ?وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم?.
هذا في قصة يوم أحد، وهو بعد يوم بدر، كما قلنا. ولقد مر في هذا الأخير ما جعل خبرا عن النصر الذي هو من عند العزيز الحكيم، فاختصر هنا وجيء الصفة.
وهكذا خص كل موضع بما يناسبه، الأول فيه تفصيل، والثاني فيه اختصار.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here