islamaumaroc

أبو زيد عبد الرحمان التمنارتي (الفقيه الأديب)

  المهدي بن محمد السعيدي

العدد 307 رجب 1415/ دجنبر 1994

تميز العصر السعدي في التاريخ الفكري المغربي باستكمال الشخصية المغربية عناصرها الثقافية بعد أن نمت وترعرعت على عهد الدولة المرينية، وبعد أن ورث المغرب مجد الأندلس السليبة التي تتلمذ لها من قبل.
وشهد عهد الشرفاء نبوغ عدد كبير من رجال الفكر والأدب في جميع مناطق المملكة خاصة في المراكز الثقافية الناشئة لهذا العهد، والتي زاحمت من الناحية العلمية كبريات الحواضر المغربية كفاس ومراكش. خاصة أثناء تدرج الدولة السعدية نحو الاندثار.
وقد دامت شهرة هذه المراكز الثقافية الناشئة بجهود القائمين عليها من أمثال: الدلائيين والناصريين والفاسيين... وغيرهم من أرباب الزوايا والمدارس الذين خرجوا أعدادا لا تحصى من الطلبة والقراء والفقهاء ساهموا بدورهم في الحركة الثقافية والسياسية والفكرية لهذا العهد. (1)
ومن بين هذه الأفواج المتخرجة من هذه المؤسسات، شخصية نالها من الإهمال الشيء الكثير، وأغفلت جل مصادر الأدب والتاريخ ذكرها، والترجمة لها رغم أهمية الفهرسة العلمية التي خلفتها، باعتبارها مصدرا هاما من مصادر الأخبار والتراجم لفترة أواخر الدولة السعدية، تلك هي شخصية القاضي أبي زيد عبد الرحمن التمنارتي وكتاب "الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة". (2)
ولعل سبب هذا الإهمال الذي لقيه التمنارتي من المؤرخين وأصحاب التراجم أمران اثنان:
الأول: استقراره بتارودانت حاضرة سوس، وعدم اتصاله بأعلام عصره إلا عن طريق المراسلة، واكتفاؤه بالأخذ عن المستقرين منهم بسوس.
والثاني: كونه قضى الشطر الأهم من حياته في تلك الفترة التي شهدت غروب دولة الشرفاء السعديين مع ما واكب ذلك من فتن ومحن كأن تأثيرها سلبيا على ميدان الفكر والإبداع في منطقة سوس خاصة والمغرب عامة. (3)

- أصله ونشأته:
هو أبو زيد عبد الرحمان بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن أحمد المعافري التمنارتي (4) من المعافرة، وهم أسرة عليمة مشهورة بالعلم والصلاح في تلك النواحي من القرن العاشر إلى ما قبل مختتم الثاني عشر. (5)
والتمنارتي نسبة إلى تمنارة، وهو اسم رافد من روافد نهر درعة... ينبع من الأطلس الصغير، وتتناثر على ضفاف مجراه الأسفل في واحة تيملت قرى صغيرة غلب عليها اسم تمنارت، وسكانها العلماء والصلحاء منذ القرون الإسلامية الأولى، (6) واشتهر من أبناء هذه المنطقة عبد الله بن ياسين الجازولي واضع أسس دولة المرابطين، (7) ومحمد بن إبراهيم التمنارتي أحد كبار متصوفة سوس في القرن العاشر الهجري، (8) والمؤرخ الشهير محمد الصغير الإفراني صاحب "الصفوة والنزهة". (9)
ولد أبو زيد عام 974هـ، (10) ونشأ بمسقط رأس تحت رعاية والده الذي كان رجلا متدينا متصوفا، تخرج على الشيخ الصوفي أي عبد الله محمد بن ويسعدن بسكتانة شمال شرق تارودانت، واصطفاه لخدمته، وجعله قيما على شؤون زملائه الطلبة السبعمائة المستقرين بالزاوية. (11)
هكذا تربى أبو زيد تربة صوفية في كنف والده وهو لا يزال صغير السن، يتحدث عن هذه الفترة من حياته في كتابه قائلا:
"علمني (يقصد والده) وأنا ابن سبع سنين معنى الشهادة وقواعد الإسلام وفريضة الشكر والحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وصحة التيمم وكيفية أداء الصلاة والاطمئنان فيها، وحماني من كل الأسباب، وكان يقول لبقية الإخوة دعوه لما هو أهل له..." (12)
والظاهر من العبارة الأخيرة أن الوالد تفرس في ابنه النزوع إلى التدين والاهتمام بالدراسة.
وقد انتقلت الأسرة التمنارتية إلى إحدى القبائل المجاورة بتارودانت حيث استقرت، (13) وهناك تابع أبي زيد دراسته قبل أن يلتحق بتارودانت للقراءة على كبار العلماء المستقرين بها حينئذ.
وبعد ذلك بسنوات أي عام 1007هـ تعرض أبي زيد لأولى نكبات حياته، حيث فقد أسرته كله في الطاعون المستشري بالمغرب لهذه الفترة، وتوالت النكبات على أبي زيد طوال حياته من أبرزها إصابته بالعمى عام 1014هـ، لكنه استعاد حاسة الإبصار بعد حين، (14) ثم تسلط الحساد عليه مما أدى إلى عزله عن القضاء مرتين، واتهامه باختلاس بعض الكتب؛ إلا انه تقبل كل هذه المحن بالصبر والاحتساب كما صرح مرارا في كتابه. (15)

دراسته وشيوخه:
دخل أبو زيد مدينة تارودانت عام 992هـ، (16) وقد أتقن القرآن حفظا وقراءة، وحفظ من المتون العلمية والنصوص ما يحفظه أقرانه خاصة الفقهية واللغوية على عادة الطلبة في سوس في هذه الفترة، وكانت وفادته على علماء أجلة نذكر منهم: أبا عمران موسى التدماوي شيخ السلطان المنصور السعدي، قرأ عليه أبو زيد كتاب "مورد الظمآن في الراءات"، (17) والقاضي أبا مهدي عيسى السكتاني قال عنه في الفوائد: "شيخنا الفقيه المحقق المدقق المتفنن الباحث أبو مهدي عيسى بن عبد الرحمان السوسي السكتاني، كان محققا نقادا نظارا بارعا في علمي الأصول والعربية والفقه، مشاركا في غيرها من الفنون مشاركة معتبرة، قرأ في فاس وغيره، حضرت دروسه في الأصول والفروع وغيرها، فرأيته مليح التحقيق، صحيح التدقيق، أنيق الفهم، صائب السهم، قرأت عليه أيضا "المسالك" للنوشريسي فأجاد وأفاد وبين القواعد وقرب الشوارد...". (18)
وتتلمذ أبو زيد أيضا للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد التلمساني المعروف بابن الوقاد أثناء تدريسه بالجامع الأعظم، قال عنه في الفوائد:
"... أصله من تلمسان وبها نشأ، ثم انتقل بعد التحصيل لسوس الأقصى، ونزل مدينة تارودانت، فاستقضي ببعض أعماله، وخطب ثم ولي قضاء الجماعة بها، ثم وجهه الأمير إلى سجلماسة قاضيا فأقام بها مدة، ثم نقل لمكناسة الزيتون فقضى بها وخطب، ثم خطب بجامع الأندلسيين بفاس المحروسة، ثم رد لتارودانت قاعدة سوس، وقدم للفتوى والإمامة والخطبة بالجامع الكبير بها، لازمته برسم القراءة والأخذ عنه عشر سنين، سمعت منه صحيح البخاري مرارا عديدة بتمامه، وقرات عليه رسالة أبي محمد، ومختصر الشيخ خليل بتمامه، والشامل للعلامة بهرام إلى قرب نصفه قراءة تحقيق، وحضرت ما سواهما من الكتب: "كمختصر" ابن الحاجب الفرعي، و" عقائد" أبي عبد الله السنوسي، توفي ليلة الخميس لعشر خلون من ربيع الثاني سنة إحدى وألف بتارودانت...". (19)
واخذ أبو زيد عن أبي عثمان سعيد الجزولي الذي قال عنه:
"... لازمته خمس عشرة سنة بالاعتناء التام والهمة الصادقة، وقرأت عليه كتب الفقه التي تتعاطى في زمننا لرسالة الشيخ، الشيخ أبي محمد، ومختصر في الفروع لابن الحاجب وخليل، وختمناها عليه مرارا عديدة... وختمنا عليه مرارا كتب العربية: الجرومية، وألفية ابن مالك، ولامية الأفعال وشروحها وعقائد السنوسي وشروحها، وجمع جوامع لتاج الدين السبكي، وتلخيص المفتا للقزويني، وأخذ هذه الفنون عن الفقيه المتفنن أبي العباس أحمد بن سليمان الجزولي الرسموكي، وأخذها عن مشيخة فاس وله بها مدة...". (20)
وبالإضافة إلى هؤلاء العلماء أخذ أبو زيد عن عدة فقهاء آخرين منهم: أبو عبد الله ممد البعقيلي (تـ 1006هـ)، (21) وقاضي الجماعة سعيد بن علي السوسي الهوزالي (تـ 1001هـ)، (22) وأبو زيد عبد الرحمان الجزولي البعقيلي الفلكي، والمؤقت المشهور (23) (تـ 1006هـ)، وأبو عبد الله محمد بن علي السوسي الشاعر المفلق المشهور بالنابغة الهوزالي صاحب شرح ديوان المتنبي (تـ 1012هـ)، (24) وغيرهم من العلماء والفقهاء الذين خصهم بتراجم واسعة في فهرسته. (25)
لم يكتف أبو زيد بما حصل وروى عن شيوخه بل طلب الإجازة من كبار العلماء سواء الذين لقيهم كابن الوقاد المذكور والشيخ أبي زكرياء يحيى الحاحي ومحمد بن علي الجزولي الكنيف(26) أو الذين راسلهم في هذا الشأن، خاصة الوافدين على المغرب من أهل المشرق كالشيخ إمام الدين بن محمد بن يوسف البطحائي المقدسي، (27) ومن أهل السودان الشيخ أبو العباس أحمد بابا التنبوكتي، قال عنه في الفوائد:
" شيخنا الإمام المحدث الراوية أبو العباس أحمد بن أحمد ابن الفقيه الحاج أحمد بن عمر أقيت الصنهاجي السوداني، نقله المنصور مع أعمامه، وهم أهل بيت ثورة وأصالة في الرياسة من تنبكتو لمراكش حين فتح السودان، وتوفي جميع أعمامه بمراكش، وبقي هو يدرس فيها الفقه والحديث، وأجاز لكثير من الطلبة أسانيده، ورده الملك زيدان بعد وفاة أبيه المنصور لبلده تنبكتو، ولما فاتني لقاؤه والأخذ عنه كتبت إليه... فكتب إلي بخط ولده لعجزه عن الكتابة لفرط هرمه ما نصه:
الحمد لله وحده، والصلاة على من لا نبي بعده: فقد أجزت لك أن تروي عني جميع ما يجوز لي... بشرطه المعتبر عند أهله وكتبه محمد ابن أحمد بابا... وتوفي رحمه الله بمسقط رأسه. وقد ناف على السبعين، ليلة الخميس سادس شعبان سنة ست وثلاثين وألف...". (28)
وعلى غرار مشايخه وأقرانه العلماء أقبل أبو زيد على التصوف، عملا بنصيحة والده التي ذكرها في كتابه حيث قال: "... وقال لي كن فقيها وفقيرا ولا تكن أحدهما فيفوتك حميد أخلاق أحد الفريقين، والسلامة في الجمع بينهما، وبذلك تسلم من مذموم صفات الفقهاء التي منها حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، ومن مذموم صفات الفقراء التي منها الدعوة". (29)
التصوف التمنارتي على يد عدد من الشيوخ منهم على الخصوص أبو زكرياء يحيى بن عبد الله بن سعيد الحاجي شيخ زاوية تافيلالت بعد أبيه، وتقع هذه الزاوية بزداغة بمنحدرات الأطلس الكبير شمال شرقي تارودانت (30) وهنالك حمل عنه أبو زيد الحديث والتصوف عام سبع عشرة وألف. (31)
هذه إذن حياة التمنارتي الدراسية نستنتج منها أنه لم يغادر سوس أثناء طلبه للعلم، بل اقتصر في تحصيله على العلماء والقراء المقيمين والواردين على سوس وعلى حاضرته تارودانت، وذلك لما وجد عندهم من روايات ومن عوالي الإسناد عن فطاحل الشيوخ المشتهرين بكبريات المدارس والمعاهد بفاس ومراكش (32) ومكناس كسعيد بن أبي بكر الرجراجي، وأحمد الونشريسي، وأبي العباس أحمد المنجور، وأبي القاسم التفنوتي المعروف بالكوش، وأبي محمد عبد الواحد الحسني الفيلالي، وعبد الواحد الحميدي وأبي زكرياء يحيى بن محمد السراج إلخ... وغيرهم كثير ممن عرفوا بعلو شأنهم في العلوم، وتداول مؤلفاتهم واعتمادها في التدريس في أقطار المغرب.
والواقع أن حاضرة سوس مدينة تارودانت قد لقيت من اهتمام السعديين الشيء الكثير، حيث شجعوا القبائل على عمارتها، والعلماء على الإقراء بها، وأجروا لها الجرايات والجوائز، فنفقت بها العلوم وكثر الواردون إليها من طلبة سوس، واكتفو بالأخذ عن هؤلاء العلماء دون الحاجة لشد الرحال إلى الحواضر الكبرى، وذلك شأن التمنارتي.

حياته العلمية وتلاميذه:
انقطع التمنارتي بعد استكمال أسباب العلم للتدريس، خاصة بعد استيلاء أبي زكرياء يحيى الحاحي صاحب زاوية زداغة على سوس، وحاضرته تارودانت عام 1020هـ (33) إذ قدم تلميذه أبا زيد للقضاء بها، بعد أن رحل عنها القاضي عيسى السكتاني الذي رفض طرح بيعة المنصور، (34) كما قام التمنارتي بالتدريس بجامع المدينة الأعظم، (35) والظاهر أن هذه المدينة لم تبق على ما كانت عليه أيام المنصور وأسلافه من كثرة العلماء والطلبة، وسبب ذلك وباء الطاعون المستشري بالمغرب مدة عشر سنين من عام 1006هـ حتى عام 1016هـ، والذي اخترم عددا كبيرا من العلماء، كما أن الفتن التي تلت وفاة المنصور قلصت من نشاط الباقين، وعن حالة تارودانت أثناء استيلاء الحاحي عليها يقول أبو زيد:
"ولما تم له أمر السوس قدمني لقضائها، فوجدت قاعدتها تارودانت قد دثرت محاسنها معكوسة الرجاء من سائر الأرجاء، معطلة الأحباس عن سائر الأجناس، وقد كسد بها سوق العلم والفضل، ونفق سوق الغنى والجهل... فسعيت في رم داثرها، وأعملت وجوه التصرف في إعمار غامرها حتى بهج جمالها، وعاد إليها كمالها، وصليت وظائفها الدينية إلى قبلتها، واستقرت مرافقها على منصتها، وأشرق بها وجه الدين، وتنافس في المعارف طوائف الطالبين...". (36)
إلا أن أبا زيد رغم جهوده في إصلاح أحوال مدينته لم يطل قيامه بمهمة القضاء، إذ ما لبث أن اختلف وأميره يحيى حول أحوال الأحباس التي أراد هذا الأخير صرفها لتقوية جيشه وتجهيزه، بينما كان التمنارتي يرفض ذلك، مما أدى إلى عزله عن القضاء (37) فعادت الأحوال بالمدينة إلى ما كانت عليه من انصراف الطلبة والعلماء عن الدراسة لقلة الأقوات التي كانت الأحباس بها قائمة، إلا أن أبا زيد عاد من جديد إلى خطة القضاء عام 1039هـ حين استولى أبو الحسن الجازولي السملالي على تارودانت عقب وفاة يحيى الحاحي، وضمها لإمارتها الإيليغية، (38) فقدم التمنارتي، فأعاد إصلاح الأحباس وقام بشؤون التدريس خير قيام. (39)
وخلال هذه لمدة قام أبو زيد بالتدريس بالجامع الكبير بتارودانت، حيث أخذ عنه عدد من الطلبة السوسيين كالمرغيثي صاحب المقنع. ثم الإمام اليوسي الذي شهد له انه اعلم من وجد بتارودات حين قدمها راجعا من إيليغ، وبعض علماء السودان، (40) وقد أجاز أبو زيد تلامذته في إجازة عامة أثبتها في كتابه "الفوائد" وذكر من بينهم ولديه أحمد ومحمد. (41)
وبالإضافة إلى تقلده القضاء والتدريس والإمامة، كان أبو زيد مرجعا للإفتاء بسوس حيث كان الناس يحتكمون إليه ببلادهم، كما كان العلماء والفقهاء يراسلونه، وقد أثبت في كتابه عدة فتاوى تتعلق بالخصوص بمسائل التبغ،  وأموال بيت المال وألواح الحصون. (42)

مؤلفاتـــــــــه:
خلف أبو زيد ست مؤلفات (43) هي:
أ‌- كتاب: "الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة": وهو أهم مؤلفاته، وسنتحدث عنه لاحقا.
ب‌- "شرح لامية الزواوي في النحو".
هـ- "تهذيب كتاب النور الباهر في نصرة الدين الطاهر" ليوسف بن عبد الله الإسلامي (وهو يهودي أسلم بعد سنة 1020هـ ساق في الكتاب عن التوراة أمورا تدل على صحة الإسلام، وقد كان حبرا من أحبار اليهود، ولم يكن متين العربية، فناول الكتاب للقاضي أبي زيد عبد الرحمان التمنارتي، فهذب عربيته فأتمه يوم الثلاثاء 24 جمادى الثانية عام 1053هـ). (44)
هـ- ديوان شعر: جمعه أحد أبنائه في أواخر حياته، ورتبه في أربعة أبواب، لكن لم يوجد من هذا الديوان إلا نسختان مبتورتان إذ لم يبق منهما إلا الباب الرابع وجدتا بالخزانة السنية. (45) وقد كان مؤرخ سوس المرحوم المختار السوسي أشار إلى أن هذا الديوان مفقود بالكلية. (46)
هـ- أجوبة فقهية.
و- شرح منظومة في العقائد.
ويعتبر كتاب الفوائد أهم هذه المؤلفات ويشمل فهرسة التمنارتي بالإضافة إلى أشعاره، وأهم الأحداث التي عاشها طوال حياته حتى سنة 1045هـ تاريخ الانتهاء من التأليف، (47) وقد أرخه بمنتصف رمضان من العام المذكور، وقسمه إلى أربعة أبواب حيث قال: "... رتبت هذا التقييد في أربعة أبواب:
الباب الأول: في ذكر مشايخي ومشايخهم وحميد سيرهم ووفياتهم.
الباب الثاني: في الأسانيد التي حصلت ممن ثبت عندي صحة إسناده، وأخذه وهو معظم قصد التقييد، لأن به تتصل النسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بها الشرف والسعادة.
الباب الثالث: فيما تلقيناه من الغرائب وسمعته من العجائب والفوائد.
الباب الرابع: في المرائي الحسان الدالة على إمداد الله لعبده الضعيف بلطائف البر والإحسان وبه يتم كماله". (48)
فالكتاب متنوع يشمل معلومات فقهية وتاريخية واجتماعية وأدبية... وهو يصور الحياة المغربية عامة والسوسية خاصة، في النصف الأول من القرن الحادي عشر الهجري، ولهذا اعتمد عليه عدد من المؤلفين في نقل معلومات عن منطقة سوس في هذه الفترة، حيث نقل عنه الحضيكي (تـ 1189هـ) تراجم كثير من العلماء في "طبقاته"، ونقل عنه الإفراني (تـ 1140هـ) في "نزهة الحادي "، و"صفوة من انتشر"، واعتمده لناصري في "الاستقصا"... واستفاد منه باحثون معاصرون كالمستشرق الفرنسي جوستينار الذي ترجم جزءا منه إلى الفرنسية (49) ومحمد المختار السوسي في كتبه: "المعسول"، "خلال جزولة"، "إيليغ قديما وحديثا"، "سوس العالمة"، "رجالات العلم العربي في سوس"... والشيخ عبد الله كنون في كتابه: "النبوغ"، ومحمد بن عبد الله الروداني في تحقيق "إيليغ قديما وحديثا"، ومحمد حجي في "الحركة الفكرية في عهد السعديين" وفي تحقيق "دوحة الناشر" لابن عساكر، وأحمد أبو زيد في كتابه "محمد ابن سليمان الروداني"... وغيرهم كثير...
وتوجد عدة نسخ مخطوطة في هذا الكتاب بمختلف الخزانات سواء منها الخاصة أو العامة، وقد ذكر المرحوم المختار السوسي بأن لديه نسخة حاول تخريجها لطبعها، إلا أن وفاته حالت دون ذلك. (50)
وتوجد نسخة جيدة بالخزانة العامة مصورة عن نسخة قاضي تارودانت موسى الرسموكي (تـ 1362هـ)، وهي مؤرخة بآخر رمضان من عام 1046 هـ (51) وأخرى بخزانة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، (52) وهي مصورة عن نسخة تحتفظ بها إحدى الخزانات بسلا، إلا أنها كثيرة التصحيف والحذف.
وذكر الناصري صاحب "الاستقصا" نسخة أخرى في هامش كتابه، وقال بأنها محفوظة بالخزانة الناصرية بسلا. (53)
ورغم ما لهذا المخطوط من أهمية فإنه لا يزال بعيدا عن الطبع والنشر، ولم يعرف طريقه بعد إلى التحقيق إلا ما كان من تقديم وفهرسة أنجزها بعض الطلبة بكلية الآداب بأكادير فيها ما فيها من الأخطاء والأغلاط. (54)

أدبـيــــــاتــه:
أورد التمنارتي في كتابه الفوائد عددا من قصائده قاربت الخمسين، موزعة على عدة أغراض شعرية من مدح ورثاء ووصف وتوسل وتشوق، ومنطومات فقهية وتاريخية.
ففي الرثاء نجد له قصيدة يرثي بها شيخه قاضي تارودانت ابن الوقاد التلمساني ومطلعها: (55)
يا عبرة العين جودي واهمي وانهملي
                          فلا دموع ليوم البين تدخري
وفي التوسل قصيدة نظمها إثر إصابته بالعمى ومطلعها: (56)
سألتك يا ألله يا من له الأمر
                 فأنت الذي تدعى متى مسنا الضر
وفي مدح الرسول صلى الله عليه وسلم قصيدة مطلعها: (57)
أنت عين الوجود وبحر الوفا
                     وسراج الأفق وشمس الرشد
وفي وصف الطبيعة قصيدة مطلعها: (58)
لدى صفوا فيها الماء منحدر
                  إلى تلع حصباؤها الدر منتظر
وله منظومة تاريخية مطولة في ذكر دولة المغرب وجهادها في نشر الإسلام، وقد نظمها استنفارا للجهاد عندما استنجد أهل سلا بالشيخ الصوفي أبي زكرياء يحيى الحاحي ليرد عنهم طغيان الغزاة الصليبيين، (59) ومطلع المنظومة:
ظباء العقيق حبكن يزيد
                  وشوقي إلى أبطاحكن عتيد
ومن أروع قصائده تلك التي سجلها في أواخر كتابه، وذكر أنه قالها بعد رؤية منامية للرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيها: (60)
أيا طبيبا يحيي الفؤاد نسيمه
               وتنقذ من فتك الغرام رسومه
ويمنح أوثاق الأمان جواره
               ويمنع من كل المخاف حريمه
لدي بصدق الحب فيك صبابة
               قضى وجدها لا يزول صميمه
ولي أمل في طيبة أنت طبيبها
               على بعدها للعين دمع تنهل ديمه
أجد مسيري والمحبة رائدي
                ويؤنسني في مهمة البيد ريمه
ويتميز الشعر عند التمنارتي بكونه يمتح من خلفية دينية إسلامية كثفها التصوف، فاهتم أبو زيد أكثر بثلاث أغراض:
o الغرض الأول: شعر التوسل حيث تصبح اللغة والإيقاع وسيلة للاتصال والارتباط بالذات الإلهية باعتبارها ضامنة للحماية والنجاة من فتن الدنيا ومحنها، ويتضح ذلك بكون التمنارتي نظم جل قصائد التوسل أثناء المحن والفتن التي شهدها، غير أن الذات الإلهية لا تبقى دائما متفردة بالتوسل، بل يقصد الشاعر كذلك الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والصالحين والمقدسات الدينية كالقرآن والكعبة والكتب المنزلة...
o أما الغرض الثاني: فهو المدح النبوي والمولديات التي تمثل سعي الشاعر نحو النموذج الإنساني الأمثل والكامل بخلقه وخلقه، بسيرته وبعطفه على المسلمين وضمانه للشفاعة التي تشكل محور القصائد وهدفها الأسمى. فالشاعر لا يسعى إلى النوال الدنيوي، كما يفعل الشعراء عادة عند مدحهم للملوك والأمراء. وإنما يسعى إلى النوال الأخروي: إلى الشفاعة، والرسول صلى الله عليه وسلم أكثر كرما وأريحية من الملوك والأمراء يكرم مادحيه بخير ما يكرم به المسلم من رسول ربه، بالشفاعة والمصاحبة في الجنان مع الصحابة والشهداء والصالحين.
o والغرض الثالث: هو التشوق إلى البقاع المقدسة. ويجدر بنا أن نذكر أولا بأن التمنارتي لم يحج قط مما جعل أشعاره التشويقية تعويضا عن الحرمان، ورحلة في الذاكرة عوضت استحالة الرحلة في الواقع. والشاعر من خلال هذه الحلة الشعرية يعيد تشكيل المكان من خلال الوصف حيث يصف الديار المقدسة مشيرا إلى ما كان فيها من جهاد في سبيل الدعوة الإسلامية ومن معجزات نصر بها لله تعالى رسوله.
والملاحظ أن الشاعر يختم دائما أو غالبا قصائده بالصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في ذلك يمتثل لأمر القرآن الكريم، حيث يقول تعالى: ?إن الله وملائكته يصلون على النبيء يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ?. (61)
ومن هنا كان حرص الشعراء على إنهاء قصائدهم بهذه الصلاة الإلهية، والشاعر يقرنها بما يوحي بالدوام والسرمدية والتجدد ضمانا لاستمرارها كما في قوله:
عليك صلاة الله ما زان زهرها
                    رياضا ونظما في القلائد جوهرا (62)
فالصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم تتجدد بتجدد الزهر ونموه في الرياض، وانتظام الجواهر في القلائد، وهذا ما يعني تجدد الصلاة وبقاءها باستمرار الحياة.
وخلاصة القول: إن اتجاه الشاعر إلى الأغراض الثلاثة المذكورة يبرز تمسكه بعقيدته بوصفها طوق النجاة السابح وسط أمواج الفتن والمحن والمصائب في سعي الشاعر لنيل رضا ربه، وشفاعة الرسول للنجاة من مكاره الدنيا.
فالنزعة الصوفية إذن بارزة في أشعار التمنارتي، وحتى شعر الطبيعة ليس إلا مجسدا لهذه النزعة، حيث يتأمل الشاعر خلق الله واصفا ومتعوذا من شيطان الغواية. (63)
كما أننا لا نجد لشاعرنا أية مقطوعة غزلية إلا ما كان مطلعا للقصائد المولدية والمدحية تقليدا منه للسابقين، مما يدل على أن له نظرة خاصة إلى هذا الغرض أساسها الرفض باعتبار الغزل تهتكا ومجونا لا يليقان بالمتصوف الفقيه المنصرف عن الدنيا ولذاتها.
هذا فيما يخص مضامين شعر التمنارتي، أما مبناه، فالملاحظ فيه كثرة الخلال العروضية حتى أن بعض قصائده (64) لا تنتمي لبحر معين من البحور العروضية المعروفة، وإلى ذلك أشار أحد معاصريه عند قوله:
"وله قصائد عجيبة في المدائح وغيرها، ربما كان الخلل من جهة العروض في قليل من أبياتها...". (65)
أما الرسائل فقد حفل بها أيضا كتابه، وهي تتناول مواضيع متنوعة من فقهية ودينية وسياسية، ويبلغ عددها العشرين، ويتميز أسلوب التمنارتي فيها بالمتانة والسلاسة واقتناص البديع خاصة السجع، دون تكلف، وهذه سمة أسلوبه في كتابه عامة.
ونكتفي بهذا، مع أن إبراز الخصائص الفنية والعوامل النفسية لإنتاج التمنارتي، يقتضي منا وقفة أكبر لا يتسع لها المجال في هذه الإطلالة السريعة على شخصيته المغمورة في تاريخ وأدب المغرب، ولولا وجود كتابه "الفوائد" لكان نسيا منسيا، ولبقي شطر من تاريخ منطقة سوس مجهولا جهلا تاما.


مصادر ومراجع البحث
* القرآن الكريم
1- أحمد بن خالد الناصري (أبو العباس)
أ- الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى تحقيق وتعليق: جعفر الناصري ومحمد الناصري دار الكتاب، الدار البيضاء 1955 بالجزئين السادس والسابع.
2- الرسموكي (مجهول الاسم)
ب- وفيات الرسموكي، نشر رضى الله عبد الوافي المختار السوسي – الرباط 1408هـ -1988م.
3- عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني
جـ - فهرس الفهارس والإثبات (ج 2) تحقيق إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي / بيروت لبنان – ب. ت.
4- عبد الرحمان التمنارتي (أبو زيد)
هـ - الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة – مخطوط مصور بمكتبة كلية الآداب بالرباط تحت رقم 964.     02 تمن.
5- ليفي برفنسال
و- مؤرخو الشرفاء، تعريب عبد القادر الخلادي، دار المغرب / الرباط – 1397هـ - 1977م.
6- مبارك آيت عدي ومتيق حفيظ
ز- تقديم وفهرسة مخطوط الفوائد الجمة – بحث لنيل الإجازة من كلية الآداب / أكادير، مرقون بشعبة التاريخ بالكلية لسنة 1989م.
7- الدكتور محمد حجي.
-- الحركة الفكية في عهد السعديين (ج 1 و2) منشورات دار المغرب الرباط 1977 م – 1978م.
8- محمد المختار السوسي
ي- المعسول (ج 7) – مطبعة النجاح – الدار البيضاء 1382هـ - 1963م.
ك – سوس العالمة – مطبعة فضالة – المحمدية 1380هـ - 1960م.
ل – إيليغ قديما وحديثا – تحقيق محمد بن عبد الله الروداني – المطبعة الملكية الرباط 1963م – 1382هـ
م- خلال جزولة (ج 4) المطبعة المهدية تطوان. ب ت.


1)  انظر في هذا الموضوع محمد حجي، الحركة الفكرية في عهد السعديين بجزئيه.
2) انظر لفي بروفنسال، مؤرخو الشرفاء ص: 181- 182.
3) أحمد بن خالد الناصري – الاستقصا ج 7.
4) عبد الرحمان التمنارتي – الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة ص: 6.
5) محمد المختار السوسي – سوس العالمة ص: 143.
6) محمد حجي – الحركة الفكرية في عهد السعديين ج 2، ص: 618.
7) محمد المختار السوسي – سوس العالمة ص: 17.
8) محمد المختار السوسي – المعسول ج 7 ص: 10.
9) المرجع نفسه ص: 6.
10) صرح أبو زيد أنه بلغ من العمر ستا وعشرين سنة تمام الألف للهجرة، انظر الفوائد الجمة ص: 244.
11) المرجع نفسه ص: 10 والحركة الفكرية ج 2 ص: 565 – 566.
12) الفوائد الجمة ص: 6.
13) محمد المختار السوسي: إيليغ قديما وحديثا – تحقيق محمد بن عبد الله الروداني – هامش ص: 3.
14) الفوائد الجمة ص: 134.
15) المرجع نفسه ص:  160 – 236- 241- 246 – 247- 249.
16) المرجع نفسه ص: 122.
17) المرجع نفسه ص: 46.
18) المرجع نفسه ص:  44.
19) المرجع نفسه ص: 13 – 14 – 15.
20) الفوائد الجمة ص: 27.
21) المرجع نفسه ص: 30.
22) المرجع نفسه ص: 21.
23) المرجع نفسه ص: 31.
24) المرجع نفسه ص: 37 وسوس العالمة ص: 180.
25) أخذ أبو زيد على ما يزيد على ثلاثين شيخا، انظر مشيخة التمنارتي في كتابه الفوائد الجمة من ص: 6 حتى ص: 126.
26) المرجع نفسه.
27) عبد الحي الكتاني – فهرس الفهارس والإثبات ج 2 ص: 922.
28) الفوائد الجمة ص: 41.
29) الفوائد الجمة ص: 6.
30) محمد حجي، الحركة الفكرية ج 2، ص: 563.
31) الفوائد الجمة ص: 144.
32) عن أسانيد شيوخ التمنارتي، انظر الفوائد الجمة من ص: 6 حتى ص: 126.
33) المرجع نفسه ص: 159.
34) المرجع نفسه ص: 45.
35) عبد الحي الكتاني – فهرس الفهارس والإثبات ج 2 ص: 922.
36) الفوائد الجمة ص: 159.
37) المرجع نفسه ص: 160.
38) الإيليغية نسبة إلى إيليغ، ويخلط الكثيرون بين هذه المدينة التي بناها أبو الحسن السملالي سنة 1018هـ والتي تقع على بعد 65 كلم من تزنيت وإيليغ التي هي مسقط رأس العلامة محمد المختار السوسي والواقعة على بعد 85 كلم من تزنيت أيضا، ولعل تشابه الاسمين وجمع المختار السوسي لتاريخ المنطقتين سبب الخلط. انظر مثلا عبد العزيز بنعبد الله – الموسوعة المغربية للأعلام لبشرية والحضارية في ملحقها معلمة المدن والقبائل ص: 77.
39) الفوائد الجمة ص: 160.
40) لفي بروفنسال – مؤرخو الشرفاء ص: 181 – 182.
41) الفوائد الجمة ص: 84.
42) القواعد الجمة ص: 189 – 200 – 212 – 213.
43) محمد المختار السوسي – سوس العالمة ص: 181.
44) محمد المختار السوسي – خلال جزولة ج 4 ص: 177- 178.
45) محمد حجي – الحركة الفكرية ج 1 ص: 28.
46) محمد المختار السوسي – سوس العالمة ص: 181
47) الفوائد الجمة ص: 256.
48) الفوائد الجمة ص: 4.
49) انظر: تقديم وفهرسة مخطوط الفوائد الجمة – بحث لنيل الإجازة في التاريخ من إنجاز متيق حفيظ وآيت عدي مبارك. مرقون بكلية الآداب / أكادير. شعبة التاريخ.
50) محمد المختار السوسي – سوس العالمة ص: 230.
51) مسجلة تحت رقم 1420د.
52) مسجلة تحت رقم 964. 02 تمن.
53) الاستقصا ج 6. ص: 35.
54) انظر هامش رقم 2، بلغنا أن الفقيه محمد بن عبد الله الروداني مشتغل منذ مدة بتحقيقه.
55) الفوائد الجمة ص: 17.
56) المرجع نفسه ص: 134.
57) المرجع نفسه ص: 139.
58) المرجع نفسه ص: 144.
59) المرجع نفسه ص: 152.
60) المرجع نفسه ص: 251.
61) سورة الأحزاب – الآية: 56.
62) الفوائد الجمة ص: 141.
63) الفوائد الجمة ص: 145.
64) المرجع نفسه ص: 142 والقصيدة مطلعها:
متى ترى يوم إسعادك دارها   
                  عساك تدعى بعد إبعادك جارها
65) وفيات الرسموكي: ص: 24، ومؤلف هذه الوفيات مجهول الاسم، كما صرح بذلك محمد المختار السوسي في كتابه "سوس العالمة" ص: 210 والوفيات: ص: 3.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here