islamaumaroc

منهج الإسلام التربوي

  عبد الحميد الجمالي

العدد 307 رجب 1415/ دجنبر 1994

إن الموضوع الذي أود التطرق إليه ومناقشته هو "منهج الإسلام التربوي" الذي يكتسي أهمية بالغة، وذك من خلال محور "الجمع بين المنهج النظري والسلوك التربوي كأساس لتنمية العالم الإسلامي وتوحيده"، حيث سيرتكز على تناول النقط التالية:
* تحديد مفهوم التربية والسلوك في الإسلام.
* المنهج الإسلامي كأساس لتربية النشء.
* السلوك التربوي كأساس لتنمية العالم الإسلامي وتوحيده.

• النقطة الأولى: تحديد مفهوم التربية في الإسلام:
إن النشء هو مستقبل كل مجتمع إنساني، والحفاظ على مكانة المجتمع بين أوساط المجتمعات البشرية الأخرى يتعلق بطريقة تربية النشء وتوجيهه.
لهذا فإن النشء مدعو أن يتحمل بعض الواجبات التي تتمثل:
أولا: في المحافظة على مكاسب بلاده، ومقدسات وطنه، وتقاليد مجتمعه.
وثانيا: في الدفع بعجلة التقدم إلى الأمام لمسايرة العصر ومتطلبات الحياة.
ولتحقيق ذلك، حث الإسلام على ضرورة العناية بالنشء، والاهتمام به، من أجل إمداده بكل الأساليب و الطرق التي من شأنها أن تساعده على قدرة تحمل مسؤولياته، وجعله عنصرا صالحا في المجتمع في مستوى تحديات عصره بكل ثقة وعزة.
وقد برهن لنا الإسلام بأن التهاون والإهمال تجاه حياة النشء لهو إثم كبير، حيث أن العناية بصحة الطفل والحرص على سلامة حياته، تعد فعلا عناية بالأمة الإسلامية،  باعتبار أن الطفل هو نواة المجتمع. وقد جاء في الحديث النبوي الشريف "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول". (1) ذلك ان مفهوم التربية الروحية مرتبط بمفهوم التربية الجسمية، فلكي يكون العقل سليما لابد من جسم سليم، ومن هنا ضرورة وقاية هذا الجسم من الأمراض و الأوبئة الفتاكة. فالتهاون في الوقاية، وفي تحصين الجسم، وكذا في القسط اللازم من العلاج أمر ينبذه الإسلام، لأن الإسلام يدعو إلى التماس كل ما من شأنه أن يكون دواء لكل داء، وقد جاء في الحديث الشريف: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء" (2).
وتربية الطفل في الإسلام تبدأ بادئ ذي بدء منذ الرضاعة، لأن الرضاعة الطبيعية كما يراها الأطباء و البيولوجيون ضرورية، لما لها من أثر فعال على نفسية الطفل ومزاجه، فعلا عما تخلق في الطفل من مناعة داخلية ضد الأمراض، وما يحتويه ن الفيتامنات، والبروتنات اللازمة، والتي تصلح لنموه السريع، واتزان أعصابه. لهذا نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يحذر من خطورة الإهمال في الرضاعة الطبيعية بقوله: "توقوا أولادكم لبن البغي والمجنونة فإن اللبن يعدي". (3) وقد ذكرها القرآن الكريم، وذكر قوانينها التي تنظمها بقوله تعالى في سورة "البقرة" الآية: 233: (الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة). ثم قوله تعالى في سورة "القصص" الآية: 5 (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه).
وهكذا نستخلص أن الإسلام أناط بالوالدين مسؤولية الرعاية بأطفالهما من مرحلة الرضاعة، مرورا بمرحلة الطفولة إلى أن يصير يافعا، إنطلاقا من المسؤولية المشتركة بين الزوجين، لذا ينبغي أن يتعاونا على شؤون أولادهما من حيث التنشئة الجسمية والفكرية، وكذا التنشئة الروحية والأخلاقية.
وقد وجهنا الرسول صلى الله عليه وسلم نحو قانون لحماية الأطفال و العطف عليهم، وقد تناولها الإمام البخاري في صحيحه ضمن باب رحمة الصغير، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا".
ومن هنا نستخلص أن من لم يرحم الأطفال من المسلمين لن ينتسب إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
كما أن رحمة الأبوين بالصغير أولى بهما وأحق عليهما لأنهما سيجنيان نتائج ذلك في كبرهما عندما سيخفض لهما جناح الذل من الرحمة.
 (مجلة يونيسف: "منهج الإسلام في الطفولة" 1985).

• النقطة الثانية: المنهج النظري كأساس لتربية النشء:
لقد اتفق الباحثون السيكولوجيون أن مرحلة الطفولة ذات أهمية قصوى في توجيه الطفل وتربيته. حيث أنه في هذه المرحلة يكون ذا قابلية للتلقين والتعويذ، إذ أن تلقينه مبادئ الخير وإفهامه حقائق الحياة في هذه المرحلة بالذات، يعتبر أفضل وقاء يحميه من الشك واللامبالاة والعبثية، ولقد قال الإمام الغزالي: "والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفسية، فإن عود على الخير وعمله  نشأ فيه".
لهذا، فإن تأهيل الطفل، ودفعه إلى التأمل في أسرار الكون، وسلوك طريق التدرج في الحديث معه من المحسوس إلى المعقول، ومن الجئي إلى الكلي، ومن البسيط إلى المركب من أجل إقناعه وجدانيا وعقلانيا تجاه قضية الإيمان بالله مع الإدلاء بالحجج والبراهين. فإن ذل يؤدي إلى ترسيخ العقيدة في قلب الناشئ (الطفل)، ويجعله قادرا في المستقبل على مواجهة التيارات التي قد تعصف به من هنا و هناك. وقد روى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله".
والرسول صلى اله عليه وسلم أمر المربين بأن يلقنوا أولادهم أركان الصلاة وهم في سن السابعة، فقد روى أبو داود عن ابن عمرو بن العاص عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع"، كما أمرهم صلى الله عليه وسلم تلقينهم أحكام الحلال والحرام، وما هو في نطاق الشرع، وما و خارجه، وذلك لما أخرجه ابن جرير، وابن المنذر من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "مروا أولادكم بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فذلك وقاية لهم ولكم من النار.
كما أمر صلى الله عليه وسلم المربين بأن يلقنوا أولادهم محبة نبيهم ومحبة آل البيت، وتلاوة القرآن. وقد روى الطبراني عن علي كرم الله وجهه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: "حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن" ومن هنا أشير إلى ضرورة تعويذ أطفالنا على حب وطاعة أمير المومنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده، لانتسابه إلى آل البيت، وباعتباره سبط الرسول العظيم,
ومجمل القول، فإن مسألة التلقين والتعويد لأطفالنا تجاه مجموعة من مبادئ والصفات تدخل في إطار الجانب النظري لتربية النشء تربية إسلامية من أجل تكوينه تكوينا سليما وتهيئته تهييئا صحيحا وإعداده للمستقبل كرجل عقيدة وعمل وجد وإخلاص.

• النقطة الثالثة: السلوك التربوي كأساس لتنمية العالم الإسلامي وتوحيده:
هذا المحور يتركز على جانبين، الجانب الذاتي الذي يرتكز على الدور الذي تقوم به الأسرة، والجانب الموضوعي وهو الدور الذي تقوم به مختلف الجهات خارج الأسرة، من مدرسة ووسائل الإعلام والجمعيات، والهيئات والمنظمات الاجتماعية. وكلهما يشتركان في إعداد الطفل خلقيا ونفسيا، واجتماعيا لإدماجه في محيطه وجعله عنصرا فعالا داخل مجتمعه في حياته المستقبلية. ولكل منها وسائل وسبل يتركز على الموعظة والإرشاد والنصيحة والتوجيه والتوعية، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من استرعي رعية فلم يحطها بالنصيحة حرمت عليه الجنة".
ففيما يتعلق بالجانب الأول، فإننا ندرك جميعا ما للتربية المنزلية من دور فعال في تقويم سلوك الطفل وتلقينه المبادئ الأولى في الإسلام ومكارم الأخلاق وتربيته على حب الله والوطن والمجتمع، وتوجيهه نحو معاملة الناس معاملة حسنة تزرع فيه حب الإخاء والتسامح والتعايش. ولكن هذا لن يتسنى للأسرة القيام به إلا إذا كانت على درجة من الوعي والتعليم والإطلاع على أساليب التربية.
ثم يأتي دور المدرسة لتدعيم دور الأسرة في مجال تربية الطفل باعتبارهما اللبنة الأولى والحجر الأساسي لكل تقدم فكري وتطور اجتماعي. و بالتعليم المدرسي تتقدم الحضارات وتتطور المجتمعات، لذلك نجد أن الدولة إذا أصابتها نكبة ونوائب، فإن أول ما تقوم به هو مراجعة مناهجها ونظامها التربوي والتعليمي، ولا غرابة أن نجد قولا لأحد الألمانيين عندما انتصرت ألمانيا في الحرب السبعينة على فرنسا (لقد انتصر معلم المدرسة الألمانية) ثم نجد قولا آخر، لما انهزمت فرنسا في السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية: "إن التربية الفرنسية متخلفة"، وهذا يبرهن عما للسلوك التربوي من دور فعال في التقدم والتنمية.
فعن طريق التربية الحسنة والسلوك المستقيم يعد الفرد إعدادا يستفيد من ذلك جميع الإطراف المعنية: الفرد، الأسرة، المجتمع، فتنمو المفاهيم الإنسانية، وتسمو المفاهيم الأخلاقية، مما يفتح آفاقا نحو تفاهم دولي وتعايش عالمي، وبالتالي عندما يحصل التفاهم يحصل التقارب، وعندما يحصل التقارب يحصل التوحيد.
فالسلوك التربوي هو أساليب مدروسة، وإجراءات تطبيقية إن كانت ناجحة تؤدي إلى الحضارة، وفي خضم ذلك تتحدد المشاكل التي تعرقل التعاون والتكامل بين المجتمعات، ومن شأن ذلك أن يساهم في حل المشكلات الاجتماعية المعاصرة، ومنها ما يتعلق بشبيبتنا باعتبارهم الفئة التي تكون نسبة كبيرة من سكاننا، وذلك بفتح الآفاق أمام الشباب بطرق علمية صحيحة، تدفع بهم نحو انطلاقة مشبعة بروح الأصالة، كما تجعلهم في مستوى التحدي الممزوج بالطموح وروح العمل البناء من أجل استغلال طاقتهم بتوظيف مؤهلاتهم واكتشاف اهتماماتهم، وكل هذا من أجل ضمان استقرارهم الاجتماعي توازنهم النفسي، وجعلهم يسيرون في المنهج السوي الذي يرمي إليه الإسلام من خلال دعواته ومواعظه وإرشاده.
فالتربية والتعليم إذن عملية ديناميكية تنمو وتتبلور في مجتمع معين من أجل خدمته، وجعل أبنائه يعيون في طمأنينة وكرامة لكي يحيوا حياة تسير وفق متطلبات العصر,
ولقد اعتبرها الرسول صلى الله عليه وسلم وسيلتين في تربية الجيل حين طلب من أسرى غزوة بدر الكبرى تعليم المسلمين مقابل فك أسرهم.
وقد كرم الله سبحانه وتعالى آدم على غيره، إذ بعث للإنسانية معلما مربيا ونارا للدين ومنظما للحياة بجميع ميادينها هو نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم إذن قال سبحانه في سورة "الجمعة" الآية: 2 (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو علهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) وفي سورة الأحزاب الآية: 21: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة).
وليس بعجيب أن تسمى الأمة الإسلامية بأمة (إقرأ) التي تعني في معناها الكلي امة العلم والمعرفة والنور (إقرأ باسم ربك الذي خلق)، فطريق العبادة، وطريق الحضارة تستلزم أن تمر عن طريق العلم و المعرفة لتحقيق التنمية والتقدم.
والسلوك التربوي في الإسلام لا يتحدد في نقطة معينة ولا في سلوك معين، بل يشمل جميع السلوك الإنسانية، وكل ما يقع تحت إدراك الحس وتنمية المواهب، وتستدل على ذلك وصية عمر ابن الخطاب رضي الله عنه عندما قال: "علموا أولادكم السباحة، والرماية، ومروهم فليثبوا على الخيل وثبا". فالرماية وملاعبة الخيل وحسن ركوبها،  كانت عند العرب في ذلك الوقت كل حياته وسلوكه، كما نجد العلم والمعرفة لابد أن يكونا مقرونين بالسلوك التربوي، وقد جاء في الحديث الشريف: "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم"، وهذا يعني أن الإسلام يهدف إلى مراقبة سلوك الطفل حتى لا تسطو عليه موجات الزيغ والشكوك.
وقد تطرق علماء التربية الإسلامية كالغزالي وابن خلدون، ومسكويه، إلى أهمية تربية الطفل في أبحاثهم ومخطوطاتهم باعتبار أن هذه الفترة تغرس الأخلاق، وتقوم العواطف، حيث أن كل مولود يولد على الفطرة، كما جاء في قول الرسول صلى الله عليه وسلم وأكدها القرآن الكريم في سورة "الروم" الآية: 30. (فطرة الله التي فطر الناس عليها). ولكن المربيين إذ أخذوا بمنهج الإسلام في تربية النشء، فإن الطفل سيترعرع في جو متشبع بالعقيدة الإسلامية الراسخة، والخلق القرآني القيم، وهذا يدخل في إطار المنهج العام الذي رسمه الإسلام في تكوين الطفل وتعويذه الخصال الحميدة مكارم الأخلاق.

• الخاتمة:
وإجمالا لما سبق ذكره، فإن تثبيت العقيدة الإسلامية المبنية على الكتاب والسنة والإجماع، ووحدة المذهب المالكي في المنهج التربوي تفرضه الظروف الحالية، وذلك لينشأ النشء محبا لوطنه، معتزا بأمجاده، متمسكا بمبادئه ومؤمنا بعروبته. ومحافظا ومنافحا عن عقيدته.
كما أن ربط التربية والتعليم بالتنمية الشاملة ضرورة ملحة، وذلك من أجل اكتساب القدرة على التفاعل مع العالم الخارجي، ثم لجعله قادرا على استيعاب الظواهر العلمية والتكنولوجية، والتكيف معهما بهدف مسايرة ركب التقدم والحضارة، والمساهمة فيهما وجعلهما يسيران وفق مختلف المظاهر الاجتماعية والثقافية التي يفرضها العصر، وإشباعه بروح المثابرة والإخلاص في العمل، وبالتالي دفع إلى التفتح البناء والإبداع وأخذ المبادرة.
وبطبيعة الحال، فإن الدولة تملك من الوسائل ما يجعلها تلعب دورا فعالا ورائدا في إذكاء روح التربية السليمة الصحيحة، والتي نادى بها الإسلام خاصة في المراحل الأولى من عمر الإنسان: مرحلة الطفولة، ومرحلة المراهقة، ومرحلة الشباب باعتبارها اللبنة الأولى والحجر الأساسي لكل ما يمكن أن يصدر عن الإنسان من سلوكيات وتصرفات في المراحل اللاحقة بها، وذلك بالانتفاع من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، بالإضافة إلى مختلف الجمعيات والهيئات ذاك أهداف تربوية، إذ لابد من تظافر الجهود من كل طرف، كي تصبح الناشئة أفرادا صالحين في مجتمعهم يعول عليهم في السراء والضراء، وحتى يكون في مستوى تحل المسؤوليات التي يمكن أن تلقى على عاتقهم، وكذا في مستوى تحديات القرن المقبل التي سيجابههم.

1) رواه أبو داوود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
2) رواه الإمام البخاري في صحيحه.
3) نقلا عن الطبراني.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here