islamaumaroc

من نوادر المخطوطات بخزانة الجامع الكبير بمكناس: كتاب "النكت في شرح البخاري"، للشيخ الإمام تقي الدين السبكي

  قاسم عزيز الوزاني

العدد 300 ربيع 1-ربيع 2 1414/ شتنبر -أكتوبر 1993

تتوفر هذه الخزانة على مخطوطات ذات أهمية، جديرة بالتعريف بها والإشارة إلى قيمتها العلمية. وفي هذا النطاق وقع الاختيار على كتاب «النكت في شرح البخاري" للشيخ الإمام تقي الدين السبكي.

مؤلف الكتاب :
هو علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الأنصاري الخزرجي، أبو الحسن، تقي الدين، شيخ الإسلام في عصره، وأحد الحفاظ المفسرين المناظرين، والمجتهدين المشهورين، وأحد أعلام المذهب الشافعي.(1) ولد في سبك (من أعمال المنوفية في مصر) سن 683 هـ/1284م، وانتقل إلى القاهرة ثم إلى الشام، وولي قضاء الشام، واعتقل فعاد إلى القاهرة، وهو والد تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي صاحب "طبقات الشافعية الصغرى والكبرى". (2)
أخذ عن أعلام الكبار في القراءة والتفسير والفقه والنحو، ورحل وسمع من آخرين، وأجاز له الرشيد بن أبي القاسم وإسماعيل بن الطبال، وبرع في الفنون.
توفي بالقاهرة سنة 756 هـ / 1355م، وقد ذكره ولده في "طبقات الشافعية الكبرى" (3) بأنه أجمع من شاهد جنازته على أن لم يم ير جنازة أكثر بهاء منها، وقال :"قالوا : إنه لو مات ليلا بالجزيرة ما انفلق الفجر إلا وقد امتلأ الخلق ما بين الجزيرة إلى باب النصر، ونادت المنادية : مات آخر المجتهدين، مات حجة الله في الأرض، مات عالم الزمان...". ونعاه الشعراء من بينهم جمال الدين محمد بن محمد بن نباتة بقصيدة طويلة، هذا مطلعها :
نعاه للفضل والعلياء والنسب  ناعيه للأرض والأفلاك والشهب

شخصيته العلمية :
ذكر المؤرخون بأن مؤلفاته عديدة، تقدر بمائة ونيف وعشرين، وقدرها صاحب "الشذرات" بأنها نحو 150 مؤلفا. من ذلك :
- "الابتهاج في شرح المنهاج للنووي".
- "الدر النظيم في تفسير القرآن العظيم".
- "الطوابع المشرقة في الوقف على طبقة بعد طبقة".
- "الفتاوي" جمعها ولده تاج الدين في ثلاثة مجلدات : (مطبوع).
- "التمهيد فيما يجب فيه التحديد" (مطبوع) وغيرها.
وذكر الزركلي في "الأعلام" لأنه له مجموعة، كلها بخطه في (الرباط 306 أوقاف)، (ولعله يقصد الكتب المحبسة في الخزانة العامة)، تشتمل هذه المجموعة على تسع رسائل.
وبالإضافة إلى ذلك فله اجتهادات وتأويلات كثيرة في مختلف الفنون الإسلامية والعربية، ومنها ما هي مدونة في مؤلفاته، ومنها ما أوردها ولده في ترجمته الطويلة، أذكر بعضا منها :
ففي الجانب الفقهي :
أنه من كان في المسجد، فأدركته فريضة لم يحل له الخروج بغير ضرورة عامة حتى يؤديها فيه .(4)
وأن من أتلف على شخص حجة وثيقة، تتضمن دينا له على إنسان، ولزم من إتلافها ضياع ذلك الدين، لزمه الدين .(5)

وفي جانب التصوف :
سئل لم لا يفترق الحال عند الصوفية بين إبداء الصدقة وإخفائها، وقد نص القرآن على تفضيل الإخفاء؟
فقال : "المراد أن قلب الصوفي لا يتأثر بالإعلان، لأنه لا يرى غير الله، فكان بالنسبة إليه سواء، وإن كان الستر من حيث هو أفضل من الجهر من حيث هو".(6)

وفى التفسير :
سئل عن الحنث العظيم المشار إليه في قوله تعالى : "وكانوا يصرون على الحنث العظيم".
فقال : هو القسم على إنكار البعث المشار إليه في قوله تعالى:
"وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت".(7)

وفي النحو :
ذهب إلى أن الجار والمجرور والظرف إذا وقعا خبرا يكونان خبرا، ولا يقدر فيهما "كائن " أو "استقر". وهو بذلك يعارض من يقول بتقديرهما في قوله : "وقد رأيته (أي التقدير) معزوا إلى أبي بكر بن السراج، شيخ أبي علي الفارسي في كتاب الشيرازات ".(8)

وصف المخطوط :
والمخطوط يحمل الرقم 167 بالخزانة، ويقع في 389 صفحة من حجم 18سنتم على 25سنتم ، في كل صفحة نحو 30 سطرا، مكتوب بخط النسخ باللون الأسود، جميل وواضح . تم نسخه يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر شعبان سنة ست وخمسين وثمانمائة هجرية، حسبما ذكر الناسخ في آخره، ولكنه لم يذكر اسمه، ويظهر أن هذا لم يكن يتوفر على ثقافة عالية نظرا لارتكابه بعض الأخطاء والزيادة والنقصان، ولكن ذلك لا يمنع القارئ من الوصول إلى المعنى المراد إذا تمرس على قراءة الكتاب.
ومن المؤسف أن الأرضة فتكت به فتكا ذريعا، خصوصا في أوله وآخره مما جعل الاستفادة منه استفادة كاملة صعبة إلا مع وجود نسخة أخرى التي يجري البحث عنها بالتنسيق مع "مركز المخطوطات والتراث والوثائق" بالكويت. (9)
بدأه المؤلف بقوله :"الحمد لله على نعمه المتوالية المتظاهرة، وأياديه المتعالية المتواترة" وختمه بقوله :"انتهى ما بذلك القول بإمامه من شرح كتاب البخاري رحمه الله الذي ابتدأه ولدي أبو عبد الله، فعالجه الموت قبل انتهائه رحمه الله تعالى وأجزل (له الثواب) ما نواه. (نرجو) أن ينفع به من نظر فيه، ولا يضيع معي من اجتهد في جمعه، وهو حسبنا، ونعم الوكيل".
وعقب هذه الخاتمة، ورد تعليق بخط مغربي دقيق هو :
الحمد لله وحده
قد من الله على كاتبه، وله الحمد والشكر محمد الفضيل بن الفاطمي الإدريسي الشهير (...) الله له، وتجاوز عنه بمطالعة هذا السفر إلى آخره، ونقل ما دعته الحاجة لنقله، جعل الله له من العمل المبرور والمتقبل، وغفر لمؤلفه ولصاحب الصحيح، ولكل من ذكر فيه من العلماء والأعيان بمنه وكرمه، وذلك في 11 شوال عام 1311 هـ.
وسماه "بالنكت" للمعلمات الدقيقة والمتنوع التي يكشفها من صحيح البخاري، وتفرزها الأحاديث التي توردت فيه، والاستنباطات الفقهية التي يستنبطها منها.
والنكتة والنكات في اللغة : جمع نكتة. ونكت من باب نصر، يقال نكت الأرض بقضيب أو بأصبعه ضربها به حال التفكير فأثر فيها، ونكت العظم أخرج مخه، فالنكتة إذن ليست من قبيل الفكاهة حسبما جرى به الفهم الآن، فلم تشر كتب اللغة لهذا المعنى. (10)

نسبة الكتاب إليه :
لم أعثر على ذكره في تراجمه التي أمكنني الاطلاع عليها، ربما تعذر ذلك لكثره مؤلفاته، ولكن كل القرائن تدل على أنه كتابه، من ذلك غزاره علمه، وعمق اطلاعه وتوسعه في الفنون اللغوية والحديثية والفقيه،.. وسلوكه طريق الاجتهاد التي أثبتنا نتفا منها، وميله لمذهب الشافعي الذي برز في الكتاب .

محتواه العلمي :
هناك معلومات متنوعة، أذكر منها ما يأتي:
أ - يشرح ما ورد من الأحاديث شرحا لغويا، فيقول عن حديث نزول الوحي:
"فحمي الوطيس وتتابع الرؤيا، مصدر رأي كالرجعى، ويختص هذا برؤيا المنام، كما أن الرأي يختص برؤية القلب، وفلق الصبح قالوا انشقاقه، والانفلاق الانشقاق، وكذا فرق الصبح، والصحيح أن الفلق بمعنى فلوق، وفرق بمعنى المفروق، والفرق اسم للصبح وكذلك الفلق، غير أنه أضيف أحدهما إلى الآخر لاختلاف اللفظين .. وقد جاء الفلق متفردا عن الصبح . قال الله تعالى : "قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق". وقال الشاعر: "أرعى النجوم إلى أن نور الفلق". ولم يجئ الفرق منفردا عن الصبح، وهذا إنما يقال في الشيء الواضح البين".(11)
ب - ويستنبط المعاني الدقيقة والأحكام الفقهية : فمن باب ترك النبي والصحابة الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد:
حديث أنس رضي الله عنه : "وفي تركه إياه معان : أحدها الرفق به، لأنه جهل ذلك ؟ والثاني أنه لم يأمن أن تتلوث ثيابه بالبول، والثالث لم يقطع عليه، لأنه لو قطع عليه ناله أذى، والرابع ربما قطر منه في مواضع، فينجس المسجد، وفي الحديث تطهير المسجد من النجاسات. والسجل : الدلو العظيمة . قال أبو حاتم : السجل ( ...).
وفي الحديث دليل على أن الماء إذا غلب على النجاسة، ولم يظهر شي ء منها فقد طهرها، وأنه لا يضره ممازجة الماء. وفرق أصحاب الشافعي بين ورود الماء على النجاسة وبين ورود النجاسة على الماء، وراعوا في ورودها عليه مقدار القلتين، ولم يراعوا في ورودها عليه ذلك المقدار. واختلفوا في تطهير الأرض من البول والنجاسة، فقال مالك والشافعي لا يطهرها إلا الماء، واحتجوا بحديث بول الأعرابي، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: يزيل النجاسة، فإذا ذهب أثرها صلى فيها، وقال الثوري: إذا جف فلا بأس بالصلاة عليها" (12)
ج – ويعرف بالصحابة الراوين لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في البخاري، قال 
عن أحدهم: أبي ذر :"أبو ذر  جمع الذرة، وهي صغار النمل، واسمه جندب بن السكن، ولقبه برير بن عبادة، وفي بعض النسخ بن جنادة، والمشهور بين أصحاب الحديث : جندب بن جنادة، والجندب واحد الجنادب، ويريد تصغيره، وعبادة فعال من عبد، وجنادة فعالة من الجند، وهم الأعوان، أو من الجندب وهي الأرض الغليظة، فيها حجارة بيض...". (13)
أما مصادره فهو ينقل عمن سبقه من الأئمة المجتهدين والمحدثين، وينقل عن اللغويين كالأصمعي وأبي حاتم وأبي عبيد والفراء وغيرهم.
ومجمل القول : إن الكتاب موسوعة قيمة، فيه مسائل طريفة وفوائد لغوية وفقهية جمة، يستحق العناية والنشر.

________________
1 -  توجد ترجمته في :
• (طبقات الشافعية الكبرى) لتاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي (ولده ) ج 6، ص: 146- 227. (ط 2دار المعرفة _ بيروت ).
• (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ) لشهاب الدين أحمد بن علي الشهير بابن حجر العسقلاني، رقم الترجمة 148 (ط . دار الجيل _ بيروت ).
• (درة الحجال في أسماء الرجال ) لأبي العباس أحمد بن محمد المكناسي الشهير بابن القاضي، تحقيق للدكتور محمد الأحمدي، رقم الترجمة 1223 (دار التراث _ القاهرة ).
• (شذرات الذهب في أخبار من ذهب ) لابن العماد الحنبلي، (منشورات دار الآفاق _ بيروت ).
• (الأعلام ) للزركلي ، ج : 4_ ص : 302.
• (معجم المؤلفين ) لكحالة ، 7/127 (مكتبة المثنى) وغيرها.
2 – طبقات الشافعية، ص : 216.
3 – نفسه، ص : 217.
4 -  نفسه : ص : 183.
5 -  نفسه : ص : 184.
6 -  نفسه : ص : 206.
7 -  نفسه ، والآية الأول من سورة الواقعة 46، والثانية من سورة النحل 38.
8 -  نفسه : ص : 213.
9 – عنوانه ص – ب : 3904 الصفاة 13040 – الكويت.
10 – انظر (لسان العرب) لابن منظور، مادة "نكت".
11 -  ( النكت ) ص : 1،2.
12 -  نفسه : ص : 44.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here